![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#175 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 166الى صــ180 الحلقة (173) وعدَه (١)، ونصَر عبدَه، وهزَم الأحزاب وحده (٢)» (٣). إذا قَدِمَ الإمام أو القائد مِن الغزو يبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين عن كعب بن مالك -رضي الله عنه- قال: «... وصبَّح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إذا قَدِم مِن سفرٍ (٤) بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثمّ جَلَس للناس» (٥). مراجعة الإمام أو القائد مَن تخلّف من الغزو والقتال في الحديث المتقدّم: «ثمّ جلَس للناس، فلمّا فَعل ذلك جاءه المخلَّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقَبِل منهم رسول الله - ﷺ - علانِيَّتَهم وبايعَهَم واستغَفَر لهم وَوَكَل سرائرهم إلى الله، فجئتُه (٦) فلمّا سلّمتُ عليه تبسَّم تبسُّم المُغضَب، ثمّ قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خلَّفَك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟ ...» (٧). ------------------------- (١) أي صدَق وَعْدَه في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعْدِه -سبحانه-. «شرح النّووي». (٢) وهزم الأحزاب وحده: أي: مِن غير قتال من الآدميين، والمُراد بالأحزاب: الذين اجتمعوا يوم الخندق، وتحزّبوا على رسول الله - ﷺ -، فأرسَل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم يَروها. (٣) أخرجه البخاري: ١٩٧٩ واللفظ له، ومسلم: ١٣٤٤. (٤) هكذا ورَد في السَّفَر، وهو أعمّ مِن الغزو في مفارقة الوطن، وقد ورَد هذا السياق في غزوة تبوك في قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه -رضي الله عنهم-. (٥) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، أخرجه مسلم: ٢٧٦٩. (٦) أي كعب بن مالك. (٧) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، ومسلم: ٢٧٦٩. قتال الإمام مانعي الزكاة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لمّا تُوفّيَ رسولُ الله - ﷺ -، واستُخلِف أبو بكر بعده، وكفَر مَن كفَر من العرب؛ قال عمر لأبي بكر: كيف تُقاتل النّاس وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرتُ أنْ أقاتِل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمَن قال: لا إله إلاَّ الله عَصَمَ مني ماله ونفسه إلاَّ بحقّه، وحسابهُ على الله، فقال: والله لأُقاتلنّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عِقالًا (١) كانوا يؤدّونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتَلْتُهم على مَنْعِه. فقال عمر: فوالله ما هو إلاَّ أنْ رأيتُ الله قد شَرح صدْرَ أبي بكر للقتال، فعرفْتُ أنّه الحقّ، قال ابن بكير وعبد الله عن الليث: عَناقًا؛ وهو أصح» (٢). قتل الجاسوس (٣) عن سلمةَ بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: «أتى النبيَّ - ﷺ - عينٌ من المشركين وهو في سفر، فجلَس عند أصحابه يتحدث ثمّ انفَتَل، فقال: النبيّ - ﷺ - اطلبوه واقتلوه، فقَتَله فنفَّله سَلَبَه» (٤). وهذا ما يتعلّق الجاسوس الحربيّ، وأمّا المعاهَد والذمّي؛ فقال مالك ---------------------- (١) قال الإمام النّووي -رحمه الله-: «هكذا في مسلم عِقالًا، وكذا في بعض روايات البخاري وفي بعضها (عَنَاقا) بفتح العين وبالنون وهي الأنثى مِن ولد المعز، وكلاهما صحيح». والعقال: الذي يُعقل به البعير. (٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٤، ٧٢٨٥، ومسلم: ٢٠. (٣) عن «الروضة الندية» (٢/ ٧٥٢) بتصرفٍ يسير. (٤) أخرجه البخاري: ٣٠٥١، ومسلم مُطولًا: ١٧٥٤. والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك. وعن فرات بن حيّان أن رسول الله - ﷺ - أمَرَ بقتله -وكان عينًا لأبي سفيان، وحليفًا لرجُل مِن الأنصار-، فمرّ بحلقة من الأنصار، فقال: إنّي مسلم، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنّى مُسلم، فقال رسول الله - ﷺ - إنّ منكم رجالًا نَكِلُهم إلى إيمانهم؛ منهم فُراتُ بنُ حيان (١) «(٢). في حُكم قتل الجاسوس إذا كان مُسلمًا فيه الحديث المتقدّم في شأن فُرات بن حيّان. وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال:»بعثَني رسول الله - ﷺ - أنا والزبيرَ والمقدادَ --------------------- (١) فُرات بن حَيان بن ثعلبة بن عبد العزى بن حبيب بن حية بن ربيعة بن صعب بن عجل بن لجيم الربعي اليشكري ثمّ العجلي حليف بني سهم ... قال البخاري: وتَبِعَه أبو حاتم، كان هاجَر إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-، زاد أبو حاتم أنّه كوفي، وقال البغوي: سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وله عقب بالكوفة، وأقطعه أرضًا بالبحرين. وقال ابن السكن: له صُحبة وذكَره ابن سعد في طبقة أهل الخندق وقال نزَل الكوفة، روى عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: «إنّ منكم رجالًا نَكِلُهم إلى إيمانهم؛ منهم فرات بن حيان». أخرجه أبو داود والبخاري في «التاريخ» وفيه قصّةٌ. وروى عنه حارثة بن مضرب، وقيس بن زهير، والحسن البصريّ، وكان عينًا لأبي سفيان في حروبه، ثمّ أسلَم، فحسُن إسلامه، وقال المرزباني كان ممن هجا رسول الله - ﷺ - ثمّ مدَحه فقَبِل مدْحه. (٢) أخرجه البخاري في «التاريخ» وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣١٠) والحاكم وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (١٧٠١). ابنَ الأسودِ، وقال: انطلِقوا حتى تأتوا روضة خاخ (١) فإنّ بها ظعينةً (٢) ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تَعادَى (٣) بنا خيلنا؛ حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أَخْرجي الكتاب، فقالت: ما معي مِن كتاب، فقلنا: لتُخْرِجِنّ الكتاب أو لنُلقينّ الثياب، فأخرَجَتْه مِن عِقاصها (٤). فأتينا به رسول - ﷺ - فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى أناسٍ مِن المشركين مِن أهل مكة؛ يُخبِرهم ببعض أمْرِ رسولِ الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجَلْ عليّ، إنّي كنتُ امرَءًا مُلصَقًا في قريش، ولم أكن مِن أنفُسِها وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قَرابات بمكّة؛ يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك مِن النَّسَب فيهم؛ أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كُفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول - ﷺ - لقد صدَقكم. فقال عمرُ: يا رسولَ الله دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق، قال: إنه قد شهِد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطَّلَع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرْتُ لكم» (٥). قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٣/ ١١٥): «فاستدلَّ به مَن لا ----------------- (١) موضع بين مكّة والمدينة. (٢) الظعينة: هنا الجارية، وأصلها الهودج، وسُميّت بها الجارية لأنها تكون فيه.»شرح النّووي«. (٣) أي: تجري. (٤) أي: شعرها المضفور، وهو جمع عقيصة»شرح النّووي". (٥) أخرجه البخاري: ٣٠٠٧، ٣٠٨١ ومواطن أخرى، ومسلم: ٢٤٩٤. يرى قَتْل المسلم الجاسوس؛ كالشافعي وأحمد، وأبي حنيفة -رحمهم الله- واستدل به من يرى قَتْلَه؛ كمالك، وابن عقيل من أصحاب أحمد -رحمه الله- وغيرهما. قالوا: لأنه علّل بعلّة مانعةٍ من القتل، منتفية في غيره (١)، ولو كان الإسلام مانعًا من قَتْله؛ لم يُعلّل بأخص منه (٢)، لأن الحكم إذا علّل بالأعم (٣) كان الأخص (٤) عديم التأثير وهذا أقوى. والله أعلم». وقال -رحمه الله أيضًا- (ص ٤٢٢): "وفيها (٥) جواز قَتْل الجاسوس -وإنْ كان مُسلِمًا- لأن عمر -رضي الله عنه- سأل رسول الله - ﷺ - قَتْل حاطب بن أبي بلتعة، لمّا بعَث يُخبر أهل مكة بالخبر، ولم يَقُل - ﷺ - لا يحلّ قتلُه إنه مسلم، بل قال وما يدريك لعل الله قد اطلَع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم. فأجاب بأنّ فيه مانعًا مِنْ قَتْله وهو شهودُه بدرًا، وفي الجواب بهذا؛ كالتنبيه على جواز قَتْل جاسوسٍ ليس له مِثل هذا المانع. وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُقتَل وهو ظاهر مذهبِ أحمد والفريقان يحتجّون بقصة حاطب. والصحيح أن قَتْله راجع إلى رأي الامام فإنْ رأى في قَتْله مصلحة ------------------ (١) وهي شهود بدر. (٢) أي لو كان الإسلام مانعًا مِن قتله؛ فإن النبي - ﷺ - يُعلّل عدم الإذن بقتله؛ لكونهِ من أهل بدر، بل لإسلامه فحسب. (٣) وهو الإسلام هنا. (٤) وهو شهود بدر هنا. (٥) أي في قصة فتح مكة. للمسلمين، قَتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه، والله أعلم». وأشار إلى هذا شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضيّة» (٣/ ٤٧٧). قلت: والذي يبدو لي أنّ هذا يتعلّق بدراسةِ سببِ فِعْل هذا الجاسوس، والنظر فيما إذا كانت ثمّه قرائن تدلّ على توبته، ففي قصة حاطب -رضي الله عنه- ظَهَر سبب انجراره إلى هذا الفعل، وهو اتخاذ أسباب الحماية من قِبَل أقاربه، وتصريحه أنّه لم يكن لكُفرٍ أو ارتداد، ثمّ ما كان مِن قولِ رسول الله - ﷺ -: «لعلّ الله أن يكون قد اطّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرْتُ لكم». فالأمر متعلِّق بالتوفيق للتوبة المستجلِبة للمغفرة، والأمر يعود إلى الإمام فيما يترجّح لديه مِن حال هذا الجاسوس مِن هذا الجانب، والنظر كذلك فيما يتعلَّق بمصلحة المسلمين، سواءٌكان ذلك في القتل أو عدمه والله -تعالى- أعلم. من قفز من عسكر المسلمين إلى عسكر الكُفّار جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٣٤): "فمن قفَز عنهم إلى التتار كان أحقَّ بالقتال مِنْ كثيرٍ من التتار؛ فإنَّ التتار فيهم المُكْرَه وغيرُ المكْرَه، وقد استقرَّت السُّنَّة بأنَّ عقوبةَ المرتدّ أعظمُ مِن عقوبة الكافر الأصلي مِن وجوهٍ متعددة. منها أنَّ المرتدَّ يُقتَل بكل حال، ولا يُضرَب عليه جزية، ولا تُعقَد له ذِمَّة؛ بخلاف الكافر الأصلي. ومنها أنَّ المرتد يُقتل -وإنْ كان عاجزًا عن القتال-؛ بخلاف الكافر الأصليّ الذي ليس هو مِن أهل القتال، فإنّه لا يُقتَل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتدَّ يُقتَل؛ كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد. ومنها أن المرتدَّ لا يَرِث ولا يُناكَح ولا تُؤكَل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام». الهدنة الهدنة لغةً: السكون. واصطلاحًا: الصُّلح والموادعة بين المسلمين والكفار، وبين كلّ متحارِبَين، والاتفاق على عدم القتال فترة زمنية معيّنة (١). قال العلماء: «إذا مال العدوّ للمسالمة؛ فإنّه يجاب طَلَبُه، إذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي ذلك؛ كأن يكون العدوّ كثيفًا، وكان الأنفع تأجيل القتال؛ حتى يتقوى المسلمون». وقد يريد العدوّ المكر والخديعة، فيجب الحذَر والتيقّظ قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ (٢) هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قال ابن كثير -رحمه الله-: يقول -تعالى-: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاَجْنَحْ لَهَا﴾ أي: ---------------------- (١) «النّهاية» بتصرف وزيادة. (٢) قال ابن القيم -رحمه الله- أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه أحد انظر «التفسير القيّم» (ص ٢٩٢). (٣) الأنفال: ٦١ - ٦٢. فمِلْ إليها، واقبَلْ منهم ذلك؛ ولهذا لما طلَبَ المشركون عام الحديبية الصلحَ ووضْعَ الحرب بينهم وبين رسول الله - ﷺ - تسعَ سنين؛ أجابهم إلى ذلك؛ مع ما اشترطوا من الشروط الأُخَر. قال الإمام البخاريّ -رحمه الله-: (باب ما يُحذَر من الغدر) وقول الله - تعالى-: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ (١). ثمّ ذكر تحته حديث عوف بن مالك -رضي الله عنه- وفيه «اعدُد ستًّا بين يدي الساعة»، ومنها قوله - ﷺ -: «ثمّ هُدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (٢)، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٣)، تحت كل غاية اثنا عَشَرَ ألفًا» (٤). وعن البراء -رضي الله عنه- قال: «اعتمَر النبيّ - ﷺ - في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخُل مكة؛ حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلمّا كتبوا الكتاب، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله - ﷺ - فقالوا لا نقرّ بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمّد بن عبد الله، ثمّ قال لعليّ: امْحُ رسولَ الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا. فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب فكتَب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله، -------------------- (١) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١٥). (٢) هم الروم. (٣) أي: راية. (٤) انظر»صحيح البخاري" (٣١٧٦). لا يدخُلُ مكة سلاح إلاَّ في القِراب (١)، وأن لا يَخرُجَ مِن أهلها بأحدٍ إنْ أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا مِن أصحابه أراد أن يُقيمَ بها. فلمّا دخَلها ومضى الأجل، أَتَوا عليًّا فقالوا: قل لصاحِبِك اخرُج عنّا فقد مضى الأجل، فخَرج النبيّ - ﷺ -«(٢). وعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكَم: أنّهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمَن فيهن النّاس، وعلى أن بيننا عيْبَةً (٣) مكفوفة، وأنّه لا إسلال ولا إغلال (٤)» (٥). قال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يفِ بالعهد) (٦). وجاء في «السيل الجرار» (٤/ ٥٦٤): تعليقًا على عبارة «ويجوز للإمام ---------------------- (١) أي: غِمد السيف، جمعها: قُرُب، وأقربَة. (٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٩، ومسلم: ١٧٨٣. (٣) عيْبَةً: ما يُجعَل فيها الثياب، مكفوفة: أي مشدودة ممنوعة، قال في»النيل«أي: أمرًا مطويًّا في صدورٍ سليمةٍ، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة؛ بما تقدَّم بينهم مِن أسباب الحرب وغيرها، والمحافظة على العهد الذي وقَع بينهم. (٤) لا إسلال ولا إغلال: أي: لا سرقة ولا خيانة، يُقال: أغلّ الرجل أي: خان، والإسلال: من السّلّة، وهي: السرقة، والمراد: أن يأمن النّاس بعضهم من بعض؛ في نفوسهم وأموالهم سرًّا وجهرًا.»عون المعبود«(٧/ ٣٢٠). وانظر للمزيد من الفائدة، -إن شئت-»النّهاية«(سلل، غلل). (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٤٠٤). (٦) انظر»صحيح البخاري" (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١٢). عقد الصلح لمصلحة»: أقول: وَجْهُ هذا أنّ الله -سبحانه- قال في كتابه ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فدلّ ذلك على جواز المصالحة؛ إذا طلَبها الكُفّار وجَنحُوا إليها. وقيل لا يجوز ذلك لقوله -سبحانه-: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١). ولا يخفاك أنّه لا معارضة بين الآيتين، فإنّ الآية الأولى دلَّت على أن الكُفّار إذا نجحوا للسَّلم جَنَحْنا لها، والآية الأخرى دلّت على عدم جواز الدعاء مِن المسلمين إلى السَّلم، فالجمع بينهما بأنّه يجوز عَقد الصُّلح إذا طلَب ذلك الكفّار، ولا يجوز طَلبُه مِن المسلمين؛ إذا كانوا واثقين بالنصر ... وقيل: لا يجوز المصالحة أصلًا، وأنّ ما ورَد في جوازها منسوخ بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْركِينَ﴾ (٢). ونحوها، ولا وَجْهَ لدعوى النسخ، وأيضًا الجمعُ ممكِن بأنهم يُقتَلون ويُقاتَلون؛ ما لم يجنحوا إلى السَّلم. وأمّا كون المدّة معلومةً، فوجْهُه أنّه لو كان الصلحُ مُطلقًا أو مؤبَّدًا؛ لكان ذلك مُبطلًا للجهاد الذي هو مِن أعظم فرائض الإسلام، فلا بُدّ مِن أن يكون مُدّةً معلومة على ما يَرَى الإمام من الصلاح، فإذا كان الكفّار مُستظهرِين وأمرهم مُستعلنًا؛ جاز له أن يعقده على مُدّة طويلة، ولو فوق عشر سنين، وليس في ذلك مخالفة لعقده -صلى الله عليه وآله وسلم- للصُّلح الواقع مع قريش عشر سنين، ----------------- (١) محمد: ٣٥. (٢) التوبة: ٥. فإنّه ليس في هذا ما يدّل على أنّه لا يجوز أن تكون المدة أكثرَ مِن عشر سنين؛ إذا اقتضت المصلحة» انتهى. والخلاصة: جواز المصالحة إذا طلبها الكفّار؛ إذا كان فيها نفعٌ للمسلمين، ولا يجوز ابتداؤها من المسلمين إذا كانوا واثقين بالنصر. ولا بُدّ أن تكون المُدّة معلومة -طالت أم قصرت- على ما يرى الإمام فيه تغليب المصلحة وترجيح المنفعة؛ والله -تعالى- أعلم. قال العلاّمة ابن القَيِّم -رحمه الله- في زاد المعاد (٥/ ٩٣): (في حُكمه - ﷺ - في الهُدنة وما ينقضُها): "ثبت عنه - ﷺ - أنّه صالَح أهل مكّة، على وضْع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ودخَل حلفاؤهم مِن بني بكر معهم، وحلفاؤه مِن خزاعة معه، فَعَدَتْ حلفاءُ قريش على حلفائه. فغدروا بهم، فرضِيَت قريش ولم تُنكِره، فجعَلَهم بذلك ناقضين للعهد، واستباح غزْوَهم مِن غير نبْذِ عهدِهم إليهم، لأنهم صاروا محاربين له، ناقضين لعهده؛ برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألحَقَ رِدأهم (١) في ذلك بمباشِرِهم. وثبت عنه أنّه صالَح اليهود، وعاهَدَهم لمّا قَدِمَ المدينة، فغَدَروا به، ونقَضوا عهده مرارًا، وكلّ ذلك يُحاربهم ويظْفَر بهم، وآخرُ ما صالَح يهود خيبر؛ على أنّ الأرض له، ويُقرّهم فيها عُمّالًا له ما شاء، وكان هذا الحكمُ منه فيهم حُجّةً؛ على جواز صُلح الإمام لعدوِّه ما شاء مِن المدّة، فيكون العقدُ جائزًا له ---------------------- (١) أي: المعين والمناصر. فسْخُه متى شاء، -وهذا هو الصواب-، وهو مُوجِب حُكْم رسولِ الله - ﷺ - الذي لا ناسخ له«. عقد الذمّة الذمّة هي: العهد والأمان، وعقد الذّمة: هو أنْ يُقرّ الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب من الكُفّار على كفرهم بالضوابط الشرعية (١). جاء في»المغني«(١٠/ ٥٧٢):»ولا يجوز عَقْد الذمّة المؤبَّدة إلاّ بشرطين: أحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كلّ حول. والثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قَبول ما يُحكَم به عليهم مِن أداء حقّ، أو تَرْك محُرّم، لقول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). وقول النبيّ - ﷺ - في حديث بريدة: «فادْعُهم إلى أداء الجزية، فإنْ أجابوك فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهم». وفيه (١٠/ ٥٧٣): «ومَن سواهم، فالإسلام أو القتل». يعني مَن سوى اليهود والنصارى والمجوس؛ لا تُقبَل منهم الجزية، ولا يُقرّون بها، ولا يُقبَل منهم إلاَّ الإسلام، فإنْ لم يسلموا قُتلوا ... (٣). وقال -رحمه الله-: «ولنا، قَوْل الله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ -------------------- (١) عن»فقه السُّنَّة«(٣/ ٤٤٦) بتصرّف. (٢) التوبة: ٢٩. (٣) انظر -إن شئت-»المصدر المذكور" لمعرفة أقوال العلماء؛ مع شيء من التفصيل. قبله، ومِن ثمّ ترجم عليه النسائي (بابُ أخذ الجزية مِن المجوس)». وقال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب الجزية والموادعة، مع أهل الذّمة والحرب) وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١)﴾ (٢). وما جاء في أخذ الجزية مِن اليهود والنّصارى والمجوس والعجم (٣). ثمّ ذكَر -رحمه الله- ما تقدّم عن بجَالة. فائدة: وجاء في «المغني» (١٠/ ٥٧٤): «وإذا عقَدَ الذّمة لكفارٍ زعموا أنهم من أهل الكتاب؛ ثمّ تبيّن أنهم عَبَدَة الأوثان؛ فالعقد باطلٌ مِن أصْلِه، وإنْ شكَكْنا فيهم، لم ينتقض عهدُهم بالشك؛ لأن الأصل صحته، فإنْ أقرّ بعضهم بذلك دون بعض، قُبل من المقرّ في نفسه، فانتقض عهْدُه، وبقي في حقّ مَن لم يُقرَّ بحاله». موجب هذا العقد: *وإذا تمّ عقْد الذمّة، ترتَّبَ عليه حُرمة قتالهم، والحِفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرّياتهم، والكفّ عن أذاهم. ----------------- (١) قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «يعني أذلاّء والمسكنة: مصدر المسكين، (فلانٌ) اسكنُ مِن فُلان: احوجُ منه، ولم يذهب إلى السكون ..». (٢) التوبة: ٢٩. (٣) «صحيح البخاري» (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١)، وانظر -إن شئت- ما قاله الحافظ -رحمه الله- مُفصلًا في هذا الأمر. السلاح والخيل وغير ذلك، فيه أنّ أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وأنّها لم تكن لرسول الله - ﷺ -. قال الشوكانّي: لا يَأْخُذ الإمامُ من الغنيمة إلاَّ الخُمس، ويقسم الباقي منها بين الغانمين، والخُمس الذي يَأخذه أيضًا ليس هو له وحده، بل يجب عليه أن يرُدّه على المسلمين على حسب ما فصَّله الله -تعالى- في كتابه بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾». انتهى. أمّا نفقات رسول الله - ﷺ - فقد كانت ممّا أفاء الله -سبحانه وتعالى- عليه من أموال بني النضير كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب (الفيء). عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «رأيت المغانم تُجزّأ خمسة أجزاء، ثمّ يُسْهَم عليها، فما كان لرسول الله - ﷺ - فهو له يَتَخير» (١). وعن رجل مِن بلقين قال: «أتيت النبيّ - ﷺ - وهو بوادي القرى فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ فقال: لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم، قلت: فهل أحد أحقّ بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا؛ حتى السهم يأخذه أحدكم من حينه؛ فليس بأحقَّ به مِن أخيه» (٢). ---------------------- (١) أخرجه الطحاوي وأحمد، وانظر «الإرواء» تحت الحديث (١٢٢٥). (٢) أخرجه الطحاوي وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٥/ ٦٠) تحت الحديث (١٢٢٥). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#176 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 181الى صــ200 الحلقة (174) وأمّا الأربعة الأخماس الباقية، فتُعطى للجيش، ويختصُّ بها الذكور، الأحرار، البالغون، العقلاء. جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٣٢): «وما غَنِمَه الجيش كان لهم أربعةُ أخماسهِ، وخُمُسه يَصرفهُ الإمام في مصارفهِ لقوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ قلت: اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تُخَمّس، فالخُمُس للأصناف التي ذُكِرت في القرآن، وأربعة أخماسها للغانمين». وسَهْم ذوي القُربى: أي قرابة رسولِ الله، وهم بنو هاشم، وحُلفاؤُهم مِن بني المطلب (١) ممّن آزرَ النبيّ - ﷺ - وناصَرَه، دون مَن خذَلَه منهم. عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «مَشَيْتُ أنا وَعثْمانُ بنُ عفانَ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله أَعْطَيْتَ بَني المطَّلِبِ وتركْتنا، ونحْنُ وَهُمْ منكَ بِمنْزلةٍ وَاحدةٍ، فقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّما بنو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ شيءٌ واحدٌ» (٢). وفي لفظٍ: قال جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: «مَشَيْتُ أنا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَبِيِّ - ﷺ - فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي المطَّلبِ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ وَتركْتنا وَنحْنُ بِمنْزلَةٍ واحدةٍ مِنْكَ، فقال: إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَ جُبَيْرٌ: وَلم يَقْسِمْ النَبِيُّ - ﷺ - لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا» (٣). ------------------------ (١) انظر ترجيح ابن جرير الطبري في «تفسيره»، وأدلته في ذلك. (٢) أخرجه البخاري: ٣١٤٠. (٣) أخرجه البخاري: ٤٢٢٩. وفي لفظٍ: قال جبير بن مطعم: «لما كان يوم خيبر قَسَم رسول الله - ﷺ - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيتُ أنا وعُثمان بن عفّان، فقلْنا: يا رسول الله، أمّا بنو هاشم، فلا نُنكر فضلَهم؛ لمكانِك الذي وضعكَ اللهُ بهِ منْهم، فما بالُ إخواننا من بَني المُطلب أعطيتَهم وتركْتَنا، وإنّما نحنُ وَهُمْ بمنزلةٍ واحدة؟! فقال: إنّهم لمْ يفارِقوني في جاهليةٍ ولا إسْلام، وإنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك أصابعه» (١). وقد ثبت عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان سيُعطي منه عمّه العبّاس -وهو غنيّ-، ويُعطي عمّته صفيّة -رضي الله عنهما- (٢). والعبّاس -رضي الله عنه- كان موسرًا في الجاهلية والإسلام؛ كما جزَم بذلك غيرُ واحدٍ من الحُفّاظ؛ منهم أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله- (٣). يأخذ الفارس مِن الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل (٤) سهمًا عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ رسول الله - ﷺ - جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا» (٥)، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور (٦). وفي لفظٍ: عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: «قَسَمَ رَسُولُ الله -------------------------- (١) انظر»الإرواء«(١٢٤٢). (٢) انظر»الإرواء«(١٢٤٣). (٣) انظر»الإرواء«(٥/ ٧٩). (٤) وهو الماشي على رجليه. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٦٣، ومسلم: ١٧٦٢. (٦) انظر»الروضة النّديّة" (٢/ ٧٣٥). - ﷺ - يَوْمَ خيْبرَ لِلْفرَس سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِل سَهْمًا، قَالَ: فَسَّرَهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ» (١). وقال مالك: «يُسهم للخيل والبراذين (٢) منها لقوله: ﴿وَالخيلَ وَالبِغَالَ وَاَلحَمِيرَ لِتَركَبُوهَا (٣)﴾ (٤) ولا يُسهَم لأكثر من فرس» (٥). قال الإمام النّووي -رحمه الله- (١٢/ ٨٣): «واختلف العلماء في سهم الفارس والراجل مِن الغنيمة؛ فقال الجمهور: يكون للراجل سهمٌ واحد وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه. ممّن قال بهذا: ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٢٢٨، ومسلم: ١٧٦٢ بلفظ:»قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا«. والمراد بالنفل هنا: الغنيمة. (٢) البراذين: جمع بِرذَون، والمراد: الجفاة الخِلْقة من الخيل، وأكثر ما تُجلَب مِن بلاد الروم، ولها جَلَدٌ على السير في الشعاب والجبال والوعر، بخلاف الخيل العربية.»الفتح«. (٣) جاء في»الفتح«(٦/ ٦٧):»قال ابن بطال: وجه الاحتجاج بالآية؛ أنّ الله -تعالى- امتنّ بركوب الخيل وقد أسهم لها رسول الله - ﷺ -. واسم الخيل يقع على البِرذَون والهجين؛ بخلاف البغال والحمير، وكأنّ الآية استوعَبت ما يُركَب من هذا الجنس؛ لما يقتضيه الامتنان، فلمّا لم ينصّ على البِرذَون والهجين فيها، دلّ على دخولها في الخيل. قلت: وإنما ذكَر الهجين لأن مالكًا ذكَر هذا الكلام في الموطأ وفيه «والهجين» والمراد بالهجين: ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي، وقيل: الهجين: الذي أبوه فقط عربي وأمّا الذي أمّه فقط عربية، فيُسمّى المقرف، وعن أحمد: الهجين: البِرذَون«. (٤) النحل: ٨. (٥) انظر»صحيح البخاري" تحت الحديث السابق (٢٨٦٣). ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط، سهم لها وسهم له، قالوا: ولم يقل بقوله هذا أحد إلاَّ ما روي عن علي وأبي موسى. وحُجّة الجمهور هذا الحديث، وهو صريح على رواية مَن روى «للفرس سهمين، وللرجل سهمًا» بغير ألف في (الرجل) وهي رواية الأكثرين، ومن روى (وللراجل) روايتهُ محتَملة، فيتعيّنَ حمْلها على موافقة الأولى جمعًا بين الروايتين، قال أصحابنا وغيرهم: ويرفَع هذا الاحتمال ما وَرَدَ مُفسَّرًا في غير هذه الرواية، في حديث ابن عمر هذا؛ من رواية أبي معاوية وعبد الله بن نمير وأبي أسامة وغيرهم بإسنادهم عنه «أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه»، ومِثْلُه من رواية ابن عباس وأبي عمرة الأنصاري -رضي الله عنهم-. والله أعلم«. أقول: المراد مِن قوله - ﷺ -»جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا«أي غير سهمي الفرس، فيصير للفارس ثلاثة أسهم كما قال الحافظ رحمه الله-:»وسيأتي في غزوة خيبر أنّ نافعًا فسّره كذلك، ولفظه: «إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم» (١). وعن أبي عمرة عن أبيه قال: "أتينا رسول الله - ﷺ - أربعةَ نَفَر، ومعنا فرس، -------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٢٢٨. فأعطى كلّ إنسان منّا سهمًا، وأعطى للفرس سهمين» (١). قال أبو داود -رحمه الله-: وعن أبي عمرة -بمعناه- إلاَّ أنّه قال: «ثلاثة نفر: فزاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم» (٢). يستوي في الغنائم مِن أفراد الجيش القوي والضعيف ومَن قاتَل ومن لم يُقاتِل وَيستوي فيما تقدم مِن تقسيم الغنائم؛ القوي والضعيف، ومَن قاتَل ومن لم يُقاتل مِن أفراد الجيش. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: «مَن فَعَل كذا وكذا؛ فله من النفل كذا وكذا. قال: فتقدَّم الفتيان، ولَزِم المشيخةُ الراياتِ فلم يبرحوها، فلمّا فتح الله عليهم، قال المشيخة: كنا ردْءًا (٣) لكم، لو انهزمتم لفِئْتُم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى. فأبى الفِتيان وقالوا: جعَلَه رسول الله - ﷺ - لنا، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٤). يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، زاد في رواية:»فقسَمَها رسول الله - ﷺ - بالسواء«(٥). --------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٧٤). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٧٥). (٣) الردء: العون والنصر. (٤) الأنفال: ١ - ٥. (٥) أخرجه أبو داود (٢٧٣٧، ٢٧٣٩)، وهو في»صحيح سنن أبي داود"، (الأمّ) برقم = وعن مصعب بن سعد قال: «رأى سعد -رضي الله عنه- أنّ له فضلًا على مَن دونه، فقال النبيّ - ﷺ -: هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم» (١). قال الحافظ -رحمه الله- «الفتح»: «وعلى هذا؛ فالمراد بالفضل؛ إرادة الزيادة مِن الغنيمة، فأعلَمَه - ﷺ - أنّ سهام المقاتِلة سواء؛ فإنْ كان القوي يترجّح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجّح بفضل دعائه وإخلاصه». ويستوي كذلك في تقسيم الغنائم مَن تغيَّب لعُذر، أو مَن بعَثَه الأمير لمصلحةِ الجيش. فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «إنما تغيّب عثمانُ عن بدر، فإنّه كانت تحته بنت رسول الله - ﷺ -، وكانت مريضة، فقال له النبيّ - ﷺ -: إنّ لك أجرَ رجُلٍ ممن شهِد بدرًا وسهمَه» (٢). وجاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٧٣٦) وفي كتاب حُجّة الله البالغة: «ومَن بَعثَه الأمير لمصلحة الجيش؛ كالبريد، والطليعة، والجاسوس؛ يُسهَم له، وإن لم يَحْضُر الواقعة، كما كان لعثمان يوم بدر». السَّلَب للقاتل السَّلَب: هو ما يأخذه المقاتل في الحرب مِن المقتول، ممّا يكون عليه، ----------------------- = (٢٤٤٥)، وقال شيخنا -رحمه الله- فيه: «إسناده صحيح، وصححه ابن حبّان والحاكم والذهبي -دون الزيادة-، والضياء في»المختارة«». (١) أخرجه البخاري: ٢٨٩٦ وتقدم في (الاستنصار بالضعفاء). (٢) أخرجه البخاري: ٣١٣٥. ومعه من سلاح وثياب ودابّة وغيرها، وهو (فَعَل) بمعنى (مفَعول) أي: مسلوب (١). وللإمام أو القائد أن يُحفّز المجاهدين في سبيل الله، وأن يُرَغّبهم بأخذ سَلَب المقتول والتفرّد به. عن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: «مَن قَتَل قتيلًا له عليه بيّنة؛ فله سَلَبُهُ» (٢). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - قال يوم حُنين: مَن قتل قتيلًا فله سلَبُه، فقَتَل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخَذَ أسلابهم» (٣). وعن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - قضى بالسَّلب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلب» (٤). وعن سَلمةَ بن الأكوع عن أبيه قال: «أتى النبيّ - ﷺ - عينٌ من المشركين -وهو في سفر- فجلَس عند أصحابه يتحدّث، ثمّ انفَتَل، فقال النبيّ - ﷺ - اطلبوه واقتلوه، فقَتَلَه، فنفَّله (٥) سَلَبَه» (٦). -------------------------- (١) «النّهاية» بتصرف. (٢) أخرجه البخاري: ٣١٤٢، ومسلم: ١٧٥١. (٣) أخرجه أبو داود والدارمي وابن حبان وغيرهم، وانظر «الإرواء» (١٢٢١). (٤) أخرجه أبو داود (٢٧٢١) وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله - في «الإرواء» (١٢٢٣). (٥) قال الحافظ -رحمه الله-: «فيه الْتِفات مِن ضمير المتكلّم إلى الغَيْبة، وكان السياق يقتضي أن يقول (فنفلني) وهي رواية أبي داود» قلت: يمضي على قوله (فقَتَلَه) ففي رواية: (فقتلْتُه). (٦) أخرجه البخاري: ٣٠٥١. تخميس السَّلَب إذا بلغ مالًا كثيرًا لقد تقدّم أنّ رسول الله - ﷺ - قضى بالسَّلَب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلَب، ولكن وردت بعض الآثار في التخميس. فقد بارز البراء مرزبان الزارة (١) فقتله، فبلغ سواره ومِنطَقَته (٢)، ثلاثين ألفًا فخمّسه (٣) عمر ودفَعَه إليه. عن أنس بن مالك: أنّ البراء بن مالك أخا أنس بن مالك؛ بارز مرزبان الزارة، فطَعنه طعنة فكسر القَرَبوس (٤)، وخَلص إليه فَقَتَله، فقوَّم سَلَبَه ثلاثين ألفا، فلمّا صلّينا الصبح، غدا علينا عمر، فقال لأبي طلحة: إنّا كنّا لا نُخمِّس الأسلاب، وإنَّ سَلَب البراء قد بلغ مالًا، ولا أرانا إلاَّ خامسيه، فقوَّمناه ثلاثين ألفا، فدفَعْنا إلى عمر ستة آلاف» (٥). وفي لفظ: «إن أول سَلَبٍ خمّس في الإسلام، سَلَب البراء بن مالك، كان حَمَل على المرزبان فطعَنه، فقتَله، وتفرّق عنه أصحابه، فنزل إليه، فأخذ منطقته وسواريه، فلمّا قَدِم، مشى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حتى أتى أبا طلحة الأنصاري ...» فذكره مثل رواية الطحاوي، دون قوله في آخرها: ----------------------- (١) الزارة: بلدة كبير: بالبحرين. (٢) ما يُشدّ به الوسط. (٣) أي: أخذ منه الخُمس: ستة آلاف، وأعطى البراء -رضي الله عنه- الباقي. (٤) هو حِنو السرج، قال في «القاموس المحيط» القَرَبوس: «حِنو السرج» والحِنو عود الرَّحل. (٥) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٥/ ٥٨) تحت الحديث (١٢٢٤). «فدفعنا إلى عمر ستة آلاف» (١). وفي لفظ: «فنَفَلَه السلاح وقوّم المنطقة ثلاثين ألفًا، فخمَّسَها، وقال: إنها مال» (٢). أقول: ولا تعارُض بين عدم تخميسه - ﷺ - السَّلَب، وبين فِعْل عمر -رضي الله عنه-، لأنّ السَّلَب الذي عُرف بقيمته المتداولة الشائعة؛ هو الذي لا يُخمَّس، أمّا إذا بلغَ مالًا كثيرًا؛ فإنّه يُخمّس ليكون النفع أكثر، والفائدة أعمّ، مع تحقيق معنى استفادة المقاتل مِن ذلك، والله -تعالى- أعلم. الرّضخ (٣) من الغنيمة لمن حضر وَيرْضَخ الإمامُ لمن حضَر، مِن النساء والعبيد -ممن لا سهم له في الغنيمة-. عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ «أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْألهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟ فكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتبتَ تَسْألُني هَلْ كَانَ رَسُولُ - ﷺ - ِيَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ ------------------------ (١) وصحّح إسناده شيخنا -رحمه الله- في المصدر السابق. (٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في المصدر المذكور: وإسناده لا بأس به. (٣) الرضخ: هو العطية القليلة.»النّهاية". وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الجرْحَى وَيُحْذَيْنَ (١) مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لم يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ. وَكَتَبْتَ تَسْألنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتيمِ؛ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لتنْبُتُ لحيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النّاس؛ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ. وَكَتَبْتَ تَسْألنِي عَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا فَأبى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ» (٢). وفي رواية: «وسألت عن المرأة والعبد: هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهمٌ معلوم إلاَّ أن يُحذَيا مِن غنائم القوم» (٣). وفي زيادة: «وأما العبد فليس له من المغنم نصيب، ولكنهم قد كان يُرضَخ لهم» (٤). وعن عمير مولى آبي اللحم قال: «شَهِدْت خيبر مع سادتي، فكلّموا فيَّ رسول الله - ﷺ - فأمَرَ بي، فقُلّدْتُ سيفًا، فإذا أنا أجرّه (٥)، فأُخبِر أني مملوك، فأَمَر لي ----------------------- (١) أي: يُعطين. (٢) أخرجه مسلم: ١٨١٢. (٣) أخرجه مسلم: ١٨١٢. (٤) انظر»الإرواء«تحت الحديث (١٢٣٦). (٥) أي: أسحب السيف على الأرض مِن صِغَر سنّي أو قِصَر قامتي.»عون المعبود". بشيء مِن خُرثيِّ المتاع (١)» (٢). وعن ثابت بن حارث الأنصاري -رضي الله عنه- قال: «قسَم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر؛ لسهلةَ بنتِ عاصم بن عدي، ولابنةٍ لها وُلِدَت» (٣). وعن زينب امرأة عبد الله الثقفية «أنّ النبيّ - ﷺ - أعطاها بخيبر خمسين وَسْقًا (٤) تمرًا، وعشرين وسْقًا شعيرًا بالمدينة» (٥). جواز تنفيل بعض الجيش مِن الغنيمة يجوز للإمام تنفيل بعض الجيش، وإعطاؤهم سوى قسم عامّة الجيش، إذا كان لهم مِن العناية، والمقاتلة ما لم تكن لغيرهم. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ رسول الله - ﷺ - بعَثَ سرِيّة فيها عبد الله بن عمر قِبَلَ نجد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سُهمانهم اثني عشَر بعيرًا، أو أحدَ ----------------------------- (١) الخُرثي: أثاث البيت ومتاعه.»النّهاية«. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٣٠) والترمذي،»صحيح سنن الترمذي«(١٢٦١)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٣٠٤)، وصححه شيخنا -رحمه الله في»الإرواء«(١٢٣٤). (٣) أخرجه الطبراني في»الكبير«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٥/ ٧٢) تحت الحديث (١٢٣٧). (٤) الوَسْق: ستون صاعًا، والأصل في الوَسْق: الحِمْل، وكلُّ شيء وسَقْته فقد حملته»النّهاية«بحذف وتقدم في»كتاب الزكاة«. (٥) أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وانظر»الإرواء" (٥/ ٧٢) تحت الحديث (١٢٣٧). عشَر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا» (١). وفي رواية: قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «بَعَثنا رسول الله - ﷺ - في جيش قِبَلَ نجدٍ، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشَر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ونفل أهل السريّة (٢) بعيرًا بعيرًا، فكانت سُهْمانُهُم (٣) ثلاثةَ عشَر ثلاثةَ عشَر» (٤). جاء في «عون المعبود» (٧/ ٢٩٦): «فيه دليلٌ على أنّه يجوز للإمام أن يُنفِّل بعض الجيش ببعض الغنيمة، إذا كان له مِن العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره». وعَن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عامّة الجيْشِ [وَالْخُمْسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ (٥)]» (٦). جاء في «عون المعبود» (٧/ ٣٠٠): «وهذا تصريحٌ بوجوب الخُمُس في كل الغنائم، قاله النّووي، وقال في»فتح الودود«: يفيد أنّ الخُمُس يُؤخَذ أولًا من الغنيمة، ثمّ يُنفَّل من الباقي ثمّ يُقْسم ما بقي». ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣١٣٤، ومسلم: ١٧٤٩. (٢) أي: أعطاهم النبيّ - ﷺ - زائدًا على سهامهم. (٣) أي: مع النفل. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٧٩). (٥) كلِّه: مجرور لأنه توكيد لكلمة (في ذلك). (٦) أخرجه البخاري: ٣١٣٥، ومسلم: ١٧٥٠، وما بين معقوفتين من «صحيح مسلم» (١٧٥٠ - ٤٠). وعن حبيب بن مسلمة الفهري -رضي الله عنه- أنّه قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُنفل الثلث بعد الخُمُس» (١). وعنه: «أنّ رسول الله - ﷺ - كان يُنفّل الرُّبع (٢) بعد الخُمس (٣)، والثُّلث بعد الخُمس، إذا قَفَل (٤)» (٥). وعن أبي وَهْبٍ يَقُولُ: «سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ، فَأَعْتَقَتْنِي، فَما خَرَجتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أرَى، ثُمَّ آليْتُ الحجَازَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أتيْتُ الْعِرَاقَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ، فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأل عَنْ النَّفَلِ، فَلَمْ أَجِدْ أحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، حَتَّى لَقِيتُ شَيْخًا يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي النّفلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» (٦). وجاء في «عون المعبود» (٧/ ٣٠٠): «وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول والأوزاعي: لا يجاوز بالنّفل الثُّلُث، وقال الشافعي: ليس في النّفل حدٌّ ------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٨٧). (٢) أي: في البَدْأةَ أي: ابتداء السفر للغزو. (٣) أي: بعد أن يُخرِج الخُمس. (٤) إذا رجع من الغزو. (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٨٨)، وابن ماجه وابن حبان وغيرهم. (٦) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٣٨٩). لا يُجاوَز؛ إنما هو اجتهاد الإمام». انتهى. قلت: هو اجتهاد الإمام بما ورَد في النّصوص. ردّ أموال وسبايا التائبين عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أنّ مروانَ بن الحكم والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ -رضي الله عنهما- أخبراه: «أنّ رسول الله - ﷺ - قامَ حين جاءه وفْدُ هوازنَ مسلمين، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: أحبُّ الحديثِ إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين إمّا السبي وإمّا المال، وقد كنت استأنَيت (١) بهم، وقد كان رسول الله - ﷺ - انتظَرَهم بضعَ عشَرةَ ليلةً؛ حين قَفَل من الطائف، فلمّا تبيّن لهم أنّ رسول الله - ﷺ - غيرُ رادٍّ إليهم إلاَّ إحدى الطائفتين؛ قالوا: فإنّا نختار سَبْيَنا. فقام رسول الله - ﷺ - في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّ إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبْيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يَطيب بذلك فليفعل، ومَن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيَه إياه مِن أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك لرسول الله - ﷺ - لهم، فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لا ندري مَنْ أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يَرفَعَ إلينا عرفاؤكم أمرَكم، فرجَع النّاس فكلَّمهم عرفاؤهم ثمّ رجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبروه --------------------------- (١) أي: انتظَرْتُ وتربّصت، يُقال: أنيت وأنَّيْت وتأنَّيْت واسْتَأنيْت.»النّهاية". أنهم قد طيَّبوا وأذِنوا» (١). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أعطَى رسول الله - ﷺ - عمرَ ابن الخطاب جارية من سَبْيِ هوازن، فوهَبَها لي فبعثْتُ بها إلى أخوالي من بني جمح ليُصلحوا لي منها، حتى أطوف بالبيت، ثمّ آتيَهم وأنا أريد أن أصيبَها إذا رجعْت إليها. قال: فخرجْت مِن المسجد حين فرغْتُ فإذا النّاس يشتدّون، فقُلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردَّ علينا رسول الله - ﷺ - أبناءنا ونساءنا، قال: قلت: تلك صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا فأخَذوها» (٢). إذا غنم المشركون مال المسلم ثمّ وجده المسلم (٣) إذا غنم المشركون مال المسلم، أو وجد المسلم ماله عند الأعداء، فإنّه يُرَدُّ على صاحبه، ولا يُضاف إلى الغنائم ولا يُخمّس. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «ذهَب (٤) فرسٌ له فأخذَه العدوّ، فظَهر عليه المسلمون، فرُدَّ عليه في زمن رسول الله - ﷺ -، وأَبَقَ (٥) عبدٌ له، فَلَحِقَ بالروم، فظَهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبيّ - ﷺ -» (٦). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: (٢٣٠٧، ٢٣٠٨، ٢٥٣٩، ٢٥٤٠). (٢) أخرجه أحمد، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٥/ ٣٧). (٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد والسير) (باب - ١٨٧). (٤) أي: نَفَر وشرَد إلى الكُفّار «عون المعبود» (٧/ ٢١٢). (٥) أي: هَرَب. (٦) أخرجه البخاري: ٣٠٦٧. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#177 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 201الى صــ215 الحلقة (175) وعن عمرانَ بن حصين قال: «كانت ثقيفُ حلفاءَ لبني عُقَيل، فأسرَت ثقيفُ رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسَر أصحاب رسول الله رجُلًا من بني عُقيلٍ، وأصابوا معه العضباء [وذكر الحديث إلى أن قال:] وأُسِرت امرأةٌ مِن الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوَثاق، وكان القوم يُريِحُون نَعَمَهُم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذاتَ ليلةٍ مِن الوَثاق، فأتت الإِبِلَ؛ فجعَلت إذا دنَت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم تَرْغُ، قال: وناقة مُنَوّقَة (١)، فقعدَت في عَجُزِها ثمّ زجَرَتْها فانطلَقت ونذِروا بها (٢) فطلبوها، فأعجَزَتْهم، قال: ونَذَرت لله إنْ نجاها الله عليها لتنحَرَنَّها. فلمّا قَدِمت المدينة رآها النّاس فقالوا: العضباء ناقةُ رسولِ الله - ﷺ - فقالت: إنها نَذَرَت إنْ نجّاها الله عليها لتنحرنّها، فأتَوا رسول الله - ﷺ -، فذكروا ذلك له. فقال: سبحان الله بئسما جَزَتْها، نَذَرت لله إنْ نجّاها الله عليها لتنحرَنَّها، لا وفاء لنذرٍ في معصية ولا فيما لا يملك العبد» (٣). إذا أسلَم قومٌ في دار حرب ولهم مالٌ أو أرضون (٤) فهي لهم (٥) عن صخر بن عيلة «إنّ قومًا مِن بني سليم؛ فرّوا عن أرضهم حين جاء الإسلام، فأخَذْتُها فأسلموا، فخاصموني فيها إلى النبيّ - ﷺ -، فردَّها عليهم وقال: ---------------------- (١) ناقة مُنَوّقة: أي مُذللة. (٢) نذِروا بها: أي علموا. (٣) أخرجه مسلم: ١٦٤١. (٤) انظر -إن شئت المزيد من الفائدة- ما قاله ابن حزم -رحمه الله- تحت المسألة (٩٣٧). (٥) هذا العنوان مِن»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد) (باب - ١٨٠). إذا أسلَم الرجل فهو أحقّ بأرضه وماله» (١). قال الإمام البخاري -رحمه الله- (باب إذا أسلم قوم ...) وذكر العنوان السابق ثم ذكر تحته حديثين (٢). قال الحافظ -رحمه الله - في «الفتح» (٦/ ١٧٥): «أشار [أي: الإمام البخاري -رحمه الله-] بذلك إلى الردّ على من قال مِن الحنفية إنّ الحربي إذا أسلَم في دار الحرب، وأقام بها حتى غلَب المسلمون عليها، فهو أحقُّ بجميع ماله إلاَّ أرضَه وعقاره، فإنّها تكون فيئًا للمسلمين، وقد خالفَهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور ...». ثمّ ذكَر حديث صخر بن عيلة المتقدّم، وأشار شيخنا إلى استدلال الحافظ -رحمهما الله- في «الصحيحة» (١٢٣٠). جاء في «السيل الجرار» (٤/ ٥٥٤): «الإسلام عصمةٌ لمال الرجل ولأولاده الذين لم يبلغوا، فمَن زعَم أنّه يَحِلُّ شيءٌ مِن مال مَن أسلم؛ لكون المال في دار الحرب؛ لم يُقبل منه ذلك إلاّ بدليلٍ يدلّ على النقل مِن عصمة الإسلام، ولا دليل ... فإنّ الأحاديث الصحيحة المُصرّحة بأنّ الكُفَّار إذا تكلَّموا بكلمة الإسلام؛ عصموا بها دماءهم وأموالهم، يُغني عن غيرها ...». انتهى. قلت: يُشير -رحمه الله- إلى حديث: ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنّ محمدًا --------------------- (١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وانظر الصحيحة (١٢٣٠). (٢) انظرهما -للمزيد من الفائدة إن شئت- برقم (٣٠٥٨، ٣٠٥٩) وكذا انظر وجه مطابقة الترجمة في»عمدة القاري" (١٤/ ٣٠٤). رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعَلوا؛ ذلك فقد عصَموا منّي دماءهم وأموالهم؛ إلاَّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله» (١). حُكم الأرض المغنومة (٢) الأرض المغنومة أمْرُها إلى الإمام، يفعل الأصلح مِن قِسمَتها، أو ترْكِها مشتركةً بين الغانمين، أو بين جميعِ المسلمين، لأنّ النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قَسَم نصفَ أرض خيبر بين المسلمين، وجَعل النصف الآخر لمن ينزل به مِن الوفود والأمور ونوائبِ الناس. فعن بُشير بن يَسار مولى الأنصار، عن رجالٍ مِن أصحاب النبيّ - ﷺ - «أنّ رسول الله - ﷺ - لما ظَهَر على خيبر؛ قسَّمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمَع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصفُ مِن ذلك، وعزَل النصف الباقي؛ لمن نَزَل به من الوفود والأمور ونوائب النّاس» (٣). وفي رواية مِن حديث سهل بن أبي حثمة -رضي الله عنه- قال: «قَسَم رسول الله - ﷺ - خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين، قسَمَها بينهم على ثمانيةَ عشَرَ سهمًا» (٤). وقد ترَك الصحابة ما غَنِموه من الأراضي مُشترَكَةً بين جميع المسلمين، ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢١. (٢) من «الروضة النّديّة» (٢/ ٧٥٥) بتصرف يسير. (٣) أخرجه أبو داود: «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٠٣). (٤) أخرجه أبو داود: «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٠١). يَقسِمون خَراجها بينهم، وقد ذهَب إلى هذا جمهور الصحابة ومَن بعدهم، وعمل عليه الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم-. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: أيُّما قريةٍ أتيتموها وأقمتم فيها؛ فسَهْمُكم فيها، وأيُّما قريةٍ عَصت الله ورسوله؛ فإنَّ خُمُسَها لله ولرسوله، ثمّ هي لكم» (١). وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٥٦): أقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين مِن: خراجٍ، ومعاملةٍ، وجزيةٍ، وصُلحٍ، وغير ذلك؛ ينبغي تفويض قِسْمتها إلى الإمام العادل الذي يمحض النّصح لرعيته، ويبذْل جهده في مصالحهم، فيَقْسِم بينهم ما يقوم بكفايتهم، ويدَّخر لحوادثهم ما يقوم بدفعها. ولا يلزمه في ذلك سلوكُ طريقٍ مُعيَّنة سلَكَها السلف الصالح، فإنّ الأحوال تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإنْ رأى الصلاح في تقسيم ما حَصل في بيت المال في كلّ عامٍ فعَل، وإنْ رأى الصلاح في تقسيمه في الشهر أو الأسبوع أو اليوم فَعَل. ثمّ إذا فاضَ مِن بيتِ مال المسلمين على ما يقوم بكفايتهم، وما يدخِر لدفْع ما ينوبهم، جعل ذلك في مُناجزة الكَفَرة، وفتْح ديارِهم، وتكثير جهاتِ المسلمين، وفي تكثير الجيوش والخيل والسلاح، فإنّ تقويةَ جيوش المسلمين هي الأصلُ الأصيل في دفْع المفاسد وجَلْبِ المصالح. ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٧٥٦. ومِن أعظم موجبات تكثيرِ بيت المال وتوسيع دائرته؛ العدلُ في الرعية، وعدمُ الجور عليهم، والقَبولُ من مُحْسِنهم، والتجاوزُ عن مسيئهم، وهذا معلومٌ بالاستقراء في جميعِ دول الإسلام والكُفر ...». وعن زيدٍ عن أبيه أنّه سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: «أما والذي نفسي بيده؛ لولا أن أتركَ آخر النّاس بَبَّانًا (١) ليس لهم شيء ما فُتِحت عليَّ قرية إلاَّ قَسمْتُها كما قسَم النبيّ - ﷺ - خيبر، ولكنّي أتركها خِزانةً لهم يقتسمونها (٢)» (٣). وفي رواية: «لولا آخر المسلمين؛ ما فُتِحَت عليهم قرية، إلاّ قسمْتُها كما قسَم النبيّ - ﷺ - خيبر» (٤). ----------------------- (١) جاء في «الفتح»: «قال أبو عبيدة بعد أن أخرجه عن ابن مهدي: قال: ابن مهدي يعني شيئًا واحدًا، قال الخطابي: ولا أحسب هذه اللفظة عربية، ولم أسمعها في غير هذا الحديث، وقال الأزهريّ: بل هي لغة صحيحة، لكنها غيرُ فاشية في لغة معد، وقد صحَّحَها صاحب العين وقال: ضوعفت حروفه، وقال: البَبَّان: المعدَم الذي لا شيء له، ويقال: هم علىَ بَبَّان واحدٍ، أي: على طريقةٍ واحدة، وقال ابن فارس: يقال هم بَبَّان واحد، أي: شيء واحد، قال الطبري: البَبَّان: المعدَم: الذي لا شيء له، فالمعنى: لولا أن أتركهم فقراءَ مُعدمين، لا شيء لهم، أي: متساوين في الفقر». (٢) أي: يقتسمون خراجها. «الفتح». (٣) أخرجه البخاري: ٤٢٣٥، ومسلم: ٢٣٣٤، قال الحافظ -رحمه الله -: زاد ابن إدريس في روايته: «ما افتَتَح المسلمون قَريةً مِن قرى الكُفَّار؛ اِلا قَسَمْتها سُهمانًا». (٤) أخرجه البخاري: ٤٦٣٦، ٢٣٣٤. وانظر إن شئت المزيد من الفائدة «نيل الأوطار» (٨/ ١٦٢) (كتاب الجهاد) (باب حُكم الأرض المغنومة). الغُلول تعريفه: الغلول: هو الخيانة في المغنم، والسّرقة مِن الغنيمة قبل القِسمة (١). تحريم الغُلول: قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال: «ما كان لنبيّ أن يتَّهمَه أصحابُه (٣)» (٤). وفي رواية: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فُقِدت يوم بدر، فقال بعضُ النّاس: لعلّ رسول الله - ﷺ - أخذها، فأنزل اللهعز وجل- ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية» (٥). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «خَرجْنا مع رسول الله - ﷺ - يوم خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة؛ إلاّ الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضُّبَيب -يقال له: رِفاعة بن زيد- لرسول الله - ﷺ - غلامًا يقال له مِدعَم، فوجَّه ------------------------ (١)»النّهاية«. (٢) آل عمران: ١٦١. (٣) أي ما كان لنبيٍّ أن يخون أصحابه؛ فيما أفاء الله عليهم، مِن أموال أعدائهم. وانظر»تفسير الطبري«. (٤) أخرجه البزّار في مسنده، وانظر»الصحيحة«(٢٧٨٨). (٥) أخرجه أبو داود (٣٩٧١) والترمذي وغيرهما، وانظر»الصحيحة" تحت الحديث (٢٧٨٨). رسول الله - ﷺ - إلى وادي القُرى، حتى إذا كان بوادي القُرى -بينما مِدْعَم يحطُّ رَحْلًا لرسول الله - ﷺ - إذا سهْمٌ عائر (١) فقتَله، فقال النّاس: هنيئًا له الجنّة. فقال رسول الله - ﷺ -: كلاّ؛ والذي نفسي بيده؛ إنّ الشملة (٢) التي أخذَها يوم خيبر مِن المغانم؛ لم تُصبها المقاسم، لتَشْتَعل عليه نارًا، فلمّا سَمِع ذلك النّاس جاء رجل بشِراكٍ (٣) أو شِراكين إلى النبيّ - ﷺ - فقال: شِراك من نار أو شِراكان من نار» (٤). وعن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «لمّا كان يومُ خيبر أقْبَل نفرٌ مِن صحابة النبيّ - ﷺ -، فقالوا: فلانٌ شهيد، فلانٌ شهيد، حتى مرّوا على رجلٍ فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - ﷺ -: كلاّ إني رأيته في النار في بُردةٍ (٥) غلَّها أو عباءةٍ» (٦). ----------------------- (١) سهم عائر: أي لا يُدرى من رمى به. «الفتح». (٢) الشملة: كساءٌ يُتغطَّى به، ويُتلفّف فيه. «النّهاية». (٣) الشِّراك: -بكسر السين- وهو السير المعروف؛ الذي يكون في النعل على ظهر القدم. «شرح النّووي». (٤) أخرجه البخاري: ٦٧٠٧، ومسلم: ١١٥. (٥) قال النّووي -رحمه الله-: «أمّا البردة -بضم الباء- فكساءٌ مخُطَّط وهي الشملة والنَّمِرة، وقال أبو عبيد: هو كساء أسود فيه صور وجمعها بُرَد -بفتح الراء-» انتهى. والنّمرة: كل شملة مخطوطة من مآزر الأعراب؛ لأنها أُخذت مِن لون النَّمِر، لما فيها مِن السواد والبياض. «النّهاية». (٦) أخرجه مسلم: ١١٤. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:»قام فينا النبيّ - ﷺ - فذكَر الغلول فعظَّمَه، وعظَّم أمْرَه، قال: «لا أُلفِيَنَّ (١) أحدكم يوم القيامة؛ على رقبته شاةٌ لها ثُغاء (٢)، وعلى رقبته فرسٌ له حَمْحَمَة (٣)» (٤). وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «كان على ثَقَل (٥) النبيّ - ﷺ - رجلٌ يقال له كِركَرة، فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلَّها» (٦). وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - «أنّه نهى أن تُباع السهام حتى تُقسم» (٧). وعن عبادةَ بن الصامت -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - ﷺ - كان يقول: «أدّوا الخِياط والمِخْيَط (٨)، وإيّاكم والغُلول، فإنّه عارٌ على أهله يوم القيامة» (٩). ---------------------- (١) أي: لا أجدنَّ. (٢) ثُغاء: صوت الشاة. (٣) حمحمة: صوت الفرس عند العلف، وهو دون الصهيل. «فتح». (٤) أخرجه البخاري: ٣٠٧٣، ومسلم: ١٨٣١. (٥) الثّقَل -بمثلثة وقاف مفتوحتين-: العيال: وما يثقُل حَمْلُه من الأمتعة «الفتح». (٦) أخرجه البخاري: ٣٠٧٤. (٧) أخرجه الدارمي بسند حسن، وانظر «هداية الرواة» برقم (٣٩٤٥). (٨) الخِياط: الخيط، والمِخيط -بالكسرة-: الإبرة. «النّهاية». (٩) أخرجه الدارمي وإسناده حسن، وانظر «هداية الرواة» برقم (٣٩٥٢). ما يجوز الانتفاع به قبل قسمة الغنائم يُباح للمقاتلين أن ينتفعوا بالطعام وعَلَف الدواب؛ ما داموا في أرض العدوّ، قبل أنْ تُقسّم عليهم. عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ -رضي الله عنه- قال: «كنّا محاصِرين قصرَ خيبر، فرمى إنسانٌ بجرابٍ (١) فيه شحم، فنزوت (٢) لآخذه، فالتفتُّ، فإذا النبيّ - ﷺ - فاستحييتُ منه» (٣). وفي رواية «فالتَفَتُّ فإذا رسول الله - ﷺ - مُتبسّمًا» (٤). وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: «أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثمّ ينصرف» (٥). وعن ابن -عمر رضي الله عنهما- «كنّا نُصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه (٦)» (٧). ---------------------- (١) الجراب: وعاء مِن جِلد. (٢) أي: وَثَبْت، وهي رواية مسلم: ١٧٧٢. (٣) أخرجه البخاري: ٣١٥٣ واللفظ له، ومسلم: ١٧٧٢. (٤) أخرجه مسلم: ١٧٧٢. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٥٣)، والحاكم (٢/ ١٢٦) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي، وشيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضية» (٣/ ٤٦٨) وكذا البيهقي. (٦) قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «أي ولا نحمله على سبيل الادّخار، ويُحتمل أن يُريد ولا نرفعه إلى متولّي أمر الغنيمة، أو إلى النبيّ - ﷺ -، ولا نستأذنه في أكْلِه، اكتفاءً بما سَبَق منه مِن الإذن». (٧) أخرجه البخاري: ٣١٥٤. جاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٧٤٥): «قال مالك في»الموطأ«: لا أرى بأسًا أن يأكُل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو مِن طعامهم؛ ما وجدوا مِن ذلك كلّه، قبل أن تقع في المقاسم». وقال أيضًا: «أنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام؛ يأكُلُ منه المسلمون إذا دخَلوا أرض العدو؛ كما يأكلون الطعام». وقال: «ولو أنّ ذلك لا يُؤكَل حتى يحضُر النّاس المقاسم ويُقسَم بينهم؛ أضرَّ ذلك بالجيوش، قال: فلا أرى بأسًا بما أُكل من ذلك كلّه؛ على وجه المعروف والحاجة إليه، ولا أرى أن يدّخِرَ ذلك شيئًا؛ يَرجِع به إلى أهله. قلت: وعليه أهل العلم». انتهى. قلت: ويجوز ركوب الدوابّ وما في معناها، ولبس الثياب، مِن غير إتلاف ولا إخلاق. فعَنْ رُوَيْفعِ بْنِ ثَابِتٍ الأنصَارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا (١) رَدَّهَا فِيهِ (٢)، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ (٣) رَدَّهُ فِيهِ» (٤). ------------------------ (١) أعْجَفَها: أي أضعَفها وأهزلها «عون المعبود» (٧/ ٢٦٨). (٢) أي: الفيء. (٣) أخلَقَه: أي أبلاه. (٤) أخرجه أحمد وأبو داود (٢٠٧٨) وغيرهما، وقال شيخنا -رحمه الله- حسن صحيح، وانظر «التعلقيات الرضية على الروضة الندية» (٣/ ٤٦٧). جاء في عون المعبود (٧/ ٢٦٨): «قال في»السبيل«: يُؤخَذ منه جوازُ الركوبِ ولبسِ الثوب، وإنما يتوجه النهي إلى الإعجاف والإخلاق للثوب، فلو رَكِب من غير إعجاف، وَلَبِس من غَير إخلاق وإتلافٍ؛ جاز. انتهى. قال في»الفتح«: وقد اتفقوا على جواز رُكوب دوابِّهم يعني؛ أهلَ الحرب ولبس ثيابِهم، واستعمال سلاحهم حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب. وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام وعليه أن يردّ كلما فرغت حاجته، ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر بردّه انقضاء الحرب لئلا يُعرّضه للهلاك». قلت: وقوله بإذن الإمام ليس على الإطلاق، لحديث عبد الله بن مغفّل -رضي الله عنه- قال: «أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فقال: فالتزمتُه، فقلت: لا أُعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا؛ فالتفتّ فإذا رسولُ الله - ﷺ - متبسَّمًا» (١). قال النّووي -رحمه الله-: «ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلاَّ الزهري ...». .......................(١) أخرجه مسلم: ١٧٧٢. أسرى الحرب ومن جملة الغنائم الأسرى، ولا خلافَ في ذلك (١)، وهم على قسمين: ١ - النساء والصبيان، وهذا القسم يكون رقيقًا بمجرّد السبي، لأن النبيّ - ﷺ - نهى عن قَتْل النساء والصبيان (٢). فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ النبيّ - ﷺ - أغار على بني المُصطَلَق وهم غارُّون (٣) وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقَتَل مُقاتِلتَهم (٤)، وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومئذ جُوَيْرية (٥)» (٦). ------------------------ (١) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٧٤٨). (٢) وفي ذلك أحاديث منها حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - ﷺ -، فنهى رسول الله - ﷺ - عن قَتْل النساء والصبيان» أخرجه البخاري: ٣٠١٥، ومسلم: ١٧٤٤ وتقدّم. (٣) وهم غارُّون: جمع غار بالتشديد أي غافل، أي أخَذَهم على غِرة. «الفتح». (٤) أي: الطائفة البالغين الذين هم على صدد القتال. «الكرماني». (٥) قال النّووي -رحمه الله- (١٢/ ٣٦): وفي هذا الحديث جواز الإغارة على الكُفّار الذين بلغتهم الدعوة مِن غير إنذار بالإغارة ... «وانظر تتمة كلام النّووي -رحمه الله- إن شئت المزيد. (٦) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠، ولفظ مسلم من حديث ابن عون قال:»كتبت إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتَب إليَّ إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ قد أغار رسول الله - ﷺ - ... «وذكره، وتقدّم. وانظر رواية الإمام أحمد -رحمه الله- وما جاء في»الإرواء" تحت رقم (١٢١٢) -إنْ شئت-. ٢ - الرجال البالغون المقاتِلون، والإمام فيهم مخُيَّرٌ بينَ قَتْلٍ وَرِقٍّ ومَنٍّ وفداءٍ بمالٍ أو بأسيرٍ مسلم. أمّا القَتل: فلقوله تعالى: ﴿فاقتُلُوا المُشْركِينَ حَيْثُ وَجَدتمُوهُم﴾ (١). وقَتَل النبيّ - ﷺ - رجالًا مِن بني قريظة حين حكَم فيهم سعد بن معاذ -رضي الله عنه- فقال: أَحْكُم فيهم أن تُقتل مُقاتلتهم وتُسبَى ذراريُّهُم وتُقسّم أموالهم، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد حكمْتَ بحُكم الله -عز وجل- وحُكم رسوله» (٢). وجاء في «سنن أبي داود» تحت (بابُ قتلِ الأسير ولا يُعرَض عليه الإسلام) عن سعد قال: «لمّا كان يوم فتح مكة أمَّنَ رسول الله - ﷺ - الناس إلاَّ أربعةَ نفر وامرأتين وسمّاهم، وابن أبي سَرْح، فذكَر الحديث. قال: وأمّا ابنُ أبي سرح؛ فإنّه اختَبأ عند عثمان بن عفان، فلمّا دعا رسول الله - ﷺ - النّاس إلى البيعة؛ جاء به حتى أوقَفَه على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا نبيَّ الله بايعْ عبد الله، فرفَع رأسه فنظَر إليه ثلاثًا، كلّ ذلك يأبى، فبايَعَه بعد ثلاث، ثمّ أقبَلَ على أصحابه فقال: أمَا كان فيكم رجل رشيد؛ يقوم إلى هذا حيث رآني كَففْتُ يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأتَ إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنةُ الأعين» (٣). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله - ﷺ - دخَل مكَّة عام -------------------- (١) التوبة: ٥. (٢) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وانظر»الصحيحة«(٦٧) و»الإرواء«(١٢١٣). (٣) أخرجه أبو داود: (٢٦٨٣، ٤٣٥٩) وغيره وانظر»الصحيحة" (١٧٢٣). الفتح وعلى رأسه المِغفَر (١)، فلمَّا نَزَعَه جاءه رجل فقال: ابن خَطَل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه. قال أبو داود: ابن خَطَل اسمه عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قَتَله» (٢). وأمّا دليل الرِّق، فقوله - ﷺ - لوفد هوازن: «... وأحبّ الحديث إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي» (٣). قال في «منار السبيل» (ص ٢٧٢): «ولأنه يجوز إقرارهم بالجزية، فبالرقّ أولى؛ لأنّه أبلَغُ في صَغارهم». وأمّا المنّ -وهو إطلاق سراح الأسير مجّانًا-، فلقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤). ولأنّه - ﷺ - مَنّ على ثُمامة بن أُثال، وسيأتي بتمامه -إن شاء الله تعالى- في (باب ما جاء في الإحسان إلى الأسرى). وكذلكَ منَّ النبيُّ - ﷺ - على أبي العاص بن الربيع. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لمّا بعَثَ أهلُ مكّةَ في فداء أسراهم؛ بَعَثَتْ زينبُ بنتُ رسول الله - ﷺ - في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبَعَثَتْ فيه ---------------------- (١) زرَد يُنسج من الدروع، على قدر الرأس، يُلبس تحت القلنسوة. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٣٣٥). (٣) أخرجه البخاري: ٢٥٣٩، ٢٥٤٠ من حديث مروان والمسور بن مخرمة -رضي الله عنهما-. وتقدم غير بعيد. (٤) محمد: ٤. بقلادة لها؛ كانت خديجة أدخلَتْها بها على أبي العاص؛ حينَ بنَى عليها. قالت: فلمّا رآها رسول الله - ﷺ -، رقَّ لها رِقّةً شديدة، وقال؛ إنْ رأيتم أنْ تُطلِقوا لها أسيرها، وترُدُّوا عليها مالها، فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلَقوه وردُّوا عليها الذي لها» (١). وأمّا الفداء بالمال، فإنّه قد ثبَت عن النبيّ - ﷺ - أنّه فدى أهل بدرٍ بمال (٢). ْوأمّا الفداء بالأسير المسلم، فلأنّه قد ثبَت عن رسول الله - ﷺ - أنّه فدّى رجلين مِن أصحابه برجلٍ مِن المشركين من بني عُقَيل. عن عمرانَ بنِ حصين قال: «كانت ثقيف حلفاء لبنى عُقَيل، فأسرَت ثقيف رجلين مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسرَ أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - رجلًا مِن بني عقيل ... ففُدِي بالرجلين» (٣). ويَجب على الحاكم فِعْل الأصلح، فمتى رأى المصلحة للمسلمين في إحدى الخصال، تعيَّنَت عليه، لأنّه ناظرٌ للمسلمين، وتخييره تخيير اجتهاد لا شهوة (٤). قال ابن المناصف -رحمه الله-، في «الإنجاد» (١/ ٢٦٩): «يكون نَظَر -------------------------- (١) أخرجه ابن إسحاق في»السيرة«ومن طريقه أبو داود وابن الجارود والحاكم وأحمد وحسَّنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٢١٦/ ٢). (٢) أخرجه أبو داود (٢٩٩١) وغيره، وانظر للمزيد من الفائدة والتفصيل ما جاء في»الإرواء«(١٢١٨). (٣) أخرجه مسلم: ١٦٤١ مُطوّلًا، وانظر للمزيد من الفائدة -إن شئت- ما جاء في: الإرواء» (١٢١٧). (٤) انظر «منار السبيل» (ص ٢٧٢). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#178 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 216الى صــ230 الحلقة (176) الإمام في الأسرى؛ بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام، فمَن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ، أو رأيُهُ وتدبيرُه، وما أشبه ذلك مِن الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قَتْلُهُ، إلاَّ أن يَعْرضَ هناك ما يمنع، وتكونُ مراعاته أهمّ، مِثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ مِن المسلمين، لا يُستطاع إخراجُه إلاَّ بالمفاداة بهذا، وما أشبهَ ذلك مِن وجوه النَّظَرِ في الحال، وذلك غير مُنْحَصرٍ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومَن لم يكن مِن الأسرى على هذه الصِّفة، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر أيضًا مِن وجوه النَّظَر - فالأوْلَى المفاداةُ. ومن يُرجى إسلامُه بَعدُ، أو الانتفاع به في استمالة أهل الكفر، أو كَسْرِ شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعِم عليه؛ فالأَوْلَى المَنُّ. ومَن كان صانعًا أو عسيفًا يُنتفع بمِثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجهٌ مِن الوجوه المتقدمة؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء، أو ضُربت عليهم الجزية -إن كانوا من أهلها- على حسب ما يظهر من ذلك. وبالجملة، فالنَّظَر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال؛ أوسَعُ من هذا، وإنما نَبَّهْنا على أنموذج من طريق النَّظَر، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه، إلاَّ أنّه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه؛ إلاَّ لمصلحةٍ في حقِّ المسلمين؛ يغلب على نَظَرِه واجتهاده أنهأ أَوْلى. فأمَّا القتل، فما دام الإمام مُرتئيًا؛ لم يَعزِم على واحدةٍ مما سواه؛ ساغَ له القتل -ولو بعد مدةٍ-. قال بعض الفقهاء: لو عَرَضَهم للبيع ليختبر أثمانهم، ويناظر بها وجه المصلحة في إحرازها للمسلمين، أو قتلهم، وما أشبه هذا؛ كان له من ذلك ما رآه بعد، فإذا أنفَذَ نظَرَهُ في واحدةٍ من ذلك غير القتل، أو أسقَط عنه القتل، وبقي مرتئيًا فيما عداه من الوجوه؛ لم يكن له الرجوع إلى القتل؛ لأنه حُكْمٌ وَقَعَ، يتضمَّن التأمين، والله أعلم». جوازُ استرقاقِ الكُفّار مِنْ عربٍ أو عَجَم (١) يجوزُ استرقاقُ العرب، لأنّ الأدلة الصحيحة قد دلَّت على جواز استرقاق الكُفَّار، مِن غير فَرْقٍ بين عربيٍّ وعجمي، وذَكَرٍ وأنثى. ولم يقُم دليلٌ يصلُح للتمسك قطّ في تخصيص أسْرى العرب بعدم جواز استرقاقهم؛ بل الأدلّة قائمةٌ متكاثرة على أن حُكْمهم حُكمُ سائر المشركين. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «ما زلت أُحبُّ بني تميم منذ ثلاثٍ، سمعتُ مِن رسول الله - ﷺ - يقول فيهم: سمعته يقول: هم أشدّ أمّتي على الدجّال، قال: وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله - ﷺ -: هذه صدقات قومِنا، وكانت سَبِيَّةٌ منهم عند عائشة؛ فقال: أعتقيها؛ فإنها مِن وَلَد إسماعيل» (٢). وعن مروان والمِسْوَر بنِ مخرمة -رضي الله عنهما-: «أنّ النبيّ - ﷺ - قام حين جاءه وفْد هوازن، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم فقال: إنّ معي من ترون وأَحَبُّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي ...» (٣). ------------------------ (١) عن الروضة الندية (٢/ ٧٥٠) بتصرف يسير. (٢) أخرجه البخاري: ٢٥٤٣، ومسلم: ٢٥٢٥. (٣) أخرجه البخاري: ٢٥٣٩، ٢٥٤٠، وتقدّم. وعن ابن عون قال: «كتبتُ إلى نافع، فكتَب إليّ أن النبيّ - ﷺ - أغارَ على بني المصطلِق وهم غارّون وأنعامُهم تُسقى على الماء فَقَتل مُقاتلتهم وسبَى ذراريَّهم وأصاب يومئذٍ جُوْيرية ...» (١). وقد ذهَب إلى جوازِ استرقاق العرب الجمهور، والحاصل: أنّ الواجب الوقوفُ على ما دلّت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة؛ مِن التخيير في كلِّ مُشرك بين القتل والمَنّ والفداء والاسترقاق، فمن ادَّعى تخصيصَ نوعٍ منهم، أو فرْدٍ مِن أفرادهم فهو مُطالَب بالدليل. وأمّا أسْرُ نساء العرب فالأمر أظهر مِن أن يُذكر، والوقائع في ذلك ثابتة في كُتُب الحديث: الصحيحين وغيرِهما، وفي كتب السِّيَر جميعها«. إذا أسلم الأسير حَرُمَ قتْلُه عن ابن شُماسةَ المَهْري قال: حَضَرْنا عمرو بنَ العاص وهو في سياقةِ الموت، فبكى طويلا وحوّل وجهَه إلى الجدار، [وذكر الحديث وفيه] أما علِمت أنّ الإسلام يَهْدِم (٢) ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدِم ما كان قبلها، وأنّ الحجَّ يَهدِم ما كان قبله» (٣). قلت: فيستفاد من هذا الحديث؛ أن الإسلام يهدِم ما استوجبه هذا الأسير من قَتْل. ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠، وتقدّم. (٢) وفي رواية أحمد «يجُبّ» وإسنادها صحيح وانظر «الإرواء» (١٢٨٠). (٣) أخرجه مسلم: ١٢١. ما وَرَد في الإحسان إلى الأسرى قال الله -تعالى-: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ (١) مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٢). قال ابن جرير -رحمه الله-: ﴿وَأَسِيرًا﴾: وهو الحربيّ مِن أهل دار الحرب، يُؤخَذ قهرًا بالغَلبَة، أو مِن أهل القبلة يُؤخذ فيُحبَس بحقّ. وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: فُكّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» (٣). ومِن جملة الإحسان المنّ على الأسرى إذا رأى الإمام مصلحةً في ذلك. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بَعثَ النبيّ - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجُلٍ مِن بني حنيفة يقال له ثُمامةُ بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرَج إليه النبيّ - ﷺ - فقال: ماذا عندك يا ثُمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إنْ تَقْتلني تقتْل ذا دم، وإن تُنْعم تُنْعِم على شاكر، وإنْ كنت تريد المال فَسلْ منه ما شئت. فتُرك حتى كان الغد ثمّ قال: له ما عندك يا ثُمامة فقال: ما قلت لك، إنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، فترَكَه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثُمامة فقال: عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثُمامة. ---------------------- (١) أي: وهم يشتهون هذا الطعام. (٢) الإنسان: (٨، ٩). (٣) أخرجه البخاري: ٣٠٤٦. فانطلق إلى نخْلٍ (١) قريب من المسجد، فاغتسل ثم دَخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمّد والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغَضُ (٢) إليّ مِن وجهك، فقد أصبَحَ وجهُك أحبَّ الوجوه إليّ، والله ما كان مِن دينٍ أبغضَ إليّ من دينك فأصبح دينُك أحبَّ الدين إليّ، والله ما كان مِن بلدٍ أبغضُ إليّ مِن بلدِك، فأصبَح بلدُك أحبَّ البلاد إليّ، وإنَّ خيلَك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله - ﷺ - وأمرَهَ أن يعتمر، فلمّا قَدم مكة قال له قائل: صَبَوْت؟ قال: لا ولكنْ أسلمتُ مع محمّد رسولِ الله - ﷺ -، ولا والله لا يأتيكم مِن اليمامة حبّةُ حِنطة حتى يأذَن فيها النبيّ - ﷺ -» (٣). وفي زيادة: «وانصَرف إلى بلده، ومنَع الحمل إلى مكّة؛ حتى جَهِدَت قريش، فكتبوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، يُخلِّي إليهم حمْل الطعام، ففعَل رسول الله - ﷺ -» (٤). وفي زيادة أُخرى: حتى قال عمر: «لقد كان والله في عيني أصغر من الخنزير، وإنّه في عيني، أعظم من الجبل» (٤). -------------------- (١) وردت بالجيم: وهو المال القليل المُنبعث، ووردت بالخاء، وتقديره: انطلَق إلى نخلٍ فيه ماء، فاغتسَل منه. وانظر «شرح النّووي» (٨٩١٢). (٢) وردَ بالرفع والنّصب، وهما وجهان في النحو. (٣) أخرجه البخاري: ٤٣٧٢، ومسلم: ١٧٦٤. (٤) أخرجهما أحمد وإسنادهما حسن، انظر «الإرواء» (٥/ ٤٢). وعن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: «لما قَسَمَ رسول الله - ﷺ - سبايا بني المُصْطَلِق؛ وقعَت جويرية بنت الحارث في السّهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عمٍّ له، وكاتَبته على نفسها، وكانت امرأةً حلوة مُلاّحة (١)، لا يراها أحد إلاَّ أخذَت بنفسه، فأتَت رسول الله - ﷺ - تستعينه في كِتابتها. قالت: فوالله ما هو إلاّ أن رأيتها على باب حجرتي؛ فكرِهْتُها، وعرفت أنّه سيرى منها ما رأيت، فدخَلَت عليه، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيّد قومه، وقد أصابني ما لم يخفَ عليك، فوقعْتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشِّماس أو لابن عمٍّ له، فكاتَبْتُه على نفسي، فجئتك أستعينك على كِتابتي. قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتَك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعَلْتُ، قالت: وخرَج الخبر إلى النّاس أنّ رسول الله - ﷺ - تزوَّجَ جويريةَ بنتَ الحارث، فقال النّاس: أصهار رسول الله - ﷺ - فأرسَلُوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتقَ بتزويجه إياها مائةَ أهلِ بيتٍ مِن بني المُصطَلِق، فما أعلَمُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها» (٢). ------------------- (١) مُلاّحة أي: شديدةَ المَلاحَة، وهو من أبنية المبالغة. «النّهاية». قلت: على وزن فُعّال كقوله -تعالى-: ﴿وَمَكرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾. وانظر «التطبيق الصرفي» (ص ٨٧) للدكتور عبده الراجحي. (٢) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وحسّن شيخنا -رحمه الله- إسناده في «الإرواء» (٥/ ٣٧) تحت الحديث (١٢١٢). ما ورَد في الإحسان إلى الرقيق قال الله -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى (١) وَالْجَارِ الْجُنُبِ (٢) وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (٣) وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤). عن أبي ذرِ الغِفاريّ -رضي الله عنه- قال: «قال النبيّ - ﷺ - إنّ إخوانكم خوَلُكم (٥) جعَلَهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعمِه مما يأكل وليُلبِسْه مما يلبس، ولا تُكلّفوهم ما يغلبهم، فإنْ كلّفتموهم ما يَغْلِبهُم، فأعينوهم» (٦). وعن أبي هريرة- ر ضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «للمملوك طعامه وكسوته ولا يُكلَّف مِن العمل إلاَّ ما يُطيق» (٧). عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كان النبيّ - ﷺ - يوصي ----------------------- (١) أي: الجار ذي القرابة والرّحم، فله حقّان اثنان: حقّ القرابة وحقّ الجار. (٢) هو الجار الغريب البعيد المجانِب للقرابة. (٣) والصاحب بالجنب، قال بعضُ أهل التأويل: هو رفيق الرجل في سفره، وقال آخرون: هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه، وقال آخرون: هو الذي يلزَمُك ويصحبُك رجاء نفْعِك، قال ابن جرير -رحمه الله -»فالصواب أن يُقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلّهم قد أوصى الله بالإحسان إليه«. (٤) النساء: ٣٦. (٥) هم الخَدَم، سُمّوا بذلك لأنهم يتخوّلون الأمور: أي يُصلحونها.»الفتح". (٦) أخرجه البخاري: ٢٥٤٥، ومسلم: ١٦٦١. (٧) أخرجه مسلم: ١٦٦٢. بالمملوكين خيرًا ويقول: أطعِموهم مما تأكلون، وألبِسوهم من لَبوسكم، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله -عز وجل-«(١). وعن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمِعْت مِن خلفي صوتًا: اعلم أبا مسعود للهُ أقدَرُ عليك منك عليه، فالتفتُّ فإذا هو رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! هو حرٌّ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل، للفَحَتْك النار، أو لمسَّتك النار» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ أبا القاسم - ﷺ - يقول: «مَن قذَف مملوكه وهو بريء ممّا قال؛ جُلدَ يوم القيامة، إلاّ أن يكون كما قال» (٣). وعن عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: «لا يَضْرب أحدٌ عبدًا له، وهو ظالمٌ له؛ إلاّ أُقيدَ (٤) منه يوم القيامة» (٥). عن أبي ليلى قال: «خرَج سلمان فإذا علَفُ دابّته يتساقط من الآريّ (٦)، فقال لخادمه: لولا أنّي أخاف القِصاص لأوجعتك ضَرْبًا» (٧). وعن زاذان: «أن ابن عمر -رضي الله عنهما- دعا بغلام له فرأى بظهره أثرًا ----------------------- (١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«»صحيح الأدب المفرد«(١٣٩). (٢) أخرجه مسلم: ١٦٥٩. (٣) أخرجه البخاري: ٦٨٥٨، ومسلم: ١٦٦٠. (٤) أُقيد منه: مِن القَوَد وهو القِصاص، أي: أُقتصّ منه يوم القيامة. (٥) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«»صحيح الأدب المفرد«(١٣٤). (٦) الآريّ: محبس الدّابة. (٧) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«»صحيح الأدب المفرد" (١٣٥). فقال له: أوجعتك؟ قال: لا قال: فأنت عتيقٌ. قال: ثم أخذ شيئًا مِن الأرض فقال: ما لي فيه من الأجر ما يَزِن هذا، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: مَن ضرَب غلامًا له حدًّا لم يأته، أو لَطَمه؛ فإن كفّارتَه أن يُعتقه» (١). وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: مَن كانت له جارية، فعلَّمها فأحسن إليها، ثمّ أعتقَها وتزوَّجَها كان له أجران» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يَقُلْ أحدكم: عبدي، أَمَتي، وليقُل: فتاي وفتاتي وغلامي» (٣). وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «كان آخر كلام رسول الله - ﷺ -: الصلاةَ (٤)، الصلاةَ، اتقوا الله فيما ملكت أيمانُكم» (٥). ربط الأسير وحبْسُه فيه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بَعَثَ النبيُّ - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل مِن بني حَنيفة، يقال له ثُمامة بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ مِن ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٦٥٧. (٢) أخرجه البخاري: ٢٥٤٤، ومسلم: ١٥٤. (٣) أخرجه البخاري: ٢٥٥٢، ومسلم: ٢٢٤٩. (٤) بالنّصب على تقدير فِعْل، أي: الزموا الصلاة، أو أقيموا أو احفظوا الصلاة بالمواظبة عليها ...»عون المعبود«(١٣/ ٤٤). (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٢٩٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٨٤) وانظر»الإرواء" (٢١٧٨). سواري المسجد» (١). نفيُ جوازِ قتْلِ الحربيّ إذا أتى ببعضِ أَمارات الإسلام (٢) عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «مرّ رجل مِن بني سُليم على نَفَر مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومعَه غنَم فسلَّم عليهم، فقالوا ما سلَّم عليكم إلاَّ ليتعوّذ مِنكم، فعدَوا عليه فقتلوه، وأخذوا غنَمه، فأتوا بها رسول الله - ﷺ - فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ (٣) إلى آخر الآية» (٤). تحرير الرقاب (٥) لقد فَتَح الإسلام أبواب تحرير الرِّقاب، وبيَّنَ سُبُل الخلاص، واتخذ وسائل شتّى لإنقاذ هؤلاء مِن الرِّقّ؛ منها: ١ - أنّه طريقٌ إلى رحمةِ الله وجنّته، يقول الله -سبحانه-: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٦). ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٣٧٢، ومسلم: ١٧٦٤ وتقدّم. (٢) هذا العنوان من «صحيح ابن حبان» انظر «التعليقات الحِسان» (٧/ ١٣٠). (٣) النساء: ٩٤. (٤) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وابن حبان «التعليقات الحِسان» (٤٧٣٢) وغيرهما، وفيه: وقد أخرجَه البخاري: ٤٥٩١، ومسلم: ٣٠٢٥ وغيرهما، من طريق عطاء، عن ابن عباس به، ببعض الاختصار. (٥) عن «فقه السُّنَّة» (٣/ ٤٧٦) بتصرف وزيادة من «تفسير ابن كثير» وغيره. (٦) البلد: ١١ - ١٣. عن البراء -رضي الله عنه- قال: «جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله علِّمْني عَمَلًا يُدخلني الجنة، قال: لئن كنت أقصَرْتَ الخُطبة لقد أعرضْتَ المسألة (١)، أعتق النَّسَمَة (٢)، وفُكَّ الرَقَبَة. قال: أوليستا واحدًا؟ قال: لا؛ عتق النَّسَمَة: أن تعتق النَّسَمَة (٣)، وفكُّ الرَّقبةِ: أن تُعين على الرقبة» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال النبيّ - ﷺ -: «أيُّما رجلٍ أعتَق امرَءًا مسلمًا؛ استنقَذَ الله بكل عضوٍ عضوًا منه مِن النار» (٥). وفي رواية «مَن أعتقَ رقبةً مسلمة؛ أعتقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منه عضوًا مِنه مِن النار، حتى فَرجَه بفرجِه» (٦). ٢ - وأنّ العِتق كَفّارة للقتل الخطأ. يقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٧). ٣ - وأنّه كفَّارةٌ للحَنْث في اليمين لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٨). ------------------------- (١) أي جئت بالخطبة قصيرة، وبالمسألة واسعة كثيرة. «النّهاية». (٢) النَّسَمَة: النفس والروح، أعتق النَّسَمَة: أعتق ذا روح، وكل دابة فيها روح فهي نَسَمَة، وإنّما يُريد النّاس. «النّهاية». (٣) أي: تنفرد بِعتْقها، وفكُّ الرقبة أن تُعين في عِتْقها. (٤) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» «صحيح الأدب المفرد» (٥٠) وغيره. (٥) أخرجه البخاري: ٢٥١٧، ومسلم: ١٥٠٩. (٦) أخرجه البخاري: ٦٧١٥، ومسلم: ١٥٠٩. (٧) النساء: ٩٢. (٨) المائدة: ٨٩. ٤ - وأنّ العِتق كفّارة في حالة الظِّهار، يقول الله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). ٥ - وجعَل الإسلامُ من مصارف الزكاة شراءَ الارقاء وعِتْقَهم، يقول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢). ٦ - ومَن نَذَر أن يُحرّر رقبةَ، وجَب عليه الوفاء بالنذر متى تحقَّق له مقصوده. وبهذا يتبيّن أنّ الإسلام ضيَّق مصادر الرَّق، وعامَل الأرقاء معاملةً كريمةً، تمهيدًا لتحريرهم. ٧ - وأمَرَ الله -سبحانه- بمكاتبة العبد على قَدْرِ من المال، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (٣) وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤). والكتابة: أن يكاتِب الرجلُ عبده على مالٍ يؤديه إليه مُنجَّمًا (٥)، فإذا أدّاه صار حُرًّا، وسُمّيت كتابةً لمصدر كتَب كأنه يكتُب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب ----------------------- (١) المجادلة: ٣. (٢) سورة التوبة: ٦٠. (٣) قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صِدْقًا، وقال بعضهم: مالًا، وقال بعضهم: حيلةً وكسْبًا. قلت: وهذه الأقوال يُفسّر بعضها بعضًا، ولا يمتنع الجمع بينها. والله -تعالى- أعلم. (٤) النور: ٣٣. (٥) قال في «النّهاية»: "... ومنه تنجيم المكاتَب ونجوم الكتابة، وأصْلُه أنّ العرب كانت تجعل مطالعَ منازل القمر ومساقطَها مواقيتَ لحلول ديونها وغيرها، فتقول: إذا طلَع النجم؛ حلّ عليك مالي: أي الثريا، وكذلك باقي المنازل. مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبتُه مكاتبةً والعبد مكاتَب (١). وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا أمرُ إرشاد واستحباب، والسيّدُ مخيَّرٌ في ذلك، وذهَب آخرون إلى وجوب ذلك. والآية تدل على وجوب المكاتبة، بشرط أن يكون للمملوك حيلة وقوة وكسْبٌ ومال؛ يؤدي إلى سيده ما شارطه على أدائه. والأثران الآتيان يدلان على الإيجاب: عن ابن جريج قلتُ لعطاء: «أواجبٌ عليَّ إذا علِمْتُ له مالًا أن أكاتِبَهُ؟ قال: ما أراه إلاَّ واجبًا». وقال عمرو بن دينارٍ: «قلتُ (٢) لعطاء: أتأثُرُه (٣) عن أحد؟ قال: لا، ثمّ أخبَرَني أن موسى بنَ أنس أخبَره أنّ سيرين سأَل أنسًَا المكاتَبَة وكان كثير المال، فأبى، فانطلَق إلى عمر -رضي الله عنه- فقال كاتِبه، فأبى، فضربَه بالدِّرَّة ويتلو عمر: ﴿فَكاتِبوُهُم إنْ عَلِمتُم فِيهِم خيرًا﴾ فكاتَبهُ» (٤). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ سيرين أراد أن يُكاتِبه، فتلكَّأَ ------------------------ (١)»النّهاية«. (٢) القائل: ابن جريج. (٣) أي: أترويه. (٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في»كتاب المكاتَب«(باب المكاتَب ونجومه في كلّ سنة نجم)، ووصلَه إسماعيل القاضي في»أحكام القرآن«بسندٍ صحيح عنه، وكذلك أخرجَه عبد الرزاق والشافعي من وجهين آخرين عن ابن جُريج، وانظر»فتح الباري«(٥/ ١٨٦) و»مختصر البخاري" (٢/ ١٧٩) لشيخنا -رحمه الله-. عليه، فقال له عمر: لتُكاتِبنَّه» (١). الفيء الفيء: ما حصَل للمسلمين، وأفاءه الله -تعالى- عليهم مِن أموال الكُفار من غير حربٍ ولا جهاد. وأصْل الفيء: الرجوع، يُقال: فاء يفيء فئةً وفُيُوءًا؛ كأنّه كان في الأصل لهم فرجَع إليهم، قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) (٣). *لأنَّ الله أفاءه على المسلمين؛ فإنّه خَلَقَ الخَلْق لعبادته، وأحلَّ لهم الطيبات، ليأكلوا طيِّبًا، ويعملوا صالحًا، والكُفّار عبدوا غيره، فصاروا غيرَ مُستحقّين للمال، فأباحَ للمؤمنين أن يعبدوه، وأن يسترِقّوا أنفسهم (٤)، وأن يسترجعوا الأموال منهم، فإذا أعادَها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت، أي: رجَعَت إلى مُستحقّيها* (٥). وقد تنزّل ذِكر الفيء في القرآن الكريم قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ------------------------- (١) أخرجه ابن جرير -رحمه الله- في «تفسيره»، وصحح الإمام ابن كثير -رحمه الله- إسناده في «تفسيره». (٢) البقرة: ٢٢٦. (٣) «النّهاية» بزيادة مِن «حلية الفقهاء». (٤) أي: أنفس الكفار. (٥) ما بين نجمتين من «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٦٣). وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٧٥): «فذكر -سبحانه وتعالى- المهاجرين والأنصار والذين جاءوا مِنْ بَعدِهم على ما وصَف فدخَل في الصنف الثالث، كلّ مَن جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة؛ كما دخلوا في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ (٢) وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤)». وقال -رحمه الله- (ص ٢٧٦): "وسمّيَ فيئًا؛ لأنَّ الله أفاءَه على المسلمين، أي ردَّه عليهم مِن الكفار؛ فإنّ الأصل أن الله -تعالى- إنّما خلَق الأموال إعانةً على عبادته؛ لأنه إنّما خلَق الخلْق لعبادته. فالكافرون به أباحوا أنفسهم التي لم يعبدوه بها، وأموالهم التى لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين ------------------------ (١) الحشر:٦ - ١٠. (٢) الأنفال: ٧٥. (٣) التوبة: ١٠٠. (٤) الجمعة: ٣. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#179 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 246الى صــ260 الحلقة (177) يعبدونه، وأفاء إليهم ما يستحقّونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِبَ مِن ميراثه؛ وإن لم يكن قَبَضَه قبل ذلك». إنفاق رسول الله - ﷺ - على أهله نفقةَ سَنتِهِم مِن الفيء، وجعْل الباقي في مَجْعَل مال الله عن عمرو بن عَبَسَة -رضي الله عنه- قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - إلى بعيرٍ مِن المغنم، فلمّا سلَّم أخَذ وبرة من جنب البعير، ثمّ قال: ولا يَحلّ لي من غنائمكم مثل هذا، إلاَّ الخُمُس والخُمُس مردودٌ فيكم» (١). وعن عطاء في قولهعز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٢). قال: خُمُس الله وخُمُس رسولِه، واحد كان رسول الله - ﷺ -، يحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء«(٣). وعن عمر -رضي الله عنه- قال:»إنّ الله قد خصَّ رسوله - ﷺ - في هذا الفيء بشيء؛ لم يُعْطِه أحدًا غيره ثمّ قرأ: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله ﴿قَدِير﴾. فكانت هذه خالصةً لرسول الله - ﷺ - ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثَرَ ------------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٩٣) والبيهقي والحاكم وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الإرواء» (١٢٤٠). وتقدّم. (٢) الأنفال: ٤١. (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٨٦٢) وقال شيخنا -رحمه الله -: صحيح الإسناد مُرسَل. بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثَّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله - ﷺ - يُنفِق على أهله نفقةَ سَنتَهم مِن هذا المال، ثمّ يأخُذ ما بقي، فيجعله مَجْعَل مال الله، فَعمِل رسول الله - ﷺ - بذلك حياتَه» (١). وعن عمر -رضي الله عنه-: «كانت أموال بني النّضير مما أفاءَ الله على رسوله - ﷺ -، مما لم يوجِف (٢) المسلمون عليه بخيل ولا ركاب (٢)، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة، وكان يُنفِق على أهله نفقة سنته (٣)، ثمّ يجعل ما بقي في السلاح والكُراع (٤)؛ عُدّةً (٥) في سبيل الله» (٦). *قال أبو عبيد -رحمه الله- في كتاب «الأموال» (ص ٢٦٤): «وقد كان رأيُ عمرَ الأول؛ التفصيل على السوابق والغَنَاء عن الإسلام، وهذا هو المشهور مِن رأيه، وكان رأي أبي بكرٍ التسوية، ثمّ قد جاء عن عمرَ شيءٌ شبيهٌ بالرجوع إلى رأي أبي بكر». ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٠٩٤، ومسلم: ١٧٥٧. (٢) يوجف: الإيجاف: هو الإسراع في السير، [والركاب: الإبل]، أي: لم يعملوا فيه سعْيًا؛ لا بالخيل ولا بالإبل. «شرح الكرماني» (١٢/ ١٦٧). (٣) قال النّووي -رحمه الله-: «أي: يعزل لهم نفقَة سنة، ولكنه كان يُنفِقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، فلا تَتِمّ عليه السنة، ولهذا تُوفِّي - ﷺ - ودرعه مرهونةٌ على شعير؛ استدانَه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعًا، وقد تظاهَرَت الأحاديث الصحيحة؛ بكثرة جوعه - ﷺ - وجوع عياله». (٤) أي: الخيل. (٥) قال العيني في «عمدة القاري» (١٤/ ١٨٥): «قوله عُدّةً: وهي الاستعداد، وما أعدَدْته لحوادث الدهر مِن سلاحٍ ونحوه». (٦) أخرجه البخاري: ٢٩٠٤، ومسلم: ١٧٥٧. وروى (ص ٢٦٣) بسند صحيح عن عمرَ خطبتَه بالجابية، قال: أمّا بعد؛ فإنّ هذا الفيءَ شيءٌ أفاءه الله عليكم؛ الرفيع فيه بمنزلة الوضيع. ... إلخ. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعْتُ عمر يقول: «لئن عِشت إلى هذا العام المقبِل؛ لأُلحقنّ آخر النّاس بأولهم؛ حتّى يكونوا بيانًا (١) واحدًا». وسنده حسن. وذكر عن شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: بيانًا واحدًا: أي: شيئًا واحدًا* (٢). يُراعى في قَسْم الفيء قِدَمُ الرجل في الإسلام وبلاؤُه، وعِيالُه وحاجتُه عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: ذكَر عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- يومًا الفيء، فقال: «ما أنا بأحقَّ بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منّا بأحقَّ به من أحدٍ، إلاَّ أنّا على منازلنا مِن كتاب الله -عز وجل- وقَسْمِ رسول الله - ﷺ -، فالرجلُ وقِدَمُه (٣)، والرجل وبلاؤه، والرجل وعِياله والرجل وحاجته» (٤). -------------------- (١) كذا وردت في المصادر المذكورة، وتقدّم قبل صفحات في (حُكم الأرض المغنومة) في قول عمر -رضي الله عنه- في «الصحيحين» بلفظ «ببّانًا» وهذا الراجح من خلال هذه الرواية وكلام الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» والله أعلم. (٢) ما بين نجمتين من كتاب «صحيح سنن أبي داود» (الأمّ) (٨/ ٣٠٢) لشيخنا الألباني -رحمه الله-. (٣) أي: في الإسلام. (٤) أخرجه أبو داود وقال شيخنا -رحمه الله- في «هداية الرواة» (٣٩٩٠): «في إسناده عنعنة ابن إسحاق وقال في»صحيح سنن أبي داود" (الأمّ) (٨/ ٣٠١): لكن له شاهد يأتي = إعطاء المتزوج حظّين والعزب حظًا واحدًا فيه الحديث المتقدم: «... والرجل وعِياله والرجل وحاجته». وعن عوف بن مالك «أنّ رسول الله - ﷺ - كان إذا أتاه الفيء؛ قسَمَه في يومه، فأعطى الآهل (١) حظين (٢)، وأعطى العَزبَ (٣) حظًّا، فدُعينا، وكنت أدعى قبل عمّار فدُعيت، فأعطاني حَظَّين وكان لي أهل، ثمّ دُعي بعدي عمّار بن ياسر، فأُعطي له حظًّا واحدًا» (٤). جاء في «المرقاة» (٧/ ٦٥٨): «والظاهر أنّ في معناه؛ مَن له أحدٌ ممن يَجِب عليه نفقته» أي: له حظّان«. استيعاب الفيء عامّة المسلمين عن مالك بن أوس الحدَثان قال: قَرَأ عمرُ بنُ الخطاب ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...﴾ حتّى بلَغ: ﴿عليم حكيم﴾، فقال: هذه لهؤلاء، ثمّ قَرَأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأنَّ لله خُمُسَهُ ...﴾ حتى بلَغ: ﴿وابن السَبِيلِ﴾، ثُمّ قال: هذه لهؤلاء، ثُمّ قرَأ: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ...﴾ حتّى بلَغ: ----------------------- = ذِكْره، إن شاء الله -تعالى-، وقال في تخريج»سنن أبي داود«(٢٩٥٠):»حسن موقوف«. (١) الآهل -بالمد وكسر الهاء- أي: المتأهل الذي له زوجة، قال في»النيل«:»وفيه دليلٌ عمليّ على أنّه ينبغي أن يكون العطاء؛ على مقدار أتباع الرجل الذي يلزم نفقتهم مِن النّساء وغيرهنّ، إذ غير الزوجة مثلها في الاحتياج إلى المؤونة«وانظر»عون المعبود«(٨/ ١٢٠). (٢) أي: نصيبَين. (٣) العزب: مَن لا زوجة له. (٤) أخرجه أبو داود،»صحيح سنن أبي داود«(٢٥٦٠) وانظر»المشكاة" (٤٠٥٧). ﴿للفقراء﴾، ثمّ قرأ: ﴿والذين جاءوا من بعدهم ...﴾، ثمّ قال: هذه استوعَبَت المسلمين عامّة، فلئِن عشْتُ فليأتينّ الراعي -وهو بِسَرو حِمْيَر (١) - نصيبُه منها، لم يَعْرَق فيها جَبينه» (٢). وفي رواية: «ما مِن أحدٍ؛ إلاَّ وله في هذا المال حقّ أُعطِيَه أو مُنِعَه؛ إلاَّ ما ملكَت أيمانكم» (٣). بل وردَ عن النبيّ - ﷺ - أنّه قسَم للحُرّة والأَمَة. فعن عائشة: «أنّ النبيّ - ﷺ - أُتِيَ بظَبْية (٤) فيها خَرَزٌ، فقسَمها للحُرّة والأَمَة. قالت عائشة: وكان أبي يَقْسِم للحُرّ والعبد» (٥). ------------------------ (١) وهو بسَرو حمير: -بفَتْح السين وسكون الراء المهملتين-: اسم موضع بناحية اليمن، وحِمْيَر -بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتية-، وهو أبو قبيلة من اليمن أضيف إليهم، لأنه محلتهم، وقيل: سرو حِمير موضع من بلاد اليمن وأصل السَّرو ما ارتفع من منحدر، أو ما انحدر من مرتفع، وإنما ذَكَر سِرْو حِمْيَر؛ لما بينه وبين المدينة من المسافة الشاقّة، وذكر الراعي مبالغة في الأمر الذي أراده من معنى التعميم؛ في إيصال القسم إلى الطالب وغيره، والقريب والبعيد، والفقير والحقير، وذلك لأن الراعي يشغله الرعي عن طَلَب حقّه أو لحقارته، يظنّ أنّه لا يُعطى له شيء، بل قلّ أن يُعلَم أنّ له حقًّا في ذلك. «المرقاة» (٧/ ٦٦٢). (٢) انظر «هداية الرواة» (٣٩٩١) و«الإرواء» (٥/ ٨٤). (٣) أخرجه الشافعيّ، وعنه البيهقي، وقال: هذا هو المعروف عن عمر -رضي الله عنه-، قال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» وإسناده صحيح. (٤) بظبية: هي جراب صغير عليه شعر، وقيل: هي شِبه الخريطة والكيس «النّهاية». (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٥٥٩)، وقال شيخنا -رحمه الله- في «هداية الرواة» (٣٩٨٩) وإسناده صحيح. قال القاري: «أي يُعطي كلّ واحد مِن الحرّ والعبد، بقدْر حاجته مِن الفيء ...» (١). عطاء المحرَّرين عن زيد بن أسلم: «أنّ عبد الله بن عمر دخل على معاوية -رضي الله عنهم أجمعين- فقال: حاجَتَك (٢) يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: عطاء المحرَّرين (٣)، فإنّي رأيتُ رسول الله - ﷺ - أول ما جاء شيء بدأ بالمحرَّرين» (٤). *قال الخطابي -رحمه الله-: «يريد بالمحرَّرين المعتَقين، وذلك أنهم قوم لا ديوان لهم، وإنّما يدخلون تبعًا في جملة مواليهم»، وقال القاضي الشوكاني: «فيه استحباب البداءة بهم، وتقديمهم عند القِسمة على غيرهم»* (٥). كيفية تجزئة النبيّ - ﷺ - الفيء عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: «كان فيما احتجَّ (٦) به عمر ---------------------- (١) انظر»عون المعبود«(٨/ ١٢٠). (٢) حاجتك بالنصب: أي اذكر حاجتَك؛ ما هي؟. (٣) عطاء المحرَّرين: جمع مُحرَّر، وهو الذي صار حُرًا بعد أن كان عبدًا.»عون المعبود«. (٤) أخرجه»أبو داود«(٢٩٥١)»صحيح سنن أبي داود«(٢٥٥٨) وقال: شيخنا -رحمه الله- في»هداية الرواة«(٣٩٨٨) وإسناده حسن. (٥) ما بين نجمتين مِن»عون المعبود" (٨/ ١٢٠). (٦) أي استدلَّ به على أن الفيء لا يُقسَم، وذلك بمحضرٍ من الصحابة -رضي الله عنهم- ولم يُنكِروا عليه. -رضي الله عنه- أنّه قال: كانت لرسول الله - ﷺ - ثلاث صفايا (١): بنو النضير (٢) وخيبر وفَدَك (٣)، فأمّا بنو النضير فكانت حُبْسًا (٤) لنوائبه (٥)، وأمّا فَدَك فكانت حُبْسًا لأبناء السبيل (٦)، وأمّا خيبر؛ فجزَّأَها رسول الله - ﷺ - ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزءًا نفقةً لأهله، فما فَضَل عن نفقة أهله؛ جَعَله بين فقراء المهاجرين«(٧). وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- مُفصِّلًا في الفيء: *»وهو الذي ذَكَرَه الله -تعالى- في «سورة الحشر» حيث قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ معنى قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أي ما حرَّكتم ولا أعملتم ولا ------------------ (١) صفايا: جَمْعُ صفية وهو: ما يُصطفى ويُختار، قال الخطابي -رحمه الله-: الصفيّ: ما يَصْطفيه الإمام عن عُرْضِ الغنيمة من شيء قبل أن يُقسم؛ من عبدٍ أو جاريةٍ أو فرسٍ أو سيفٍ أو غيرها. وكان - ﷺ - مخصوصًا بذلك مع الخُمُس له خاصة، وليس ذلك لواحدٍ من الأئمة بعده. قالت عائشة رضي الله عنها: «كانت صفيةُ من الصفيّ أي: كانت صفيةُ بنتُ حُيي -زوجُ النبيّ - ﷺ -- مِن صفيّ المغنم». (٢) أي أراضيهم. (٣) فَدَك -بفتحتين-: قرية بناحية الحجاز. (٤) حُبْسًا: -بضمّ الحاء المهملة، وسكون الموحّدة- أي: محبوسة. (٥) لنوائبه: أي لحوائِجه وحوادثِه؛ من الضيفان والرُّسُل وغير ذلك من السلاح والكراع [أي الخيل: كما تقدم]. (٦) كانت حُبْسًا لأبناء السبيل: قال ابن المَلَك: يُحتمَل أن يكون معناه؛ أنها كانت موقوفةً لأبناء السبيل، أو مُعدَّةً لوقت حاجتهم إليها وَقْفًَا شرعيًا. ملاحظة: استفدت من المرقاة (٧/ ٦٦٣) في شرح الحديث السابق. (٧) أخرجه أبو داود (٢٩٦٧) وقال شيخنا -رحمه الله- في «هداية الرواة» (٣٩٩٢) إسناده حسن. سُقتم [خيلًا ولا إبلًا]. يقال وجَف البعير يَجِف وُجوفًا وأوجَفْته: إذا سار نوعًا مِن السير، فهذا هو الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيلٍ ولا رِكاب، وذلك عبارة عن القتال، أي: فما قاتلوا عليه، كان للمقاتِلةِ، وما لم يُقاتِلوا عليه؛ فهو فيء. مصادر الفيء وهذا الفيء يدخُل فيه جزية الرؤوس التي تُؤخَذ مِن أهل الذمّة، ويدخُل فيه ما يُؤخَذ منهم مِن العشور، وأنصاف العشور، وما يُصالَح عليه الكُفَّار مِن المال؛ كالذي يحملونه، وغيرِ ذلك، ويدخُل فيه ما جَلَوا عنه وتركوه خوفًا مِن المسلمين؛ كأموال بني النضير التي أنزل الله فيها «سورة الحشر» وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. وهؤلاء أجلاهم النبيّ - ﷺ - وكانوا يَسكُنون شرقيَّ المدينة النبوية فأجلاهم بعد أنْ حاصَرهم، وكانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله.* (١). وقال -رحمه الله- (٢٨/ ٢٧٦): «والمال الذي يُصالَح عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين؛ كالحِمل الذي يُحمَل مِن بلاد النصارى ونحوهم؛ وما يُؤخَذ من تجار أهل الحرب -وهو العشر- ومِنْ تُجّار أهل الذِّمَّة إذا اتجَرَوا -------------------------- (١) ما بين نجمتين من»مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٥١٢). في غير بلادهم -وهو نصف العشر- هكذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - يأخذ، وما يُؤخَذ مِن أموال مَنْ ينقُض العهد منهم، والخَراج الذي كان مضروبًا في الأصل عليهم أيضًا -وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين- ثمّ إنّه يجتمع مِن الفيء جميعُ الأموال السلطانية التي لبيت مالِ المسلمين؛ كالأموال التي ليس لها مالك مُعيَّن مثل من مات من المسلمين وليس له وارث مُعيَّن؛ وكالغصوب، والعواري، والودائع التي تَعذَّر معرفة أصحابِها، وغير ذلك مِن أموال المسلمين: العقار والمنقول، فهذا ونحوه مال المسلمين». مصارف الفيء * [وذكر- ربنا سبحانه- مصارف الفىء بقوله]: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فهؤلاء المهاجرون والأنصار؛ ومَن جاء بعدهم إلى يوم القيامة، ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهرواني -من أصحاب أحمد وغيرهم-: "إنّ مَن ------------------------ (١) الحشر: ٧ - ١٠. سَبَّ الصحابة؛ لم يكن له في الفيء نصيب». ومِن الفيء ما ضَرَبه عمر -رضي الله عنه- على الأرض التي فتحها عَنْوَة (١) ولم يَقْسِمها؛ كأرض مصر، وأرض العراق -إلاَّ شيئا يسيرا منها- وبَرّ الشام وغير ذلك. فهذا الفيء لا خُمُس فيه عند جماهير الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإن يرى تخميسه الشافعيّ، وبعض أصحاب أحمد، وذُكر ذلك رواية عنه، قال ابن المنذر: لا يُحفَظ عن أحدٍ قبل الشافعي؛ أنّ في الفيء خُمُسًا كخُمُس الغنيمة. وهذا الفىء لم يكن ملكًا للنبيّ - ﷺ - في حياته عند أكثر العلماء وقال الشافعى وبعض أصحاب أحمد: كان ملكًا له. وأمّا مصرفه بعد موته؛ فقد اتفَق العلماء على أن يُصْرَف منه أرزاقُ الجند المقاتِلين الذين يُقاتِلون الكُفّار؛ فإنَّ تقويتَهم تُذلّ الكُفَّار؛ فيُؤخَذ منهم الفيء. وتنازعوا هل يُصَرف في سائر مصالح المسلمين، أم تَخْتَصّ به المقاتِلة؟ على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه -وهو مذهب أبي حنيفة ومالك-: أنّه لا يَخْتَص به المقاتِلة؛ بل يصرف في المصالح كلِّها. وعلى القولين؛ يُعطَى مَن فيه منفعةٌ عامة لأهل الفيء، فإنّ الشافعيّ قال: ينبغي للإمام أن يَخُصّ مَن في البلدان مِن المقاتِلة -وهو مَنْ بَلَغ، ويُحصي الذُّرّية- وهي من دون ذلك والنساء- إلى أن قال: ثمّ يُعطي المقاتِلة في كلّ عام عطاءهم ويُعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم. ------------------------- (١) عَنْوَة: أي قهرًا وغَلَبة. قال: والعطاء مِن الفيء لا يكون إلاَّ لبالغٍ يُطيق القتال. قال: ولم يختلف أحدٌ ممن لقيه، في أنّه ليس للمماليك في العطاء حقّ ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإنْ فَضُل مِن الفيء شيء؛ وَضَعه الإمام في أهل الحصون والازدياد، في الكُراع والسلاح، وكلّ ما يقوى به المسلمون. فإنِ استغنَوا عنه وحَصَلت كلّ مصلحةٍ لهم فُرِّق ما يبقى عنهم بينهم؛ على قدْر ما يستحقّون مِن ذلك المال. قال: ويعطي من الفيء رزقَ العمال والولاة وكلّ مَن قام بأمر الفيء؛ مِن والٍ وحاكم وكاتب وجندي؛ ممن لا غنى لأهل الفيء عنه. وهذا مُشْكِلٌ مع قوله: إنه لا يُعطى من الفيء صبيٌّ ولا مجنون ولا عبدٌ ولا امرأة ولا ضعيف لا يَقْدِر على القتال؛ لأنه للمجاهدين. وهذا إذا كان للمصالح؛ فيُصرَف منه إلى كلِّ مَن للمسلمين به منفعةٌ عامّة؛ كالمجاهدين وكولاة أمورِهم؛ مِن ولاة الحرب ووُلاة الديوان، وولاة الحُكم، ومَن يقرئهم القرآن، وُيفتيهم ويُحدّثهم ويؤمّهم في صلاتهم ويُؤَذِّن لهم. ويُصرَف منه في سداد ثغورهم وعمارةُ طُرقاتهم وحصونهم ويُصرَف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضًا ويُبدَأ فيه بالأهم فالأهم، فيقدَّم ذوو المنافع الذين يَحْتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا مَنفَعة فيهم. هكذا نصَّ عليه عامّة الفقهاء مِن أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرِهم. قال أصحاب أبي حنيفة يُصرَف في المصالح ما يُسَدُّ به الثغور من القناطر والجسور ويُعطَى قضاة المسلمين ما يكفيهم، ويُدفَع منه أرزاقُ المقاتِلة وذوو الحاجات يُعطَون من الزكوات ونحوها. وما فَضُل عن منافع المسلمين قُسم بينهم. لكن مذهب الشافعي، وبعض أصحاب أحمد؛ أنّه ليس للأغنياء الذين لا منفعةَ للمسلمين بهم فيه حقٌّ إذا فضُل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعَل عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- لمّا كَثُر المال أعطى منهم عامّة المسلمين؛ فكان لجميع أصناف المسلمين فرضٌ في ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيّهِم وفقيرِهم. لكن كان أهلُ الديوان نوعين: مقاتلة -وهم البالغون- وذرية -وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال-؛ ومع هذا فالواجب تقديمُ الفقراءِ على الأغنياء الذين لا منفعةَ فيهم فلا يُعطَى غنيٌّ شيئًا حتى يَفضُل عن الفقراء. هذا مذهب الجمهور؛ كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي -كما تقدم- تخصيص الفقراء بالفاضل»* (١). عقد الأمان إذا طلَب الأمانَ أيُّ فردٍ مِن الأعداء المحاربين، قُبِل منه، وصار بذلك آمنًا؛ لا يجوز الاعتداء عليه؛ بأيّ وجهٍ مِن الوجوه، يقول اللهسبحانه وتعالى-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). (٣). قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «يقول تعالى لنبيِّه -صلوات الله وسلامه عليه-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمَرْتُكَ بقتالهم، وأحلَلْتُ لك استباحة ------------------------ (١) ما بين نجمتين من»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٥٦٤). (٢) التوبة: ٦. (٣) انظر»فقه السُّنَّة" (٣/ ٤٨). نفوسهم وأموالهم، ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمَنك، فأجِبْه إلى طِلْبته ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكُر له شيئًا من أمر الدين تُقيم عليه به حُجَّة الله، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمِنٌ مُستمرّ الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنِه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شَرَعْنا أمانَ مِثْلِ هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في تفسير هذه الآية، قال: «إنسانٌ يأتيك ليسمع ما تقول، وما أُنزِل عليك، فهو آمِنٌ حتى يأتيَك فيسمعَ كلام الله، وحتى يبلغَ مأمنَه حيث جاء». ومِن هذا كان رسول الله - ﷺ - يُعطي الأمان لمن جاءه، مُسترشدًا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعةٌ مِن الرسُل مِن قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومِكْرَز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم؛ واحدًا بعد واحد، يتردّدون في القضية بينه وبين المشركين، فرأَوا مِن إعظام المسلمين رسول الله - ﷺ - ما بَهَرهم وما لم يشاهدوه عند مَلِكٍ ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم فأخبَروهم بذلك، وكان ذلك وأمثالُه مِن أكبر أسباب هداية أكثرِهم (١). --------------------- (١) قلت: يُشير الحافظ ابن كثير -رحمه الله- إلى قصة الحديبية وفيها" ... ثمّ إنّ عروةَ جَعَل يرمُق أصحاب النبيّ - ﷺ - بعينيه، قال فوالله ما تنخَّم رسول الله - ﷺ - نُخامةً إلاَّ وقعَت في كفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلده وإذا أمَرَهم ابتدروا أمْرَه وإذا توضَّأ كادوا يَقْتتِلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خَفضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدّون إليه النَّظَر تعظيمًا له، فرجَع عروة إلى أصحابه، فقال: أيْ قومِ، والله لقد وَفَدْت على الملوك، ووفدْتُ على قيصر وكسرى والنجاشيّ، والله إنْ رأيت مَلِكًا قطُّ يُعظِّمه أصحابه ما يُعظِّم أصحابُ محمّد = ولهذا أيضًا لمّا قَدِم رسولُ مسيلمةَ الكذّاب على رسول الله - ﷺ -، قال له: «أتشهدُ أنَّ مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول - ﷺ -: لولا أن الرسلَ لا تُقتَل لضَربْتُ عُنُقَك» (١). وقد قيّض الله له ضَرْب العُنُق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظَهَر عنه في زمانِ ابن مسعودٍ أنّه يشهد لمسيلمةَ بالرسالة، فأرسَل إليه ابن مسعودٍ فقال له: إنك الآن لستَ في رسالة، وأمَرَ به فضُرِبت عنقُه، لا رحمه الله ولَعَنه (٢). والغرض أنّ مَن قَدِمَ من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة أو تجارة، أو طَلَبِ صُلحٍ أو مهادنة أو حَمْلِ جِزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلَب من الإمام أو نائبه أمانًا -أُعطي أمانًا ما دام مُتردّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع --------------------- = - ﷺ - محمدًا، والله إنْ يتنخم نخامة إلاَّ وقَعَت في كفِّ رجلٍ منهم؛ فدلَك بها وجهه وجِلْده وإذا أمَرهم ابتدروا أمْرَه وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خَفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عَرَض عليكم خُطَةَ رُشْدِ فاقبلوها«أخرجه أحمد، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢). يرمُق: اْي يَلحظ، قال الحافظ -رحمه الله-: وذكَر الثلاثة [قيصر، وكسرى، والنّجاشي] لكونهم أعظمَ ذلك الزَّمان. (١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٩٩) وغيرهما. (٢) عن حارثةَ بنِ مُضرب أنّه أتى عبد الله فقال:»ما بيني وبين أحدٍ من العرب حِنَةٌ وإني مرَرْتُ بمسجدٍ لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابَهم، غير ابن النواحة قال له: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: لولا أنك رسولٌ لضربتُ عنقَك. فأنت اليوم لست برسول، فأمَر قَرظَة بن كعب، فضَرَب عُنُقَه في السوق، ثمّ قال: مَن أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق«. أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٤٠٠) وغيره. إلى مأمِنه ووطنه. لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعةِ أشهر ونقَص عن سنة قولان؛ عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، رحمهم الله». انتهى. قلت: والذي يبدو أن الأمر يرجع إلى الحاكم، فهو الذي يرجّح المُدّة ما بين الأربعة أشهر والسنة، مع تحرّي المصلحة، والله -تعالى- أعلم. مَن أَمّنه أحد المسلمين صارَ آمنًا عنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أَبيه قَالَ: «خَطَبَنَا عَلِيٌّ - رضي الله عنه- عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ (١)، وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَالله مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسَنَانُ الْإِبِلِ (٢)، وإذَا فِيهَا: المدِينَةُ حَرَمٌ مِن عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا (٣)، وَإِذَا فِيهِ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ (٤)، --------------------- (١) آجُرٍّ: هو الطوب المشويّ. (٢) أسنان الإبل: أي إبِل الدّيات؛ لاختلافها في العمد وشبهه والخطأ، وانظر»شرح الكرماني«(٢٥/ ٤٦). (٣) لا يقبل الله صرفًا ولا عدلًا: قال الكرماني -رحمه الله- (٢٥/ ٤٦):»الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقيل بالعكس«. (٤) ذمّة المسلمين واحدة: قال الإمام النّووي -رحمه الله-:»المراد بالذِّمّة هنا الأمان، معناه أنّ أمان المسلمين للكافر صحيح«، وقال الحافظ -رحمه الله- في الفتح (٤/ ٨٦):»أي أمانهم صحيح فإذا أمّن الكافرَ واحدٌ منهم؛ حَرُم على غيره التعرّض له". ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#180 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 261الى صــ275 الحلقة (178) يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ (١)، فَمَنْ أَخْفَرَ (٢) مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَإِذَا فِيهَا: مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمُلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: «قال رسول الله - ﷺ -: المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم (٤)، وهم يدٌ على مَن سواهم ...» (٥). جاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٧٥٩): «وقد أجمَعَ أهل العِلم على أنّ مَن أمّنه أحدُ المسلمين؛ صار آمنًا. وأمّا العبد، فأجاز أمانَه الجمهور، وأمّا الصبيّ، فقال ابن المنذر: أجمَعَ أهل العِلم على أنّ أمانَ الصبيّ غيرُ جائز. انتهى. وأمّا المجنون فلا يصحّ أمانُه بلا خلاف. قلت: [أي: صاحب الروضة]: إنّما يصحّ الأمان مِن آحاد المسلمين، إذا أَمَّن واحدًا أو اثنين، فأمّا عَقْد الأمان لأهل ناحيةٍ على العموم؛ فلا يَصحّ إلاّ مِن ---------------------- (١) يسعى بها أدناهم: أي: يتولّاها ويذهب ويجيء، والمعنى أنّ ذمّة المسلمين سواءٌ صدَرَت مِن واحد، أو أكثر، شريفٍ أو وضيع؛ فإذا أمّن أحدٌ من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمّة؛ لم يكن لأحدٍ نَقْضُه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحرّ والعبد، لأن المسلمين كنفسٍ واحدة.»الفتح«(٤/ ٨٦). (٢) أخفرَ مسلمًا: أي نقض العهد، وقال الإمام النّووي -رحمه الله-:»قال أهل اللغة: يقال: أخفرت الرجل إذا نقضْت عهده وخفرْته: إذا أمنته«. (٣) أخرجه البخاري: ٧٣٠٠، وهذا لفْظُه، ومسلم: ١٣٧٠. (٤) أي: أبعدهم. (٥) أخرجه أحمد وأبو داود (٢٧٥١)»صحيح سنن أبي داود" (٢٣٩٠). الإمام على سبيل الاجتهاد وتحرّي المصلحة كَعَقْد الذّمّة؛ ولو جُعِل ذلك لآحاد النّاس؛ صار ذريعةً إلى إبطال الجهاد». انتهى. قلت: أمّا جواز أمانِ المرأة؛ فلعموم النصوص الواردة المتقدّمة؛ فهي تمضي على الرجل والمرأة، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «النساء شقائق الرجال» (١). ولا دليل على تخصيص ذلك بالرجال. بل إنه قدر وَرد حديث صريحٌ يدلّ على صحة أمان المرأة. فعن أمّ هانئ (بنت أبي طالب) قالت، قلت: «يا رسول الله زَعَم ابن أمّي (٢) أنّه قاتِلٌ رجلًا قد أجرْتُه، فلانَُ بنُ هُبَيرَة فقال رسول الله - ﷺ -: قد أجَرْنا مَن أجرْتِ يا أمّ هانئ» (٣). قال الإمام النّووي -رحمه الله- (٥/ ٢٣٢): «واستدلَّ بعضُ أصحابنا وجمهور العلماء بهذا الحديث؛ على صحّة أمان المرأة». وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٥٩): «قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم ------------------------- (١) أخرجه أبو داود، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٨) وانظر»المشكاة«(٤٤١) وتقدّم في»كتاب الآذان«. (٢) قال الإمام النّووي -رحمه الله-:»وإنما قالت: ابن أمّي مع أنّه ابن أمّها وأبيها؛ لتأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن واحد، وكثرة ملازمة الأمّ، وهو موافق لقول هارون - ﷺ - ﴿يَبنَؤُمَّ لَا تَأخُذ بِلِحيتِي﴾. انتهى. قلت: وهو عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- كما في روايةٍ عند البخاري: (٣١٧١)، ومسلم: (١/ ٤٨٩) (كتاب صلاة المسافرين وقِصَرها) «باب استحباب صلاة الضحى» (٣٣٦ - ٨٢). (٣) أخرجه البخاري: ٣٥٧، ومسلم: ٣٣٦. على جواز أمان المرأة» (١). وأمّا عدم قَبولِ أمانِ الصبيّ والمجنون؛ فلقوله - ﷺ - لي: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ، حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل» (٢). تحريم قتل المؤمَّن عن أنس -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به» (٣). وعن رفاعة بن شداد القِتباني قال: «قال - ﷺ -: من أمَّنَ رَجُلًا على دَمِهِ فَقَتَلَهُ؛ فأَنا بريءٌ مِن القاتل، وإنْ كان المقتول كافِرًا» (٤). وفي رواية: «من أَمَّن رجلًا على دمه فقتَله، فإنّه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة» (٥). حُكم الرسول كالمؤَمّن وحُكم الرسول كحُكم المؤَمّن. ------------------------ (١) انظر «الإجماع» لابن المنذر (ص ٦١) (رقم ٢٤٧). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٥٠) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦١)، وانظر «الإرواء» (٢٩٧). (٣) أخرجه البخاري: ٣١٨٦، ٣١٨٧، ومسلم: ١٧٣٧. (٤) أخرجه البخاري في «التاريخ»، والطحاوي في «المشكل»، والطبراني في «الصغير» وغيرهم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- إسناده في «الصحيحة» تحت (٤٤٠). (٥) أخرجه البخاري في «التاريخ»، وابن ماجه وغيرهما وانظر «الصحيحة» (٤٤٠). عن نُعَيم بن مسعود الأشجعي قال: «سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول لهما (١) حين قَرَأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: أمَا والله لولا أنّ الرسل لا تُقتَل لضربْتُ أعناقَكما» (٢). وعن أبي رافع -رضي الله عنه- قال: «بَعَثَتْني قريش إلى رسول الله - ﷺ -، فلمّا رأيت رسول الله - ﷺ -؛ أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: إني لا أخِيسُ (٣) بالعهد ولا أحبِس البُرُد (٤)، ولكن ارجِعْ، فإنْ كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع (٥)، قال: فذهبت، ثمّ أتيت النبيّ - ﷺ - فأسلمْتُ» (٦). قال في «سُبل الإسلام» (٤/ ١٢٠): «وفي الحديثِ دليلٌ على حِفظ العهد ----------------------- (١) أي: لرسولي مسيلمة الكَذّاب. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٩٩) وغيره وانظر»المشكاة«(٣٩٨٢). وتقدّم. (٣) أي: لا أغدر. (٤) البُرُد: جمع بريد؛ وهو الرسول. (٥) أي: لا تُقِم بين ظَهرانَينا وتُظهرَ الإسلام، ولكن ارجع إليهم، فإن ثبَتّ على ما أنت عليه الآن، فارجِع مِن الكُفّار إِلينا، ثمّ أسْلِم لأنّي لو قَبِلْتُ منك الإسلام الآن، وما أرُدُّك عليهم؛ لغَدرت، قاله ابن الملك، وفيه أنّ قَبولَ الإسلام منه لا يكون غدرًا، ولا يُتصوّر أن يكون عدمُ حَبْسه له غدرًا، بل المراد منه أنّه لا يُظهر الإسلام، ويرجع إليهم حيث يتعذر حبْسه، فإنّه أرفق، ثمّ بعد ذلك يرجع إلى الحقّ على الطريق الأحقّ.»المرقاة«(٧/ ٥٣٧). (٦) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٩٦) وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (٧٠٢). والوفاء به ولو لكافر، وعلى أنّه لا يُحبَس الرسول، بل يُرَدُّ جوابه فكأنّ وصولَه أمانٌ له؛ فلا يجوز أن يُحبَس بل يُردّ». وجاء في «السيل الجرار» (٤/ ٥٦٠) -في تأمين الرُّسُل-: «... وجْهُه أنّ تَأمينَ الرُّسلِ ثابت في الشريعة الإسلامية ثبوتًا معلومًا، فقد كان رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يَصِل إليه الرّسلُ من الكفار، فلا يتعرّض لهم أحد مِن أصحابه، وكان ذلك طريقةً مستمرة وسُنّةً ظاهرة، وهكذا كان الأمر عند غيرِ أهل الإسلام مِن ملوك الكفر، فإن النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يُرَاسلهم من غير تَقدُّم أمانٍ منهم لرُسُلِه، فلا يتعرض لهم مُتعرّض. والحاصل أنّه لو قال قائل: إنّ تأمين الرسل قد اتفقت عليه الشرائع، لم يكن ذلك بعيدًا، وقد كان أيضًا معلومًا ذلك عند المشركين أهل الجاهلية عَبَدة الأوثان، ولهذا إنّ النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم يقول:»لَوْلا أنَّ الرُّسلَ لا تُقْتلُ لضربتُ أعْناقَهُما«قاله لرسولي مسيلمة أخرجه أحمد وأبو داود فقوله:»لولا أنَّ الرُّسَلَ لا تُقْتلُ«فيه التصريح بأنَّ شأنَ الرُّسل أنهم لا يُقتلون في الإسلام وقبلَه». المستأمَن *المستأمَن: هو الحربيّ الذي دخَل دار الإسلام بأمان، دون نيةِ الاستيطان بها، والإقامةِ فيها بصفةٍ مستمرّةٍ، بل يكون قصْدُه إقامةَ مدّةٍ معلومةٍ، لا تزيد على سَنةٍ، فإن تجاوَزَها (١)، وقصَد الإقامة بصفةٍ دائمةٍ، فإنه يتحوّل إلى ذميّ، ويكون له ------------------------ (١) هذا كلام الفقهاء؛ وتقدم قول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "لكن قال العلماء: لا يجوز أن يُمكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سَنَة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما = حُكم الذّمّي في تبعيَّته للدولة الإسلامية، ويتبعُ المستأمنَ في الأمان، ويلحقُ به زوجتُه وأبناؤُه الذكور القاصرون، والبناتُ جميعًا، والأمّ، والجدات، والخدَم، ما داموا عائشين مع الحربي الذي أُعطي الأمان. وأصْل هذا قول اللهسبحانه وتعالى-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (١). وجاء في «المغني» (١٠/ ٦٠٥): «وليس لأهلِ الحرب دخولُ دارِ الإسلام بغير أمان؛ لأنه لا يُؤمَن أن يَدْخُل جاسوسًا، أو مُتلصّصًا، فيُضِرّ بالمسلمين، فإنْ دخَل بغيرِ أمانٍ، سُئل، فإنْ قال: جئت رسولًا، فالقول قوله؛ لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك، ولم تزل الرُسل تأتي من غير تَقَدُّمِ أمان. وإنْ قال: جئتُ تاجرًا، نظرنا؛ فإنْ كان معه متاع يبيعه، قُبِل قوله أيضًا، وحُقن دمُه؛ لأنَّ العادةَ جارية بدخول تُجارهم إلينا، وتُجّارنا إليهم، وإنْ لم يكن معه ما يُتّجَر به، لم يُقبل قوله؛ لأن التجارة لا تحصُل بغير مال، وكذلك مُدّعي الرسالة، إذا لم يكن معه رسالة يؤديها، أو كان ممن لا يكون مثله رسولًا. وإنْ قال: أمَّنَني مُسلم، فهل يُقبَل منه؟ على وجهين؛ أحدهما، يُقبَل، تغليبًا لحقْن دَمهِ، كما يُقبَل من الرسول والتاجر. والثاني: لا يُقبَل؛ لأن إقامَة البيّنة عليه ممكنة، فإنْ قال مسلم: أنا أمَّنتُه قُبلَ ------------------------ = بين ذلك؛ فيما زاد على أربعةِ أشهر ونقَص عن سنة قولان؛ عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، رحمهم الله». (١) التوبة: ٦. قوله؛ لأنه يملك أن يُؤمِّنه، فقُبِل قوله فيه؛ كالحاكم إذا قال: حَكَمْت لفلان على فلان بحقّ. وإنْ كان جاسوسًا، خُيّر الإمام فيه بين أربعة أشياء؛ كالأسير». حقوقه وإذا دخَل الحربيُّ دار الإسلام بأمان؛ كان له حقُّ المحافظةِ على نفسه وماله وسائِر حقوقه ومصالحه؛ مادام مُستمسِّكا بعقد الأمان ولم ينحرف عنه. ولا يحل تقييد حُريتِه، ولا القبض عليه مُطلَقًا، سواء قُصِدَ به الأسر، أو قُصِد به الاعتقال -لمجرَّد أنهم رعايا الأعداء، أو لمجرّد قيامِ حالِة الحرب بيننا وبينهم. الواجب عليه وعليه المحافظة على الأمن والنظام العامّ، وعدم الخروج عليهما، بأن يكون عينًا، أو جاسوسًا، فإن تجسَّسَ على المسلمين لحساب الأعداء، حلَّ قَتْلُه إذ ذاك. تطبيق حكم الإسلام عليه تُطبَّق على المستأمَنِ القوانين الإسلامية بالنسبة للمعاملات المالية، فيَعقِد عَقْد البيع وغيره مِن العقود؛ حسب النظام الإسلامي، ويُمنَع ِمن التعامل بالربا، لأن ذلك محُرَّم في الإسلام. وأمّا بالنسبة للعقوبات، فإنّه يعاقَب بمقتضى الشريعة الإسلامية إذا اعتدى على حقّ مسلم. وكذلك إذا كان الاعتداء على ذمّي، أو مستأمَن مِثلِه؛ لأنّ إنصافَ المظلوم مِن الظالم وإقامةَ العدل مِن الواجبات التي لا يَحلّ التساهلُ فيها. وإذا كان الاعتداء على حقٍّ مِن حُقوق الله؛ مثل اقتراف جريمة الزنا؛ فإنّه يُعاقَب كما يُعاقَب المسلم؛ لأنّ هذه جريمةٌ مِن الجرائم التي تُفسد المجتمع الإسلامي (١). مُصادرة ماله ومال المستأمَن لا يُصادَر إلاَّ إذا حارَب المسلمين، فأُسِر واستُرِقّ، وصار عبدًا، فإنه في هذه الحال؛ تزول عنهُ مُلكيّة مالِه، لأنه صار غيرَ أهلٍ للملكية. ولا يستحق الوَرَثة، -ولو كانوا في دار الإسلام- شيئًا، لأنَّ استحقاقهم يكون بالخلافة عنه، وهي لا تكون إلاَّ بعد موته، وهو لم يمت، وماله في هذه الحال يؤول إلى بيت مال المسلمين، على أنّه من الغنائم [والله -تعالى- أعلم]. ميراثه إذا ماتَ المستأمَن في دار الإسلام، أو في دار الحرب، فإنَّ ملكيته لماله لا تَذهب عنه، وتَنْتقل إلى وَرَثَتِه عند الجمهور، خلافًا للشافعي. وعلى الدولة الإسلامية؛ أن تَنْقُل مالَه إلى وَرَثَتِه، وتُرسلَه إليهم، فإنْ لم يكن له ورثة، كان ذلك المال فيئًا للمسلمين.* (٢) [والله -تعالى- أعلم]. ------------------------ (١) وانظر الجزء السادس من هذا الكتاب «الموسوعة» (باب وجوب الحدّ على الكافر والذمّي). (٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٤٨٥، ٤٨٦) بحذف، وإضافة ما جاء في «المُغني» (١٠/ ٦٠٥). العهود والمواثيق *احترامُ العهود: إنَّ احترامَ العهودِ والمواثيق واجبٌ إسلاميّ؛ لما له مِن أثرٍ طيِّب، ودورٍ كبير في المحافظة على السلام، وأهميةٍ كبرى في فضِّ المشكلات، وحَلِّ المنازعات، وتسوية العلاقات. والله -سبحانه- يأمُر بالوفاء بالعهود، سواءٌ أكانت مع الله، أم مع النّاس، فيقول: ﴿يا أيُّهُا الذين آمَنُوَا أَوفُوا بالعُقُودِ﴾ (١). وأيّ تقصيرٍ في الوفاء بهذا الأمر يُعَدُّ إثمًا كبيرًا؛ يستوجِب المقت والغضَب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢). وكل ما يقطعه الإنسان على نفسه مِن عهدٍ، فهو مسؤول عنه، ومحاسَبٌ عليه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣). [وحقُّ العهد مُقدَّم على حقِّ نَصْرِ مَن استنصَر في الدين لقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)]. ------------------------- (١) المائدة: ١. (٢) الصف: ٢ - ٣. (٣) الإسراء: ٣٤. (٤) الأنفال: ٧٢. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول -تعالى-: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يُهاجروا في قتالٍ دينيّ، على عدوٍّ لهم فانصُروهم، فإنّه واجبٌ عليكم نَصْرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدّين، إلاَّ أن يستنصروكم على قومٍ مِن الكُفَّار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: مُهادنة إلى مُدّة، فلا تخفِروا ذمَّتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مرويٌّ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-» انتهى. والوفاء جُزءٌ من الإيمان، عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «إنّ حُسنَ العهد مِن الإيمان» (١). وليس للوفاء جزاءٌ إلاَّ الجنَّة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). ولقد كان الوفاء خُلُقَ الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٣). وقد عاهدَ رسولُ الله - ﷺ - بعد الهجرة اليهود عهدًا، [أَمَّنَهم على دمائهم، وأموالهم]، بشرط ألا يُعينوا عليه المشركين، فنقَضُوا العهد، ثمّ اعتذروا، ثمّ -------------------------- (١) أخرجه الحاكم وغيره وانظر «صحيح الجامع» (٢٠٥٢) و«الصحيحة» -لزامًا- تحت رقم (٢١٦). (٢) المؤمنون: ٨ - ١١. (٣) مريم: ٥٤. رجَعوا فنقضوه مرّةً أخرى، فأنزَل اللهعز وجل-: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١)﴾ (٢). وفي التشنيع على الناقضين للعهود، يقول الله -عز وجل-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا أؤتمُن خان» (٤). وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن قَتَل ------------------------ (١) قال ابن كثير -رحمه الله-:»أخبَر -تعالى- أنّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض؛ همُ الذين كفَروا فهم لا يؤمنون، الذين كلّما عاهدوا عهدًا نَقضوه، وكلّما أكّدوه بالأيمان نَكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون مِن الله في شيءٍ ارتكبوه مِن الآثام. ﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ أي: تَغْلبهم وتظفر بهم في حرب، ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خلفَهُم﴾ أي: نكِّل بهم، [قاله: ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره] ومعناه: غَلِّظ عقوبَتَهم، وأثخِنْهم قَتْلًا، ليخاف مَن سواهم مِن الأعداء -مِن العرب وغيرهم- ويصيروا لهم عِبرة". (٢) الأنفال: ٥٥ - ٥٧. (٣) النحل: ٩١ - ٩٢. (٤) أخرجه البخاري: ٣٣، ومسلم: ٥٩. مُعاهَدًا (١) في غير كُنهِهِ (٢) حرّم الله عليه الجنّة» (٣). شروط العهود: ويشترط في العهود التي يجب احترامها والوفاء بها، الشروط الآتية: ١ - ألا تخالف حُكْمًا مِن الأحكام الشرعية المتَّفق عليها. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قال رسول الله - ﷺ -: ما كان مِن شرط ليس في كتاب الله فهو باطل؛ وإنْ كان مائةَ شرط» (٤). ٢ - أن تكون عن رضا واختيار، فإنَّ الإكراه يَسْلُب الإرادة، ولا احترامَ لعقْدٍ لم تتوفر فيه حريتُها. ٣ - أن تكون بيّنةً واضحةً، لا لُبْس فيها ولا غموض؛ حتى لا تؤوّلَ تأويلًا يكون مثارًا للاختلاف عند التطبيق. نقض العهود: ولا تُنقَضُ العهود إلاّ في إحدى الحالات الآتية: ١ - إذا كانت مؤقتةً أو مُحدَّدةً بظرف، وانتهت مدّتُها أو ظرفُها. ----------------------- (١) المعاهَد: مَن كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يُطلَق في الحديث على أهل الذمّة، وقد يُطلَق على غيرهم من الكُفار؛ إذا صولحوا على تَرْك الحرب مُدّة ما. «النّهاية». (٢) كُنه الأمر: حقيقته وقيل: وقْتُه وقَدره، وقيل: غايته، يعنيَ من قَتَلَه في غير وَقْتِه أو غاية أمرِه الذي يجوز فيه قَتْلُه. «النّهاية». (٣) أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٩٨)، وغيرهما. (٤) أخرجه البخاري: ٢٧٢٩، ومسلم: ١٥٠٤. عن سُلَيم بن عامر -رجلٍ مِن حِمْيَر- قال: «كان بين معاويةَ وبينَ الروم عهدٌ، وكان يسيرُ نحو بلادِهم؛ حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجلٌ على فرَس أو بِرذَون (١)، وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غَدر، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعْتُ رسول - ﷺ - يقول: مَن كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يشدَّ عقدةً ولا يحُلّها (٢) حتى ينقضيَ أمدُها أو يَنْبِذَ (٣) إليهم (٤) على سواء (٥)، فرجع معاوية (٦)» (٧). قال الله- تعالى-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٨). ---------------------- (١) قال في «المرقاة» (٧/ ٥٣٥): «المراد بالفرس هنا العربيّ، والبِرذَون التركي من الخيل». (٢) يَحُلُّها مِن الحلّ، بمعنى نقْض العهد، والشدّ ضدّه، والظاهر أنّ المجموع كناية عن حِفظ العهد، وعدم التعرض له، ولفظ الترمذي «فلا يحلّن عهدًا ولا يشدنّه» قال في «المرقاة» (٧/ ٥٣٦): «أراد به المبالغة عن عدم التغيير، وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد، والمعنى: لا يُغيّرنّ عهدًا ولا ينقضنّه بوجه ... قال الطيبي: هكذا بجملته عبارة عن عدم التغيير في العهد، فلا يذهب على اعتبار معاني مفرداتها». (٣) أي يرمي عهدَهم. (٤) بأن يُخبرهم أنّ نقض العهد على تقدير خوفِ الخيانة منهم «المرقاة» (٧/ ٥٣٦). (٥) قال الطيبي: «قوله: (على سواء): حال. قال المظهر: أي يُعلمهم أنّه يريد أن يغزوَهم، وأنّ الصلح قد ارتفَع، فيكون الفريقان في عِلم ذلك سواء». انظر«المصدر السابق». (٦) أي بالناس، وهي بعض الروايات الثابتة. وانظر «صحيح سنن الترمذي» (١٢٨٥). (٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٩٧) والترمذي، «صحيح سنن الترمذي» (١٢٨٥)، وانظر «المشكاة» (٣٩٨٠). (٨) التوبة: ٤. ٢ - إذا أخلّ العدو بالعهد: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ٣ - إذا ظهرت بوادر الغدر، ودلائل الخيانة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٣). قلت: قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- لنبيّه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ قد عاهدْتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي: نَقْضًا لما بينك وبينهم؛ مِن المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عَهْدَهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعْلِمْهم بأنك قد نقضْتَ عهدَهم؛ حتى يبقى عِلمُك وعِلْمَهم بأنك حرْبٌ لهم، وهم حَرْبٌ لك، وأنه لا عهدَ بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز: فَاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدّر الأعْداء ... حتى يجيبوك إلى السواء وعن الوليد بن مسلم أنّه قال في قوله: ﴿فانبِذْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتى ولو في حقّ الكافرين، لا يحبّها أيضًا. ----------------------- (١) التوبة: ٧. (٢) التوبة: ١٢ - ١٣. (٣) سورة الأنفال: ٥٨. الإعلام بالنقض تحرُّزًا عن الغدر إذا عَلِم الحاكم الخيانة ممّن كان بينهم وبين المسلمين عَهْد؛ فإنّه لا تَحِلّ محاربتُهم إلاَّ بعد إعلامهم بنبذ العهد، وبلوغِ خَبرِهِ إلى القريب والبعيد، حتى لا يُؤخَذوا على غِرّة. يقول الله- سبحانه- في سورة الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١). قال محمّد بن الحسن في كتاب «السير الكبير»: لو بَعث أمير المسلمين إلى مَلِك الأعداء، مَن يُخبره بنبذ العهد عند تحقّق سبَبه، فلا ينبغي للمسلمين أن يُغيروا عليهم وعلى أطراف مملكتهم؛ إلاَّ بعد مُضيّ الوقت الكافي، لأن يبعثَ الملِك إلى تلك الأطراف؛ خَبَر النبْذ حتى لا نأخذَهم على غِزة. ومع ذلك إذا عَلِم المسلمون يقينًا أن القوم لم يأتهم خبرٌ مِن قِبَل مَلِكِهم؛ فالمستَحبّ لهم أن لا يُغيروا عليهم حتى يعلموهم بالنبذ؛ لأن هذا شبيه الخديعة. وكما على المسلمين أن يتحرزوا مِن الخديعة، عليهم أن يتحرزوا من شبه الخديعة. وحدث أنّ أهل قبرص أحدثوا حَدَثًا عظيمًا في ولاية عبد الملك بن مروان، فأراد نَبْذ عهدِهم ونقْض صُلحهم، فاستشار الفقهاءَ في عصره، منهم الليث بن سعد ومالك وأنس، فكتَبَ الليث بن سعد: إن أهل قبرص لا يزالون متّهمين ------------------------- (١) سورة الأنفال: ٥٨. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|