استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 05-18-2026, 09:47 AM   #187

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 147 الى صـــ 166
الحلقة (187)






١١٧ - باب التَّكْبِيِر إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ
٧٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -. وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. [انظر: ٧٨٧ - فتح: ٢/ ٢٧٢]

٧٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لَمِنْ حَمِدَهُ». حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» - قَالَ عَبْدُ اللهِ [بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ]: «وَلَكَ الْحَمْدُ»- ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. [انظر: ٧٨٥ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٧٢]
ذكر فيه حديث عكرمة السالف عن ابن عباس، وحديثًا آخر عن أبي هريرة وسيأتي قريبًا بطوله.


١١٨ - باب وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ
وقال أبو حميد في أصحابه: أمكن النبي - ﷺ - يديه من ركبتيه.

٧٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. [مسلم: ٥٣٥ - فتح: ٢/ ٢٧٣]
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ في أَصْحَابِهِ: أَمْكَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.
هذا التعليق أخرجه مسندًا في باب سنة الجلوس في التشهد (١) مطولًا.
وأبو حميد اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد الساعدي، حكى في عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة فصدَّقوه.
ثمَّ ساق حديث شُعبةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. وهو حديث أخرجه مسلم والأربعة (٢).
وأبو يعفور -بالفاء- اسمه واقد، ولقبه وقدان (٣)، والد يونس بن

------------
(١) سيأتي برقم (٨٢٨) كتاب: الآذان، باب: سنة الجلوس في التشهد.
(٢) «صحيح مسلم» (٥٣٥) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق. وأبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٥٩)، والنسائي ٢/ ١٨٥، وابن ماجه (٨٧٣).
(٣) في هامش الأصل: قال الذهبي: اسمه وقدان وقيل: واقد.



أبي يعفور العبدي الكبير (١)، وادعى النووي أنه الصغير عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس (٢) روى عن أبي الضحى وفيه نظر؛ لأن الصغير لم يذكر في الأخذ عن مصعب ولا في أشياخ شعبة.
إذَا عرفت ذَلِكَ، فإجماع فقهاء الأمصار عَلَى القول بهذا الحديث، وروي ذَلِكَ عن عمر وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وجماعة من التابعين، وكان ابن مسعود والأسود بن يزيد وأبو عبيدة يطبقون أيديهم بين ركبهم إِذَا ركعوا (٣). وقال ابن مسعود هكذا فعل رسول الله - ﷺ - (٤).
قَالَ الطحاوي: وما روي عن ابن مسعود من ذَلِكَ منسوخ بحديث سعد، ألا ترى قوله: (كنا نفعله فنهينا عنه؟) (٥) وقال عمر: قَدْ سنت لكم الركب. وكذا قَالَ الترمذي: إنه منسوخ عند أهل العلم بهذا الحديث (٦) وبقول عمر المصحح عنده: إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب (٧).
لا اختلاف بينهم في ذَلِكَ إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض

----------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد»: ٦/ ٣٤٨، و«تهذيب الكمال»: ٣٠/ ٤٥٩ (٦٦٩٤).
(٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٧.
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٠ - ٢٢١ (٢٥٢٨ - ٢٥٣١، ٢٥٣٤، ٢٥٣٩)
كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، ورواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٤) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٥١ - ١٥٢.
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٠.
(٦) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٤ عقب الرواية (٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: مما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع.
(٧) رواه الترمذي (٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وقال: حسن صحيح، قال الألباني: صحيح الإسناد.



أصحابه أنهم كانوا يطبقون وبنحوه ذكره النسائي (١) واستدل البيهقي بحديث عمرو بن مرة عن خيثمة بن عبد الرحمن عن أبي سبرة الجعفي قَالَ: قدمت المدينة فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله، فقال رجل من المهاجرين: ما يحملك عَلَى هذا؟ قُلْتُ: كان عبد الله يفعله ويذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يفعله، فقال: صدق عبد الله، ولكن رسول الله ربما صنع الأمر ثمَّ يحدث الله لَهُ أمرًا، فانظر ما اجتمع عليه المسلمون فاصنعه، فكان بعدُ لا يطبق. قَالَ البيهقي: وهذا الذي صار إليه موجود في وصفة أبي حميد ركوع رسول الله - ﷺ - (٢)، وعند النسائي من حديث أبي مسعود بن عمرو أنه ركع فوضع يديه عَلَى ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي (٣).
وعند أبي داود عن رفاعة بن رافع أنه - ﷺ - قَالَ: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك» (٤).

-------------
(١) «سنن النسائي» ٢/ ١٨٣ كتاب: الافتتاح، باب: التطبيق، ورواه أيضًا مسلم (٥٣٤) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب، وأبو داود (٨٦٨) كتاب: الصلاة، باب: تفريغ أبواب الركوع والسجود: وأبو يعلى في «مسنده» ٩/ ١٢٩ (٥٢٠٣).
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٨٤ كتاب: الصلاة، باب: السنة في وضع الراحتين على الركبتين ونسخ التطبيق.
(٣) النسائي ٢/ ١٨٦ كتاب: الافتتاح، باب: مواضع الراحتين وأصابع اليدين في الركوع ورواه أبو داود (٨٦٣) كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود،، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣ (٥٩٨) كتاب: الصلاة، باب: وضع الراحة على الركبة في الركوع وأصابع اليدين، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٩): صحيح.
(٤) «سنن أبي داود» (٨٥٩) كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٥): إسناده حسن.



وعند الحاكم عَلَى شرط مسلم لما بلغ سعدًا التطبيق عن عبد الله قَالَ: صدق عبد الله، كنا نفعل هذا ثمَّ أمرنا بهذا ووضع يديه على ركبتيه (١).
وفي «الأوسط» للطبراني: كان - ﷺ - إذاركع وضع راحتيه عَلَى ركبتيه وفرج بين أصابعه (٢). وقال ابن عمر -في حديث غريب، قَالَه الحازمي-: إنما فعله الشارع مرة (٣).
وفي كتاب «الفتوح» لسيف عن عمرو بن محمد، عن الشعبي عن مسروق: سألت عائشة عن إطباق ابن مسعود يديه بين ركبتيه فقالت: إن رسول الله - ﷺ - كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، زيادة من الله زاده إياها في حجته، فرأى أناسًا يصنعون كما كان يصنع الرهبان فحولهم من ذَلِكَ إلى ما عليه الناس اليوم من إطباق الركب بالأكف وتفريج الأصابع.
وفي «علل الخلال» عن يحيى بن معين: هذان ليسا بشيء. يعني حديث ابن عمر وحديث محمد بن سيرين أنه - ﷺ - ركع فطبق.
قَالَ الطحاوي: ثمَّ التمست ذَلِكَ من طريق النظر، فرأيت التطبيق فيه التقاء اليدين، ورأيت وضع اليدين عَلَى الركبتين فيه تفريقهما، فأردنا أن ننظر في حكم ذَلِكَ كيف هو، فرأينا السنة جاءت بالتجافي في الركوع والسجود، وأجمع المسلمون عَلَى ذَلِكَ، وكان ذَلِكَ تفريق الأعضاء،

---------------
(١) «المستدرك» ١/ ٢٢٤ كتاب: الصلاة، قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذِه السياقة.
(٢) «المعجم الأوسط» ٢/ ٣٠٤ (٢٠٥٠)، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا عكرمة بن إبراهيم الأزدي.
(٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ٦٧.



وكان من قام إلى الصلاة أمر بأن يراوح بين قدميه، وقد روي ذَلِكَ عن ابن مسعود راوي التطبيق، فلما رأينا تفريق الأعضاء أولى من إلزاق بعضها ببعض واختلفوا في إلصاقها وتفريقها في الركوع كان النظر عَلَى ذَلِكَ أن يكون ما اختلفوا فيه من ذَلِكَ معطوفًا عَلَى ما أجمعوا عليه، ولما كانت السنة: التفريق كان فيما ذكرنا أيضًا، فثبت نسخ التطبيق ووجوب وضع اليدين على الركبتين (١).
------------------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٠ - ٢٣٢ باختصار.


١١٩ - باب: إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكوعَ
٧٩١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ التِى فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا - ﷺ -. [انظر: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٢٧٤]
ذكر فيه حديث حذيفة أنه رَأى رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلا السُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ التِي فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا عليها.
هذا الحديث من أفراد البخاري وفي حديث أبي وائل: على غير سنة محمد - ﷺ - (١).
وللنسائي: منذ كم صليتَ هذِه الصلاة؟ قَالَ: منذ أربعين عامًا (٢).
ولأبي نعيم: رأى رجلًا يخف صلاته (٣). الحديث.
وللترمذي من حديث أبي مسعود الأنصاري مصححًا: «لا تُجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (٤).
وللطبراني في «أوسط معاجمه» من حديث أبي قتادة: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته» قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق منها؟ قَالَ: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» (٥).

------------
(١) سلفت روايته برقم (٣٨٩) كتاب: الصلاة، باب: إذا لم يتم السجود.
(٢) «سنن النسائي» ٣/ ٥٨ - ٥٩ كتاب: السهو، باب: تطفيق الصلاة، قال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح.
(٣) «الحلية» ٤/ ١٧٤.
(٤) «سنن الترمذي» (٢٦٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، قال: حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٥) «المعجم الأوسط» ٨/ ١٣٠ (٨١٧٩)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا الوليد، ولا عن الوليد إلا الحكم بن موسى، سليمان بن أحمد الواسطي.



ولابن خزيمة من حديث عمرو بن العاصي وغيره: «إنما مثل الذي يصلي ولا يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين فما تُغنيان عنه، فأتموا الركوع والسجود» (١)
وفي «الحدائق» لابن الجوزي من حديث عمر: «ما من مصل إلا وملك عن يمينه وملك عن يساره، فإن أتمها عرجا بها وإن لم يتمها ضربا بها وجهه».
إِذَا عرفت ذَلِكَ، فالفطرة هنا: الدين والملة، وإن كانت تطلق على الجبلة وغيرها، وسمى الصلاة فطرة؛ لأنها أكبر عرى الإيمان. قَالَ المهلب: نفي عنه الفعل مما انتفي عنه من التجويد.
وهذا معروف في لسان العرب كما قَالَ - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٢) نفي عنه بقلة التجويد للإيمان اسمه.
وكذا قول حذيفة للرجل: ما صليت. أي: صلاة كاملة. وأراد تبكيته وتوبيخه عَلَى فعله ليرتدع، وإنما خص الركوع والسجود؛ لأن الإخلاص غالبًا يظهر فيهما.
واختلف العلماء في الطمأنينة:
هل هي فرض أو سنة، عَلَى قولين، والذي ذهب إليه جماعة فقهاء الأمصار: الشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق،

-----------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (٦٦٥) كتاب: الصلاة، باب: إتمام السجود والزجر عن انتقاصه، وساقه ابن خزيمة من حديث أبي عبد الأشعري، وفي آخره: قال أبو صالح، فقلت لأبي عبد الله الأشعري: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، كل هؤلاء سمعوه من النبي - ﷺ -.
(٢) سيأتي برقم (٢٤٧٥) كتاب: المظالم، باب: النهي يغير إذن صاحبه.



وابن وهب، وداود والطبري الأول (١).
وقال أبو حنيفة: يكفيه في الركوع أدنى انحناء، ولا تجب الطمأنينة في شيء من الأركان محتجًّا بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]
وقال أبو يوسف: الفرض: المكث مقدار تسبيحة واحدة وفي «تخريج الجرجاني»: الطمأنينة في الركوع والقومة والسجود، والجلسة بين السجدتين عند أبي حنيفة ومحمد سنة.
وفي «تخريج الكرخي»: واجب يجب سجود السهو بتركها (٢). وفي «الجواهر» لو لم يرفع في ركوعه وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم، ولم تجب في رواية على بن زياد في الساهي. وابن القاسم فيمن رفع من الركوع والسجود ولم يعتدل يجزئه ويستغفر الله ولا يعود، ولأشهب: لا يجزئه (٣) وسيأتي الكلام عَلَى المسألة -إن شاء الله- في موضعه قريبًا.

--------------
(١) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٥٤، «البيان» ٢/ ٢٠٧، «المغني» ٢/ ١٧٧، «البناية» ٢/ ٢٦٦، «نيل الأوطار» ٢/ ٢٤، قال ابن رجب: قد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك. فإنه روي عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع، وممن روي عنه: سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يجزئ في الركوع، «فتح الباري» ٧/ ١٥٦ - ١٥٨، قال ابن رجب -رحمه الله-: وأما المثل المضروب في هذا الحديث لمن لا يتم ركوعه ولا سجوده، ففي غاية الحسن، فإن الصلاة هي قوت قلوب المؤمنين وغذاؤها، مما اشتملت عليه من ذكر الله، ومناجاته، وقربه، فمن أتم صلاته فقد استوفي غذاء قلبه، وروحه، فما دام على ذلك كملت قوته، ودامت صحته، وعافيته، ومن لم يتم صلاته فلم يستوف قلبه وروحه قوقها وغذاءها، فجاع قلبه، وضعف، وربما مرض أو مات لفقد غذائه كما يمرض الجسد ويسقم إذا لم يكمل بتناول غذائه وقوته الملائم له، «فتح الباري» ٧/ ١٦٢.
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٠، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٣.



١٢٠ - باب اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ. [٨٢٨ - فتح: ٢/ ٢٧٥]
هذا التعليق سلف، و(هصر) بتخفيف الصاد أي: ثناه وعطفه للركوع. وأبو حميد اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك ابن خالد، ابن عم سهل بن سعد بن سعد بن مالك الساعدي وقد سلف قريبًا.


١٢١ - باب حَدِّ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالاِعْتِدَالِ فِيهِ وَالاِطْمَأْنِينَةِ
٧٩٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ -مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ- قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [٨٠١، ٨٢٠ - مسلم: ٤٧١ - فتح: ٢/ ٢٧٦]
ذكر فيه حديث ابن أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ -مَا خَلَا القِيَامَ وَالْقُعُودَ- قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، وقيل: بلال. وهو دال عَلَى طول الطمأنينة فيما ذكر من الأركان، واعترض ابن المنير فقال: الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأن المذكور فيها الاستواء والاعتدال، والحديث إنما فيه تساوي الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، اللَّهُمَّ إلا أن نأخذه من جهة أن المتأني المطمئن في غالب الحال يستقر كل عضو منهم مكانه، فيلزم الاعتدال (٢).
وقوله: (قريبًا من السواء) دال عَلَى أن بعضها كان فيه طول يسير عَلَى بعض، وذلك في القيام والتشهد؛ لأنه يقتضي إما تطويل ما العادة فيه التخفف، أو تخفيف ما العادة فيه التطويل في القيام كقراءة

---------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٧١) كتاب: الصلاة، باب: اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام.
(٢) «المتواري» ص ١٠٥.



ما بين الستين إلى المائة في الصبح وغيرها مما تقدم، ويوافق هذا أن مسلمًا لم يعد في روايته القيام بخلاف رواية البخاري السالفة فإنها شاملة لقيام القراءة والاعتدال والقعود والتشهد والجلوس بين السجدتين، فيجاب بأنها باعتبار أحوال، ففي وقت يخفف وآخر يطول، وذهب بعضهم إلى أن التخفيف هو المتأخر من فعله بعد ذَلِكَ التطويل، وأبعد من وهم رواية القيام، ثمَّ الحديث يوافق المختار أن الاعتدال ركن طويل حتَّى يجوز إطالته بالذكر، وإن كان المجزوم به في المذهب أنه قصير، والجمهور -كما قَالَ الإمام أن الجلوس بين السجدتين طويل أيضًا، خلاف ما وقع في «المحرر» ومن تبعه.
وقد أوضحت ذَلِكَ في كتب الفروع و«شرح العمدة» أيضًا (١).
وقال المهلب هذِه الصفة أكمل صفات صلاة الجماعة، وأما صلاة الرجل وحده فله أن يطول في الركوع والسجود أضعاف ما يطول في القيام بين السجدتين، وبين الركعة والسجدة.
وأما أقل ما يجزئ من ذَلِكَ كما قَالَ ابن مسعود: إِذَا أمكن الرجل يديه من ركبتيه فقد أجزأه، وكانت ابنة لسعد تفرط في الركوع، تطأطأ منكرًا، قَالَ لها سعد: إنما يكفيك إِذَا وضعت يديك عَلَى ركبتيك (٢).
وقاله ابن سيرين وعطاء ومجاهد (٣)، وهو قول عامة الفقهاء (٤).

------------
(١) «الإعلام» ٣/ ١٠٤، ١٠٥.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٥ (٢٥٧٨) كتاب: الصلوات، باب: في أوفى ما يجزئ من الركوع.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٥ (٢٥٧٧) السابق.
(٤) «البيان» ٢/ ٢٠٧، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٣، «الكافي» ١/ ٢٩٩.



١٢٢ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - الذِي لَا يُتِمُّ رُكوعَهُ بِالإِعَادَةِ
٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرَدَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عليه السلام فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». ثَلَاثًا. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». [انظر: ٧٥٧ - مسلم: ٣٩٧ - فتح: ٢/ ٢٧٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة وقد سلف في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات (١)، واستدل به جماعة من الفقهاء فقالوا: الطمأنينة في الركوع والسجود فرض لا تجزئ الصلاة إلا بها، ألا ترى أنَّه - ﷺ - قَالَ له: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثمَّ علمه الصلاة وأمره بالطمأنينة. واستدل ابن أبي صفرة لمن نفاها بأنه - ﷺ - أمر هذا الرجل حين لم يكمل الركوع والسجود بالإعادة، ولم يأمر من نقص الركوع والسجود بالإعادة حين قَالَ لهم: «إني لأراكم من وراء ظهري» (٢) فدل ذَلِكَ من فعله أن الطمأنينة لو كانت فريضة لبين لهم ذلك، والدليل عَلَى صحة ذَلِكَ أنه - ﷺ - أمر المسيء صلاته بالإعادة مرة بعد أخرى ولم يحسن، قَالَ له: والله ما أحسن غير هذا

----------------
(١) سلف برقم (٧٥٧).
(٢) سبق برقم (٧١٨) كتاب: الأذان، باب: تسوية الصفوف عند الإقامة.



فعلمني. فوصف له هيئة الصلاة ولم يأمره أن يعيد الصلاة التي نقصها مرة أخرى على الصفة التي علمه، ولم يقل لَهُ: لا تجزئك حتَّى تصلي هذِه الصلاة، إنما علمه كيف يصلي فيما يستقبل.
واحتج من نفاها أيضًا بحديث رفاعة بن رافع في تعليم المسيء صلاته أنه - ﷺ - قَالَ له: «ثمَّ ارفع فاعتدل قائمًا» (١) وذكر الحديث، قَالَ: «إِذَا صليت عَلَى هذا فقد أتممتها، وما انتقصت من ذَلِكَ فإنما تنقص من صلاتك» فجعلها ناقصة تدل عَلَى الجواز، ويؤيد من أوجب: الحديث السالف في باب: إِذَا لم يتم الركوع: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢).
والقول بما ثبت عنه - ﷺ - وتلقاه الجمهور بالقبول أولى من كل ما خالفه، وقد قَالَ - ﷺ -: «جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار عَلَى من خالف أمري» (٣) وكفي بهذا شدة ومخافة، ورسول الله - ﷺ - هو المبين عن الله تعالى قولًا وفعلا.

----------------
(١) سبق تخريجه أثناء شرح الحديث (١٦١).
(٢) سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر.
(٣) ذكره البخاري معلقًا بصيغة التمريض قبل الرواية (٢٩١٤)، كتاب: الجهاد، باب: ما قيل في الرمح من حديث ابن عمر، ورواه أحمد ٢/ ٥٠، وعبد بن حميد ٢/ ٥٠ (٨٤٦)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٤/ ٣٦٠ (٢٧١٦)، والطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ١٣٥ - ١٣٦ (٢١٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٢/ ٧٥ (١١٩٩)، والهروي في «ذم الكلام» ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ (٤٧٦).
وذكره الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢٦٧، ثم قال: فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثقة ابن المديني، وأبو حاتم وغيرهما، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات.
وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٢٦٩)، قلت: وللحديث شواهد من حديث: أبي هريرة، وأنس.



١٢٣ - باب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ
٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». [٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨ - مسلم: ٤٨٤ - فتح ٢/ ٢٨١]
ذكر فيه حديث أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، ويأتي قريبًا، وفي المغازي والتفسير (٢)، وترجم عليه البخاري قريبًا باب: التسبيح والدعاء في السجود وزاد فيه بعد قوله: «اللَّهُمَّ اغفر لي»: يتأول القرآن. وفيه أنه يكثر ذَلِكَ (٣) وفي لفظ لَهُ: قالت: ما صلى رسول الله - ﷺ - صلاة بعد ما أنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر:١] إلا يقول: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك اللَّهُمَّ اغفر لي» (٤) وعند ابن السكن بعد قولها: يتأول القرآن. قَالَ أبو عبد الله: يعني: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر:٣]، أي: حين أعلمه الله

--------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٨٤) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي ٢/ ١٩٠، وابن ماجه (٨٨٩)، وأما الترمذي فلم يروه في «سننه»! انظر: «تحفة الأشراف» (١٧٦٣٥).
(٢) سيأتي برقم (٤٢٩٣) كتاب. المغازي، وبرقم (٤٩٦٧)، (٤٩٦٨) كتاب: التفسير، باب: سورة النصر.
(٣) سيأتي برقم (٨١٧) كتاب: الأذان.
(٤) يأتي برقم (٤٩٦٧).



بانقضاء أجله، وفي «صحيح مسلم» عنها: ما رأيت رسول الله - ﷺ - منذ نزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يصلي صلاة إلا دعا أو قَالَ فيها: «سبحانك ربي وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفر لي» (١)، وعنهما: كان - ﷺ - يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك» قالت: قُلْتُ: يا رسول الله، ما هذِه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قَالَ: «جعلت لي علامة في أمتي إِذَا رأيتها قلتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة (٢). وفي لفظ له: كان يكثر من قول:»سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه«قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، فقَالَ:»أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول ذَلِكَ، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ فتح مكة الآية (٣).
وفي «أسباب النزول» للواحدي من حديث ابن عباس: لما أقبل - ﷺ - من غزوة حنين، وأنزل الله عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] قَالَ: «يا علي ويا فاطمة، قَدْ جاء نصر الله» إلى أن قَالَ: «فسبحان ربي وبحمده، وأستغفره إنه كان توابًا» (٤).
وفي «تفسير مقاتل»: عاش بعد نزولها ستين يومًا (٥)، وفي «تفسير القرطبي» وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق في حجة الوداع (٦).

----------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٨٤/ ٢١٩).
(٢) مسلم (٤٨٤/ ٢١٨).
(٣) مسلم (٤٨٤/ ٢٢٠).
(٤) «أسباب النزول» ص ٤٩٧ (٨٧٥).
(٥) انظر: «تفسير البغوي» ٨/ ٥٧٧.
(٦) «الجامع لأحكام القرآن» ٢٠/ ٢٣٣.



واختلف العلماء فيما يدعو به الرجل في ركوعه وسجوده: فقالت طائفة: لا بأس أن يدعو الرجل في ذَلِكَ مما أحب، وليس عندهم في ذَلِكَ شيء موقت (١)، وقد رويت آثار كثيرة عن النبي - ﷺ - أنه كان يدعو بها، منها: «اللَّهُمَّ لك ركعت ..» إلى آخره، «اللَّهُمَّ لك سجدت ..» إلى آخره، أخرجه مسلم من حديث علي (٢)، ومنها في السجود: «اللَّهُمَّ إني أعوذ برضاك من سخطك ..» إلى آخره، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة (٣)، وفي رواية: فإذا هو راكع أو ساجد يقول: «سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت» (٤) ومنها في سجوده: «اللَّهُمَّ اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، أولَه وآخره، وعلانيته وسره» أخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة (٥)، والكل لم يخرجها البخاري وغير ذَلِكَ؛ إلا أن مالكا كره الدعاء في الركوع ولم يكرهه في السجود، واقتصر في الركوع عَلَى تعظيم الرب ﷻ والثناء عليه (٦)، وأظنه ذهب إلى حديث علي: «أما الركوع فعظموا فيه
------------
(١) انظر:»شرح المعاني الآثار«١/ ٢٣٥.
(٢) مسلم (٧٧١).
(٣)»صحيح مسلم«(٤٨٦).
(٤)»صحيح مسلم«(٤٨٥).
(٥)»صحيح مسلم«(٤٨٣).
(٦) انظر:»المدونة الكبرى" ١/ ٧٤.
قال ابن عبد البر رحمه الله:
وأجمعوا أن الركوع موضع لتعظيم الله بالتسبيح وأنواع الذكر، واختلف الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود.
فقال ابن القاسم، عن مالك: إنه لم يعرف قول الناس في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وأنكره ولم يجد في الركوع دعاءً مؤقتًا، ولا تسبيحًا مؤقتًا، وقال: إذا أمكن المصلي يديه من ركبتيه في الركوع، وجبهته من الأرض في السجود فقد أجزأ عنه.



الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (١) أي: حقيق وجدير. فجعل الركوع لتعظيم الرب وإن كانت قراءة القرآن أفضل من ذكر التعظيم؛ ولذلك ينبغي في كل موضع ما جعل فيه وإن كان غيره أشرف منه، ويؤيد هذا المعنى ما روى الأعمش عن النخعي: كان يقال إِذَا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء: استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء: كان عَلَى الرجاء (٢).
وروى ابن عيينة عن منصور بن المعتمر، عن مالك بن الحويرث، قَالَ: يقول الله عزوجل: «إذا شغل عبدي ثناؤه عَلَى عن مسألتي؛ أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (٣) فلهذه الآثار كره مالك الدعاء في الركوع واستحبه في السجود.
وقال أهل المقالة الأولى: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب

----------------
= قال أبو عمر: إنما قال ذلك -والله اعلم- فرارًا من إيجاب التسبيح في الركوع والسجود، ومن الاقتصار على سبحان ربي العظيم في الركوع، وعلى سبحان ربي الأعلى في السجود، كما اقتصر عليه غيره من العلماء دون غيره من الذكر.
والحجة له قوله - عليه السلام -: «إذا ركعتم فعظموا الرب، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء».
ولم يخص ذكرًا من ذكر، وأنه - عليه السلام - قد جاء عنه في ذلك ضروب وأنواع تنفي الاقتصار على شيء بعينه من التسبيح والذكر، فمنها حديث مطرف، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». «الاستذكار» ١/ ٤٣١ - ٤٣٢.
(١) «صحيح مسلم» (٤٧٩) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢ (٢٩١٦٢) كتاب: الدعاء، باب: في فضل الدعاء.
(٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤١٤ (٥٧٥) باب: في محبة الله -عز وجل-، فصل في إدامة ذكر الله -عز وجل-، وابن عبد البر في «تمهيده» ٦/ ٤٣ - ٤٤.



دعاء، قاله ابن شهاب، وهو حجة في اللغة، وقد ثبت في حديث عائشة المذكور في الباب الدعاء في الركوع والسجود وغيره، فلا معنى لمخالفة ذَلِكَ.
وقالت طائفة: ينبغي أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا؛ لحديث عقبة بن عامر في ذَلِكَ، أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم، والتثليث في أبي داود، وقال: أخاف أن لا تكون محفوظة (١)، وفي ابن ماجه في حديث حذيفة بإسناد ضعيف (٢)، وأصل التسبيح فيه في «صحيح مسلم» (٣)، وعند الحاكم: يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم وصلى الله على محمد وآله» (٤). هذا قول الكوفيين والأوزاعي

---------------
(١) «سنن أبي داود» (٨٦٩، ٨٧٠) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، «سنن ابن ماجه» (٨٨٧) كتاب: إقامة الصلاة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، «صحيح ابن حبان» ٥/ ٢٢٥ (١٨٩٨) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، «المستدرك» ١/ ٢٢٥ كتاب: الصلاة.
وقال: هذا حديث حجازي صحيح الإسناد، وقد اتفقا على الاحتجاج برواته غير إياس بن عامر، وهو عم موسى بن أيوب القاضي، وهو مستقيم الإسناد، ولم يخرجاه بهذِه السياقة إنما اتفقا على حديث الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة عن زفر عن حذيفة قال: كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وصلى الله على محمد وأله وسلم. وقال: إياس ليس بالمعروف. اهـ. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٥٢ - ١٥٣): كلاهما ضعيف.
(٢) ابن ماجه (٨٨٨).
(٣) مسلم (٧٧٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.
(٤) «المستدرك» ١/ ٢٢٥، كتاب: الصلاة.



والشافعي وأبي ثور إلا أنهم لم يوجبوا ذَلِكَ، وقالوا: من ترك التسبيح في الركوع والسجود فصلاته تامة (١) وقال إسحاق وأهل الظاهر: إن ترك ذَلِكَ عليه الإعادة، وقالوا: حديث عقبة ورد مورد البيان فوجب امتثاله.
ووافقهم أحمد في رواية وقال: لو نسيه لم تبطل ويسجد للسهو. وقال مرة أخرى: إنه سنة كالجماعة (٢).
وقال ابن حزم: هو فرض فان نسيه سجد للسهو (٣)، وأجاب الجمهور بأن البيان إنما يرد في المجمل والركوع والسجود مفسران فلا يفتقران إلى بيان، فحمل حديث عقبة على الاستحباب بدليل إسقاطه من حديث المسيء صلاته وهو موضع الحاجة، قَالَ ابن القصار: لو قَالَ: سبحان ربي الجليل أو الكبير أو القدير لكان معظمًا له، وإذا ثبت أن نفس التسبيح ليس بواجب فتعينه والعدول عنه إلى ما في معناه جائز.

------------------
(١) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٨٦ - ١٨٧، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٤ - ١١٥.
(٢) انظر: «الكافي» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، «فتح الباري» لابن رجب ٧/ ١٨١.
قال القرافي رحمه الله:
ولما كانت العادة جارية عند الأماثل والملوك بتقديم الثناء عليهم قبل طلب الحوائج منهم؛ لتنبسط نفوسهم لإنالتها، أمرنا الله -سبحانه وتعالى- بتقديم الثناء على الدعاء، كقول أمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضك الثناء
كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء
فيكون الدعاء في السجود لوجهين، أحدهما: لهذا المعنى، والثاني: أنه غاية حالات الذل والخضوع بوضع أشرف ما في الإنسان الذي هو رأسه في التراب فيوشك أن لا يرد عن مقصده وأن يصل إلى مطلبه. «الذخيرة» ٢/ ١٨٩.
(٣) «المحلى» ٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* موقف الشرق والغرب من الاختلاط
* مهارات كتابة بحث متميز- كيف تكتب مقدمة البحث العلمي
* اللغة العربية.. ومعالم النهضة السلفية
* تجديد الخِطاب الديني بيْن المقبول والمردود
* من فساد وسائل الإعلام تعويد الناس على رؤية المنكرات
* الدعاء بالأسماء الحسنى
* كـيف نفهـم الواقـع؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:49 AM   #188

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 167 الى صـــ 186
الحلقة (188)






فائدتان:
الأولى: في «شرح الطحاوى»: يسبح الإمام ثلاثًا، وقيل: أربعًا؛ ليتمكن المقتضي من الثلاث (١)، وقال الروياني في «الحلية»: لا يزيد الإمام على خمس. وقال الماوردي: أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس (٢). وفي «شرح الهداية»: إن زاد عَلَى الثلاث حتَّى ينتهي إلى اثنتي عشرة فهو أفضل عند الإمام، وعندهما إلى سبع. وعن بعض الحنابلة: الكمال أن يسبح مثل قيامه (٣)، وعن

---------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٢. بتصرف.
(٢) «الحاوي» ٢/ ١٢٠.
(٣) قال المرداوي رحمه الله: قوله: ثلاثًا. وهو أدنى الكمال. هذا بلا نزاع أعلمه في تسبيحي الركوع والسجود. وما أعلى الكمال، فتارة يكون في حق الإمام، وتارة يكون في حق المنفرد، فإن كان في حق الإمام، فالصحيح من المذهب، أن الكمال في حقه يكون إلى عشر. قال: المجد، وتابعه صاحب «مجمع البحرين»: الأصح ما بين الخمس إلى العشر. قالا: وهو ظاهر كلامه. وقدمه في «الفروع». وقيل: ثلاثٌ، ما لم يوتر المأموم. قال في «التلخيص»، و«البلغة»: ولا يزيد الإمام على ثلاثٍ. وقيل: ما لم يشق. وقاله القاضي، وقيل: لا يزيد على ثلاث إلا برضا المأموم، أو بقدر ما يحصل الثلاث له. وقيل: لا يزيد على ثلاث إلا برضا المأموم، أو بقدر ما يحصل الثلاث له. وقيل: سبعٌ. قدمه في «الحاويين»، و«حواشي ابن مفلح». قال صاحب «الفائق»، وابن تميم: هو ظاهر كلام الإمام أحمد. وظاهر كلام ابن الزاغوني في «الواضح»، أن الكمال في حقه قدر قراءته. وقال الآجري: الكمال خمس، ليدرك المأموم ثلاثًا. وقيل: ما لم يخف سهوًا. وقيل: ما لم يطل عرفا. وقيل: أوسطه سبع، وأكثره بقدر قيامه. ونسبه المجد إلى غير القاضي من الأصحاب. وقدمه في «الفائق». وأطلقهما ابن تميم. وقيل: العرف. وأطلقهن في «الفروع»، وقيل: سبعٌ، وقدمه في «الحاويين»، و«الحواشي». وقيل: عشرٌ. وقيل: أوسطه سبعٌ، وأكثره بقدر قراءة القيام. كما تقدم في حق الإمام. «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» ٣/ ٤٨١ - ٤٨٤.



الشافعي: عشرة (١) وهو منقول عن عمر، ورواه أبو داود من حديث أنس (٢) وفيه مقال.
الثانية: ادعى الطحاوي -فيما حكاه البيهقي- نسخ الأحاديث بحديث عقبة، وقال: يجوز أن يكون ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾

-----------
(١) ذكر هذا القول بدر الدين العيني في كتابه «البناية» ٢/ ٢٨٧، ولم نجده في كتب الشافعية، والله اعلم.
قال النووي رحمه الله: قال الشافعي رحمه الله في «المختصر»: يقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال. وقال في «الأم»: أحب أن يبدأ الراكع فيقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا، ويقول ما حكيته عن النبي - ﷺ -، يعني حديث علي رضي الله، عنه قال أصحابنا: يستحب التسبيح في الركوع، ويحصل أجل السبحة بقوله: سبحان الله أو سبحان ربي وذلك أدنى الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فهذا أدنى مراتب الكمال، قال القاضي حسين: قول الشافعي يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا. وذلك أدنى الكمال، لم يرد أنه لا يجزيه أقل من الثلاث؛ لأنه لو سبح مرة واحدة كان آتيًا بسنة التسبيح، وإنما أراد أن أول الكمال الثلاث، قال: ولو سبح خمسًا أو سبعًا، أو تسعًا أو إحدى عشرة كان أفضل وأكمل؛ لكنه إذا كان إمامًا يستحب أن لا يزيد على ثلاث. وكذا قال صاحب «الحاوي» أدنى الكمال ثلاث وأعلى الكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس، ولو سبح مرة حصل التسبيح.
وقال: قال أصحابنا: والزيادة على ثلاث تسبيحات تستحب للمنفرد، وأما الإمام فلا يزيد على ثلاث تسبيحات، وقيل خمس إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ويكونوا محصورين لا يزيدون. هكذا قاله الأصحاب، وقد قال الشافعي في «الأم»: وكل ما قال رسول الله - ﷺ - في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه إمامًا كان أو منفردًا، وهو تخفيف لا تثقيل، هذا لفظ نصه، وظاهره استحباب الجميع للإمام، لكن الأقوى ما ذكره الأصحاب فيتأول نصه على ما إذا رضي المأمومون أو على غيره والله أعلم. «المجموع» ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤ بتصرف.
(٢) «سنن أبي داود» (٨٨٨) كتاب: الصلاة، باب: مقدار الركوع والسجود. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٥٧) إسناده ضعيف، وهب بن مانوس مجهول.



[الأعلى: ١]، أنزلت بعد ذَلِكَ قبل وفاته، قَالَ: ولم يعلم أن حديث ابن عباس صدر منه غداة يوم الاثنين والناس خلف أبي بكر في صلاة الصبح، وهو اليوم الذي توفي فيه (١)، وروينا في الحديث الثابت عن النعمان بن بشير أنه - ﷺ - كان يقرأ في صلاة العيدين والجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] (٢) وفي هذا دلالة أن نزول ﴿سَبِّحِ﴾ كان قبل ذَلِكَ بزمان كثير، وروينا عن الحسن البصري وعكرمة وغيرهما أنها نزلت بمكة شرفها الله.
تنبيه: ليس بين السجدتين عند الحنفية ذكر مسنون، قالوا: والذي روي في ذَلِكَ محمول عَلَى التهجد (٣)، وهو بعيد، وأهل الظاهر يقولون: إن تعمد تركه يبطل الصلاة.
فائدة: معنى: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك»: سبحانك بجميع آلائك وبحمدك، سبحتك -أي: نزهتك- عن كل عيب، ونصبه عَلَى المصدر (٤).

---------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وانظر: «معرفة السنن» ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤ كتاب: الصلاة، باب: الذكر في الركوع.
(٢) رواه مسلم ٦٢ (٨٧٨) عن علي، (٤٧٩) عن ابن عباس كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ به في الجمعة.
(٣) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٧، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٨، «حاشية ابن عابدين» ١/ ٥٤٤.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: آخر (١) من الرابع من تجزئة المصنف.



باب: القراءة في الركوع والسجود
هذا الباب في بعض نسخ البخاري ولم يذكر فيه حديثًا، وكأنه بيض له لما لعله يجده على شرطه فلم يجده، وذكره ابن بطال مع الترجمة الآتية بعد ذَلِكَ، واعترض فقال: ترجم لذلك ولم يذكر فيه حديثًا؛ لجواز ذَلِكَ ولا منعه (١)، وتبعه ابن المنير فقال: وضعها ليذكر فيها حديثًا بالإجازة أو المنع، ثمَّ عرض لَهُ مانع من ذَلِكَ وبقيت الترجمة بلا حديث يطابقها (٢).
قُلْتُ: وفي أفراد مسلم حديث علي قَالَ: نهاني رسول الله - ﷺ - عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد. وفي لفظ له: نهاني عن القراءة في الركوع والسجود. وفي لفظ: ولا أقول: نهاكم، وحديث ابن عباس قَالَ: نهيت أن أقرأ وأنا راكع (٣).
واتفق فقهاء الأمصار عَلَى القول بهذا الحديث، وخالفه قوم من السلف فأجازوه. قَالَ عمرو بن ميمون: سمعت أخي سليمان بن ربيعة وهو ساجد وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ما لو شاء رجل أن يذهب إلى أهله يتوضأ ثمَّ يجي وهو ساجد لفعل. وقال عطاء: رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع. في المكتوبة. وأجازه الربيع بن خثيم وقال النخعي في الرجل ينسى الآية فيذكرها وهو راكع قال: يقرأ وهو راكع. وعندنا لو فعل ذَلِكَ كره ولم تبطل صلاته، وفي وجه: تبطل،

-------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤١٥.
(٢) «المتواري» ص ١٠٦.
(٣) «صحيح مسلم» (٤٨٠) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركع والسجود.



ولعل من أجازه لم يبلغه الحديث، أو بلغه فلم يصححه، ورأوا القراءة حسنة في كل حال، والخبر صح كما أسلفناه؛ فلا ينبغي القراءة في ركوعه وسجوده من أجله، وعلى هذا جماعة أئمة الأمصار.

١٢٤ - باب مَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَن خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
٧٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ». [انظر: ٧٨٥ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٨٢]
ذكر فيه حديث ابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا رَكَعَ وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا.
وقد اختلف العلماء فيما يقول الإمام ومن خلفه إِذَا رفع رأسه من الركوع، فذهبت طائفة إلى الأخذ بهذا الحديث، وقالوا: ينبغي للإمام أن يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يجمعهما جميعًا، ثمَّ يقول المأموم: ربنا ولك الحمد، خاصة. وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن (١) وابن نافع صاحب مالك (٢)، قَالَ الحلواني الحنفي: كان شيخ شيخي يميل إليه. وقال الشافعي: يجمع بينهما كالإمام (٣). وقالت طائفة: يقول الإمام: سمع الله لمن حمده،

---------
(١) انظر: «الأصل» ١/ ٤، «المبسوط» ١/ ٢٠. وروي عن أبي حنيفة مثل قولهما.
انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦٤، وبه قال عيسى بن دينار من المالكية أيضًا.
(٣) انظر: «الوسيط» ١/ ٢٢٨، «حلية العلماء» ٢/ ٩٨، «المجموع» ٣/ ٣٩١.



وكذا المنفرد، وفي «المعرفة» للبيهقي: كان عطاء يقول: يجمعهما الإمام والمأموم أحب إلى (١). وبه قَالَ ابن سيرين وأبو بردة وأبو هريرة: دون الإمام، ويقول المأموم: ربنا ولك الحمد، وهو قول مالك والليث وأبي حنيفة. وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي والثوري والأوزاعي، وأحمد قَالَ: وبه أقول، وحكى غيره عن أحمد كالأول (٢).
حجة الآخرين: قوله - ﷺ -: «إِذَا قَالَ الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد» أخرجه البخاري في الباب بعده (٣)، ومسلم أيضًا (٤).
وحجة الأولين: حديث الباب وقد قَالَ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» والجواب عن حديثهم أن معناه: قولوا ذَلِكَ مع ما قد علمتموه من قوله: سمع الله لمن حمده، وإنما خص هذا بالذكر؛ لأنه - ﷺ - كان يجهر بالتسميع، فهم يعلمونه ولا يعرفون: ربنا لك الحمد؛ لأنه يسر به؛ فلذلك علمهم إياها، واحتج الثاني أيضًا فحمل الحديث عَلَى المنفرد، وإنما سقط: سمع الله لمن حمده للمأموم؛ لاختلاف حاله وحال الإمام في الصلاة، وأن الإمام مجيب للدعاء كما قسم الشارع الذكر بين العاطس والمشمت، كذا قسم هذا الذكر بين الإمام

------
(١) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ١٢.
(٢) «الأوسط» لابن المنذر ٣/ ١٦١ - ١٦٢، «المغني» ١/ ١٨٦، «المدونة» ١/ ٧٣، «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٨، «التمهيد» ٣/ ٨٥، «بداية المجتهد» ١/ ٢٩١، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٩، «البناية» ٢/ ٢٦٢.
(٣) حديث (٧٩٦).
(٤) «صحيح مسلم» (٤٠٩) كتاب: الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين.



والمأموم، وقول الإمام: سمع الله لمن حمده، استجابة لدعاء داع، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد عَلَى وجه المقابلة؛ لأنه لا حامد لَهُ غير المؤتم به في هذِه الحال فلا يشرك أحدهما صاحبه.
وأجاب الأول بأنه لا دلالة فيه عَلَى اختصاص ذَلِكَ بالإمام، فالمنفرد مشارك لَهُ وهو إجماع، وفي الدارقطني -بإسناد ليس بذاك- من حديث بريدة، قَالَ لي النبي - ﷺ -: «يا بريدة، إِذَا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد» (١) ويجوز: «ربنا ولك الحمد» بالواو ودونها، «واللهم ربنا لك الحمد» كذلك (٢)، وكلها ثابت في «الصحيح»، قَالَ الشافعي في «الأم»: والإتيان بالواو في ربنا ولك الحمد أحب إلى (٣)، قُلْتُ؛ لأنها تجمع معنيين: الدعاء والاعتراف، أي: ربنا استجيب لنا، ولك الحمد عَلَى هدايتك إيانا. ومذهب أبي حنيفة حذف الواو من قوله: ولك الحمد. وفي «المحيط»: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد أفضل لزيادة الثناء (٤)، وعن أبي حفص منهم: لا فرق بين قوله: لك، وبين قوله: ولك.

-----------
(١) «سنن الدارقطني» ١/ ٣٣٩. قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ٢/ ١١٧: سنده ضعيف.
(٢) الحديث الآتي (٧٩٦).
(٣) «الأم» ١/ ٩٧.
(٤) «المحيط البرهاني» ٢/ ١١٨.



١٢٥ - باب فَضلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ
٧٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَى، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [٣٢٢٨ - مسلم: ٤٠٩ - فتح: ٢/ ٢٨٣]
ذكر فيه حديث أَبِي صَالِحٍ ذكوان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبِهِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا (١)، وقد سلف الكلام عليه آنفا.

------------
(١) مسلم (٤٠٩)، أبو داود (٨٤٨)، الترمذي (٢٦٧)، النسائي ٢/ ١٩٦.
قلت: وكذا ابن ماجه (٨٧٥).



١٢٦ - باب
٧٩٧ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ. [مسلم: ٦٧٦ - فتح: ٢/ ٢٨٤]

٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ. [١٠٠٤ - فتح: ٢/ ٢٨٤]

٧٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ». قَالَ: أَنَا. قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ». [فتح: ٢٨٤]
كذا هذا الباب في الأصول وترجم عليه ابن أبي أحد عشر: باب التكبير إِذَا قام من السجود، ثمَّ ساق الأحاديث فيه، وذكر فيه ابن بطال في الباب قبله حديث أبي هريرة أولًا، ثمَّ قَالَ: قَالَ أبو هريرة: لأقربن، فذكره (١).
وحاصل ما في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث أبي هريرة: لأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي

-------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤١٨ - ٤١٩.


رَكْعَةِ الأخُرى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ العِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيلْعَنُ الكُفَّارَ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (١)، ولفظه: والله لأقربن بكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء وصلاة الصبح ويدعو للمسلمين ويلعن الكفار، وفي طريق آخر سمى القبائل الملعونة.
وفيه: أن القنوت كان في الصلوات المذكورة لأجل النازلة ثمَّ ترك في الظهر والعشاء.
وقوله: (لأقربن): قيل: الوجه فيه: لأقرِبَن أو لأستقربن. أي: لأتبعن، كذا رأيته بخط الدمياطي عَلَى حاشية «الصحيح» بخطه، وفي «المطالع» زعم بعضهم أن صوابه: لأقتربن، بمعنى: لأتتبعن، وفيه تكلف لا يحتاج إليه.
الحديث الثاني:
حديث أبي قلابة عن أنس: كَانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالْفَجْرِ.
وأبو قلابة اسمه: عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وفي سنده إسماعيل، وهو: ابن علية، وشيخ البخاري: عبد الله بن أبي الأسود، وهو: عبد الله بن محمد بن حميد بن أبي الأسود بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ قاضي همدان، ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي،

--------
(١) «صحيح مسلم» (٦٧٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، و«سنن أبي داود» (١٤٤٠) كتاب: الوتر، باب: القنوت في الصلاة، و«النسائي» ٢/ ٢٠٢ كتاب: التطبيق، باب: القنوت في صلاة الظهر.


الإمام، روى عنه مع البخاري: أبو داود والترمذي، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (١)، وفقهه كما في الذي قبله، ويأتي أيضًا (٢).
الحديث الثالث:
حديث رفاعة بن رافع، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الركوع قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ؟». قَالَ: أَنَا. قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاِثينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أيُّهُمْ يَكْتبهَا أَوَّلُ».
وهو من أفراد البخاري، بل لم يخرج مسلم عن رفاعة في «صحيحه»، شيئًا ورفاعة بدري وأبوه نقيب بقي إلى إمرة معاوية.
وفيه: ثواب التحميد لله تعالى والذكر له، وما عند الله أوسع وأكثر ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] وفيه دليل عَلَى جواز رفع المذكر صوته بالتكبير والتحميد في المساجد الكثيرة الجمع؛ ليسمع الناس، وليس ذَلِكَ بكلام تفسد به الصلاة، وكيف يفسدها رفع الصوت؟! أولم يرفع وهو مندوب إليه فيها، وكما لا يجوز لأحد أن يتكلم في الصلاة بكلام الناس، وإن لم يرفع صوته، فكذلك لا يضره رفع الصوت بالذكر، يدل عَلَى ذَلِكَ حديث

--------
(١) وينسب إلى جده.
قال أبو بكر الخطيب: سكن بغداد، وحدث بها، وكان حافظًا متقنًا، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وروى له الترمذي، قال ابن معين: لا بأس به.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٨٩ (٥٩٤)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ١٥٩ (٧٣٣)، و«الثقات» ٨/ ٣٤٨، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٤٦ (٣٥٢٩).
(٢) برقم (١٠٠٤).



معاوية بن الحكم عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «إن صلاتنا هذِه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هو التهليل والتكبير وقراءة القرآن» (١) فأطلق أنواع الذكر في الصلاة، فلهذا قلنا إن المذكر إِذَا رفع صوته بـ: ربنا ولك الحمد، وسائر التكبير لا يضره، وقد خالف في ذَلِكَ بعض المتأخرين بلا دليل ولا برهان، وقد ترجم البخاري فيما سلف: من أسمع الناس تكبير الإمام.
--------
(١) رواه «مسلم» (٥٣٧) كتاب: المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته.


١٢٧ - باب الاطْمَاْنِينَةِ حِيَن يَرْفَعُ رأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
وقَالَ أَبُو حُمَيْدً رَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاسْتَوى جَالِسًا، حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ. [انظر: ٨٢٨]

٨٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ، قَالَ: حَدّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَانَ يُصَلِّي وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ. [٨٢١ - مسلم: ٤٧٢ - فتح: ٢/ ٢٨٧]

٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنِ ابن أبي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [انظر: ٧٩٢ - مسلم: ٤٧١ - فتح: ٢/ ٢٨٨]

٨٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ. وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ. [انظر: ٦٧٧ - فتح: ٢/ ٢٨٨]
وقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ رَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاسْتَوى جَالِسًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ.
هذا الحديث منقطع من حديث يأتي إن شاء الله تعالى مسندًا في باب: سنة الجلوس (١).
والفقار: بفتح الفاء وكسرها: خرزات الصلب، وهي: مفاصله، الواحدة: فقارة، ويقال: اطمان طمأنينة وطمأنينا، والاطمأنينة: الواحدة كالضربة من الضرب.

-------
(١) سيأتي برقم (٨٢٨) كتاب: الأذان.


ثمَّ ذكر البخاري بعد ذَلِكَ ثلاثة أحاديث.
أحدها:
حديث ثابت: كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَانَ يُصَلِّي، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ.
وهو من أفراده، وإن كان مسلم أخرجه من وجه آخر (١)، وعند الإسماعيلي: فإذا قَالَ: سمع الله لمن حمده، يقوم حتَّى نقول: قد نسي، وعزاه المزي في «أطرافه» إلى البخاري من هذِه الطريق بهذا اللفظ، والموجود ما قدمته، وكذا ذكره أصحاب الأطراف، وأبو نعيم في «مستخرجه».
ثانيها:
حديث البراء: قَدْ مضى في باب: حد إتمام الركوع (٢)، والبخاري رواه هنا عن أبي الوليد عن شعبة، وفيما مضى: عن بدل بن المحبر، عن شعبة، وأسقط المزي الحافظ (٣) شيخنا أبا الوليد، وأبدل بدله سليمان بن حرب (٤)، ولم نره، وكأنه انتقال منه، فالبخاري ذكر حديث مالك بن الحويرث، عن سليمان بن حرب. فاعلمه.

--------
(١) «صحيح مسلم» (٤٧٢) كتاب: الصلاة، باب: اعتدال أركان الصلاة، وتخفيفها في تمام.
(٢) رقم (٧٩٢) كتاب: الأذان.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال شيخنا: المصنف أجاز (…) المزي فكان النهي سنة إحدى وأربعين.
(٤) «تحفة الأشراف» ٢/ ٢٦ (١٧٨١).
ونبه على ذلك أيضًا الحافظ في «النكت الظراف» ٢/ ٢٦، وقال: ذكره خلف على الصواب.



ثالثها:
حديث أبي قلابة قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ يُرِينَا … الحديث، وقد سلف في مواضع (١)، ولفظه هنا: ثمَّ رفع رأسه فأنصب هنية. قَالَ ابن التين: ضبطه بعضهم بوصل الألف وتشديد الباء، وبعضهم بقطعها وفتحها وتخفيف الباء من الإنصات، وهو: السكوت، قَالَ: والأول الوجه عندي.
وقوله: (صلاة شيخنا هذا أبي بريد، وكان أبو بريد) إلى آخره، هو بضم الباء الموحدة، عمرو بن سلمة -بكسر اللام- الجرمي، لَهُ إدراك، ووقع في «شرح ابن بطال»: بريدة بالهاء (٢)، وهو غلط، وصوابه بحذفها كما ذكره بعد، وقال في «المطالع» للكافة: في البخاري بالزاي إلا الحموي فبالراء (٣)، وكذا ذكره مسلم في «الكنى»، وذكره ابن ماكولا فيهما (٤).
إِذَا تقرر ذَلِكَ: فهذِه الصفة في الصلاة حسنة لمن أكثر بها في حاجة نفسه، غير أن فعل أنس ومالك بن الحويرث، ونعتهما صلاة رسول الله - ﷺ - بهذِه الصفة يدل أنهم كانوا لا يبالغون في الطمأنينة في الرفع من الركوع ولا بين السجود، مثل ما ذكر في الحديث عن الشارع، فأراهما ذَلِكَ ولم يقولا لهم: إن صلاتكم هذِه التي تقصرون فيها عن

--------
(١) سبق برقم (٦٧٧) كتاب: الأذان، باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي وسنته.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢٠.
(٣) انظر: «مشارق الأنوار» ١/ ١١١ حيث نقل القاضي عياض الخلاف في اسمه، وبدأ كلامه بأنه: أبو يزيد، ثم قال: كذا الجميع الرواة إلا الحموي فعنده: أبو بريد.
(٤) «الإكمال» ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩.



بلوغ هذا الحد من الطمأنينة لا تجوز، وإن كانت هذِه الصفة أفضل لمن قدر عليها، وقد قَالَ أبو أيوب في باب: المكث بين السجدتين، بعد هذا: وقد كان أبو بريد يفعل شيئًا لم أرهم يفعلونه (١)، وكذا قَالَ ثابت عن أنس في ذَلِكَ الباب: إنه كان يصنع شيئا لم أركم تصنعونه، كان إِذَا رفع رأسه من الركوع قام حتَّى يقول القائل: قد نسي (٢). وبين السجدتين كذلك، فدل أن الذي كانوا يصنعونه في ذَلِكَ من خلاف هذِه الآثار جائز أيضًا؛ إذ لا يجوز أن يتفق الصحابة عَلَى صفة من الصلاة إلا وهي جائزة، هذا هو المفهوم من هذِه الآثار، وقد ترجم البخاري أيضًا لحديث أنس والبراء ومالك بن الحويرث: المكث بين السجدتين، كما ستعلمه.
-----------
(١) سيأتي برقم (٨١٨) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي رقم (٨٢٠) كتاب: الأذان.



١٢٨ - باب يَهْوِي بِالتَّكْبِيِر حِيَن يَسْجُدُ
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابن عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.

٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ. حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ: حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. [انظر: ٧٨٥ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٩٠]

٨٠٤ - قَالا: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ. [١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨٦، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠ - مسلم: ٦٧٥ - فتح: ٢/ ٢٩٠]

٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَقَطَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ فَرَسٍ- فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا- فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ


فَاسْجُدُوا». قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لَقَدْ حَفِظَ، كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَلَكَ الْحَمْدُ». حَفِظْتُ: مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ -وَأَنَا عِنْدَهُ-: فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ. [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ٢٩٠]
(وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبيته): هذا التعليق رواه
الحاكم من حديث محرز بن سلمة، عن عبد العزيز، عن عبيد الله، عن نافع، عنه به وقال: كان النبي - ﷺ - يفعل ذَلِكَ ثمَّ قَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم ولم يخرجاه، وله معارض من حديث أنس ووائل بن حجر (١).
وقال الحازمي: هذا الحديث يعد من مفاريد عبد العزيز عن عبيد الله.
وقال البيهقي: رواه ابن وهب وأصبغ عن عبد العزيز قَالَ: والمشهور عن ابن عمر. ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: إِذَا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه (٢).
وبإسناده إلى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: «إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه وإذا رفعه فليرفعهما». وهذا الأخير خرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٣).
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ثمَّ قَالَ ابن خزيمة: ذكر الدليل عَلَى أن الأمر بوضع اليدين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ. ثمَّ ساق حديثًا عن سعد قَالَ: كنا نضع

----------
(١) «المستدرك» ١/ ٢٢٦: الصلاة.
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ١٠١ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يضع يديه قبل ركبتيه.
(٣) «السنن الكبرى» ٢/ ١٠١، «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٢٠ (٦٣٠) كتاب: الصلاة، باب: وضع اليدين على الأرض في السجود.



اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين (١). وأعله البيهقي وغيره (٢). وعند الشافعي أن الأفضل أن يضع ركبتيه ثمَّ يديه (٣).
وبه قَالَ أحمد وأصحاب الرأي وأكثر العلماء (٤)، كما نقله الترمذي وغيره.
وقال مالك: يقدم يديه عَلَى ركبتيه. وهو رواية عن أحمد، وبه قَالَ الأوزاعي والحسن وابن حزم (٥)، وفيه حديث عن أبي هريرة رواه أبو داود والترمذي والنسائي، واستغربه الترمذي، وأعله البخاري والدارقطني (٦).

----------------
(١) «المستدرك» ١/ ٢٢٦.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣١٩ (٦٢٨).
(٣) «السنن الكبرى» ٢/ ١٠٠.
(٤) «الأم» ١/ ٩٨، «البيان» ٢/ ٢١٥، «المجموع» ٣/ ٣٩٦.
«سنن الترمذي» ٢/ ٥٧ عقب الرواية (٢٦٨)، انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١١، «المبسوط» ١/ ٣١، ٣٢، «بدائع الصنائع» ١/ ٢١٠، «المغني» ٢/ ١٩٣، «شرح الزركشي» ١/ ٣١٠، «المبدع» ١/ ٤٥٢.
(٥) انظر: «المحلى» ٤/ ١٢٨ - ١٣٠، «المغني» ٢/ ١٩٣، «المبدع» ١/ ٤٥٢، «الممتع» ١/ ٤٣٥.
(٦) رواه أبو داود (٨٤٠)، والنسائي ٢/ ٢٠٧ من طريق عبد العزيز بن محمد، كما رواه أبو داود (٨٤١)، والترمذي (٢٦٩)، والنسائي ٢/ ٢٠٧ من طريق عبد الله بن نافع، كلاهما -عبد العزيز وعبد الله- عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه».
وأعله البخاري بمحمد بن عبد الله بن الحسن، فذكر الحديث ثم قال: لا يتابع عليه، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟ «التاريخ الكبير» ١/ ١٣٩ (٤١٨)، وضعفه كذلك ابن العربي في «العارضة» ٢/ ٦٩.
بينما صححه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ١/ ٣٩٩، وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٣٩٦، «الخلاصة» (١٢٤٨): إسناده جيد. اهـ. =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* موقف الشرق والغرب من الاختلاط
* مهارات كتابة بحث متميز- كيف تكتب مقدمة البحث العلمي
* اللغة العربية.. ومعالم النهضة السلفية
* تجديد الخِطاب الديني بيْن المقبول والمردود
* من فساد وسائل الإعلام تعويد الناس على رؤية المنكرات
* الدعاء بالأسماء الحسنى
* كـيف نفهـم الواقـع؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:52 AM   #189

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 187 الى صـــ 206
الحلقة (189)






وعن مالك رواية أيضًا أنه يقدم أيهما شاء (١). وعنه كالشافعي (٢)، وقال قتادة: يصنع أهون ذَلِكَ عليه، وتوقف النووي في ذَلِكَ فقال (٣): لا يظهر لي الآن ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة (٤). قَالَ الشافعي في «الأم»: فإن خالف الترتيب المذكور كرهته ولا إعادة عليه (٥).
قال الطحاوي: اتفقوا أنه يضع رأسه بعد يديه وركبتيه، ثمَّ يرفعه قبلهما، ثم كانت اليدان متقدمتين في الرفع، فوجب أن يكونا مؤخرتين في الوضع (٦).
وذكر البخاري أيضًا في الباب حديثين آخرين:

--------------
= وكذا المباركفوري في «تحفة الأحوذي»: ٢/ ١٢٠، والألباني في «الإرواء»: ٢/ ٧٨، وفي «صحيح أبي داود» (٧٨٩).
(١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٣٣.
(٢) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٦، «الذخيرة» ٢/ ١٩٥، «الخرشي» ١/ ٢٨٧.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال النووي في «المهذب».
(٤) «المجموع» ٣١/ ٣٩٥.
(٥) «الأم» ١/ ٩٨.
(٦) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٥٦.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» ١/ ٩٠ - ٩١:
أما الصلاة بكليهما فجائزة باتفاق العلماء، إن شاء المصلي يضع ركبتيه قبل يديه، وإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء ولكن تنازعوا في الافضل فقيل: الأول كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وقيل: الثاني كما هو مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى وقد روي بكل منهما حديث في السنن عن النبي - ﷺ - ففي السنن عنه: أنه كان إذا صلى وضع ركبتيه ثم يديه وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه وفي «سنن أبي داود» وغيره أنه قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل ولكن يضع يديه ثم ركبتبه» وقد روي ضد ذلك، وقيل: أنه منسوخ والله أعلم. اهـ.



أحدهما:
حديث أبي هريرة أَنه كَانَ يُكَبَّرُ فِي كُلِّ صَلَاةِ مِنَ المَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا.
الحديث الثاني:
حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ .. الحديث.
وقد سلفا فيما مضى (١)، وعزاه شيخنا المزي (٢) في «أطرافه» إلى النسائي، (وأنه رواه عن هشام بن عمار عن ابن عيينة، وهذا ينبغي أن يعلم أنه سند ابن ماجه) (٣). وقد سلف معنى هذا الباب: في باب إتمام التكبير في الركوع (٤)، ولا خلاف فيه بين الفقهاء إلا في تكبير القيام من اثنتين، وسيأتي ذَلِكَ في باب: يكبر وهو ينهض بين السجدتين (٥).

---------------
(١) حديث أبي هريرة سلف برقم (٧٨٥)، وحديث أنس سلف برقم (٣٧٨).
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: هو شيخه، بمعنى أنه أجازه من دمشق.
(٣) كذا في الأصل، وهو خلاف في «التحفة»؛ فإن المزي -رحمه الله- لما طرَّفه في «التحفة» (١٤٨٥) عزاه للنسائي من وراية هناد بن السري، وعزاه لابن ماجه من رواية هشام بن عمار كلاهما عن ابن عيينة!!
قلت: وحديث هناد عند النسائي ٢/ ٨٣، ١٩٥ - ١٩٦، وحديث هشام عند ابن ماجه برقم (١٢٣٨)
(٤) راجع شرح حديث (٧٨٤، ٧٨٥).
(٥) سيأتي برقم (٨٢٥، ٨٢٦).



١٢٩ - باب فَضْلِ السُّجُودِ
٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَى جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ "فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ:
٨٠٦


لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِى رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِى أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللهُ -عز وجل- مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللهُ -عز وجل-: تَمَنَّ كَذَا وَكَذَا. أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهما: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلاَّ قَوْلَهُ: «لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». [٦٥٧٣، ٧٤٣٧ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ٢/ ٢٩٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة في الرؤية بطوله وفيه: «وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ» وفي آخره: «لك ذلك وعشرة أمثاله».
وهو حديث عظيم يأتي في (الجنة) (١) والتفسير (٢)، أخرجه مسلم

------------
(١) كلمة غير واضحة في الأصل، ولعل المثبت هو الصواب؛ فالحديث يأتي في أبواب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٨١) باب: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] من =



أيضًا مطولًا، وفيه: قَالَ أبو هريرة: «وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة» -وهو في الرواية هنا-. وفيه: «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» وقال قبله: «في صورة غير صورته التي يعرفون» (١) وكذا ذكره البخاري في كتاب: الرقاق، وذكر مرة الإتيان مرتين -كما أخرجه مسلم- وذكره مرة ثلاثًا، وأخرجاه من حديث ابن مسعود أيضًا مطولًا: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة» فذكراه (٢)، وفي (الرواة عن مالك للدارقطني) (٣) من حديث ابن عمر أن اسم هذا الرجل: جهينة، من جهينة: «فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين سلوه: هل بقي من الخلائق أحدٌ؟» (٤).
وقال السهيلي: اسمه هناد. وفي «الحلية» لأبي نعيم من حديث ليث عن مجاهد عن أبي هريرة يرفعه: «يخرج أهل الكبائر من النار إلا رجلًا

------------
= حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أبي هريرة يأتي برقم (٦٥٧٣) كتاب: الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم.
وبرقم (٧٤٣٧) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.
(١)»صحيح مسلم«(١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٢) سيأتي برقم (٦٥٧١) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ومسلم (١٨٦) كتاب: الإيمان، باب: آخر أهل الجنة خروجًا.
(٣) كذا في الأصل، ولعل صوابه:»الرواة عن مالك«للخطيب،»غرائب مالك«للدارقطني فهكذا العزو في مصادر التخريج كما سيأتي، فضلًا عن أنه هكذا ضبط اسمي مصنف الخطيب، ومصنف الدارقطني. انظر:»الرسالة المستطرفة«ص ٨٤.
(٤) رواه الدارقطني في»غرائب مالك«كما في»لسان الميزان«٢/ ١٦٤ (١٩١٠)،»كنز العمال«(٣٩٤٣٣)، وكذا رواه الخطيب في»رواة مالك«، كما. في»الكنز«أيضًا وقال الدارقطني: هذا الحديث باطل. اهـ. وكذا أشار لضعفه الحافظ في»الفتح«١١/ ٤٥٩، وقال الألباني في»الضعيفة" (٣٧٧): موضوع.



يمكث ألف سنة ينادي: يا حنّان يا منّان. فيبعث الله إليه ملكًا فيخوض في النار في طلبه سبعين عامًا لا يقدر عليه حتَّى يدله عليه رب العزة -عز وجل-» (١).
إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
«تمارون» قد سلف في باب فضل صلاة العصر (٢) أن معناها: تجادلون، أي: لا يدخلكم شك، وهو مخفف الراء من المرية وهو الشك.
قَالَ الخطابي: وأصله: يتمارون، وليس هو من المراء (٣)، قَالَ ابن التين: والذي ضبط في هذا الموضع بضم التاء وهو خلاف قول الخطابي: أصله: يتمارون وهي رواية الأصيلي بالفتح.
ثانيها:
«الطواغيت»: جمع طاغوت، وهو ما عبد من دون الله، يقع عَلَى الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وزنه فعلوت وإنما هو طغيوت، قدمت الياء عَلَى الغين وهي مفتوحة وقبلها فتحة قلبت ألفًا. قاله ابن سيده (٤).
ونص الحديث فرق بينه وبين من عبد الشمس ومن عبد القمر، وقال

------------
(١) لم أقف عليه في «الحلية» هكذا، والذي فيها إنما هو من قول سعيد بن جبير، بنحوه انظر: «الحلية» ٤/ ٢٨٥، بينما حديث أبي هريرة قد رواه الحكيم الترمذي في «النوادر» ص ١٣٩ الأصل الثاني والمائة، وهكذا لما أورده صاحب «الكنز» (٣٩٥٤٩) عزاه للحكيم فقط!
(٢) رقم (٥٥٤) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٢٣.
(٤) «المحكم» ٦/ ٨.



القزاز: هو: فاعول من طاغوت، وأصله: طاغو فحذفوا وجعلوا التاء كأنها عوض من المحذوف فقالوا: طاغوت. وإنما جاز فيه التذكير والتأنيث؛ لأن العرب تسمي الكاهن والكاهنة طاغوتا. وفي ديوان الأدب: تاؤه غير أصلية. وسئل الشارع فيما رواه جابر عنه، عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد (١). وقيل الطاغوت: الشيطان.
وقيل: كل معبود من حجرٍ أو غيره فهو جبت وطاغوت، وفي «الغريبين» الطاغوت: الصنم، وقال الجوهري: هو كل رأس في الضلال (٢) وفي العبث، هو الشيطان أو ما زين لهم أن يعبدوه (٣).
وقيل: إنه الساحر. وقيل: الكاهن. وقيل: مردة أهل الكتاب.
ثالثها:
قوله: («وتبقى هذِه الأمة فيها منافقوها») يدل عَلَى أن المنافقين يتبعون محمدًا - ﷺ - لما انكشف لهم من الحقيقة رجاءً منهم أن ينتفعوا بذلك، ويلتزموا الرياء في الآخرة ما التزموه في الدنيا حتَّى تبينهم الغرة والتحجيل من أثر الوضوء عند الحوض، فيتبين حينئذ المنافق إذ لا غرة له ولا تحجيل، ويؤخذ منهم ذات الشمال في جملة من ارتد بعده - ﷺ -، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: «سحقًا سحقًا» (٤) فظنوا أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم كما في الدنيا جهلًا منهم، فاختلطوا بهم أو حشروا معهم لما كانوا يظهرونه من

------------
(١) سيأتي معلقًا قبل حديث (٤٥٨٣).
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤١٣.
(٣) «المجموع المغيث» ٢/ ٣٥٧.
(٤) سيأتي برقم (٦٥٨٤ - ٦٥٨٥).



الإِسلام، فحفظ ذَلِكَ عليهم حتَّى ميز الله بين الخبيث والطيب، أو إنه لما قيل: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. والمنافقون لم يعبدوا شيئًا فبقوا هناك حيارى حتَّى ميزوا.
رابعها:
قوله: «فيأتيهم الله» الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله -عز وجل-، لأن الحركة والانتقال لا تجوز عَلَى الله تعالى؛ لأنها صفات الأجسام المتناهية، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذَلِكَ (١)، فلم يبق من معنى الإتيان إلا ظهوره -عز وجل- إلى الأبصار،

-------------
(١) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:
وقد قال الجد أبو عبد الله في تفسيره:
أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول أئمة السلف، كمكحول والزهري، والأوزاعي، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث ابن سعد، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وأتباعهم، أنه يمر كما جاء. وكذلك ما شاكل ذلك مما جاء في القرآن، أو وردت به السنة كأحاديث النزول ونحوها، وهي طريقة السلامة، ومنهج أهل السنة والجماعة: يؤمنون بظاهرها، ويكلون علمها إلى الله، ويعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث. على ذلك مضت الأئمة خلفًا بعد سلف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
وقال ابن السائب في قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ هذا من المكتوم الذي لا يفسر.
وقال أيضًا: أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله، فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة ومن له عقل؛ فإن الصفات والأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها. ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته، ولا ريب أنه العلي الأعلى الأعظم، فهو أعلى من كل شيء، وأعظم من كل شيء، فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع. =



لم تكن تراه ولا تدركه، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازًا، ولا شك أن ما كان عليه السلف من التسليم أسلم، لكن مع القطع بأن الظواهر المذكورة يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أخر، والمتأول أولها عَلَى ما يليق بها عَلَى حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان عارفا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع.
-----------
= وأما لفظ الزوال والانتقال فهذا اللفظ مجمل، ولهذا كان أهل الحديث والسنة فيه على أقوال. فعثمان بن سعيد الدرامي وغيره أنكروا على الجهمية قولهم: إنه لا يتحرك، وذكروا أثرًا أنه لا يزول، وفسروا الزوال بالحركة. فبين عثمان بن سعيد أن ذلك الأثر إن كان صحيحًا لم يكن حجة لهم؛ لأنه في تفسير قوله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكروا عن ثابت: دائم باق لا يزول عما يستحقه، كما قال ابن إسحاق: لا يزول عن مكانته.
وقال أيضًا: والكلبي بنفسه الذي روى هذا الحديث هو يقول: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: استقر، ويقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: صعد إلى السماء، وأما الانتقال فابن حامد وطائفة يقولون: ينزل بحركة وانتقال. وآخرون من أهل السنة، كالتميمي من أصحاب أحمد، أنكروا هذا وقالوا: بل ينزل بلا حركة وانتقال. وطائفة ثالثة، كابن بطة وغيره يقفون في هذا، وقد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلق في كتاب «اختلاف الروايتين والوجهين» ونفي اللفظ بمجمله، والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه. وهو أن يثبت النزول. والإتيان، والمجئ، وينفي المثل، والسمي والكفؤ، والند. «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٢٩، ٤٢٢ - ٤٢٤.
وقال أيضًا: والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة: قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمعوا -يعني: أهل السنة والجماعة- على أن الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفًا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء. قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾. «مجموع الفتاوى» ٥/ ٥٧٧ - ٥٧٨.



وزعم القاضي عياض أن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانًا. قَالَ: والأشبه أن المراد يأتيهم بعض الملائكة، ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرة عليه، أو يكون معناه: يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإلهية؛ ليختبرهم وهو آخر امتحان المؤمنين، فإذا قَالَ لهم هذا الملك أو هذِه الصورة: أنا ربكم. رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه (١).
وقال القرطبي: هذا مقام هائل يمتحن الله فيه عباده؛ ليميز المحق من المبطل، وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين المخلصين زاعمين أنهم منهم، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع: أنا ربكم. فأجاب المؤمنون بإنكار ذَلِكَ لما سبق لهم من المعرفة به تعالى، وأنه منزه عن صفات هذِه الصورة؛ إذ سماتها سمات الحدث؛ فلذلك قالوا في حديث أبي سعيد: نعوذ بالله منك، لا نشرك باللهِ شيئًا. مرتين أو ثلاثًا، حتَّى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب، وهذا البعض الذي هم بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعل هذِه الطائفة هي التي اعتقدت الحق من غير بصيرة، فلذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب. ثمَّ يقال بعد هذا للمؤمنين: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق ويتجلى لهم الأمر، فيروه حقيقة معاينة -وكشف الساق مثل يستعمله العرب في الأمر إِذَا حق ووضح- وعند هذا يسجد الجميع، فمن كان مخلصًا في الدنيا صح لَهُ سجوده عَلَى نهايته

-------------
(١) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٥٤٥ - ٥٤٦.


وكماله، ومن كان مناففا أو مرائيًا عاد ظهره طبقة واحدة كلما رام السجود خر عَلَى قفاه، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة، والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء ويكون معنى الكلام أن الله تعالى يجيئهم بصورة. كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، ويكون معنى الإتيان هنا: يحضر لهم تلك الصورة.
وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلى لهم الحق فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، وهذا الوصف الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا، وهو المعبر عنه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ولهذا قالوا: إِذَا جاء ربنا عرفناه. فقيل لهم في الحديث: وكيف تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ولا نظير وقد جاء مرفوعًا في كتاب «التصديق بالنظر إلى الله تعالى» للآجري من حديث أبي موسى كذلك، ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة والمجيء والإتيان المضاف إلى الرب ﷻ.
ثانيا: هو عبارة عن تجليه لهم فكأنه كان بعيدًا فقرب أو غائبًا فحضر، وكل ذَلِكَ خطاب عَلَى وجه الاستعارة، جار عَلَى المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إِذَا جاوره أو قاربه، والتحول المنسوب إليه تعالى في رواية أخرى في الصحيح عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوذ منها، فيكون قوله: «تحول» (١) حالًا متقدمة قبل سجودهم؛ بمعنى: وقد كان تحوّل. أي: حول تلك الصورة وأزالها وتجلى هو بنفسه، فيكون المراد بهذا

-----------
(١) رواه مسلم (١٨٣/ ٣٠٢).


الكلام: أنه تعالى لما تجلى لعباده المؤمنين أول مرة رأوه فيها، لم يزل كذلك، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم، ثمَّ لما فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرةً ثانية (١).
والخطابي قَالَ: الإتيان هنا: كشف الحجاب لهم (٢) وقد مر.
والصورة إما بمعنى: الصفة، كقولنا: صورة هذا الأمر كذا وكذا. إذ المذكور من المعبودات صور فخرج الكلام عَلَى نوع من المطابقة.
وقوله: («في أدنى صورة») يدل عَلَى أن المراد بالصورة: الصفة كما مر؛ لأنهم ما رأوه قبلها، فعلم أن المراد الصفة التي عرفوه بها.
وقوله: («نعوذ بالله منك») هو قول المنافقين وإن كان اللفظ عامًّا، والرؤية هنا تكون بمعنى: العلم. قَالَ الله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: علمنا، وعند أبي الفرج بن الجوزي: يأتيهم بأهوال القيامة وصور الملائكة وما لم يعهدوا مثله في الدنيا فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إِذَا جاء ربنا. أي: أتانا بما نعرفه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون. فيكشف عن ساق أي: عن شدةٍ. كأنه يرفع تلك الشدائد فيسجدون شكرًا (٣).

-----------
(١) «المفهم» ١/ ٤١٦ - ٤١٨.
(٢) «أعلام المحدثين» ١/ ٥٢٥.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، ما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذِه- عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه =



وقال الكلاباذي: يجوز أن يكون المعنى: أنهم عرفوا الله في الدنيا بقلوبهم من غير كيفية ولا تشبيه بتعريفهم لَهُ باسم نفسه، لا أنهم عرفوه بصفاتهم من حيث هم، ولكنهم عرفوه بأنه أحدث فيهم لطائف عرفهم بها نفسه، يدل عَلَى هذا ما رواه ابن مسعود: فيقولون: سبحانه إِذَا اعترف لنا عرفناه (١).
قَالَ: وكشف الساق: زوال الخوف عنهم والهول الذي غيَّبَهم عن كثير من حالهم كما غابوا عن رؤية عوراتهم إذ هم عراة (٢).

------------
= إلا الله. وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كبير.
وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذِه من الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر. «مجموع الفتاوى» ٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
(١) قطعة من حديث طويل، رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٣١٤ - ٣١٦ (٩٠٠)، و٤/ ٤٩٦ - ٤٩٨ كلهم من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله موقوفًا. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. اهـ. بينما أعلم الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٣٠، قلت: في الإسناد: أبو الزعراء وهو عبد الله بن هانئ.
قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال العقيلي: سمع ابن مسعود، وفيه كلام ليس في حديث الناس. ثم ساق له الحديث بطوله. بينما قد وثقه العجلي وابن حبان.
انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢٤٠ (٣٦٢٧).
هذا وقد صحت هذِه القطعة عند ابن حبان وغيره في حديث طويل -بنحو حديث الباب- عن أبي هريرة مرفوعًا. «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٤٧٨ - ٤٨٠ (٧٤٤٥).
(٢) «بحرالفوائد» للكلاباذي ص ٦٠٦ (رسالة ماجستير).



خامسها:
الصراط: يأتي في ذكر البعث إن شاء الله تعالى.
وقوله: («بين ظهراني جهنم»). كذا للعذري، ولغيره: «ظهري» قَالَ ابن الجوزي: أي على وسطها. يقال: نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون أي: في وسطهم متمكنا بينهم لا في أطرافهم.
سادسها:
قوله: («فأكون أول من يجيز بأمته») وهو. بضم الياء، أي: أول من يمضي عليه ويقطعه. قَالَ: أجزت الوادي وجزته لغتان بمعنى. وقال الأصمعي: أجزته: قطعته. وجزته: مشيت عليه. ومعنى الرباعي: لا يجوز أحد عليه حتَّى يجوز هو وأمته، فكأنه يجيز الناس.
وقوله: («ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل») أي: في حال الإجازة وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس وتجادل كل نفس عن نفسها، ويسأل بعضهم بعضًا ويتلاومون، وبخاصم التابعون المتبوعين.
سابعها:
الكلاليب: جمع كَلُّوب -بفتح الكاف وضم اللام المشددة- حديدة معطوفة كالخطاف (١). والسعدان: نبت معروف.
وقوله: («لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله») قَالَ القرطبي: قيدناه عن بعض مشايخنا بضم الراء على أن يكون أسبقها «ما» خبرًا مقدمًا و«قدر» مبتدأ، وبنصبها عَلَى أن تكون «ما» زائدة و«قدر» مفعول (٢).

------------
(١) «الصحاح» ١/ ٢١٤، «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٩٥، «لسان العرب» ٧/ ٣٩١٢.
(٢) «المفهم» ١/ ٤٢٠.



وتخطف -بكسر الطاء وفتحها والفتح أفصح-: وقرئ بالكسر وهو الأخذ بسرعة واستلاب. ومعنى الحديث: تأخذهم الكلاليب وتستلبهم بسرعه عَلَى قدر ذنوبهم.
وقوله: («يوبق») قَالَ في «المطالع»: هو بياء موحدة عند العذري ومعناه: المهلك. وللطبري بثاء مثلثة من الوثاق.
ثامنها:
قوله: («يخردل») هو بالخاء المعجمة ودال مهملة. وقال يعقوب: بذال معجمة. قَالَ صاحب «المطالع»: كذا هو لكافة الرواة (١)، وهو الصواب إلا الأصيلي فإنه ذكره بالجيم (٢) ومعناه: الإشراف عَلَى السقوط والهلاك، وسبقه إلى ذَلِكَ عياض أجمع، من خردلت اللحم -بالمهملة والمعجمة- إِذَا قطعته قطعًا صغارًا، ومعناه: يقطعهم بالكلاليب (٣). وقيل بل المعنى: إنا نقطعهم عن لحوقهم بالناجين، وهذا بعيد. وقيل المخردل: المصروع المطروح. قاله الخليل، والأول أعرف وأظهر لقوله في الكلاليب: «تخطف الناس بأعمالهم». وفي حديث آخر: «فناج مسلم ومخدوش» (٤) وأما جردلت -بالجيم- فقيل: هو الإشراف عَلَى السقوط.
وعن الأصيلي مجزذل بالجيم والزاي وذال بعدها، وهو وهم عليه.
ورواه بقية رواة مسلم سوى السجزي.

-------------
(١) جاء في هامش الأصل: يعني بالمهملة.
(٢) ورد في هامش الأصل: يعني في كتاب الرقائق.
(٣) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٥٥١.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٣٩) كتاب: التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.



المجازى: من الجزاء والأول أصح، والخلاف أيضًا في البخاري بالخاء والجيم وجاء فيه في كتاب التوحيد: أو المجازى (١). عَلَى الشك، وقال ابن سيده: خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، وقيل: قطعه وفرقه (٢). وفي «الصحاح»: خردل اللحم، أي: قطعه صغارًا (٣).
تاسعها:
قوله: («وحرم الله عَلَى النار أن تأكل آثار السجود») هو موضع الترجمة، وهو دال عَلَى أن الصلاة أفضل الأعمال؛ لما فيها من الركوع والسجود، وقد صح أنه - ﷺ - قَالَ: «اعلمو اأن خير أعمالكم الصلاة» (٤) وصح أيضًا أنه قَالَ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (٥) وقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ولعن الله إبليس؛ لإبائه عن السجود لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة.
وقال ثوبان لرسول الله - ﷺ -: دلني عَلَى عمل أكون به معك في الجنة.

-----------
(١) يأتي برقم (٧٤٣٧).
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال بن سيده في «المحكم»: خرذل اللحم: قطعة وفرقه ذكره في الخاء المعجمة والراء والذال المعجمة أيضًا، وذكر في أكثر من ..... قال خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، وقيل: خردل اللحم قطعة ومزقه الذال فيه لغة يعني الإعجام. والله أعلم. قلت -المحقق-: انظر «المحكم» ٥/ ٢٠٦ مادة: (خد)، ٥/ ٢٠٨، مادة (خذ).
(٣) «الصحاح» ٤/ ١٦٨٤.
(٤) رواه ابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان ٣/ ٣١١ (١٠٣٧)، والحاكم ١/ ١٣٠ - وصححه على شرط الشيخين- والبيهقي ١/ ٨٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣١٨ من حديث ثوبان. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي أمامة وجابر بن ربيعة، وصححه الألباني في «الإرواء» (٤١٢).
(٥) رواه مسلم (٤٨٢) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود.



قَالَ: «أكثر من السجود» (١) وقيل في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] هو أثر السهر والصفرة التي تعلو الوجه من التعب أو الصلاة والخشوع والوقار، أو ما تعلق من التراب بموضع السجود وندى الطهور، أو تبدو صلاتهم في وجوههم يوم القيامة، فإن مواضع السجود أشد بياضًا يوم القيامة، أو السمت الحسن في الدنيا، أو سيما الإسلام وسمته وتواضعه، أقوال.
عاشرها:
آثار السجود يعم أعضاءه السبعة. قَالَ عياض: والمراد الجبهة خاصة. وكأنه اعتمد عَلَى ما في مسلم: «إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم» (٢). وقد يجاب بأنه أراد المرء أو قومًا مخصوصين بأعيانهم، إما لأنهم أخلصوا في غسل وجوههم فقط ولم يخلصوا، أو لأمر آخر.
الحادي عشر:
قوله: («امتحشوا») هو بتاء مثناة وحاء وشين معجمة، ذكره القاضي عياض عن متقني شيوخه، قَالَ: وهو وجه الكلام (٣)، وبه ضبطه الخطابي (٤) وغيره، ومعناه: احترقوا. قَالَ: ورواه بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء. وعن الداودي: امتحشوا: انقبضوا اسودوا، وفي بعض الروايات: صاروا حممًا (٥). ومحش وامتحش لغتان.

------------
(١) رواه مسلم (٤٨٨) كتاب: الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه.
(٢) مسلم (١٩١/ ٣١٩) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٥٤.
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٥٣٣.
(٥) رواه أحمد ٣/ ٩٤ - ٩٥، وعبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٤٠٩ - ٤١١ (٢٠٨٥٧)، والبغوي في «شرح السنة» ١٥/ ١٨١ - ١٨٢ (٤٣٤٨).



الثاني عشر:
الحبة -بكسر الحاء-: بذر البقل أو حب الريحان أو غيرهما مما سلف في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (١). وماء الحياة: هو الذي من شربه أو صب عليه لم يمت أبدًا، قاله القرطبي (٢). وشبه نباته بنبات الحبة؛ لبياضها كما جاء في الحديث ولسرعة نباتها، لأنها تنبت في يوم وليلة؛ لأنها رويت من المياه وترددت في غثاء السيل، وروِّيت وتشرَّب قلبها للخروج، فإذا خرجت إلى موضع في حميل السيل غرزت عرقها فيه لحينها فنبتت بسرعة.
الثالث عشر:
قوله: («ثمَّ يفرغ الله من القضاء بين العباد») معناه: تمم عليهم حسابهم وكمَّله وفصَّله؛ لأنه تعالى لا يشغله شيء عن شيء. وعند القرطبي: كمل خروج الموحدين من النار (٣).
الرابع عشر:
قوله: («قشبني») هو بقاف مفتوحة، ثم شين معجمة مخففة مفتوحة. وقال ابن التين: كذا هو عند المحدثين، وكذا ضبطه بعضهم. والذي في اللغة بتشديد الشين ومعناه: سمني. وقال الفارابي في باب فعل يفعل: قشبه: سقاه السم. وقشبه طعامه، أي: سمه. وفي «المنتهى» لأبي المعالي القشب: أخلاط تخلي للنسر فيأكلها فيموت، فيؤخذ ريشه. يقال: ريش قشيب ومقشوب، وكل مسموم قشيب. وقال

-------------
(١) سلف برقم (٢٢).
(٢) «المفهم» ١/ ٤٢٢.
(٣) «المفهم» ١/ ٤٢٢.



أبو عمرو: القشب: السم. قشبه: سقاه السم. وحكى ابن سيده: القشب أيضًا بالفتح (١). وقال صاحب «الأفعال»: تقول العرب: قشبت الشيء قذرته، وقشب -بكسر الشين- قشبًا: قذر (٢).
وقال ابن قتيبة: هو من القشيب: وهو السم. كأنه قَالَ: سمني ريحها. وقال الخطابي: يقال: قشبه الدخان إِذَا ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه وكانت ريحه طيبة، وأصله: خلط السم، يقال: قشبه: إذا سمه (٣). وقشبتنا الدنيا: فتنتنا، فصار حبها كالسم الضار، ثمَّ قيل عَلَى هذا: قشبه الدخان والريح الذكية إِذَا بلغت منه الكظم، ومنه حديث عمر: أنه كان بمكة فوجد ريح طيب فقال: من قشبنا؟ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، دخلتُ عَلَى أم حبيبة فطيبتني (٤).
الخامس عشر:
قوله: («وأحرقني ذكاؤها») كذا هو في جميع روايات الحديث بالمد وبفتح الذال المعجمة ومعناه: لهبها واشتعالها وشدة وهجها. والأشهر في اللغة القصر، وبه جزم خلق منهم، وذكر جماعات أن المد والقصر لغتان (٥).

------------
(١) «المحكم» ٦/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) «الأفعال» لابن القوطية ص ٢٢٢.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٣٣.
(٤) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢١٨، والبيهقي ٥/ ٣٥.
(٥) ما تقدم هو من قول النووي في «شرح مسلم» ٣/ ٢٣، وقد ذكره عنه الحافظ في «الفتح» أيضًا ١١/ ٤٥٩، ثم قال: وتعقبه مغلطاي بأنه لم يوجد عن أحد من المصنفين في اللغة ولا في الشارحين لدواوين العرب حكايه المد إلا عن أبي حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» في مواضع .... ثم قال: وتعقبه علي بن حمزة الأصبهاني، فقال: أما الذكاء بالمد فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفهم. اهـ. قلت: وهذا ما سيشير إليه المصنف متعقبًا.



قُلْتُ: وخطئوا أبا حنيفة صاحب «النبات» في مده؛ لأنه بالمد: الفهم والسِّنُّ.
السادس عشر:
«عسيت» بفتح السين، وحكي كسرها، وهما قراءتان (١)، وهي من
الآدميين يكون للشك والترجي واليقين- كما قاله صاحب «الواعي».
وقول الرب جلَّ وعلا: «ما أغدرك» تلطف بعبده وتأنيس لكثرة إدلاله عليه وسؤاله. والضحك من صفات الرب ﷻ، ومعناه: الاستبشار والرضا لا الضحك بلَهَواتٍ وتعجب (٢).

---------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: في السبعة. قلت -المحقق-: أجل قرئ بهما في السبع، قرأ نافع بالكسر، والباقون بالفتح، وهو الأفصح الأشهر في اللغة. انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٢) قال الشيخ الألباني في «الصحيحة» ٧/ ٣٥٥ متعقبًا مثل هذا القول: فسره بالمجاز الذي يؤدي بهم إلى أن يفسروا وجود ذاته تعالى بالمجاز أيضًا؛ لأن للمخلوقات وجودًا أيضًا، فإذا قالوا: لا ينسب الضحك إلى الله؛ لأن الضحك من صفة الإنسان، فلينفوا إذن وجوده تعالى؛ لأن الإنسان موجود أيضًا! فسيقولون: وجوده تعالى ليس كوجودنا، فنقول: قولوا إذن في كل صفة لله ثبتت في الكتاب أو السنة: إنها ليست كصفتنا، تستريحوا وتهتدوا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فله سمع ولكن ليس كسمعنا، وبصر ليس كبصرنا … ويضحك ولكن ليس كضحكنا، فإنه يقال في الصفات كلها ما يقال في الذات إثباتًا وتنزيهًا.
فهذا الحق ما به من خفاءٍ … فدعني عن بُنَيَّاتِ الطريق
وقال أيضًا سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين في: قوله - ﷺ -: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة»: ففي هذا: إثبات الضحك لله -عز وجل-، وهو ضحك حقيقي لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين ضحك يليق بجلاله وعظمته ولا يمكن أن نمثله؛ لأننا لا نستطيع أن نقول إن لله فمًا أو أسنانًا أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز لنا أن نقول ذلك لكن نثبت الضحك لله، ولكنه ضحك يليق به -سبحانه وتعالى-، فإذا قال قائل: يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق. =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* موقف الشرق والغرب من الاختلاط
* مهارات كتابة بحث متميز- كيف تكتب مقدمة البحث العلمي
* اللغة العربية.. ومعالم النهضة السلفية
* تجديد الخِطاب الديني بيْن المقبول والمردود
* من فساد وسائل الإعلام تعويد الناس على رؤية المنكرات
* الدعاء بالأسماء الحسنى
* كـيف نفهـم الواقـع؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:54 AM   #190

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 207 الى صـــ 226
الحلقة (190)






السابع عشر:
«لا أكونَّ أشقى خلقك» كذا هنا، وعند أبي الحسن: «لأكون». ولعله يريد إن أنت أبقيتني على هذِه الحالة ولا تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها والألف زائدة.
الثامن عشر:
قول أبي سعيد: «وعشرة أمثاله». يحتمل أن يكون جميع ما أعطي ذَلِكَ، وأن يكون هو وعشرة أمثاله.

----------------
= فالجواب: لا يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق؛ لأن الذي قال: يضحك هو الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
ومن جهة أخرى: فالنبي - ﷺ - لا يتكلم في مثل هذا إلا عن وحي؛ لأنه من أمور الغيب ليس من الأمور الاجتهادية التي قد يجتهد فيها الرسول - ﷺ - ثم يقره الله على ذلك، أو لا يقره، ولكنه من الأمور الغيبية التي يتلقاها الرسول - ﷺ - عن طريق الوحي. لو قال قائل: المراد بالضحك الرضى؛ لأن الإنسان إذا رضي عن الشيء سر به وضحك، والمراد بالرضى الثواب، أو إرادة الثواب كما قال ذلك الأشاعرة؟
فالجواب: أن نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه، فما الذي أدراكم أن المراد بالرضى الثواب؟
فأنتم الآن قلتم على الله ما لا تعلمون من وجوه:
الوجه الأول: صرفتم النص عن ظاهره بلا علم.
الثاني: أثبتم له معنى خلاف الظاهر بلا علم.
الثالث: أن نقول لهم الإرادة إذا قلتم أنها ثابتة لله -عز وجل-، فإنه تنتقض قاعدتكم؛ لأن للإنسان إرادة كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. فللإنسان إرادة بل للجدار كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، فأنتم إما أن تنفوا الإرادة عن الله -عز وجل- كما نفيتم بقية الصفات وإما أن تثبتوا لله -عز وجل- ما أثبته لنفسه وإن كان مخلوق نظيره في الاسم لا في الحقيقة، فنقول: هذا الضحك حقيقة لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين. «شرح العقيدة الواسطية» ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٥.



ووجه الجمع بين قول أبي سعيد هذا وقول أبي هريرة: «لك ذَلِكَ ومثله معه» أنه - عليه السلام - أخبر أولًا بالمثل، ثمَّ أطلع عَلَى الزيادة تكرمًا، و[لا] (١) يحتمل العكس؛ لأن الفضائل لا تنسخ.
التاسع عشر:
إمساك العبد عن السؤال حياءً من الرب، والله تعالى يحب السؤال؛ لأنه يحب صوت عبده فيباسطه بقوله: «إن أعطيت هذا تسأل غيره؟» وهذا حال المقصر، فكيف حال المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده وترك إقسامه جهلًا؛ بل نقضه عالمًا بأنه أولى؛ لأن سؤاله ربه أفضل من إبراره قسمه، وقول الرب ﷻ له «أليس قَدْ أعطيت العهود؟» إيناس لَهُ وتبسط، وقول العبد في بعض الروايات: «أتهزأ بي؟» (٢) نفي عنه جل وعز الاستهزاء الذي لا يجوز عليه، كأنه قَالَ: أعلم أنك لا تهزأ لأنك رب العباد، و(قولك) (٣): «لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» حق، ولكن العجب من فضلك. و«أتهزأ» ألفه ألف نفي عَلَى هذا كقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وهي لفظة متبسط متذلل.
وفي الحديث «فرأى ضوءًا فخر ساجدًا، فيقال: مالك؟ فيقول: أليس هذا ربي؟ فإذا بشخص قائم» (٤) قَالَ: ليس سجوده للقائم الذي

-------------
(١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) رواه أحمد ١/ ٣٩١ - ٣٩٢ من حديث ابن مسعود.
(٣) عليها في الأصل علامة تصحيح (صح).
(٤) قطعة من حديث رواه الطبراني ٩/ ٣٥٧ - ٣٦١ (٩٧٦٣)، والحاكم ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢ عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه. اهـ. وكذا الهيثمي في «مجمع» ١٠/ ٣٤٣، والألباني في «الصحيحة» (٣١٢٩)، «صحيح الترغيب» (٣٥٩١، ٣٧٠٤).



هو قهرمانه (١) ولا قوله: «أليس هذا ربي؟» إشارة منه إليه، وكيف يكون كذلك وهو له موحد به عارف؟! وإنما سجد لله كأنه قَالَ: أليس هذا الضوء علامة تجليه لي، كأنه قَالَ: أليس عند هذا النور يكون تجلى ربي لي وراء هذا؟ ألا ترى إلى حديث جابر: «بينما أهل الجنة في نعيمهم سطع لهم نور من فوقها وإذا الرب قد أشرق عليهم» (٢) فسجود العبد يجوز أن يكون استدعاء لرؤية ربه؛ وذلك لأنه سمع الله تعالى يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ فلم يشر بقوله: (هذاربي) إلى عين قائمة؛ بل أراد ذاتًا موجودة وذلك؛ لأنه طلب الجنة المخلوقة تصريحًا، وطلب الرؤية لسيد ليس كمثله شيء تعويضًا وقسمة؛ لأنها لم تكن جزاء كالجنة التي هي جزاء الإيمان بل فضلًا، فمن محبته وشوقه لربه إِذَا سطع لَهُ نور يهيج شوقه فيرى أن وراءه يكون تجلي ربه فيسجد شكرًا؛ لإنجازه وعده، ومسارعة لاستنجاز الموعود؛ لأنه لما سكنت نفسه وأمن روعه انبعثت محبته التي خلقها الله في قلبه، فسها عن نعيم الجنة؛ لأنه قَالَ: ما اشتهته فيها نفسه، ويطلع إلى ما تلذ بها عينه، فلو أعطي ما تلذ عينه -وهو النظر إلى الرب ﷻ- لسها عن نعيم الجنة ولم يلتذ به.
الخاتمة:
فيه إثبات الرؤية للرب ﷻ نصًّا من كلام الشارع، وهو تفسير لقوله ﷻ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]

----------------
(١) القهرمان: هو القائم بأمور الرجال، وهو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده. انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٢٩.
(٢) رواه ابن ماجه (١٨٤)، وضعف البوصيري إسناده في «مصباح الزجاجة» ١/ ٢٦، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣٣).



يعني: مبصرة بالله تعالى، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصًّا لكان في الآية كفاية لمن أنصف، وذلك أن النظر إِذَا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر البصر، وإذا قرن بذكر القلب كان بمعنى اليقين، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب، فإن قُلْت: فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وأنه عَلَى العموم قُلْتُ: الإدراك: الإحاطة، تعالى عن ذَلِكَ، وهو أولى من جواب ابن بطال أن الآية مخصوصة بالسنة (١). وسلف القول في ذَلِكَ في باب: فضل صلاة العصر ويكون لنا -إن شاء الله- عودة إليه في: الاعتصام في الكلام عَلَى الآية.
-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢٤.


١٣٠ - باب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ
٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ [انظر: ٣٩٠ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ٢/ ٢٩٤]
ذكر حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة في التفريج، وقد سلف في باب: يبدي ضبعيه في أوائل الصلاة (١) واضحًا بفقهه.
وهي صفة مستحبة عند العلماء، ومن تركها لم تبطل صلاته. وقد اختلف السلف في ذَلِكَ فممن روي عنه المجافاة في السجود: علي والبراء وابن مسعود وأبو سعيد الخدري وابن عمر، وقَالَ الحسن: حَدَّثَنِي أحمر (٢) صاحب النبي - ﷺ - قَالَ: إن كنا لنأوي لرسول الله - ﷺ - مما يجافي بمرفقيه عن جنبيه. وفعله الحسن.
وقال النخعي: إِذَا سجد فليفرج بين فخذيه (٣).
وممن رخص أن يعتمد بمرفقيه:
قَالَ ابن مسعود: هيئت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا حتَّى

-------------
(١) سبق برقم (٣٩٠) كتاب: الصلاة، باب: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود.
(٢) هو أحمر بن جزي الدوسي وفد إلى النبي - ﷺ -، وكتب له النبي - ﷺ - كتابًا ولابنه شعيل -وكان أحمر يُكنى بأبي شِعْيل- هذا كتاب لأحمر بن معاوية وشعيل بن أحمر في رحالهم وأموالهم، فمن آذاهم فذمة الله منه خلية إن كانوا صادقين.
وقد حدث عن النبي - ﷺ -، وروى عنه الحسن البصري. قال ابن عبد البر: لم يَرْوِ عنه غيره فيما علمت. انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ١٧١، «الاستيعاب» ١/ ١٦٦، «الإكمال» ١/ ١٨، ٢/ ٨٢.
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: التجافي في السجود.



بالمرافق، وأجاز ابن سيرين أن يعتمد بمرفقيه عَلَى ركبتيه في سجوده، وقال نافع: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إِذَا سجد، وسأله رجل: هل يضع مرفقيه عَلَى فخذيه في سجوده؟ قَالَ: أسجد كيف تيسر عليك، وقال أشعث بن أبي الشعثاء عن قيس بن سكن: كل ذَلِكَ كانوا يفعلون ينضمون ويتجافون كان بعضهم ينضم وبعضهم يجافي، وروى ابن عيينة عن سمي عن النعمان بن أبي عياش قَالَ: شكي إلى رسول الله - ﷺ - الإرغام والاعتماد في الصلاة، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه عَلَى ركبتيه أو فخذيه. ذكر هذا كله ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١).
وإنما كان يجافي - ﷺ - سجوده ويفرج بين يديه حتَّى يرى بياض إبطيه -والله اعلم- ليخف عَلَى الأرض ولا يثقل عليها، كما ذكر أبو عبيد عن عطاء بن أبي رباح أنه قَالَ: خفوا عَلَى الأرض. قَالَ أبو عبيد: وجهه أنه يريد ذَلِكَ في السجود، يقول: لا ترسل نفسك عَلَى الأرض إرسالًا ثقيلًا فيؤثر في جبهتك، ويبين ذَلِكَ حديث مجاهد أن حبيب بن أبي ثابت سأله قَالَ: إني أخشى أن يؤثر السجود في جبهتي، قَالَ: إِذَا سجدت فتجاف. يعني: خفف نفسك وجبهتك عَلَى الأرض. وبعض الناس يقولون: فتجاف. والمحفوظ عندي بالحاء (٢).
وقد ذكر ابن أبي شيبة من كره ذَلِكَ ومن رخص فيه:
ذكر عن ابن عمر أنه رأى رجلًا قَدْ أثر السجود في جبهته فقال:
لا يشينن أحدكم وجهه، وكرهه سعد بن أبي وقاص وأبو الدرداء والشعبي وعطاء.

----------
(١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣ (٢٦٥٨، ٢٦٦٠، ٢٦٦١، ٢٦٦٢) كتاب: الصلاة، باب: من رخص أن يعتمد بمرفقيه.
(٢) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ٤٤٥.



وممن رخص في ذَلِكَ: قَالَ أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت سجدةً أعظم من سجدة ابن الزبير، ورأيت أصحاب علي وأصحاب عبد الله وآثار السجود في جباههم وأنوفهم.
وقال الحسن: رأيت ما يلي الأرض من عامر بن عبد فيجس مثل ثفن البعير (١) (٢).
وقد أسلفنا في الباب قبله أقوال المفسرين في قوله تعالى:
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] فراجعها، وعن مالك: أنه ما يعلق بالجبهة من أثر الأرض (٣)، وهذا يشبه الرخصة في هذا الباب.

-------------
(١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (٣١٣٧، ٣١٣٨، ٣١٣٩، ٣١٤٠، ٣١٤١، ٣١٤٢، ٣١٤٣، ٣١٤٤) كتاب: الصلاة، باب: من كره أن يؤثر السجود في وجهه.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: الثفنة واحدة ثفنات … وهو ما يقع على الأرض من الـ … إذا أقمته سبع، وغلط … وغيرهما.
(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٦/ ٢٩٣.



١٣١ - باب يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ
قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
هذا الحديث مقتطع من حديث طويل ستعلمه (١).
ولا يختلف العلماء في استحباب هذِه الصفة في السجود، وكذلك يستحبون أن يستقبل الساجد بأنامل يديه القبلة في سجوده، وإن فعل غير ذَلِكَ فصلاته جائزةٌ عندهم.

-----------
(١) سيأتي رقم (٨٢٨) كتاب: الأذان، باب: سنة الجلوس في التشهد.


١٣٢ - باب إِذَا لَم يُتِمَّ السُّجُودَ
٨٠٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. [انظر: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٢٩٥]
ذكر فيه حديث حذيفة السالف في باب: إِذَا لم يتم الركوع (١).
وشيخ البخاري فيه الصلت بن محمد هو الخاركي -بالخاء المعجمة-
البصري -وخارك: جزيرة في بحر البصرة (٢) - صالح الحديث (٣).
وشيخه مهدي هو ابن ميمون البصري المعولي مولاهم، ختن هشام ابن حسان، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة وقيل: في زمن المهدي (٤).
وشيخه واصل وهو ابن حبان الأحدب، مات سنة عشرين ومائة. وشيخه أبو وائل شقيق بن سلمة، مات بعد الجماجم. وحذيفة بن اليمان حسل العبسي ثمَّ الأشهلي حليفهم الصحابي صاحب السر، مات سنة ست وثلاثين.

-----------
(١) سبق رقم (٧٩١) كتاب: الأذان.
(٢) خارك: جزيرة في وسط البحر الفارسي، وهي جبل عالٍ في وسط البحر، وهي من أعمال فارس، انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٣٣٧.
(٣) أبو همام الخاركي، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وانظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٠٤ (٢٩١٩)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ٤٤١ (١٩٣٣)، و«الثقات» ٨/ ٣٢٤، و«تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩ (٢٨٩٩).
(٤) هو: مهدي بن ميمون الأزدي المعولي، مولاهم، أبو يحيى البصري، قال أبو سعيد الأشج، عن عبد الله بن إدريس: قلت لشعبة: أي شيء تقول في مهدي =



١٣٣ - باب السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ
٨٠٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. [٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٥]

٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا».

٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. [انظر: ٦٩٠ - مسلم: ٤٧٤ - فتح: ٢/ ٢٩٥]
ذكر فيه حديث ابن عباس من طرق ثلاث:
أحدها: طريق سفيان عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاس قال: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرَّجْلَيْنِ.
ثانيها: طريق شعبة عَنْ عَمْرٍو، به، بلفظ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا».

-----------
= ابن ميمون؟ قال: ثقة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: مهدي ابن ميمون ثقة. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين، وأبو عبد الرحمن النسائي وابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٢٥ (١٨٦١)، و«معرفة الثقات» ٢/ ٣٠١ (١٨٠٤)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٥٤٧)، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٩٢ - ٥٩٥ (٦٢٢٤).



ثالثها: طريق وهيب عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتينِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثّيَابَ وَالشَّعَرَ».
وذكر فيه حديث البراء في وضع الجبهة.
أما حديث البراء فسلف في باب: متى يسجد خلف الإمام (١).
وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم أيضًا باللفظ الثالث وقال: «إلى أنفه»: بدل: «على أنفه». وباللفظ الأول: وقال: «أعظم» بدل «أعضاء»، «والكفين» بدل «واليدين»، و«القدمين» بدل «الرجين».
وفي رواية له: «أمرت أن أسجد عَلَى سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين» (٢) وعند ابن ماجه: قَالَ ابن طاوس: فكان أبي يقول: اليدين والركبتين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدًا (٣).
وفي «مسلم» من حديث العباس بن عبد المطلب، سمع النبي - ﷺ - يقول: «إِذَا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وقدماه، وركبتاه» (٤).
إِذَا علمت ذَلِكَ، فاختلف العلماء فيما يجزئ السجود عليه من

-----------
(١) سبق (٦٩٠) كتاب: الأذان.
(٢) مسلم (٤٩٠) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة.
(٣) ابن ماجه (٨٨٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: السجود.
(٤) مسلم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر، وقال: «أطراف» بدل «آراب» وقَدَّم الركعتين فقال: «وركبتاه وقدماه».



الآراب السبعة عند القدرة، بعد إجماعهم عَلَى أن السجود عَلَى الجبهة فريضة، فقالت طائفة: إِذَا سجد عَلَى جبهته دون أنفه أجزأه، وروي ذَلِكَ عن ابن عمر وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم وسالم والشعبي والزهري والشافعي في أظهر قوليه، ومالك ومحمد وأبي يوسف وأبي ثور، والمستحب أن يسجد عَلَى أنفه معها (١).
وقالت طائفة: يجزئه أن يسجد عَلَى أنفه دون جبهته وهو قول أبي حنيفة، وهو الصحيح في مذهبه (٢).

---------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، «بدائع الصنائع» ١/ ١٠٥، «عيون المجالس» ١/ ٣١٥، «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧٢، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨، قال ابن شاس رحمه الله: وفي إثبات الإجزاء ونفيه عند الاقتصار من الجبهة والأنف على أحدهما، ثلاثة أقوال: يخصص الإجزاء في الثالث بالاقتصار على الجبهة دون الاقتصار على الأنف، وهو المشهور. واختار القاضي أبو بكر نفي الإجزاء بإسقاط أيهما كان، وهو قول ابن حبيب. وحكى القاضي أبو الفرج ما ظاهره تعلق الوجوب بأحدهما على البدل. انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٤، «الأم» ١/ ٩٨ - ٩٩، «الأوسط» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧، «البيان» ٢/ ٢١٦ - ٢١٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٧ - ٤٠٠، وحكى القول الثاني صاحب «البيان»، وقال النووي رحمه الله: السنة أن يسجد على أنفه مع جبهته. قال البندنيجي وغيره: يستحب أن يضعهما على الأرضي دفعة واحدة لا يقدم أحدهما، فإن اقتصر على أنفه دون شيء من جبهته لم يجزئه بلا خلاف عندنا، فإن اقتصر على الجبهة أجزأه.
قال الشافعي في «الأم»: كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور. وحكى صاحب «البيان» عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولا للشافعي أنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا. وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًا في الدليل.
«المجموع» ٣/ ٣٩٩.
(٢) انظر: «الأصل» ١/ ١٣، «أحكام القرآن» للجصاص ٥/ ٣٥، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٦، وقال ابن نجيم رحمه الله: في «الشرنبلالية»: هذا قول أبي حنيفة أولًا =



وروى أسد بن عمرو: لا يجوز إلا من عذر (١).
وهو قول صاحبيه، وفي «شرح الهداية» عنه إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما.
وفي «الإشراف» للدبوسي: يجزئه. وأشار في «المنظومة» عنه الجواز من غير عذر، ونسب ابن قدامة في «المغني»، والنووي في «شرح المهذب»: انفراد أبي حنيفة به وقالا: لا نعلم أحدًا سبقه إليه (٢)؛

-----------------
= والأصح رجوعه إلى قولهما بعدم جواز الاقتصار في السجود على الأنف بلا عذر في الجبهة كما في البرهان أهـ. وفي شرح الشيخ إسماعيل: ثم في «الهداية» أن قولهما رواية عن أبي حنيفة وفي المجمع وروي عنه قولهما وعليه الفتوى. وفي «الحقائق»: وروى عنه مثل قولهما. قال في «العيون»: وعليه الفتوى. وفي «درر البحار»: والفتوى رجوعه إلى قولهما لأنه المتعارف والمتبادر إلى الفهم أهـ. وفي «شرح الملتقى» للحصكفي: وعليه كما في «المجمع» وشروحه و«الوقاية» وشروحها و«الجوهرة» و«صدر الشريعة والعيون»، و«البحر الرائق» ١/ ٥٥٤
(١) انظر: «البناية» ٢/ ٢٧٧.
(٢) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٧٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٩، «المغني» ٢/ ١٩٧، وقال بدر الدين العيني: قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أسبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه، حكي ذلك عن النووي في شرح «المهذب» وابن قدامة في «المغني». قلت: ذكر الطبري في «تهذيب الآثار»: أن حكم الجبهة والأنف سواء. وقال أبو يوسف عن طاووس أنه سئل عن السجود على الأنف وقال: ليس أكرم الوجه قال أبو هلال: سئل ابن سيرين عن الرجل يسجد على أنفه فقال: أوما تقرأ ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، فالله مدحهم بخرورهم على الأذقان في السجود فإذا يسقط السجود على الذقن بالإجماع بصرف الجواز إلى الأنف؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة؛ لعدم الفصل بينهما بخلاف الجبهة، إذ الأنف فاصل بينهما فكان من الجبهة وقال تقي الدين العبدي: وهو قول مالك.
وذكر في «المبسوط» جواز الاقتصار على الأنف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال =



لكن ابن شاس في «جواهره» قَالَ: إنه قول مالك (١). وقال ابن جرير في «تهذيبه»: حكم الجبهة والأنف سواء، فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتيه دون الأصابع أو الأصابع دونها، فرق بين ذَلِكَ (٢).
وقال: وبنحو هذا الذي قلناه قَالَ جماعة من السلف.
قَالَ ابن بطال: وروي مثله عن طاوس وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم (٣)، وفي «المبسوط»: ونقل عن ابن عمر مثل قول إمامنا (٤)، وذكر أصحاب التشريح أن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فيه الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الخد واحدًا، وهو المشار إليه في الحديث عَلَى الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه فسوى بينهما، ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعًا، ولا يتم ذَلِكَ إلا إِذَا عدَّا واحدًا.
وفي الترمذي: «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض بمصيب الجبين»، وصحح إرساله عن عكرمة من غير ذكر ابن عباس (٥).
وقالت طائفة من أهل الحديث: يجب السجود عليهما جميعًا، روي

---------------
= في «العارض» في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعظم، الجبهة أو الأنف، وقال بعض شراح مسلم: إن المراد من ذكر الجبهة أو الأنف؛ لئلا تصير ثمانية، ويدل عليه أو الأنف في الرواية المذكورة. وقال ابن المنذر: لا أعلم أيضًا فيه منه إذ ما جهله أكثر مما علمه. وما ذكره تحامل منه وتعصب، وقد بينا من قال بقوله قبله وبعده من السلف والخلف، «البناية» ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(١) «عقد الجواهر الثمينة»١/ ١٠٤.
(٢) «تهذيب الآثار» ٢/ ٢ (٣٤٦).
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣١.
(٤) «المبسوط» ١/ ٣٤ - ٣٥.
(٥) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣. =



ذَلِكَ عن النخعي وعكرمة وابن أبي ليلى وسعيد بن جبير، وهو قول أحمد وطائفة، وهو مذهب ابن حبيب (١).
وقال ابن عباس: من لم يضع أنفه في الأرض لم يصل (٢). وفي بعض طرق حديث ابن عباس: (أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء منها الوجهه)، فلا يختص بالجبهة دون الأنف، وبهذا الحديث احتج أبو حنيفة في الاقتصار عَلَى الأنف، وقال: ذكره للوجه يدل عَلَى أنه أي شيء وضع منه أجزأه، وإذا جاز عند من خالف الاقتصار عَلَى الجبهة فقط جاز عَلَى الأنف فقط؛ لأنه إِذَا سجد عَلَى أنفه قيل: سجد عَلَى وجهه كما إِذَا اقتصر عَلَى جبهته (٣).
وقالت طائفة: لا يجزئه من ترك السجود عَلَى شيء من الأعضاء السبعة، وهو قول أحمد وإسحاق (٤).

------------
= ورواه الدارقطني ١/ ٣٤٨، والحاكم ١/ ٢٧٠، والبيهقي في «السنن» ٢/ ١٠٤، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣٩٢ (٥٢٦) عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ورواه البيهقي ٢/ ١٠٤ عن عكرمة مرسلًا. وصوب الدارقطني المرسل كالترمذي، وكذا البيهقي في «المعرفة» ٣/ ٢٣ وغلَّط من رفعه.
والحديث ضعفه النووي في «الخلاصة» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ (١٣٠٠)! لكن صوب ابن الجوزي رفع الحديث؛ لأنها زيادة ثقة. وذكره الحافظ في «الدراية» ١/ ١٤٤ - ١٤٥ مرفوعًا وقال: ورواته ثقات، لكن قال الدارقطني: الصواب مرسل. وصححه الألباني مرفوعًا في «تمام المنة» ص ١٧٠ وقال: حديث صحيح على شرط البخاري.
(١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٣، «مواهب الجليل» ٢/ ٢١٦، «الأوسط» ٣/ ١٧٤، «المغني» ٢/ ١٩٦.
(٢) رواه الطبري في «تهذيبه» ١/ ١٨٨ مسند عبد الله بن عباس.
(٣) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١١٧.
(٤) انظر: «المغني» ٢/ ١٩٤.



وأصح قولي الشافعي فيما رجحه المتأخرون خلاف ما رجحه الرافعي (١)، وهو مذهب ابن حبيب، وأظن البخاري مال إلى هذا القول وحجته حديث ابن عباس السالف أنه أمران يسجد عَلَى سبعة أعضاء، فلا يجزئ السجود عَلَى بعضها إلا بدلالة.
واحتج من لم ير الاقتصار عَلَى الأنف بأن الأحاديث إنما ذكر فيها

-----------
(١) قال الرافعي رحمه الله: وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أحمد: يجب، وهو اختيار الشيخ أبي علي؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، واليدين، والركبتين، أطراف القدمين» يروى: «على سبعة آراب».
وأظهرهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك أيضًا؛ لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة، فإن قلنا: يجب فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وإن قلنا: لا يجب فيعتمد على ما شاء منها، فيرفع ما شاء، ولا يمنكه أن يسجد مع رفع الجميع، وهذا هو الغالب، أو المقطوع به، «الشرح الكبير» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١. وقال النووي رحمه الله: ففي وجوب وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان مشهوران نص عليهما في «الأم»، قال الشيخ أبو حامد: ونص في «الإملاء» أن وضعها مستحب لا واجب، واختلف الأصحاب في الأصح من القولين فقال القاضي أبو الطيب: ظاهر حديث الشافعي أنه لا يجب وضعها، وهو قول عامة الفقهاء. وقال البغوي: هذا هو القول الأشهر، وصححه الجرجاني في «التحرير» والروياني في «الحلية» والرافعي. وصحح جماعة قول الوجوب، ومنهم البندنيجي وصاحب «العدة» والشيخ نصر المقدسي. وبه قطع الشيخ أبو حامد في «التبصرة»، وهذا هو الأصح وهو الراجح في الدليل، فإن الحديث صريح في الأمر بوضعها والأمر للوجوب على المختار، وهو مذهب الفقهاء والقائل الأول يحمل الحديث على الاستحباب، ولكن لا نسلم له؛ لأن أصله الوجوب فلا يصرف عنه بغير دليل فالمختار الصحيح: الوجوب، وقد أشار الشافعي رحمه الله في «الأم» إلى ترجيحه. «المجموع» ٣/ ٤٠٢.



الجبهة ولم يذكر الأنف، فدل عَلَى أن الجبهة تجزئ، وأن الأنف تبع، وأما الرواية السالفة: وأشار بيده على أنفه. فالأنف غير مشترط في ذَلِكَ؛ لأنه إنما أشار بيده إلى أنفه إلى جبهته، فجعل الأنف تبعًا للجبهة، ولم يقل: إلى نفسه. كذا قَالَ المهلب (١)، وقد سلف رواية: إلى أنفه.
قَالَ ابن القصار: والإجماع حجة ووجدنا عصر التابعين عَلَى قولين، فمنهم من أوجب السجود عَلَى الجبهة والأنف، ومنهم من جوز الاقتصار عَلَى الجبهة، فمن جوز الاقتصار عَلَى الأنف دون الجبهة خرج عن إجماعهم (٢)، لكن في «العارضة» لابن العربي في بعض طرقه: الجبهة أو الأنف (٣)، ويقال لمن أوجب السجود عَلَى الآراب السبعة: إن الله تعالى ذكر السجود في مواضع من كتابه فلم يذكر فيها غير الوجه فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال الشارع: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره» (٤)، ولم يذكر غير الوجه. وقال للأعرابي الذي علمه: «مكن

-------------
(١) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢.
(٢) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢.
(٣)»عارضة الأحوذي" ٢/ ٧١.
(٤) رواه أبو داود (١٤١٤) كتاب: سجود القرآن، باب: ما يقول إذا سجد، والترمذي (٥٨٠) كتاب: الجمعة، باب: ما يقول في سجود القرآن، وبرقم (٣٤٢٥)، كتاب: الدعوات، باب: ما يقول في سجود القرآن، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٢/ ٢٢٢، كتاب: الافتتاح، باب: الدعاء في السجود، وأحمد ٦/ ٣٠، والدارقطني ١/ ٤٠٦ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن، والحاكم ١/ ٢٢٠ كتاب: الصلاة، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، =



جبهتك من الأرض» (١)، ولم يذكر باقي الأعضاء، ولو كان حكم السجود متعلقًا بذلك لكان مع العجز عنه ينتقل إلى الإيماء كالرأس، فلما كان مع العجز يقع الإيماء بالرأس حسب، ولا يؤمر بإيماء الباقي علمنا أن الحكم يعلق بالجبهة فقط.
وأما أمره - ﷺ - بالسجود عَلَى الأعضاء السبعة فلا يمتنع أن يؤمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضًا وبعضه مسنونًا ولا يكون وجوب بعضه دليلًا عَلَى وجوب باقيه إلا بدالة الجمع بين ذَلِكَ، والخلاف في الأعضاء الستة ثابت عند الحنفية أيضًا، ففي «شرح الهداية»: لا تجب. وفي «الواقعات»: لو لم يضع ركبتيه عَلَى الأرض عند السجود لا يجزئه.
ونقل أبو الطيب عن عامة الفقهاء عدم الوجوب، وعند زفر وأحمد الوجوب (٢)، وعند أحمد في الأنف روايتان (٣). وفي الترمذي عن أحمد: وضعها سنة (٤).
وادعى ابن العربي أن قوله: أمر أو أمرت أو أمرنا. مخصوص به في الظاهر، واختلف الناس فيما فرض عليه هل تدخل معه الأمة؟ فقيل: نعم. والأصح لا إلا بدليل، وقيل: إِذَا خوطب بأمر أو نهي فالمراد به

-------------
= والبيهقي ٢/ ٣٢٥ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول في سجود التلاوة. من حديث عائشة، قال الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ١٥٧ (١٢٧٣): صحيح.
(١) سبق تخريجه في شرح حديث رقم (١٦١).
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٠، «الكافي» ١/ ٣٠٤.
(٣) انظر: «الكافي» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٤) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل الحديث أن يسجد على جبهته وأنفه فإن سجد على جبهته دون أنفه فقد قال قوم من أهل العلم: يجزئه. وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف. ذكر هذا عقب الرواية رقم (٢٧١)، ولم يصرح فيها بذكر الإمام أحمد.



الأمة معه، وهذا لا يثبت إلا بدليل. قَالَ: والدليل عَلَى توجب ذَلِكَ علينا إجماع الأمة عَلَى وجوب السجود عَلَى هذِه الأعضاء، ولعل ذَلِكَ أخذ من قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١)، ومن دليل آخر سواه.
ولا خلاف أعلمه في الأعضاء السبعة إلا في الوجه (٢)، وكلامه كله عجيب، وأين الإجماع فيما ذكره والأصل عدم الخصوصية.
وقوله في رواية: «أعضاء» وفي رواية: «أعظم» إما من باب تسمية الجملة باسم بعضها أو سمى كل واحد منها عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحد منها عَلَى عظام.
وأما كف الشعر والثوب فسيأتي في بابه قريبًا.
وقوله: «واليدين» يريد: الكفين. خلافًا لمن حمله عَلَى ظاهره؛ لأنه لو حمل عَلَى ذَلِكَ لدخل تحت النهي عنه في افتراش السبع والكلب.

--------------
(١) هو جزء من حديث سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: للمسافر إذا كان جماعة.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧١.



١٣٥ (*) - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ فِي الطِّيِنِ
٨١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ؟ فَخَرَجَ. فَقَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟. قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِى تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ:»مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ«. وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ٢٩٨]
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ إلى أن قال: وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأنَّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ». وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَى رَأَيتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُويَاهُ.
وسيأتي بطوله في موضعه في الصيام (١).
والأرنبة: طرف الأنف، وهو حجة لمن أوجب السجود عَلَى الأنف والجبهة وقالوا: هذا الحديث مفسر لقوله: «أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء» فذكر منها الوجه، وأبانَ في هذا الحديث أن سجوده - ﷺ - كان

--------------
(١) سيأتي رقم (٢٠٤٠) كتاب: الاعتكاف، باب: من خرج من اعتكافه عند الصبح.
(*) قال معد الكتاب للشاملة: من هنا اختل الترقيم، وحقه أن يكون رقمه: ١٣٤.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* موقف الشرق والغرب من الاختلاط
* مهارات كتابة بحث متميز- كيف تكتب مقدمة البحث العلمي
* اللغة العربية.. ومعالم النهضة السلفية
* تجديد الخِطاب الديني بيْن المقبول والمردود
* من فساد وسائل الإعلام تعويد الناس على رؤية المنكرات
* الدعاء بالأسماء الحسنى
* كـيف نفهـم الواقـع؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:57 AM   #191

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 227 الى صـــ 246
الحلقة (191)






عَلَى أنفه وجبهته، واحتج من قَالَ: يجزئه السجود عَلَى جبهته بأن قَالَ: إنما أمر الساجد أن يمس من وجه الأرض ما أمكنه إمساسه محاذيًا بها القبلة ولا شيء من وجه ابن آدم يمكنه إمساسه منه غير أنفه وجبهته، فإذا سجد عليهما فقد فعل أكثر ما يقدر عليه فإن قصر من ذَلِكَ وسجد عَلَى جبهته دون أنفه فقد أدى فرضه، وهذا إجماع من جمهور الأمة.
وفي الحديث أن المصلي في الطين يسجد عليه، وهذا عند العلماء إِذَا كان يسيرا لا يمرث وجهه ولا ثيابه، ألا ترى أن وجهه كان سالمًا من الطين وإنما كان منه شيء عَلَى جبهته وأرنبته، فإذا كان كثيرًا فالسنة فيه ما روى يعلق بن أمية عن النبي - ﷺ - أنه صلى إيماءً عَلَى راحلته في الماء والطين (١)، وبه قال أكثر الفقهاء.
واختلف قول مالك فيه، فروى أشهب عنه أنه لا يجزئه إلا النزول ويسجد عَلَى الأرض عَلَى حسب ما يمكنه استدلالًا بحديث أبي سعيد.
وقال ابن حبيب: مذهب مالك أنه يومئ، إلا عبد الله بن عبد الحكم فإنه كان يقول: يسجد عليه، ويجلس فيه إِذَا كان لا يعم وجهه، ولا يمنعه من ذَلِكَ إلا إحراز ثيابه. وقال ابن حبيب: وبالأول أقول؛ لأنه أشبه بيسر الله في الدين وأنه لا طاعة في تلويث الثياب في الطين وإنما يومئ في الطين إِذَا كان لا يجد المصلي موضعًا نقيًّا من الأرض يصلي عليه فإن طمع أن يدرك موضعًا نقيًا قبل خروج الوقت لم يجزئه الإيماء في الطين (٢).

-----------------
(١) رواه الترمذي (٤١١) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين، وقال: حديث غريب، وأحمد ٤/ ١٧٤، والطبراني ٢٢/ ٣٥٦ (٦٦٣)، والدارقطني ١/ ٣٨٠ - ٣٨١ كتاب: الصلاة، باب: صلاة المريض لا يستطيع القيام والفريضة على الراحلة، والبيهقي ٢/ ٧ كتاب: الصلاة، باب: النزول للمكتوبة، وقال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف الإسناد.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.



وفي بعض نسخ البخاري: قَالَ أبو عبد الله: كان الحميدي يحتج بهذا الحديث أن لا يمسح الجبهة في الصلاة بل يمسح بعدها (١)؛ لأنه - ﷺ - رئي الماء في أرنبته وجبهته بعدما صلى.
----------------
(١) ورد ذلك في نسخة ابن عساكر، قال أبو عبد الله: كان الحميدي يحتج بهذا الحديث يقول: لا يمسح. انظر: «اليونينة» ١/ ١٦٣.


١٣٦ - باب عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا
وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِذَا خَافَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ.

٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: «لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِىَ الرِّجَالُ جُلُوسًا». [انظر: ٣٦٢ - مسلم: ٤٤١ - فتح: ٢/ ٢٩٨]
ذكر فيه حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل، وقد سلف في باب: إِذَا كان الثوب ضيقًا (١).

--------------
(١) سبق رقم (٣٦٢) كتاب: الصلاة.


١٣٧ - باب لَا يَكُفُّ شَعَرًا ولا ثوبا
٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ. [انظر: ٨٠٩ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٩]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ.


١٣٨ - باب لَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلَاةِ
٨١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». [انظر: ٨٠٩ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٩]
ذكر فيه حديث ابن عباس أيضًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أعظم، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا».
وقد أخرجهما مسلم أيضًا وعنده: «ولا يكف الثياب ولا الشعر» (١) وكلاهما بمعنى واحد، وهو الجمع والضم.
وفي الحديث «اكفتوا صبيانكم عند فحمة العشاء» (٢) ومنه ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات: ٢٥].
وقال ابن الأثير: قوله: «لا أكف» إلى آخره: يعني: في الصلاة؛ ويحتمل أن يكون بمعنى: لا أمنعهما من الاسترسال حال السجود ليقعا عَلَى الأرض، قَالَ: ويحتمل أن يكون بمعنى: الجمع. أي: لا يضمهما ويجمعهما (٣).
وقد اتفق العلماء عَلَى النهي عن الصلاة وثوبه مشمر أو كمه ورأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذَلِكَ، وهو كراهة تنزيه، ولو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته.

---------------
(١) مسلم (٤٩٠) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب.
(٢) سيأتي برقم (٣٣٦١) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم. ولفظ البخاري: «اكفتوا صبيانكم عند المساء ..»، وفي «الأدب المفرد» (١٢٣١) ص ٤٥٢ باب: ضم الصبيان عن فورة العشاء، بلفظ: «كفتوا صببانكم عند فحمة العشاء ..».
(٣) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٩٠.



وحكى الطبري في ذَلِكَ إجماع الأمة، قَالَ: مع أنه غير جائز أن يصلي عَلَى تلك الحالة. قَالَ: وممن روي عنه ذَلِكَ من السلف علي وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وأبو هريرة، وكان ابن عباس إِذَا سجد يقع شعره عَلَى الأرض. وقال ابن عمر لرجل رآه سجد معقوصًا شعره: أرسله يسجد معك (١).
وقال ابن المنذر: عَلَى هذا قول أكثر أهل العلم غير الحسن البصري فإنه قَالَ: من صلى عاقصًا شعره أو كافًا ثوبه فعليه إعادة الصلاة (٢).
قُلْتُ: وفي أفراد «صحيح مسلم» من حديث ابن عباس أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص، فقام من ورائه فجعل يحله، فلما انصرف أقبل عَلَى ابن عباس فقال: مالك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف» (٣).
وفي «سنن أبي داود» بإسناد جيد: رأى أبو رافع الحسن بن علي يصلي قَدْ غرز ظفرته في قفاه، فحلها وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ذَلِكَ كفل الشيطان» أو قَالَ: «مقعد الشيطان» (٤) يعني: مغرز ظفرته.
وقال ابن التين: هذا مبني عَلَى الاستحباب وليس من الوجوب وذلك إِذَا صنع ذَلِكَ من أجل الصلاة، فأما إِذَا فعله لشغلٍ فحضرت الصلاة فلا بأس أن يصلي كذلك.

-------------
(١) انظر: «البناية» ٢/ ٥٣٠ - ٥٣٢.
(٢) «الأوسط» ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٣) مسلم (٤٩٢) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب.
(٤) أبو دواد (٦٤٦) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يصلي عاقصًا شعره، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٢١٣ (٦٥٣).



وقال أبو جعفر: إِذَا كان ينوي أن يعود لعمله.
وأجمع الفقهاء أنه يجوز السجود عَلَى اليدين في الثياب، وإنما كرهه سالم وأبوه وبعض التابعين؛ لأن اليدين حكمهما حكم الوجه لا حكم الركبتين، وقياسًا عَلَى أن اليدين من المرأة تبع الوجه في كشفهما في الإحرام فكذلك اليدان مع الوجه في كشفهما في السجود.
وحجة الجماعة ما رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن النبي - ﷺ - نهى أن يكشف الثوب عن يده إِذَا سجد (١).
وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ذكره ابن أبي شيبة (٢).
وإجماع الأمة عَلَى جواز السجود عَلَى الركبتين مستورتين؛ لأنهما إما عورة وإما أنهما مظنة كشفها.
ولا نعلم أيضًا خلافًا في القدمين؛ لأنه - ﷺ - كان يصلي وهو لابس الخف، وللشافعي قولان في مباشرة المصلي بالكف، والأصح عدم الوجوب (٣).
واحتج الطحاوي بهذا الحديث في جواز السجود عَلَى كور العمامة (٤) قَالَ: لأنه - ﷺ - قَالَ: «أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعظم»

---------------
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٤٠٢ (١٥٧٢) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يسجد متلحفًا لا يخرج يديه.
(٢) «المصنف» ١/ ٢٣٨ (٢٧٣٩) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد ويداه في ثوبه.
(٣) انظر: «المجموع» ٣/ ٤٠٥.
(٤) قال ابن حجر: حديث أن النبي - ﷺ - كان يسجد على كور عمامته، رواه عبد الرزاق من حديث أبي هريرة وفيه عبد الله بن حجر وهو واه، وعن عبد الله بن عمر مثله =



ولو سجد عَلَى باقي الأعضاء وهي مستورة جاز فكذا الجبهة (١)، وهو عجيب فالفرق لائح.
قَالَ البيهقي: وإنما وجب كشف الجبهة لما روى صالح بن حيوان وغيره أنه - ﷺ - رأى رجلًا يسجد على جبهته. قَالَ: وهذا المرسل شاهد لحديث ابن عباس المذكور. قَالَ: ولم يثبت عن النبي - ﷺ - على كور العمامة شيءٌ، وروينا عن عبادة بن الصامت وابن عمر قريبًا من حديث صالح (٢).
وقال الشافعي في القديم: بلغنا أن النبي - ﷺ - قَالَ لرجل: «إذا سجدت فأمكن جبهتك حتى تجد حجم الأرض» (٣).
وفرق مالك بين الستر الكثيف في الجبهة فمنعه وبين الخفيف فجوزه (٤).

-----------------
= أخرجه تمام في «فوائده»، وفي إِسناده سويد بن عبد العزيز وهو واه، وعن أبي أوفى قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد على كور عمامته أخرجه الطبراني في «الأوسط» وإسناده ضعيف، وعن جابر مثله أخرجه ابن عدي في ترجمة عمرو بن شمر أحد المتروكين، وعن ابن عباس كالأول أخرجه أبو نعيم في ترجمة إبراهيم بن أدهم من «الحلية» بإسناد ضعيف، وعن أنس أن النبي - ﷺ - سجد على كور عمامته، أخرجه ابن أبي حاتم في «العلل» ونقل عن أبيه أنه منكر، وهو من رواية حسان بن سياه وهو ضعيف، وقال البخاري: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه ووصله البيهقي، وعن صالح بن حيوان أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يسجد، وقد اعتم على جبهته فحسر عن جبهته، أخرجه أبو داود في «المراسيل». «الدراية» ١/ ١٤٥ - ١٤٦ (١٧٠).
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣٣.
(٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٤ (٣٥٢٤، ٣٥٢٥، ٣٥٢٦).
(٣) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٢ (٣٥١١). والحديث رواه أحمد ١/ ٢٨٧ من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٤٩).
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٨٤.



وقد سلف اختلاف العلماء في السجود على كور العمامة في باب السجود عَلَى الثوب في شدة الحر فراجعه منه.

١٣٩ - باب التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ
٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. [انظر: ٧٩٤ - مسلم: ٤٨٤ - فتح: ٢/ ٢٩٩]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ.
هذا الحديث سلف قريبًا في باب: الدعاء في الركوع (١)، وسلف الكلام عليه.

------------
(١) سبق برقم (٧٩٤).


١٤٠ - باب المُكْثِ بَيْن السَّجْدَتَيْنِ
٨١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ، فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً، فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ أَيُّوبُ: كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. [انظر:٦٧٧ - فتح: ٢/ ٣٠٠]

٨١٩ - قَالَ: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». [٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ٣٠٠]

٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ سُجُودُ النُّبِيِّ - ﷺ - وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [انظر: ٧٩٢ - مسلم: ٤٧١ - فتح: ٢/ ٣٠٠]

٨٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: إِنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي بِنَا. قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ. وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ. [انظر: ٨٠٠ - مسلم: ٤٧٢ - فتح: ٢/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث والبراء وأنس
وقد سلف الكلام عليها فيما سلف.
وقوله في حديث مالك بن الحويرث: (كان يقعد في الثالثة والرابعة كذا هو ثابت هنا، وفي بعض النسخ: (أو الرابعة).
وقال ابن التين في رواية أبي ذر (والرابعة): وأراه غير صحيح.


قَالَ ابن قدامة: والمستحب عند أحمد أن يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي؟ يكرره مرارًا، والواجب مرة (١).
وهذا قاعدته في الوجوب وعندنا يستحب أعني: الذكر- وعند الحنفية: ليس بينهما ذكر مسنون؛ لأن الاعتدال فيه تبع، وليس بمقصود، فلا يسن فيه، وما روي في ذَلِكَ فمحمول على التهجد (٢)، وعند داود وأهل الظاهر أنه فرض إن تعمد تركه بطلت صلاته (٣).

-------------
(١) «المغني» ٢/ ٢٠٧.
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٧.
(٣) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٥٥.



١٤١ - باب لَا يَفْتَرشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا.

٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ». [انظر: ٥٣٢ - مسلم: ٤٩٣ - فتح: ٢/ ٣٠١]
ثمَّ ذكر حديث قتادة عن أنس عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ».
الشرح:
أما الحديث فهو قطعة من حديث طويل، وأما الثاني فأخرجه مسلم والأربعة (١)، وفي حديث معاذ، عن شعبة عند أبي نعيم عن قتادة، سمعت أنسًا. وفي الترمذي -محسنًا- من حديث جابر: «لا يفترش ذراعيه افتراش الكلب» (٢)، وفي مسلم من حديث عائشة: نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع (٣). وفي ابن خزيمة من حديث أبي هريرة: «إِذَا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب وليضم فخذيه» (٤)، وفي

-----------
(١) مسلم (٤٩٣) كتاب: الصلاة، باب: الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض، وأبو داود (٨٩٧)، الترمذي (٢٧٦)، والنسائي ٢/ ٢١١ - ٢١٣، وابن ماجه (٨٩٢).
(٢) الترمذي (٢٧٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الاعتدال في السجود، وقال: حسن صحيح.
(٣) مسلم (٤٩٨) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه.
(٤) ابن خزيمة ١/ ٣٢٨ (٦٥٣) كتاب: الصلاة، باب: ضم الفخذين في السجود.



مسلم من حديث البراء: «إِذَا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك» (١). وفي «المستدرك» مصححًا من حديث عبد الرحمن بن شبل: نهي عن افتراش السبع (٢).
فإن قُلْتَ: يعارض ذَلِكَ حديث أبي هريرة في ابن خزيمة و«المستدرك» مصححًا عَلَى شرط مسلم: شكى أصحاب رسول الله مشقة السجود عليهم إِذَا انفرجوا فقال: «استعينوا بالركب» وذلك أن يضع مرفقيه عَلَى ركبتيه إِذَا طال السجود وأعيا (٣).
قُلْتُ: قَالَ أبو داود: كان هذا رخصة (٤). وذكره الترمذي في باب: ما جاء في الاعتماد إِذَا قام من السجود، واستغربه (٥).
وقال ابن سيرين: وسئل: الرجل يعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قَالَ: ما أعلم به بأسًا (٦).
وكان ابن عمر يضع يديه إلى جنبيه إِذَا سجد (٧).

----------------
(١) مسلم (٤٩٤) كتاب: الصلاة، باب: الاعتدال في السجود.
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٢٩ كتاب: الصلاة، وقال: صحيح ولم يخرجاه.
(٣) «المستدرك» ١/ ٢٩٩ كتاب: الصلاة، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٤) قال أبو داود ذلك مترجمًا لهذا الحديث، ولعل المصنف أخذ فقهه من هذِه الترجمة. انظر: «سنن أبي داود» (٩٠٢) كتاب: الصلاة، باب: الرخصة في ذلك أي: للضرورة.
(٥) الترمذي (٢٨٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الاعتماد في السجود، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه من حديث الليث عن ابن عجلان؛ وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ (٢٦٥٩) في الصلاة، باب: من رخص أن يعتمد بمرفقيه.
(٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ (٢٦٦٠) السابق.



وقال قيس بن سكن: كل ذَلِكَ قَدْ كانوا يفعلون، ينضمون ويتجافون، وقد سلفا. وسئل ابن عمر: أضع مرفقي على فخذي إِذَا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك (١). وأسانيدها جيدة.
وفي «الأوسط» من حديث أبي هريرة: نهى أن أقعي إقعاء القرد (٢)، وفي ابن ماجه من حديث علي: «لا تقع بين السجدتين» (٣)، وفي لفظ: «لا تقعِ إقعاء الكلب» (٤)، وفي رواية لَهُ -ضعيفة- عن أنس: «إِذَا رفعت رأسك من الركوع فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع إليتيك بين قدميك والزق ظاهر قدميك بالأرض» (٥).
وفي البيهقي من حديث سمرة: نهي عن الإقعاء (٦) وللحاكم: أمرنا أن نعتدل في السجود ولا نستوفز (٧).
وترجم الترمذي الرخصة في الإقعاء فذكر حديث ابن عباس: الإقعاء على القدمين من سنة نبيكم، وحسنه (٨)، وهو عند مسلم (٩)، وفي «مشكل الطحاوي» عن عطية العوفي: رأيت العبادلة: ابن عباس،

---------------
(١) المصدر السابق ١/ ٢٣٣.
(٢) «المعجم الأوسط» ٥/ ٢٦٦ (٥٢٧٥).
(٣) رواه ابن ماجه (٨٩٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: الجلوس بين السجدتين، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٨٨).
(٤) المصدر السابق (٨٩٥)، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٧٣٠).
(٥) ابن ماجه (٨٩٦) كتاب: إقامة الصلاة، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٨٩)، وفي «الضعيفة» (٢٦١٥): موضوع.
(٦) رواه البيهقي ٢/ ١٢٠ كتاب: الصلاة، باب: الإقعاء المكروه في الصلاة.
(٧) الحاكم ١/ ٢٧١ كتاب: الصلاة، عن سمرة بن جندب، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يستوفز الرجل في صلاته. وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
(٨) رواه الترمذي (٢٨٣) كتاب: الصلاة، باب: الإقعاء المكروه في الصلاة.
(٩) رواه مسلم (٥٣٦) كتاب: المساجد، باب: جواز الإقعاء على العقبين.



وابن عمر، وابن الزبير يقعون في الصلاة ويراهم الصحابة فلا ينكرونه (١)، وعند الخلال: عن ابن مسعود قَالَ: هيئت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا حتىَّ تسجدوا عَلَى المرافق. وقد سلف. وقال أحمد: تركه الناس.
افتراش السبع لا شك في كراهته واستحباب نقيضها، وهو التجنح الثابت في حديث ميمونة وغيره، والحكمة في ذَلِكَ أنه إِذَا جنح كان اعتماده على يديه، فيجب اعتماده عَلَى وجهه فلا يتأذى بملاقاة الأرض ولا يتشوش في الصلاة، بخلاف ما إِذَا بسط يديه؛ فإن اعتماده يكون عَلَى وجهه فيتأذى ولا يبدو وضح إبطيه كما كان يبدو من الشارع.
وأما أثر ابن عباس السالف فلعله عند الازدحام؛ لأن المعروف عنه أن آدم بن علي صلى إلى جنبه فافترش ذراعيه، فقال: لا تفترش افتراش السبع وادعم على راحتيك وابد ضبعيك، فإذا فعلت ذَلِكَ سجد كل عضو منك (٢)؛ فروي عنه الوجهان فيؤنس الأول.

--------------
(١) ذكره الطحاوي في «المشكل» كما في «تحفة الأخيار» ٢/ ٣٦٢ (١٠١٩) كتاب: الصلاة، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - في نهيه عن الإقعاء في الصلاة ما هو؟.
(٢) المعروف من حديث آدم بن عليّ أنه عن ابن عمر لا ابن عباس، فروى عبد الرزاق ٢/ ١٧٠ عن آدم بن عليّ، قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي لا أتجافي عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لا تبسط بسط السبع وادْعم علي راحتيك .. الأثر. وقد روي مرفوعًا من حديث آدم بن عليّ عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ -: «لا تبسط ذراعيك كبسط السبع ..» الحديث، رواه ابن خزيمة ١/ ٣٢٥، وابن حبان ٥/ ٢٤٢، والحاكم ١/ ٢٢٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٢٢٧.
قال الحاكم: صحيح لم يخرجاه



ولا إعادة عند جميع العلماء على تارك ذَلِكَ لاختلاف السلف فيه كما مر.
واختلف أصحابنا في تفسير الإقعاء المنهي عنه عَلَى ثلاثة أوجه:
أصحها: أن يجلس على وركيه ناصبًا ركبتيه، وضَمَّ إليه أبو عبيد: أن يضع يديه عَلَى الأرض.
وثانيها: أن يفرش رجليه ويضع إليتيه عَلَى عقبيه.
وثالثها: أن يضع يديه عَلَى الأرض ويقعد عَلَى أطراف أصابعه، والصواب هو الأول والباقي غلط، وقد ثبت في «صحيح مسلم» أن الإقعاء سنة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام (١). وفسره العلماء مما قاله الثاني ونص عَلَى استحبابه إمامنا في البويطي والإملاء في الجلوس بين السجدتين (٢).
والإقعاء ضربان: مكروه، وهو الأول، وغيره الثاني. وكذا بينه البيهقي في «سننه»، ثمَّ قَالَ: وأما حديث النهي عن عقبة الشيطان، فيحتمل أن يكون واردًا في الجلوس في التشهد الأخير؛ فلا منافاة (٣).

-----------
(١) «صحيح مسلم» (٥٣٦) كتاب: المساجد، باب: جواز الإقعاء على القدمين، من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه سئل عن الإقعاء، فقال: هي السنة. فقيل له: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال: بل هي سنة نبيك - ﷺ -.
(٢) انظر: «العزيز» ١/ ٤٨١، «المجموع» ٣/ ٤١٥ - ٤١٧.
(٣) وحكى البيهقي عن أبي عبيدة أنه قال: الإقعاء: هو أن يلصق إليته بالأرض وينتصب على ساقه ويضع يديه بالأرض، وقال في موضع آخر: الإقعاء جلوس الإنسان على إليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع، وقال البيهقي: وهذا النوع من الإقعاء غير ما روينا عن ابن عباس وابن عمر، وهذا منهي عنه، وما روينا عن ابن عباس وابن عمر مسنون، وأما حديث أبي الجوزاء عن عائشة عن النبي - ﷺ - أنه كان ينهي عن عقب الشيطان، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، =



وأغرب الجويني في «التبصرة» فقال: لا يجوز الإقعاء في الجلوس بين السجدتين إقعاء الكلب، قَالَ: وهو أن يجلس عَلَى قدميه، وهما منتصبتان (١).
---------------
= فيحتمل أن يكون واردًا في الجلوس للتشهد الأخير، فلا يكون منافيًا لما روينا عن ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين والله أعلم، انظر: «السنن الكبرى» ٢/ ١٢٠ كتاب: الصلاة، باب: الإقعاء المكروه في الصلاة.
(١) «التبصرة» ص ٣٦٥.



١٤٢ - باب مَنِ اسْتَوى قَاعِدًا فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ
٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ اللَّيْثِىُّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. [فتح: ٢/ ٣٠٢]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا.
هذا الحديث دال عَلَى ما ترجم لَهُ وهو جلسة الاستراحة، وقد أوضحنا الكلام عليها في باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم (١)، في الكلام عَلَى الحديث المذكور فراجعه من ثم.
وقال ابن بطال: ذهب جمهور الفقهاء إلى ترك الأخذ بهذا الحديث وقالوا: ينهض عَلَى صدور قدميه ولا يجلس (٢). روي ذَلِكَ عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس (٣). وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من الصحابة إِذَا رفع رأسه من السجدة في الركعة الأولى والثالثة قام كما هو ولم يجلس (٤)، وكان النخعي يسرع القيام في ذَلِكَ.
وقال الزهري: كان أشياخنا يقولون ذَلِكَ.

-----------
(١) سبق برقم (٦٧٧) كتاب: الأذان.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣٧.
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٦ كتاب: الصلاة، باب: من كان ينهض على صدور قدميه.
(٤) انظر: المصدر السابق: ١/ ٣٤٧.



قَالَ أبو الزناد: تلك السنة.
وبه قَالَ مالك والثوري والكوفيون وأحمد وإسحاق. وقال أحمد بن حنبل: أكثر الأحاديث عَلَى هذا. وذكره عن عمر وعلي وعبد الله.
وذهب الشافعي إلى الأخذ بهذا الحديث وقال: يقعد في وتر من صلاته ثمَّ ينهض (١).

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣٧، وانظر ما ذهب إليه الجمهور في: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٣، «المبسوط» ١/ ٢٣، «عيون المجالس» ١/ ٣١٤ - ٣١٥، «التمهيد» ٣/ ٢٢٩، واختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه أنه لا يجلس وهو اختيار الخرقي، والرواية الثانية أنه يجلس اختارها الخلال، وقال: رجع أبو عبد الله إلى هذا -أي ترك قوله بترك الجلوس، والمذهب أنه لا يجلس، انظر: «الممتع» ١/ ٤٤٢، «المغني» ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، «المبدع» ١/ ٤٥٩، «الإنصاف» ٣/ ٥٢٤ - ٥٢٦، وعند الشافعية قولان، الأول: لا يجلس كالجمهور
الثاني: يجلس وهو المذهب. قال النووي: مذهبنا الصحيح المشهور أنها مستحبة، انظر: «الحاوي» ٢/ ١٣١، «حلية العلماء» ٢/ ١٠٢ - ١٠٣، «البيان» ٢/ ٢٦٦، «المجموع» ٣/ ٤٢١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: جلسة الاستراحة قد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - جلسها؛ لكن تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السنن للحاجة، أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة، فمن قال بالثاني استحبها كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين.
ومن قال بالأول لم يستحبها إلا عند الحاجة، كقول أبي حنيفة ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى. ومن فعلها لم ينكر عليه. وإن كان مأمومًا، لكون التأخر بمقدار ما ليس هو من التخلف المنهي عنه عند من يقول باستحبابها، وهل هذا إلا فعل في محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذِه السنة عنده، والمبادرة إلى موافقه الإمام فإن ذلك أولى من التخلف. لكنه يسير، فصار مثل ما إذا قام من التشهد الأول قبل أن يكمله المأموم، والمأموم يرى أنه مستحب، أو مثل أن يسلم وقد بقي عليه يسير من الدعاء، هل يسلم أو يتمه؟ ومثل هذِه المسائل هي من مسائل الاجتهاد، والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف، لفعل مستحب، والله أعلم، «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٤٥١ - ٤٥٢.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* موقف الشرق والغرب من الاختلاط
* مهارات كتابة بحث متميز- كيف تكتب مقدمة البحث العلمي
* اللغة العربية.. ومعالم النهضة السلفية
* تجديد الخِطاب الديني بيْن المقبول والمردود
* من فساد وسائل الإعلام تعويد الناس على رؤية المنكرات
* الدعاء بالأسماء الحسنى
* كـيف نفهـم الواقـع؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:59 AM   #192

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 247 الى صـــ 266
الحلقة (192)






قَالَ الطحاوي: حجة الجماعة عَلَى الشافعي: حديث عطاء عن ابن عباس أن سهلًا الساعدي كان في مجلس فيه أبوه -وكان من أصحاب النبي - ﷺ -- وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي والأنصار؛ وأنهم تذاكروا الصلاة. قَالَ أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله. قالوا: فأرنا. فقام يصلي فكبر ورفع يديه في أول التكبير، ثمَّ ذكر حديثًا طويلًا فيه: أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى قام ولم يتورك، فلما جاء هذا الحديث كما ذكرنا وخالف حديث مالك بن الحويرث احتمل أن يكون ما فعله - ﷺ - فيه لعلة كانت به فقعد من أجلها لا لأن ذَلِكَ من سنة الصلاة، فلما كان ابن عمر يتربع في الصلاة، فلما سُئِلَ عن ذَلِكَ قَالَ: إن رجلاي لا تحملاني؛ فكذلك احتمل أن يكون ما فعله - ﷺ - من القعود كان لعلة أصابته حتَّى لا يضاد حديث مالك بن الحويرث، وهذا أولى بنا من حمل ما روي عنه عَلَى التنافي والتضاد.
وحديث أبي حميد أيضًا حكاه بحضرة جماعة من الصحابة فلم ينكر ذَلِكَ أحد منهم، فدل أن ما عندهم في ذَلِكَ غير مخالف لما حكاه لهم في حديث مالك بن الحويرث من قول (أيوب) (١) أن ما كان عمرو بن سَلِمة يفعله من ذَلِكَ لم ير الناس يفعلونه، وهو قَدْ رأى جماعة من جلة التابعين، فذلك حجة في دفع حديث مالك بن الحويرث أن يكون سنة.
ثمَّ إن النظر يوافق ما رواه أبو حميد وذلك أنا رأينا الرجل إِذَا خرج في صلاته من حال إلى حال استأنف ذكرًا، من ذَلِكَ إنا رأيناه إِذَا أراد

-----------
(١) في الأصل: أبي أيوب والمثبت من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٥٥.


الركوع كبر وخر راكعًا، وإذا رفع رأسه من الركوع قَالَ: سمع الله لمن حمده. وإذا خر من القيام إلى السجود كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا عاد إلى السجود كبر، وإذا رفع رأسه لم يكبر من بعد رفع رأسه إلى أن يستوي قائمًا غير تكبيرة واحدة، فدل ذَلِكَ أنه ليس بين سجوده وقيامه جلوس، ولو كان بينهما جلوس لاحتاج إلى أن يكون يكبر بعد رفعه رأسه من السجود للدخول في ذَلِكَ الجلوس، ولاحتاج إلى تكبيرة أخرى إِذَا نهض للقيام، فلما لم يؤمر بذلك ثبت أن لا قعود بين الرفع من السجدة الأخيرة والقيام إلى الركعة التي بعدها؛ ليكون ذَلِكَ وحكم سائر الصلاة مؤتلفًا غير مختلف (١). هذا آخر كلامه.
ونفيه إياها في حديث أبي حميد عجيب بل هي ثابتة فيه، بل هي ثابتة في البخاري في حديث المسيء صلاته، كما ستعلمه في كتاب الاستئذان في باب: من رد فقال: عليكم السلام (٢). وقد أسلفنا ذَلِكَ في الموضع السالف فاستفده.

---------------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥ كتاب: الزيادات، باب: ما يفعله المصلي بعد رفعه من السجدة الأخيرة من الركعة الأولى.
(٢) سيأتي برقم (٦٢٥١).



١٤٣ - باب كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ؟
٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا، هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي. قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا -يَعْنِى عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ- قَالَ أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ. [انظر: ٦٧٧ - فتح: ٢/ ٣٠٣]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث أيضًا، في آخره: وإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ.
هذا الحديث سلف أيضًا هناك.
واختلف العلماء في اعتماد الرجل عَلَى يديه عند القيام، فروي عن ابن عمر أنه كان يعتمد عَلَى يديه إِذَا أراد القيام (١)، وروي مثله عن مكحول وعطاء ومسروق والحسن، وهو قول الشافعي وأحمد.
والحجة لهم هذا الحديث (٢)، وأجازه مالك في «العتبية» ثمَّ كرهه (٣).

----------------
(١) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٩٩ (١٥٠٨).
(٢) «الأم» ١/ ١٠١، «الحاوي» ٢/ ١٣١، أما ما ذكره عن أحمد ففيه نظر؛ لأن مذهب أحمد أنه يعتمد على صدور قدميه عند القيام من السجود، لكنه أجاز للرجل أن يعتمد على يديه إذا كان شيخًا كبيرًا أو لضعف أو لمرض، انظر: «المغني» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤، «الممتع» ١/ ٤٤٣، «المبدع» ١/ ٤٥٩.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٨٦.



ورأت طائفة أن لا يعتمد عَلَى يديه إلا إِذَا كان شيخًا كبيرًا أو ضعيفًا، وروي ذَلِكَ عن علي، وبه قَالَ النخعي والثوري، وكره الاعتماد ابن سيرين (١).
وقال الشافعي: كان عمر وعلي وأصحاب رسول الله - ﷺ - ينهضون في الصلاة عَلَى صدور أقدامهم، وعن ابن مسعود مثله.

-------------
(١) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠.


١٤٤ - باب يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ
وَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ.

٨٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ، وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -. [فتح: ٢/ ٣٠٣]

٨٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ صَلَاةً خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه -، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. أَوْ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. [انظر: ٧٨٤ - مسلم: ٣٩٣ - فتح ٢/ ٣٠٣]
هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة، عن عبد الوهاب الثقفي، عن ابن
جريج، عن عمرو بن دينار أن ابن الزبير كان يكبر لنهضته (١).
ثمَّ ذكر البخاري بعده حديثين:
أحدهما:
حديث سعيد بن الحارث قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ، وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَبِيَّ - ﷺ -.
وهو من أفراده عن أصحاب الكتب، وطوله الإسماعيلي وفيه: اشتكى أبو هريرة أو غاب، فصلى أبو سعيد. الحديث.

------------------
(١) ابن أبي شيبة ١/ ٢١٧ (٢٤٨٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يتم التكبير ولا ينقصه في كل رفع وخفض.


وذكر الحميدي في «جمعه» أن البرقاني خرجه في «صحيحه» بلفظ: إن الناس قد اختلفوا في صلاتك (١).
وفي سياق القصة دلالة أن أبا هريرة كان يصلي خلاف هذِه الصلاة، وينظر روايته السالفة في باب: إتمام التكبير: كان يصلي بهم ويكبر كلما خفض ورفع (٢). فإنها مخالفة لذلك.
الحديث الثاني: حديث عمران.
وقد سلف في باب إتمام التكبير في الركوع (٣)، وأن مذاهب أكثر العلماء أن التكبير في القيام من الركعتين مع قيامه كسائر تكبير الصلاة، التكبير في حال الخفض والرفع عَلَى ما جاء في حديث هذا الباب، واختلف فيه قول مالك، فروى ابن وهب عنه أنه قَالَ: إن كبر بعد استوائه فهو أحب إلي، وإن كبر في نهوضه بعد ما يفارق الأرض فهو في سعة.
وذكر في «الموطأ» عن أبي هريرة وجابر وابن عمر أنهم كانوا يكبرون في حال قيامهم (٤). وقال في «المدونة»: لا يكبر حتَّى يستوي قائمًا (٥)، ويحتمل أن يكون وجه هذِه الرواية إجماعهم عَلَى أن تكبير افتتاح الصلاة هو بعد القيام فشبه القيام إلى الثنتين الباقيتين بالقيام في أول الصلاة والله أعلم إذ كان فرض الصلاة ركعتين ركعتين ثمَّ زيد فيها ركعتان، فجعل افتتاح الركعتين المزيدتين كافتتاح المزيدة عليهما، وقوله الذي وافق فيه الجماعة أولى، وهو الذي تشهد لَهُ الآثار.

-------------
(١) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤٦١ (١٧٩٣).
(٢) سبق رقم (٧٨٥) كتاب: الأذان.
(٣) سبق رقم (٧٨٤) كتاب: الأذان.
(٤) «الموطأ» ١/ ٧٠ - ٨١ كتاب: الصلاة، باب: افتتاح الصلاة والتكبير في كل خفض ورفع.
(٥) «المدونة الكبرى» ١/ ٧٢.



١٤٥ - باب سُنَّةِ الجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ
وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْداءِ تَجْلِسُ فِي صَلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً.

٨٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى. فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ! فَقَالَ: إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي. [فتح: ٢/ ٣٠٥]

٨٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ.
وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ.
وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كُلُّ فَقَارٍ. وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ: كُلُّ فَقَارٍ. [فتح: ٢/ ٣٠٥]
وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ثور، عن مكحول أن


أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة بجلسة الرجل (١).
وقوله: (وكانت فقيهة). الظاهر أنه من قول البخاري وكان أنس أيضًا يقول ذَلِكَ، وبه قَالَ النخعي، ومالك (٢). وروي عن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر، ثمَّ تضع فخذها الأيمن عَلَى الأيسر وتضم بعضها إلى بعض قَدْر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس بخلاف الرجل (٣).
وقالت طائفة: تجلس كيف شاءت إِذَا تجمعت، منهم عطاء والشعبي والحنفيون (٤) والشافعيون (٥)، وكانت صفية تصلي متربعة، ونساء ابن عمر كن يفعلنه.
وقال بعض السلف: كن النساء يؤمرن أن يتربعن إِذَا جلسن في الصلاة ولا يجلسن جلوس الرجل عَلَى أوراكهن فتتقي أن يكون منهن الشيء. وقال الشعبي تجلس كيف تيسر. وقاله جماعة وعطاء، ذكره ابن أبي شيبة (٦).
وأم الدرداء اسمها: هجيمة. وقيل: جهيمة. وقيل: جهانة بنت حيي الوصابية، وهي الصغرى، حجت سنة إحدى وثمانين، خطبها معاوية، لا صحبة لها (٧).

-----------
(١) ابن أبي شيبة ١/ ٢٤٢ (٢٧٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في المرأة كيف تجلس في الصلاة.
(٢) «المدونة» ١/ ٧٤.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٢.
(٥) «الأم» ١/ ١٠٠.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٤٣.
(٧) الحميرية الدمشقية، اشتهرت بالعلم والعمل والزهد، وقال مكحول: كانت أم الدرداء فقيهة. روت عن أبي الدرداء، وروى لها الجماعة. انظر: "الجرح =



أما أم الدرداء الكبرى فهي خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي، نزلت الشام وتوفيت في إمرة عثمان (١).
و(الِجلسة) -بكسر الجيم-: الحالة التي يكون عليها الجالس. قَالَ ابن التين: وكذا رويناه. ثمَّ ذكر البخاري بعد ذَلِكَ حديث ابن عمر وحديث أبي حميد. أما حديث ابن عمر فرواه مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه كان ير عبد الله بن عمريتربع في الصلاة ففعلته -وأنا يومئذ حديث السن- فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنها سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى فقلت: إنك تفعل ذلك، قال: إن رجليَّ لا تحملاني (٢).
وللنسائي: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقبالك بأصابعها القبلة، والجلوس عَلَى اليسرى (٣).
وفي رواية: من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى (٤).
وللبيهقي: من حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن
محمد كان إِذَا جلس في التشهد نصب رجله اليمنى وثنى اليسرى، وجلس عَلَى وركه اليسرى، ولم يجلس عَلَى قدمه ثمَّ قَالَ: أراني

----------------
= والتعديل«٩/ ٤٦٣ (٢٣٧٢)،»تهذيب الكمال«٣٥/ ٣٥٢ (٧٩٧٤)،»سير أعلام النبلاء«٤/ ٢٧٧ (١٠٠).
(١) انظر:»معرفة الصحابة«٦/ ٣٣٢٢ (٣٨٦٤)،»الاستيعاب«٤/ ٤٨٨ (٣٥٨٤)،»أسد الغابة«٧/ ١٠٠ (٦٨٩٤)،»الإصابة«٤/ ٢٩٥ (٣٨٦).
(٢)»الموطأ«ص ٧٧ كتاب: الجمعة، باب: العمل في الجلوس في الصلاة.
(٣) النسائي ٢/ ٢٣٦ كتاب: الافتتاح، باب: الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبة عند القعود للتشهد، والحديث صححه الألباني في»صحيح النسائي".
(٤) النسائي ٢/ ٢٣٥ كتاب: الافتتاح، باب: كيف الجلوس للتشهد الأول؟.



عبد الله بن عبد الله بن عمر وحَدَّثَنِي أن أباه كان يفعل ذَلِكَ (١).
وللإسماعيلي: مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عبد الله، وكذا رواه ابن نافع، والأكثرون عن القعنبي فقالوا: عن أبيه. وفي «الموطآت» للدارقطني: وقال عبد الرزاق، عن مالك: صلى ابن عمر متربعًا ففعلت. الحديث.
وقول ابن عمر: (إن رجلاي لا تحملاني) يريد أنه كان فُدِعَ بخيبر فلم يقدر عَلَى أكثر مما فعل.
وقوله: (رجلاي). قَالَ ابن التين: كذا روي ويُحتمل وجهان: أن تكون (أن) بمعنى نعم. كقوله:
ويقلن شيب قَدْ علاك … وقد كبرت، فقلت: إنه
ويحتمل أن يريد ما ذكر عن بعض العرب أن التثنية عَلَى صفة واحدة في حال الرفع والنصبِ والجر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣].
وقوله:
إن أباها وأبا أباها … قَدْ بلغا في المجد غايتاها
ولم يقل: غايتيها. وليس هناك ضرورة شعر.
وهذا الحديث من المسند؛ لأن الصحابي إِذَا قَالَ سنة فإنما يريد سنة النبي - ﷺ -، ولا يرد عَلَى ذَلِكَ قول عليّ لما حلف الوليد بن عقبة: جلد رسول الله - ﷺ - كذا، وجلد أبو بكر كذا، وكلٌّ سنة (٢)؛ لأنه أراد بالنسبة إلى فعل أبي بكر: الطريقة.

----------------
(١) البيهقي ٢/ ١٣١ كتاب: الصلاة، باب: كيف يضع يديه على فخذيه؟.
(٢) رواه مسلم (١٧٠٧).



وقول ابن عمر: (سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى). هي صفة جلوس الصلاة عند مالك (١).
الحديث الثاني:
حديث أبي حميد أخرجه عن يَحْيَى عن بُكَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ بن يزيد، عَنْ سَعِيدٍ يعني ابن أبي هلال، عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. قال: وحدثني اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّﷺ -، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ رسول الله - ﷺ -، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأُسَهُ اسْتَوى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرى وَنَصَبَ اليُمْنَى فإذا جلس فِي الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته، وفي نسخة: وإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأخيرة قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرى وَنَصَبَ الأُخْرى.
قال أبو عبد الله: وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عمر بن حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ عن عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كُلُّ فَقَارٍ. وَقَالَ ابن المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثهُ: كُلُّ فَقَارٍ.

---------------
(١) «المدونة» ١/ ٧٤.


الشرح:
تعليق أبي صالح عن الليث رواه الطبراني في أكبر معاجمه: ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنِي الليث، عن يزيد بن محمد القرشي ويزيد بن أبي حبيب، فذكره.
وأخرجه ابن خزيمة من حديث سهل بن سعد وأبي حميد وأبي أسيد الساعدي (١)، وفي لفظ عبد الحميد: وفيهم أبو قتادة (٢). واعترض ابن القطان فقال: أبو قتادة مات زمن علي، وسن محمد بن عمرو نقص من إدراك ذَلِكَ، وقد قيل في وفاة أبي قتادة: سنة أربع وخمسين ولم يصح (٣).
قُلْتُ: محمد بن عمرو سمع أبا قتادة كما صرح به ابن حبان في «ثقاته» (٤)، وما ضعفه في وفاته هو ما ذكره البخاري والترمذي وخلائق.
و(الفقار) بفتح الفاء وكسرها كما سلف، وصوب ابن قرقول الفتح، وقول أبي صالح عن الليث: كل قفار بتقديم القاف، كذا للأصيلي كما ذكره ابن قرقول، وعند ابن السكن بكسر الفاء ولغيرهما فتحها، وصححه ابن التين وقال: إنه الذي رويناه، قَالَ: ورواية أبي صالح: قفار، بسبق القاف وكسرها، وليس ببين، وإنما الفقار جمع فقر (٥)، وهي الفقار.

--------------
(١) رواه ابن خزيمة ١/ ٢٩٨ (٥٨٩) كتاب: الصلاة، باب: الاعتدال في الركوع والتجافي ووضع اليدين على الركبتين.
(٢) المصدر السابق رقم (٥٨٨).
(٣) «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢ (٤٦٢).
(٤) «ثقات ابن حبان» ٥/ ٣٦٨.
(٥) ضبطها الناسخ بإسكان القاف وفتحها وعلم على الكلمة (معًا) يعني: بالسكون والتحريك.



واختلف العلماء في صفة الجلوس في الصلاة، فذهب قوم إلى حديث ابن عمر وقالوا: سنة الجلوس في الصلاة كلها وبين السجدتين أن ينصب رجله اليمنى، ويثني اليسرى، ويقعد على وركه الأيسر حتىَّ يستوي قاعدًا. هذا قول مالك (١)، وروي عن النخعي وابن سيرين.
وذهب آخرون إلى حديث أبي حميد وقالوا: إنما القعود في آخر الصلاة، فكما قَالَ أهل المقالة الأولى لأن الجلسة الآخرة فيه متقاربة كما قَالَ ابن عمر، وأما الأولى فعلى الرجل اليسرى على ما في حديث أبي حميد، هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وعن أحمد: يفترش في الثانية ويتورك في آخر الرباعية (٢).
وذهب الثوري والكوفيون في الجلوس كله إلى الجلسة الأولى من حديث أبي حميد، وهو الافتراش (٣).
حجة الأولين قول ابن عمر: «إن ذَلِكَ سنة الصلاة». وهو مرفوع كما سلف.
وحجة الثانية حديث أبي حميد كما سلف ولم ينكر عليه، فدل عَلَى أنه السنة.
وحجة الثالثة حديث وائل بن حجر أنه - ﷺ - كان إِذَا جلس في الصلاة فرش رجله اليسرى ثمَّ قعد عليها (٤)، وجمع بعضهم بأن هذِه أحوال

---------------
(١) «المدونة» ١/ ٧٤، «التمهيد» ٣/ ٢٢٣.
(٢) انظر: «الأم» ١/ ٧٢، «اختلاف الفقهاء» ص ١٣٨، «البيان» ٢/ ٢٣٠، «لتحقيق» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، «المغني» ٢/ ٢٢٥.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٢، «المبسوط» ١/ ٢٤.
(٤) رواه أبو داود (٩٥٧)، والترمذي (٢٩٢).
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٧١٦، ٨٨٤).



جائزة كلها، وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقعدون متربعين في الصلاة، كما كان يفعل ابن عمر منهم ابن عباس وأنس، وفعله سالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد، وأجازه الحسن في النافلة (١)، وكرهه ابن مسعود وقال: لأن أصلي على رضفتين أحبُّ إلى من أن أتربع في الصلاة، وكرهه الحسن والحكم (٢)، وحكمه التفرقة بين الجلوس أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول بعضه حركة بخلاف الثاني، وليتوقر للدعاء، ولأن المسبوق إِذَا رآه علم في أي التشهدين هو.
قَالَ الشافعي: حديث أبي حميد صريح في التفرقة بينهما، وبقية الأحاديث مطلقة فيجب حملها عليه، فمن روى التورك أراد الآخر ومن روى الافتراش أراد الأول (٣).
وقول أبي حميد: (أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ -). فيه جواز ذَلِكَ للعالم ليؤكد ذَلِكَ عند سامعه لما في التعليم من الأجر.
وقوله: (كنت). يعني: فيما مضى وما يأتي، فيصف نفسه بالعناية لهذا الأمر وتحفظه عليه (٤).

------------------
(١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢ كتاب: الصلوات، باب: من رخصَّ في التربع في الصلاة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣ كتاب: الصلوات، باب: من كره التربع في الصلاة.
(٣) انظر: «المجموع» ٣/ ٤٣١.
(٤) جاء عند نهاية الباب في الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الستين، كتبه مؤلفه.



١٤٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَين وَلَمْ يَرْجِعْ
٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ -مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ -وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -. أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. [٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٢/ ٣٠٩]
ذكر فيه حديث الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ -أن عَبْدَ اللهِ ابن بُحَيْنَةَ- وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ولَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمَ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١) وترجم لَهُ عَقَبهُ باب: التشهد في الأولى وباب: إِذَا حنث ناسيًا من الأيمان والنذور (٢). وعند مسلم: وقال الليث، عن ابن شهاب: قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس.

-----------------
(١) رواه مسلم (٥٧٠) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، أبو داود (١٠٣٤)، والترمذي (٣٩١)، والنسائي ٣/ ٢٠٠١٩، وابن ماجه (١٢٠٧).
(٢) سيأتي برقم (٦٦٧٠).



قَالَ النووي في «شرح مسلم»: قوله: حليف بني عبد المطلب. كذا وقع في مسلم، والذي ذكره ابن سعد (١) وغيره أنه حليف بني المطلب بن عبد مناف (٢)، وكان جده حالف المطلب بن عبد مناف (٣). هذا كلامه، وكأنه اعتقد أن هذا ينصرف إلى ابن بحينة فذكر ما عند ابن سعد، وإنما ينصرف إلى الأعرج وهو الموصوف بولاء ابن عبد المطلب فليتأمل.
أما حكم الباب فأجمع فقهاء الأمصار: أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، والليث، وأبو ثور على أن التشهد الأول غير واجب (٤)، حاشى أحمد فإنه أوجبه (٥)، كذا قَالَ ابن القصار لكن وافقه إسحاق فيما حكاه ابن الأثير، ونقله ابن التين أيضًا عن الليث وأبي ثور، وفي «شرح الهداية» قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة وهو المختار والصحيح، وقيل: سنة. وهو أقيس لكنه خلاف ظاهر الرواية، وفي «المغني»: إن كانت الصلاة مغربًا أو رباعية فهما واجبان فيهما عَلَى إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث وإسحاق (٦)؛ لأنه - ﷺ - فعله وداوم عليه وأمر به.

----------------
(١) «الطبقات» ٤/ ٣٤٢.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله النووي صحيح وقد ذكر مثله أبو محمد الدمياطي والذي قاله المؤلف في الأعرج صحيح في نفسه لكن سند مسلم لا يساند أنه المنسوب الأعرج نمنعه عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن عبد الله بن بحينه الأزدي حليف بني عبد المطلب.
(٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ٥٩.
(٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٣، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٢، «التفريع» ١/ ٢٢٨، «التهذيب» ٢/ ١١٩، «المجموع» ٣/ ٤٢٩.
(٥) انظر: «الإفصاح» ٢/ ٢٩٩، «المغني» ٢/ ٢١٧، «الممتع» ١/ ٤٧٦.
(٦) «المغني» ٢/ ٢١٧.



وفي حديث ابن عباس بقوله: فقولوا: «التحيات لله» (١) وجبره بالسهو حين نسيه، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢).
وفي مسلم عن عائشة: وكان يقول في كل ركعتين التحية (٣).
وللنسائي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «إِذَا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات» الحديث (٤)، وحديث المسيء وحديث رفاعة السالف، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: من لم يتشهد فلا صلاة له (٥).
حجة الجمهور هذا الحديث، ولو كان واجبًا لرجع إليه حين سبح فيه ولم ينسب منابه سجود السهو لأنه لا ينوب عن الفرض، ألا ترى أنه لو نسي تكبيرة الإحرام أو سجدة لم ينسب عنها سجود السهو فثبت أنه غير واجب.
واعترض ابن التين فقال، عن أبي جعفر: ليس تأويل من لم ير التشهد الأول فرضًا بين؛ لأن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين (٦)؛ ولأن المسافر فرضه أن يجلس في الركعتين، وليس جعل الشارع السجود بدلًا منه مما يوجب زوال فرضيته. قَالَ: ولأن من تعمد ترك الجلوس تبطل صلاته، كذا ادعى، وفيه أيضًا أن الجلسة الأولى سنة

-------------
(١) رواه مسلم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة.
(٢) سبق برقم (٦٣١).
(٣) رواه مسلم (٤٩٨) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه.
(٤) رواه النسائي ٢/ ٢٣٨ كتاب: الافتتاح، باب: كيف التشهد الأول.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٥ (٨٧١٣) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل ينسى التشهد.
(٦) سبق رقم (٣٥٠) كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء.



لأن سجوده - ﷺ - للسهو نائب عن التشهد، وعن الجلوس، فدل أن الجلوس فيها كالتشهد، وحكم السهو يأتي في موضعه إن شاء الله.

١٤٧ - باب التَّشَهُّدِ فِي الأُولَى.
٨٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. [انظر: ٨٢٩ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٢/ ٣١٠]
ذكر فيه حديث ابن بحينة السالف في الباب المذكور.


١٤٨ - باب التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَ
٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». [٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح: ٢/ ٣١١]
ذكر فيه حديث عبد الله قال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَا: السَّلَامُ على الله قبل عباده، السلام عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لله صَالِحِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١)، وهو أشدها صحة باتفاق المحدثين.
وأخرجه البخاري في مواضع جمة منها غير ما في الصلاة:

------------
(١) رواه مسلم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* موقف الشرق والغرب من الاختلاط
* مهارات كتابة بحث متميز- كيف تكتب مقدمة البحث العلمي
* اللغة العربية.. ومعالم النهضة السلفية
* تجديد الخِطاب الديني بيْن المقبول والمردود
* من فساد وسائل الإعلام تعويد الناس على رؤية المنكرات
* الدعاء بالأسماء الحسنى
* كـيف نفهـم الواقـع؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009