![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#13 |
|
|
بارك الله فيك |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#14 |
|
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: المِسْكُ أطْيبُ الطِّيب
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكًا، وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ. الحديث رواه مسلم (4/1765-1766) في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها. باب: استعمال المسك وأنّه أطيب الطيب، وكراهة ردّ الريحان والطيب، الحديث ذكره المنذري هنا مختصرًا، ونصه في مسلم: «كانَتِ امْرَأَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَصِيرَةٌ، تَمْشِي مع امْرَأَتَينِ طَوِيلَتَيْنِ، فاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِن خَشَبٍ، وخاتَمًا مِن ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وهو أطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بيْنَ المَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوها، فقالَتْ بيَدِها هَكَذا. ونَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ. يَحكي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: أنَّ امْرأةً قَصيرةً مِن بني إسرائيلَ كانت تَمشي معَ امرأتَينِ طوِيلتَينِ، والمرادُ: أنَّها إذا مَشتْ معَ صاحبِتَيْها الطَّويلتينِ بانَ قِصرُها، فلَبِستْ في قدَمَيها رِجلَينِ مُزوَّرتينِ من خَشبٍ، أو اتَّخذتْ كعبَينِ طَويلينِ عاليَينِ لنَعلَيْها، فكأنَّهما لطُولِهما رِجْلانِ، وذلِك حتَّى تكونَ طويلةً مِثلَهما، فلا يَتفاضلانِ ولا يَتميَّزانِ ولا يَتباهيانِ عَلَيها. واتَّخَذت خاتمًا مِن ذَهبٍ، وجَعَلَت هذا الخاتمَ مُغلَقًا مُطْبَقًا، أي: جعَلَتْ له غَلَقًا، والمُطْبَقُ هو الَّذي دَاخلُه فارغٌ، ثمَّ وَضَعَتْ داخلَ الخاتمِ مِسْكًا وأحكَمتْهُ وأغلَقتْ عليهِ، والمسكُ أفضلُ الطِّيبِ وأطيبُه وأحسَنُه، وأصْل المِسكِ دمٌ يَجتمِعُ في سُرَّةِ الغَزالِ إلى وَقتٍ مَعلومٍ مِن السَّنةِ، وعندَ حُصولِه تَمرَض الظِّباءُ، فيَتساقطُ منها فيُؤخَذ ويُصنع من الطِيب. فمَرَّت تلكَ المرأةُ بيْن المرأتينِ الطَّويلتينِ وهي لابسةٌ للرِّجْلِ الخشبِ والخاتمِ، فلم يَعرِفاها، لأنَّها غيَّرتْ هيئتَها وطال جِسمُها بالرِّجلَينِ المزوَّرتَينِ، «فقالتْ بِيدِها هَكذا» أي: وعندَ مُرورِها عليهنَّ أشارتْ بيَدِها الَّتي فيها الخاتمُ المحشُوُّ مِسكًا وحرَّكتْها بعْدَ أنْ فَتَحَتْه، ففاحَ ريحُ المسكِ، وكأنَّها تَتفاضَلُ عليهِما. قال الرَّاوي -وهو أبو أُسامةَ حمَّادُ بنُ أُسامةَ-: «ونَفَضَ شُعبةُ يدَه»، أي: حَاكى شُعبةُ حرَكةَ اليدِ كما فعَلَت المرأةُ، وفي روايةٍ لأحمدَ: «فكانتْ إذا مرَّتْ بالمجلسِ حَرَّكتْه، فنَفَخَ رِيحُه»، أي: إذا مرّت بمجالِسِ النَّاسِ والرِّجالِ، تَعمَّدتْ تَحريكَ الخاتمِ ليَفوحَ رِيحُه، فيَشَمَّه الناسُ، فتَنجذِبَ الأنظارُ إليها، كأنَّها تَتفاخَرُ على قَرِينتَيها اللَّتين معها. التَّحذيرُ مِن فِتنة الدُّنيا وفِتنة النِّساءِ ورواه أحمدُ في مُسنَدِه، وفي أوَّلِه التَّحذيرُ مِن فِتنة الدُّنيا وفِتنة النِّساءِ خاصَّةً، قال النَّبيُّ -[-: «إنَّ الدُّنيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فاتَّقوها واتَّقوا النِّساءَ» أي: فاحْذُروا الدُّنيا وخافوا الوقوعَ في فِتنتِها، ومِن أشدِّ فِتنِها النِّساءُ، ثمَّ ذَكَر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قِصَّةَ النِّسوةِ الثَّلاثِ، وكيف تَفنَّنتْ إحداهنَّ في إظهارِ مَفاتنِها وإغواءِ النَّاسِ. من فوائد الحديث
باب: الْأَلُوَّة والكَافُور عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ، اسْتَجْمَرَ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ -[-. الحديث رواه مسلم في الباب السابق. يَرْوي التَّابعيُّ نافعٌ مَولى ابنِ عُمرَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- كان إذا اسْتَجْمَرَ، أي: إذا أرادَ أنْ يُطيِّبَ المكانَ، أو نفْسَه، أو الضِّيفانَ، استَعْمَل المِجمَرَ، وهو أنْ يُوضَعَ شَيءٌ مِن الطِّيبِ والبخور على تلكَ الأحْجارِ المُجمرة المُشْتعلة، فإذا احتَرَق نَفَذَ مع دُخَانِه رَوائحُ طَيِّبةٌ، فالاسْتِجمار هنا: استعمالُ الطّيب والتبخّر به، مأخوذٌ من المجمر، وهو البُخور، وأمّا «الألُوّة» فقال الأصمعي وأبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب: هي العود يتبخّر به. قال الأصمعي: أراها فارسية معربة، وهي بضم اللام وفتح الهمزة وضمها، لغتان مشهورتان. وقوله: «غيرَ مُطرّاة» أي غير مخلوطة بغيرها من الطّيب. لكنَّه كان في بعضِ الأوقاتِ يَستخدِمُ مع بَخورِ العُودِ كافُوراً، فإنَّه يَزِيدُه طِيبًا، والكافورُ نَبتٌ وشَجرٌ مَعروفٌ. وكان ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- يُخبِرُ أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَستجمِرُ ويَتبخَّرُ بمِثلِ فِعلِه هذا. فوائد الحديث
باب: في الرّيْحان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -» «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ». الحديث رواه مسلم في الباب السابق. في هذا الحديثِ يُرشِدُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أنَّ «مَنْ عُرِض عليه» يعني مَنْ أُعْطِيَ رَيْحَانًا هَديَّةً، وهو كلُّ نَبْتٍ مَشمُومٍ طيِّبِ الرِّيحِ، فلا يَرُدَّ المُعْطيَ ولْيَأْخُذْه منه، والمرادُ به في هذا الحديثِ الطِّيبَ كلَّه، فعندَ أبي داودَ: «مَن عُرِض عليه طِيبٌ». وفي صَحيحِ البُخاريِّ: «كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - لا يَرُدُّ الطِّيبَ». ويُعلِّلُ - صلى الله عليه وسلم - سَببَ النَّهيِ عن ردِّ الرَّيحانِ: بكَونِه «خَفِيفُ المَحْمِلِ» أي: خَفِيفَ الحَمْلِ، ورائحتُه جَميلة، فهو هَديَّةٌ نافعةٌ جميلة، ولا مُؤْنةَ فيها ولا مِنَّةَ، لِجرَيانِ عادةِ النَّاسِ بذلكَ، ولِسُهولتِه عليهم، ولقِلَّةِ ما يَتناوَلُ منه عندَ العَرْضِ، ولأنَّه ممَّا يَسْتطيبُه الإنسانُ مِن نَفسِه ويَسْتطيبُه مِن غَيرِه، فلا تُرَدُّ مِثلُ هذه الهديَّةُ، كيْ لا يَتأذَّى المُعطي بِرَدِّه، فرَدُّها لا وَجْهَ له إلَّا مِن عُذرٍ، والحديثُ فيه إشارةٌ إلى حِفظِ قُلوبِ النَّاسِ بقَبولِ هَداياهُم. من فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#15 |
|
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الإحْرام مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ ذي الْحُلَيْفَةِ
عَنْ سَالِمِ بْنِ عبداللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - رضي الله عنه - يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ، الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - فِيها، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/843) باب: أمْرُ أهلِ المَدينة بالإحْرام منْ عند مسجد ذي الحُلَيفة، عَنْ سَالِمِ بْنِ عبداللَّهِ وهو الإمام الزاهد، الحافظ، مُفْتي المدينة، أبو عمر وأبو عبدالله، القرشي العَدَوي، المَدني، وأمّه أم ولد. مولده في خلافة عثمان. حدث عن أبيه فجوّد وأكثر، وعن أبي هريرة وأبي أيوب وعائشة وغيرهم. قال ابن عيينة: دخل هشام الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبدالله، فقال: سَلْني حاجة. قال: إنّي أسْتحيي مِنَ الله أنْ أسأل في بيتِه غيره؟ فلما خَرجَا قال: الآن فَسْلنِي حاجة، فقال له سالم: منْ حَوائج الدنيا، أمْ مِنْ حَوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. قال: والله ما سألتُ الدنيا مَنْ يملكها، فكيفَ أسألها من لا يملكها. (السير) (4/458). توفي سنة ست ومائة. قوله: «بَيْدَاؤُكُمْ هذه» قوله: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - رضي الله عنه -، وهو الصحابي عبدالله بن عُمر بن الخطاب، وقوله: «بَيْدَاؤُكُمْ هذه» البيداء القَفْر الخَالي عن العِمْران والأثر، ويقال لها: مَفازة من باب التّفاؤل، وإلَّا فهي في الأصْل مَهْلكة، وكلّ مفازةٍ بيداء، وهي في الحديث: مفازة أمام ذي الحليفة بين مكة والمدينة، أولها شَرَف مرتفع قريب منْ مسجد ذي الحليفة، فيُخبِرُ سالمُ بنُ عبداللهِ بنِ عمرَ أنَّ أباه عبداللهِ - رضي الله عنه - كان إذا قِيلَ له: إنَّ رفعَ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ في الحَجِّ أو العُمرةِ يَبدأُ منَ البَيداءِ، يُنكِرُ ذلك. قوله: «الَّتِي تَكْذِبُونَ» قوله: «الَّتِي تَكْذِبُونَ» المَقصود هنا تُخْطئُون، والكذب: الإخْبار عن الشّيء على خلافِ ما هو عليه، فإنْ كان مع العَمْد فهو الكذبُ المَذموم، وإنْ كان منْ غير قصدٍ مع سَهْو وغلط، فهو الخطأ، وهو المَقصُود في حديث الباب، وهذا يُؤخَذ منه أنّ الإخْبار بخلافِ الواقع، يُسمَّى كذباً على كلّ حال، لكنه إذا وقع خَطأً مِنْ غير عَمْد، فلا يأثم، وإن كان من عمد، فهو الكذبُ الذي يأثمُ به صاحبه وهو المشهور اليوم». انظر: (المفهم) الحج، باب: بيان المَحلّ الذي أهلَّ منه رسُول الله». حديث (1056). قوله: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ» يعني: مسجد ذي الحُليفة، لأنّ «ألْ» في قوله: «المسجد» ألْ العَهْدية، والمَعهُود هو مسجد ذي الحليفة، ومَسجدِ ذي الحُلَيْفةِ، بيْنَه وبيْنَ المدينةِ سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبْعةٌ (10 كم تقريبًا)، وهي مِيقاتُ أهْلِ المدينةِ، وكذا مَنْ مَرَّ بها مِنْ غيرِ أهْلِها، وفي الرواية الأخرى: «إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ»، والمراد: الشّجرة التي كانت عند المسجد، وقوله: «أَهَلَّ» منَ الإهْلال، وتقدَّم أنّ معناه رَفْعُ الصّوت بالتّلْبية. سَببُ اخْتلافِ الصَّحابةِ -رَضِي اللهُ عنهم- في المواضِعِ ولعلَّ سَببَ اخْتلافِ الصَّحابةِ -رَضِي اللهُ عنهم- في المواضِعِ الَّتِي أهَلَّ منها رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ كُلًّا منْهم أخبَرَ بما رأَى، فالنَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - خرَجَ مِنَ المدينَةِ حاجّاً، فلمَّا صلَّى في مَسجدِ ذِي الحُلَيْفةِ أهَلَّ بالحَجِّ، فسَمِعَ ذلك منه أقْوامٌ فحَفِظُوا عنه، ثُمَّ رَكِبَ، فلمَّا استَقلَّتْ به ناقتُه أهَلَّ، وأدرَكَ ذلك منه أقْوامٌ، لأنَّهمْ كانوا يَأْتُونَ جَماعاتٍ، فسَمِعوه فقالوا: إنَّما أهَلَّ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - حِينَ اسْتَقلَّتْ به ناقتُه، ثُمَّ مَضَى رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ أهَلَّ، وأدْرَكَ ذلك منه أقْوامٌ، فقالوا: إنَّما أهَلَّ حينَ عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ، فنقَلَ كلٌّ مِنهم ما سَمِعَ، وظهَرَ بذلك أنَّ الخِلافَ وقَعَ في ابتدَاءِ الإهْلالِ والإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ. ويُؤيد هذا: ما رَواه أبو داودَ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- قال: «وأيمُ اللهِ، لقدْ أوجَبَ في مُصلَّاه، وأهَلَّ حينَ اسْتقَلَّتْ به ناقتُه، وأهَلَّ حينَ عَلا على شَرَفِ البَيداءِ». وهذا واضح والحمدلله. فوائد الحديث 1- بيان مَوضع إهْلال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّه أهلَّ من المَسْجد. 2- ميقات ذي الحُليفة، إنّما هو مِنَ المَسْجد، لا مِنَ البَيداء التي بعده، قال النووي -رحمه الله-: «وفيه دلالةٌ على أنّ ميقاتَ أهلِ المدينة منْ عند مسجدِ ذي الحليفة، ولا يَجوزُ لهم تأخيرُ الإحْرام إلى البَيداء، وبهذا قال جميع العلماء». (شرح النووي). 3- فيه دلالة على أنّ الإخْبار بخِلافِ الواقع، يُسمَّى كذِباً وإنْ كان وَقَع سَهْواً، وهذا منْ حيثُ العُموم، وإلَّا فالكذبُ المَذموم في النُّصُوص هو الذي يقع عن عَمْد، فهو الذي يَحْرُم، ويأثم به صاحبُه. 4- أخَذَ الصَّحابةُ -رَضيَ اللهُ عَنهم- مَناسِكَ الحجِّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ، كما أمَرَهم بذلك، وبَلَّغوا مَن بَعدَهم، فلم يتركوا شيئاً صغيراً كان أو كبيراً. الإسلا م هو الدِّينُ الحق قال -تعالى-: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسلام} (آل عمران:19). وقال -تعالى-: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:84-85). وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران:102). وقال -تعالى-: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران:64). وقال -تعالى-: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} (الأنعام: 125-126). وقال -تعالى-: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج:78). وقال -تعالى-: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الزمر:22). وقال -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33).
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#16 |
|
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الْإِهْلَالُ حين تَنْبَعِث الرَاحِلَة
عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: يَا أَبَا عبدالرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا، لَمْ أَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، ورَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، ورَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ؟ فَقَالَ عبداللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، ويَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وأَمَّا الْإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ، حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. الحديث رواه مسلم في كتاب الحج (2/844) باب: الإهلال من حيثُ تنبعث الراحلة، ورواه البخاري. وعُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ هو التّيمي مولاهم، المَدَني، مكيٌّ، منْ ثِقات التابعين، وسألَ هذا التابعيُّ: عبداللهِ بنَ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- عَن أربعةٍ أُمورٍ، يقول: لم يَرَ أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَفعَلونَها، فقال لابن عمر: رأيتُك تصنع أرْبعاً، لمْ أرَ أحداً منْ أصحابك يصنعها، إلى آخره. قال المازري: يحتمل أنّ مُراده لا يَصْنعُها غيرُك مُجْتمعة، وإنْ كان يصنع بعضها. قوله: «رأيتُك لا تمسّ مِنَ الأركان إلا اليَمانيين» قال له ابن عمر -في جوابه-: إنّه لمْ «يرَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمَسُّ إلا اليمانيين» وهما بتخفيف الياء، هذه اللغة الفَصيحة المشهورة، قالوا: لأنّ نِسْبتها إلى اليَمن، فحقّه أنْ يقال: اليَمني، وهو جائز، فلما قالوا «اليماني» أبْدلوا من إحدى ياءي النّسب ألفاً، فلو قالوا: اليماني بالتّشديد، لزم منه الجَمع بين البدل والمُبدل. والمُراد بالرُّكنين اليَمانيين: الرُّكن اليماني، والرُّكن الذي فيه الحَجَر الأسْود، ويقال له: العراقي، لكونه إلى جِهة العراق، وقيل للذي قبله: اليماني، لأنّه إلى جِهة اليمن، ويُقال لهما: اليَمانيان تغليباً لأحَد الاسْمين، كما قالوا: الأبَوَان للأبِ والأم، والقَمَران للشّمس والقمر، والعُمَران لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ونظائره مَشْهورة، فتارةً يُغلّبون بالفضيلة كالأبوين، وتارة بالخفّة كالعُمَرين، وتارةً بغير ذلك، وقد بسطته في تهذيب الأسماء واللغات. (النووي بتصرف). الركنان الشاميان لا يُسْتلمان قال العلماء: ويقال للرُّكنين الآخرين اللذين يليان الحِجر: الشّاميان، لكونهما بجِهة الشّام، قالوا: فاليمانيان باقيان على قواعد إبْراهيم - عليه السلام -، بخِلاف الشّاميين، فلهذا لمْ يُسْتلما، واسْتلم اليمانيان لبقائهما على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، ثمّ إنّ العراقي مِنَ اليمانيين اختصّ بفضيلة أخرى، وهي الحَجَر الأسْود، فاختصّ لذلك مع الاسْتلام بتقبيله، ووضع الجبهة عليه، بخلاف اليماني. والله أعلم. (النووي). قال القاضي: وقد اتفق أئمّة الأمْصَار والفقهاء اليوم: على أن الركنين الشاميين لا يُسْتلمان، وإنّما كان الخِلافُ في ذلك العصر الأول من بعضِ الصحابة، وبعض التابعين، ثمّ ذهب. قوله: «ورأيتُك تلبسُ النِّعال السّبتية» قال ابنُ عمر في جوابه: «وأمّا النّعال السّبتية، فإنّي رأيتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَلبس النّعال التي ليس فيها شَعر، ويتوضّأ فيها، وأنا أحبّ أنْ ألبسها»، و»السبتية» بكسر السين وإسكان الباء الموحدة، وقد فسّرها ابن عمر بقوله: «التي ليس فيها شعر»، وهكذا قال جماهير أهل اللغة، وأهل الغريب وأهل الحديث: إنّها التي لا شَعر فيها، قالوا: وهي مشتقة من «السَّبت» بفتح السين وهو الحَلْق والإزالة، ومنه قولهم: سَبَتَ رأسه، أي: حَلَقه، قال الهروي: وقيل: سُمّيت بذلك، لأنّها انْسَبَتت بالدّباغ، أي: لانت، يقال: رطبةٌ مُنْسَبتة، أي: لينة. وقال أبو عمرو الشيباني: السّبت: كلُّ جِلْدٍ مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت: جلود البقر مدبوغة كانت، أو غير مدبوغة، وقيل: هو نوعٌ من الدباغ يقلع الشّعر، وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سوداً لا شَعْر فيها، قال القاضي: وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهلُ الرفاهية. وقوله: «ويتوضّأ فيها» معناه: يتوضّأ ويَلْبسها ورجلاه رَطْبتان. قوله: «ورأيتُك تَصبغ بالصُّفرة» وقال ابن عمر في جوابه: «وأمّا الصُّفرة، فإنّي رأيتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَصْبُغ بها، فأنا أحبُّ أنْ أصبُغ بها» فقوله: «يصبغ وأصبغ» بضم الباء وفتحها، لغتان مشهورتان، حكاهما الجَوهري وغيره. قال المازري: قيل: المراد في هذا الحديث: صبغ الشّعر، وقيل: صبغ الثوب، قال: والأشْبه أنْ يكونَ صَبغ الثياب، لأنّه أخْبر أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم - صَبغ، ولمْ يُنقل عنه -صلى الله عليه وسلم - أنه صبغ شعره. وقال القاضي عياض: هذا أظْهر الوجهين، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر، بيّن فيها تَصْفير ابن عُمر لِحْيته، واحتجّ بأنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم - كان يصفّر لحيته بالوَرْس والزعفران. رواه أبو داود، وذكر أيضا في حديث آخر: احْتجاجه بأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم لا- كان يصبغ بها ثيابه، حتى عمامته. فعن زيد بن أسلم عنِ ابنِ عمرَ: أنّه كان يصفِّرُ لحيتَه بالصُّفرةِ، حتى تمتلئَ ثيابُه من الصُّفرةِ، فقيل لهُ: لمَ تصبغْ بالصُّفرةِ؟ قال: إنّي رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها، ولمْ يكنْ شَيءٌ أحبَّ إليهِ منْها، وقد كان يصبغ بها ثيابَه كلَّها، حتى عمامَتَهُ. أخرجه أبو داود (4064)، والنسائي (5085) باختلافٍ يسير، وأحمد (5717) بنحوه فيُخبِرُ زيدُ بنُ أسلَمَ: أنَّ ابنَ عُمرَ كان يَصبُغُ لِحْيتَه» أي: يُغيِّرُ مِن لَونِها بالصُّفْرَةِ، أي: يَجعَلُ لونَ شَعرِ لِحيَتِه أصفَرَ، وذلك بنَباتِ الوَرْسِ. والوَرْسُ: نَباتٌ كالسِّمْسِمِ أصفَرُ، «حتَّى تَمتلِئَ ثِيابُه مِن الصُّفرةِ»، أي: مِن كَثرَةِ صَبغِه لِلحيَتِه، «فقيلَ لابنِ عُمرَ: لِم تَصبُغُ بالصُّفرَةِ؟ فقال» ابنُ عُمرَ: «إنِّي رأَيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - يَصبُغُ بها»، أي: امتِثالًا مِنه لفِعْلٍ قد رآه مِن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -، فهو يَتَّبِعُه فيه، «ولم يَكُنْ شيءٌ أحَبَّ إليه»، أي: إلى رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - «مِنْها»، أي: مِن الصَّبْغِ بالصُّفْرَةِ، «وقد كان يَصبُغُ بها ثِيابَه كلَّها حتَّى عِمامَتَه»، أي: حتَّى إنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم - لِحُبِّه للصُّفرَةِ وإعجابِه بها كان يَستَعمِلُها لِجَميعِ ثيابِه بما في ذلك عِمامَتُه -صلى الله عليه وسلم . قوله: «ورأيتك إذا كنتَ بمكّة، أهلّ الناسُ إذا رَأوا الهِلال، ولمْ تُهل أنتَ، حتّى يكون يوم التروية». قال ابن عُمر في جوابه: «وأما الإهْلال، فإنّي لمْ أرَ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - يهل حتى تَنْبعث به راحلته». يوم التروية ويوم التّروية: فبالتاء المثناة فوق، وهو الثامن من ذي الحجة، سُمّي بذلك؛ لأنّ الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي: يَحملونه معهم منْ مكة إلى عرفات، ليَستعملوه في الشرب وغيره، فالحاج يُحْرِمَ يومَ التَّرويةِ ويُهِلَّ بالحَجِّ، ويفعَلَ كما فعل عند الإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ، مِنَ الاغتسالِ والتَّطَيُّب، ولُبْسِ الإزار وغير ذلك، وهو مَذهَبُ الجُمْهورِ: الحَنَفيَّة، والشَّافعيَّة، والحَنابِلة، وابنِ حَزْمٍ مِنَ الظاهريَّة، وهو قَوْلُ طائِفةٍ مِنَ السَّلَفِ. الأدِلَّة على ذلك مِنَ السُّنَّةِ
الأفضل أنْ يُحرم إذا انبعثت به راحلته هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو استواؤها قائمة، وفيها دليل لمالك والشافعي والجمهور: أنّ الأفضل أنْ يُحرم إذا انبعثت به راحلته، وقال أبو حنيفة: يُحرم عقبَ الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قولٌ ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف. وفيه: أن التلبية لا تقدم على الإحرام. فأجابَه ابنُ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- هنا بِضرْبٍ مِنَ القِياسِ، حيثُ لم يَتمكَّنْ مِنَ الاستِدلالِ بِنفْسِ فِعلِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على المسألةِ بعَينِها، فاستدلَّ بما في معناهُ، ووجْهُ قِياسِه: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أحرَمَ عندَ الشُّروعِ في أفعالِ الحجِّ والذَّهابِ. فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#17 |
|
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في الإهْلال بالحَجّ مِنْ مَكّة
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ -رَضيَ اللهُ عنها- بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالكَعْبَةِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. قَال فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، ولَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عَائِشَةَ -رَضيَ اللهُ عنها- فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَال: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، والنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ. فَقَال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ»، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ والصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَال: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عبدالرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ». وذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/881) باب: بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحلّ القارن من نُسكه. في هذا الحَديثِ يَقول جَابِرُ بنُ عبداللهِ -رَضيَ اللهُ عنهما-: «أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ»، قوله: «أقبلنا» أي: أغلبنا أقْبَلوا مُهِلِّينَ معَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، والإهْلالُ: هو رَفعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، والمرادُ به هنا: عَقدُ نيَّةِ الإحْرامِ، والإفْرادُ: هو أنْ يُحرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ فقطْ، وكانتْ أمُّ المؤمِنينَ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- ممَّن أحرَمَ بِعُمْرةٍ. «حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ» أي: حتَّى إذا كانوا بِسَرِفَ، وهو اسمُ مكانٍ على بُعد عَشَرةِ أمْيَالٍ (16 كم تقريبًا) من مَكَّةَ، «عَرَكَتْ» أي: حاضَتْ عَائِشَةُ -رَضيَ اللهُ عنها-، ثمّ إنهم لمَّا قَدِموا إلى مكَّةَ؛ طافوا بالكَعْبةِ، وسَعَوْا بيْنَ الصَّفا والمَروةِ، وتلك أعْمالُ العُمرةِ، أمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه -رَضيَ اللهُ عنهمُ- الَّذين لمْ يَسوقوا الهَديَ أنْ يَحِلَّوا من إحْرامِهم، والهدي: اسمٌ لكلِّ ما يُهْدَى إلى الكَعبةِ، منَ الأنْعامِ: من الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ، قُربةً إلى اللهِ -تعالى-. فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَال: «فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟» أي: فسأَلوا: أيُّ نَوْعٍ منَ الحِلِّ الَّذي نَتحلَّلُ به؟ كأنَّهم كانوا مُتردِّدينَ في هذا الحِلِّ؛ لأنَّهم جاؤوا للحجِّ، والحاجُّ من شأنِه لا يحِلُّ حتَّى يَقضيَ جميعَ مَناسِكِه، فأجابَهُم - صلى الله عليه وسلم - فقال: «الحِلُّ كُلُّهُ» أي: إنَّ كُلَّ الأشياءِ الَّتي مُنِعَتْ بِسببِ الإحْرامِ؛ تَحِلُّ لكم، حتّى النساء. ويُسمَّى هذا النّسك: التَّمتُّعَ في الحجِّ، وهو مَن اعْتمرَ ثمّ حلّ، وانتظر الإحْرام مرةً أخرى يوم التّروية. {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وأمّا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وبعضُ أصْحابِه ممَّن ساقوا الهَديَ، فلم يَحِلُّوا من إحْرامِهم، لقوله -تعالى-: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ) البقرة: 196. والمعنى: وأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ، خالصين لوجه الله -تعالى-، فإنْ مَنَعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحْرام بهما مانع، كالعدو والمرض، فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم، تقرباً إلى الله -تعالى-؛ لكي تَخْرُجوا منْ إحْرامكم بحلق شَعر الرّأس أو تقصيره، ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتُم مُحصرين؛ حتى تَنْحرُوا هديكم في المَوضع الذي أُحْصرتم فيه، ثمّ تحلّوا مِنْ إحْرامكم، كما نَحَرَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في «الحديبية» ثمّ حَلَق رأسه. وغير المُحْصر: لا يَنحر الهدي إلا في الحَرَم، الذي هو مَحلّه في يوم العيد، وهو اليوم العاشر من ذي الحجّة وما بعده من أيام التشريق. قوله: «ما بال الناس حَلّوا ولمْ تُحلّ؟ ويدلّ عليه أيضًا: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل في حجة الوداع: «ما بال الناس حَلّوا ولمْ تُحلّ؟ قال: «إني قد سَقْتُ الهَدي؛ فلا أُحلّ حتّى أنحر». قوله: «فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، ولَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ» أي: فأطاعَ الَّذين لم يَسوقوا الهَديَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيما أمَرَهم به، فخَلَعوا ثيابَ إحْرامِهم، ثُمَّ قَصَّروا شَعرَهم ولمْ يَحلِقوه، حتَّى يَتسَنَّى لهمُ الحَلقُ بعدَ الحجِّ، ومن ثَمَّ وَاقَعوا النِّساءَ، أي: جامَعوهُنَّ، وتَطَيَّبوا بالطِّيبِ، ولَبِسُوا الثِّيابَ المَمْنُوعَ لُبْسُها في الإحْرامِ، ولَيسَ بينَهم وبينَ الوُقوفِ بِعَرَفةَ -في اليومِ التَّاسِعِ من ذي الحِجَّةِ- إلَّا أربعُ ليالٍ. قوله: «ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ» أي: ثُمَّ أحرَمَ الَّذين كانوا مُتمتِّعينَ بالعُمرةِ بنُسكِ الحَجِّ يومَ التَّرْوِيةِ، وهو اليومُ الثَّامِنُ من ذِي الحِجَّةِ، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ الماءَ كان قَليلًا بِمِنًى، فكانوا يَرْتَوونَ منَ الماءِ ويَحْمِلونَه لِمَا بعدَ ذلك. وفيه دليل: على أنّ وقتَ الإحْرام بالحجّ يكونُ يوم التّروية، وهو اليومُ الثامن من ذي الحجّة. أمرٌ قَدَّرَهُ اللهُ -تعالى- على بَناتِ آدَمَ ثُمَّ دخَلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على عَائِشةَ -رَضيَ اللهُ عنها- فوجَدَها تَبْكي، فسأَلَها عن سببِ بُكائِها، فأخبَرَتْه بحَيْضِها، وأنَّه منَعَها العُمرةَ؛ لأنَّها لم تطُفْ بالكَعبةِ، وهي ما زالَتْ في حَيضَتِها، والنَّاسُ يَتأهَّبونَ لأداءِ مَناسِكِ الحجِّ، فهي تَبْكي لفَواتِ كلِّ ذلك عليها، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مواسيًا لها: «إنَّ هذا» أي: إنّ الحَيْضَ أمرٌ قَدَّرَهُ اللهُ -تعالى- على بَناتِ آدَمَ، ,وفي رواية: «أمْرٌ كتَبَه اللهُ -تعالى-» أي: قدَّره، «على بناتِ آدَمَ»، أي: إنَّك لستِ مُختصَّةً بذلك، بل كلُّ بناتِ آدَمَ يكونُ مِنهنَّ هذا، وهذا تَطْييبِ منه - صلى الله عليه وسلم - لخاطرِها، وتسلية وتأنيساً لها، وتخفيفاً لهمها، ومعناه: إنك لستِ مُختصّة به. وهذا دال على أنّ الحائض ومثلها النفساء، والجُنب، والمُحْدث؛ يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته؛ إلا الطواف، فإنه يُشْترط فيه الطهارة، وهذا مذهبُ الجمهور، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت صلاة». رواه الترمذي. والصلاة الطهارة شَرط فيها؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». متفق عليه. قوله: «فاغْتَسِلي» أي: للنَّظافةِ، وإلا فغسلها هذا لا يرفع الحَدَث، «ثُمَّ أهِلِّي بالحَجِّ» أي: أحْرمي بإحْرامِكِ الَّذي أنتِ فيه، وَالحائضُ والنُّفَساءُ يصِحُّ مِنهما الإحْرام، وجَميعُ أَفعالِ الحجِّ إلَّا الطَّوافَ؛ لقَولِه - صلى الله عليه وسلم -: «اقْضي ما يَقْضي الحاجُّ؛ غيرَ أنْ لا تَطوفي». متَّفقٌ عليه. فعل عائشة -رضي الله عنها ففعَلَتْ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- ما أمَرَها به النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ووقَفتِ المَواقِفَ كلّها، وأتَتِ بالمناسكَ، فوقَفتْ بعَرَفةَ، وذهَبَتْ إلى مُزْدَلِفةَ ومِنًى، ورمت الجمرة، حتَّى إذا طَهُرَتْ من حَيْضِها، طافَتْ بالكَعْبةِ، وسَعَتْ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوةِ، وأخْبَرَها - صلى الله عليه وسلم - أنَّها قدْ حَلَّتْ من حَجَّتِها وعُمْرَتِها جمِيعًا، وذلك أنَّ أعْمالَ العُمرةِ دخلَتْ في الحجِّ؛ لأنَّها صارَتْ قارنةً، فحلَّتْ منهما جميعاً. فقالتْ عَائِشةُ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي أجِدُ في نَفْسي أنِّي لَمْ أطُفْ بالبَيْتِ حتَّى حَجَجْتُ» أي: حينَ أحرَمْتُ بالعُمرةِ في أوَّلِ أمرِها، لم أطفْ بالبيت، ومُرادُها أنَّها لم تَتمتَّعْ بالعُمرةِ مثلَ غيرِها، فأمرَ - صلى الله عليه وسلم - أخَاها عبدالرَّحمنِ بنَ أبي بكرٍ -رَضيَ اللهُ عنهم- أنْ يَذهَبَ بها لِتُحرِمَ بِعُمْرةٍ منَ التَّنْعيمِ، تَطْييباً لقَلبِها، و»التَّنعيمُ» مَوضِعٌ على ما يُقارِبُ مِن 5 إلى 6 كيلومتراتٍ مِن مَكَّةَ، أقْرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيْتِ، وسُمِّيَ به لأنَّ على يَمِينِه جبَلَ نُعَيْمٍ، وعلى يَسارِهِ جبَلَ نَاعِمٍ، والواديَ اسمُه: نَعْمَانُ. قوله: «وكان ذلك ليلةَ الحَصْبةِ» أي: لَيلةَ المَبيتِ بِالمُحَصَّبِ بعدَ النَّفْرِ من مِنًى، والمُحصَّبُ مَوضِعٌ خارجَ مكَّةَ، وهو مَسيلٌ واسعٌ فيه دِقاقُ الحَصَى يقَعُ بينَ مِنًى ومَكَّةَ، وهو إلى مِنًى أقرَبُ، وقيلَ: هو موضِعُ رَمْيِ الجِمار بِمِنًى، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ نزَلَ به بعدَ انْتهاءِ أيَّامِ رَمْيِ الجَمَراتِ، وكان مَوْلاه أبو رافِعٍ قد نصَبَ له الخَيْمةَ، وَهذا النُّزولُ والمَبيتُ في هذا المكانِ كان قَبلَ طَوافِ الوَداعِ؛ فقدْ جاءَ في صَحيحِ البُخاريِّ: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظُّهرَ والعَصرَ، والمغرِبَ والعِشاءَ، ثُمَّ رقَدَ رَقْدةً بالمُحصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلى البَيتِ فَطافَ بِه». فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#18 |
|
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: التّلبية
عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ، فَقَال: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». قَالُوا: وَكَانَ عبداللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عبداللَّهِ - رضي الله عنه - يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ والرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ، والْعَمَلُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/842) باب: التلبية وصِفتها ووقتها. في هذا الحَديثِ بَيانٌ لِصفةِ تَلبِيةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ الإهْلالِ بالحَجِّ؛ حيثُ يَذكُرُ عبداللهِ بنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان «يُهِلُّ» أي: يَرفَعُ صَوْتَه بالتَّلبِيةِ، ويقول - صلى الله عليه وسلم - في إهْلالِه: «لَبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيكَ» لبيك أي: أُكرِّرُ إجابَتي لكَ، في امتِثالِ أمْرِكَ بالحَجِّ، فأُلَبِّي أمْرَكَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ. قوله: «لبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لبَّيكَ» أي: أنتَ وحدَكَ مالِكٌ في مُلكِكَ بلا مُنازِعٍ أو شَريكٍ، «إنَّ الحَمدَ والنِّعْمةَ لكَ» أي: فلكَ وحْدَكَ الحَمدُ والشُّكرُ والثَّناءُ، وكلُّ نِعمةٍ فهيَ مِنكَ وأنتَ مُعْطيها، «والمُلْكَ لا شَريكَ لكَ» ذكَرَ المُلْكَ بعدَ الحَمدِ والنِّعمةِ، لتَعميمِ أَسْبابِ الطَّاعةِ وإيضاحِ وجوهِ الانْقيادِ والعِبادةِ، ثُمَّ أتْبَعَه بقولِه: «لا شَريكَ لكَ» ليَزولَ الشَّبهُ عنه ويَستقِلَّ بالمُلكِ والحمدِ والنِّعمةِ مُنفرِدًا. وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَزيدُ على قولِ تلك الكلِماتِ في تَلبيتِه وإهْلالِه. وقيلَ: الحِكمةُ مِنَ التَّلبيةِ: التَّنبيهُ على إكْرامِ اللهِ -تعالى- لعِبادِه، بأنَّ وُفودَهم على بَيتِه، إنَّما كان باستِدعاءٍ مِنه وطلب. متى يُلبّي الحاجُّ أو المعتمر؟ في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أهَلّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حين اسْتَوتْ به راحلته قائمة، وفي رواية: كان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا صلّى بالغداة بذي الحليفة أمَرَ براحلته فَرُحِّلَتْ، ثم ركب فإذا اسْتَوتْ به استقبل القبلة قائمًا، ثم يُلَبِّي حتى يبلغ الحَرَم ثمّ يُمْسك. إهْلال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم وفي حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- أنّ إهْلال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ ذِي الحُليفة حين اسْتوت به راحلته. رواه البخاري، وقوله: «أَهَلَّ، فَقَال: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ،...». فيه: أنّ السُّـنَّة رفعُ الصّوت بالتلبية بالنّسبة للرِّجال. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: صَلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الظّهر أربعًا، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين، وسمعتُهم يصْرُخُون بهما جميعًا. رواه البخاري، قال ابن حجر: قوله: «وسمعتهم يَصرخون بهما جميعاً» أي: بالحج والعمرة، ومراد أنس بذلك: من نَوى منهم القِران، ويحتمل أنْ يكون على سبيل التوزيع، أي بعضهم بالحج، وبعضهم بالعمرة، قاله الكرماني. ويُشْكِل عليه قوله في الطريق الأخرى، يقول: لبيك بحجة وعمرة معاً. اهـ. وفي رواية للبخاري: قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحنُ معه بالمدينة الظهر أرْبعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثمّ بات بها حتى أصبح، ثمّ ركبَ حتى اسْتَوتْ به على البيداء، حَمِد الله وسَبّح وكَبّر، ثم أهَلّ بِحَج وعمرة، وأهلّ الناسُ بهما. وروى ابن أبي شيبة: عن بكر بن عبدالله المزني قال: كنتُ مع ابن عمر فَلَبّى حتى أسْمَعَ ما بينَ الجبلين، قال ابن حجر: إسناده صحيح. رفع الصحابة أصواتهم بالتلبية وأخرج أيضًا: من طريق المطلب بن عبدالله قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أصواتهم بالتلبية، حتى تُبَحّ أصواتهم. قال ابن حجر: إسناده صحيح. وروى أيضًا: عن زيد بن خالد الجُهني قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: جاءني جبريل فقال: « يا محمَّدُ، مُرْ أصحابَكَ فليَرفَعوا أصواتَهُم بالتَّلبيةِ، فإنَّها مِن شعارِ الحجِّ». رواه ابن ماجة. وروى أيضا من طريق المسيب بن رافع قال: كان ابن الزبير يقول: التلبيةُ زينة الحج وقال ابن عباس: هي زينةُ الحاجّ. وروى عبدالرزاق: عن معمر عن الزهري عن سالم قال: كان ابنُ عُمر يَرْفعُ صَوته بالتلبية، فلا يأتِ الرَّوحاء حتى يَصْحَل صوته قال الخليل: صَحل صوتُه يصحل صَحْلاً، فهو أصْحل، إذا كانت فيه بُحّة. قال الخرقي: ويُستحب اسْتدامة التلبية، والإكثار منها على كل حالٍ، لا سيما إذا علا نشْزا، أو هبط وادياً، وإذا التقت الرفاق، وإذا غطى رأسه، وفي دُبر الصلوات المكتوبة. «المغني» (5/105). وبهذا قال الشافعي. قال ابنُ عبدالبر: أجْمعُ العُلماء على أنّ السُّنّة في المَرأة، ألا تَرفعَ صَوتَها، وإنّما عليها أنْ تُسْمِع نفسَها. «المغني (5/160).. فَخَرَجَتْ منْ جملة ظاهر الحديث، وخُصَّتْ بذلك، وبَقِي الحديث في الرّجال، قال ابنُ قدامة: وإنّما كُره لها رفعُ الصّوت، مُخافةَ الفِتْنة بها، ولهذا لا يُسنُّ لها أذانٌ ولا إقامة، والمَسْنُون لها في التّنْبيه في الصلاة: التّصفيق دُون التّسبيح. متى يَقطع المُعتمِر التّلبية؟ قال الإمامُ أحمد: يقطع المُعتَمِر التلبية إذا اسْتلم الرُّكن، قال ابن قُدامة في المغني (5/256): وبهذا قال ابنُ عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاووس والنخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر وعروة والحسن: يقطعها إذا دَخل الحَرَم. وحُكِي عن مالك: أنه إنْ أحْرمَ مِن المِيقات، قطع التلبية إذا وَصَلَ إلى الحَرم، وإنْ أحْرمَ بها مِنْ أدْنى الحِلّ، قطع التلبية حين يَرَى البيت. قال ابن قدامة: ولنا ما روي عن ابن عباس- يرفعُ الحديث- كان يُمْسِك عن التّلْبية في العمرة إذا اسْتلمَ الحَجَر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - اعْتمرَ ثلاث عُمَر، ولمْ يزلْ يُلَبّي حتّى اسْتلمَ الحَجَر. التلبية إجابةٌ على العبادة ولأنّ التلبيةَ إجابةٌ للعبادة، وإشْعار للإقامة عليها، وإنّما يتركها إذا شَرَعَ فيما يُنافيها، وهو التّحللُ منْها، والتّحلل يحصل بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فقد أخَذ في التّحلّل، فينبغي أنْ يقطع التلبية، كالحجّ إذا شَرَع في رمي جَمرة العقبة لحصول التحلل بها، أمّا قبل ذلك فلم يشرع فيما ينافيها فلا معنى لقطعها، والله أعلم. اهـ. وقال ابن عبدالبر: اخْتَلَف العُلماء في قطع التلبية في العُمرة. وقال مالك في موطئه- على ما ذكره ابن قدامة- وأضافَ ذلك إلى ابن عمر وعروة بن الزبير. وقال الشافعي: يقطع المُعْتمر التلبية في العُمرة، إذا افتتح الطّواف. وقال مرة: يُلَبِّي المعتمر حتى يستلم الرُّكن، وهو شيءٌ واحد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يزال المعتمر يلبي حتى يفتتح الطواف. قال أبو عمر: لأنّ التلبية استجابةٌ لمَا ذكر إليه فرضَاً أو نَدْبا، فإذا وصَلَ إلى البيت قَطَع الاسْتجابة، والله أعلم، وهؤلاء كلُّهم لا يُفَرِّقُون بين المُهِلّ بالعمرة، بعيد أو قريب. اهـ. قالَ نَافِعٌ: كَانَ عبداللَّهِ - رضي الله عنه - يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ والرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ، والعَمَلُ. وهذهِ الزِّيادةُ مِن قَولِ ابن عُمرَ - رضي الله عنه -، وقدْ ورَدَ عن بَعضِ الصَّحابةِ زِياداتٌ أُخْرى في التَّلبيةِ، وهيَ مِن بابِ الزِّيادةِ في الخيرِ، وقد ورَدَ في الصَّحيحَينِ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ يُنكِرُ على أحدٍ من أصْحابِه شيئاً منْ إهْلالِه. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لبيكَ حقاً، تعبداً ورِقًّا، قال القاضي: قال أكثر العلماء: المُسْتحبُ الاقْتصارُ على تلبية رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -. وبه قال مالك والشافعي. نقله النووي. قوله: «وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ» أي: بِيَدِك الخيرُ كلّه، كما في قوله -تعالى-: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 26). صِفة «اليَد» لله -عَزّوجَلّ وكما في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنّه كان إذا قامَ إلى الصلاة قال: «وَجَّهْتُ وَجْهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا، وما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ له، وبِذلكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ،... وفيه: لبيكَ وسَعديك، والخَيرُ كلُّه في يَديك، والشَّرُّ ليسَ إليك، أَنَا بكَ وإلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ...». رواه مسلم وأهل السُّنّة: يُثبِتون بمثل هذه النُّصُوص صِفة «اليَد» لله -عَزّ وجَلّ. ومعنى «والرغباء إليك»: قال المازري: يُرْوى بفتح الراء والمدّ، وبضم الراء مع القصر، ونظيره: العُلا والعلياء، والنّعمى والنَّعْماء. قال القاضي: وحَكَى أبو علي فيه أيضًا الفتح مع القصر: الرَّغْبَى مثل سَكْرَى، ومعناه هنا: الطّلب والمسألة إلى مَنْ بيده الخير، وهو المقصود بالعمل، الْمُسْتَحِقّ للعبادة. اهـ (النووي). اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| كتاب: (شرح صحيح الكلم الطيب) | ابو الوليد المسلم | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 04-04-2026 05:51 PM |
| حديث دعاء السفر صحيح مسلم | ابوعبيدة | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 2 | 07-25-2024 06:13 PM |
| إلى كل مسلم بعد الحج | ابو عبد الرحمن | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 4 | 11-14-2018 05:13 PM |
| كتاب صحيح مسلم كـــــــامـــــــل | خالددش | ملتقى الكتب الإسلامية | 11 | 02-08-2012 10:25 PM |
| صحيح مسلم كاملا للموبايل بصيغة جار | محمود ابو صطيف | ملتقى الجوال الإسلامي | 18 | 01-26-2012 05:45 PM |
|
|