استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-19-2026, 04:07 PM   #19

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (19)

صــ97 إلى صــ 102

وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ أَخٍ فَقِيرٍ ، فَخَطَبَ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ ، فَأَبَى ، فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ عَمِّي ، وَلَآَخُذَنَّ مَالَهُ وَلَأَنْكِحَنَّ ابْنَتَهُ ، وَلَآَكُلَنَّ دِيَتَهُ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ قَدِمَ تُجَّارٌ فِي بَعْضِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَانْطَلِقْ مَعِي فَخُذْ لِي مِنْ تِجَارَتِهِمْ لَعَلِّي أُصِيبُ فِيهَا رِبْحًا ، فَخَرَجَ مَعَهُ ، فَلَمَّا بَلَغَا ذَلِكَ السَّبْطُ ، قَتَلَهُ الْفَتَى ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ، جَاءَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ عَمَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ ، فَإِذَا بِذَلِكَ السَّبْطِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ ، فَأَمْسَكَهُمْ وَقَالَ: قَتَلْتُمْ عَمِّي وَجَعَلَ يَبْكِي [ ص: 97 ] وَيُنَادِي: وَاعَمَّاهُ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَالَّذِي سَأَلَ مُوسَى أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْبَيَانَ: الْقَاتِلُ . وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ الْقَوْمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلُوا مُوسَى ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بِقَرَةٍ ، قَالُوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ ، وَالْكِسَائِيُّ: هُزُؤًا ، بِضَمِّ الْهَاءِ وَالزَّايِ وَالْهَمْزَةِ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَإِسْمَاعِيلُ ، وَخَلَفٌ فِي اخْتِيَارِهِ ، وَالْفَرَّاءُ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، وَالْمُفَضَّلِ: هُزْءًا ، بِإِسْكَانِ الزَّايِ . وَرَوَاهُ حَفْصٌ بِالضَّمِّ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ ، وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ أَوَّلُهُ مَضْمُومٌ ، فَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُثَقِّلُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَفِّفُهُ ، نَحْوُ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ .

وَإِنَّمَا انْتَفَى مِنَ الْهَزْءِ ، لِأَنَّ الْهَازِئَ جَاهِلٌ لَاعِبٌ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ الزَّجَّاجُ: وَإِنَّمَا سَأَلُوا: مَا هِيَ ، لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ بَقَرَةً يُحْيَا بِضَرْبِ بَعْضِهَا مَيِّتٌ .

فَأَمَّا الْفَارِضُ فَهِيَ: الْمُسِنَّةُ ، يُقَالُ: فَرَضَتِ الْبَقَرَةُ فَهِيَ فَارِضٌ: إِذَا أَسَنَّتْ . وَالْبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدُ ، وَالْعَوَانُ: دُونَ الْمُسِنَّةِ ، وَفَوْقَ الصَّغِيرِ . يُقَالُ: حَرْبٌ عَوَانٌ: إِذَا لَمْ تَكُنْ أَوَّلَ حَرْبٍ ، وَكَانَتْ ثَانِيَةً .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنَّ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ .

فِي الصَّفْرَاءِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الصُّفْرَةِ ، وَهُوَ اللَّوْنُ الْمَعْرُوفُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا السَّوْدَاءُ ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَرَدَّهُ جَمَاعَةٌ ، فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذَا غَلَطٌ فِي نُعُوتِ الْبَقَرِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي نُعُوتِ الْإِبِلِ ، يُقَالُ: بَعِيرٌ أَصْفَرُ ، أَيْ: أَسْوَدُ ، لِأَنَّ السَّوْدَاءَ مِنَ الْإِبِلِ يَشُوبُ سَوَادَهَا صُفْرَةٌ ، [ ص: 98 ] وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاقِعٌ لَوْنُهَا وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ: أَسْوَدُ فَاقِعٌ ، وَإِنَّمَا تَقُولُ: أَسْوَدُ حَالِكٌ ، وَأَصْفَرُ فَاقِعٌ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَفَاقِعٌ نَعْتٌ لِلْأَصْفَرِ الشَّدِيدِ الصُّفْرَةِ ، يُقَالُ: أَصْفَرُ فَاقِعٌ ، وَأَحْمَرُ قَانِئٌ ، وَأَخْضَرُ نَاضِرٌ ، وَأَبْيَضُ يَقَقٌ ، وَأَسْوَدُ حَالِكٌ ، وَحُلْكُوكٌ وَدَجْوَجِيٌّ ، فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْأَلْوَانِ .

وَمَعْنَى تَسُرُّ النَّاظِرِينَ تُعْجِبُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَدَّدَ الْقَوْمُ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَثْنُوا لَمْ يُعْطَوُا الَّذِي أُعْطُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهُمْ .

وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ .

وَفِي الْمُرَادِ بِاهْتِدَائِهِمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَرَادُوا: الْمُهْتَدُونَ إِلَى الْبَقَرَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَالثَّانِي: إِلَى الْقَاتِلِ ، ذَكَرَهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ قَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يُذِلْهَا الْعَمَلُ فَتُثِيرُ الْأَرْضَ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: فِي الدَّوَابِّ: دَابَّةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ بِكَسْرِ الذَّالِ ، وَفِي النَّاسِ: رَجُلٌ ذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُّلِّ بِضَمِّ الذَّالِ .

تُثِيرُ الأَرْضَ تُقَلِّبُهَا لِلزِّرَاعَةِ ، وَيُقَالُ لِلْبَقَرَةِ: الْمُثِيرَةُ . قَالَ الْفَرَّاءُ: تَقِفْنَ عَلَى ذَلُولٍ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيرُ الْأَرْضَ ، وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَا حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيَّ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى ذَلُولٍ ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ جِدًّا ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ الَّتِي تُثِيرُ الْأَرْضَ يُعْدَمُ مِنْهَا سَقْيُ الْحَرْثِ; وَمَتَى أَثَارَتِ الْأَرْضَ كَانَتْ ذَلُولًا . وَمَعْنَى: وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ: لَا يَسْتَقِي عَلَيْهَا الْمَاءَ لِسَقْيِ الزَّرْعِ .

[ ص: 99 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: مُسَلَّمَةٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهُمَا: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: مُسْلَّمَةٌ مِنَ الْعَمَلِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالثَّالِثُ: مُسْلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَالرَّابِعُ: مُسَلَّمَةُ الْقَوَائِمِ وَالْخَلْقِ ، قَالَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ .

فَأَمَّا الشِّيَةُ ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْوَشْيُ فِي اللُّغَةِ: خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ . وَيُقَالُ: وَشِيتَ الثَّوْبُ أُشِيهِ شِيةً وَوَشْيًا ، كَقَوْلِكَ: وُدَيْتُ فُلَانًا أَدِيهِ دِيَةً . وَنُصِبَ: شِيَةَ فِيهَا ، عَلَى النَّفْيِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ: لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ يُفَارِقُ سَائِرَ لَوْنِهَا . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَسَانِيُّ: لَوْنُهَا لَوْنٌ وَاحِدٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْآَنَ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ ، وَهُوَ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ ، حَدُّ الْمَاضِي مِنْ آَخِرِهِ ، وَحَدُّ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَمَعْنَى جِئْتَ بِالْحَقِّ بَيَّنْتَ لَنَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا ، قَالَهُ ابْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ . وَالثَّانِي: لِخَوْفِ الْفَضِيحَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ الْقَاتِلِ مِنْهُمْ ، قَالَهُ وَهْبٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَكَثُوا يَطْلُبُونَ الْبَقَرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى وَجَدُوهَا عِنْدَ رِجُلٍ ، فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهَا إِلَّا بِمَلْءِ مَسْكِهَا ذَهَبًا ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعُبَيْدَةَ ، وَوَهْبٍ ، وَابْنِ زَيْدٍ ، وَالْكَلْبِيِّ ، وَمُقَاتِلٍ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ . فَأَمَّا السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ غَلَا ثَمَنُهَا ، فَيُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَالثَّانِي: لِإِكْرَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَهَا ، فَإِنْ كَانَ بَرًّا بِوَالِدَيْهِ . فَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ كَانَ شَابٌّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَرًّا بِأَبِيهِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سِلْعَةً هِيَ عِنْدَهُ ، فَانْطَلَقَ لِيَبِيعَهُ إِيَّاهَا ، فَإِذَا مَفَاتِيحُ حَانُوتِهِ مَعَ أَبِيهِ ، وَأَبُوهُ نَائِمٌ ، فَلَمْ يُوقِظْهُ ، وَرَدَّ الْمُشْتَرِي ، فَأَضْعَفَ لَهُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ ، فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا ، فَعَادَ إِلَى الْمُشْتَرِي فَرَدَّهُ ، فَأَضْعَفَ لَهُ الثَّمَنَ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهَمَا حَتَّى ذَهَبَ الْمُشْتَرِي ، فَأَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى بِرِّهِ بِأَبِيهِ أَنْ نَتَجَتْ لَهُ بَقَرَةً مِنْ بَقَرَةٍ ، تِلْكَ الْبَقَرَةُ .

[ ص: 100 ] وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّ فَتًى كَانَ بَرًّا بِوَالِدَيْهِ ، وَكَانَ يَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ ، فَإِذَا بَاعَهُ تَصَدَّقَ بِثُلْثِهِ ، وَأَعْطَى أَمَّهُ ثُلْثَهُ ، وَأَبْقَى لِنَفْسِهِ ثُلْثَهُ ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ يَوْمًا: إِنِّي وَرِثْتُ مِنْ أَبِيكَ بَقَرَةٍ ، فَتَرَكْتُهَا فِي الْبَقَرِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ، فَإِذَا أَتَيْتَ الْبَقَرَ ، فَادْعُهَا بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ ، فَذَهَبَ فَصَاحَ بِهَا ، فَأَقْبَلَتْ ، فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ ، فَقَالَتِ: ارْكَبْنِي يَا فَتَى ، فَقَالَ [الْفَتَى: إِنَّ أُمِّي ] لَمْ تَأْمُرْنِي بِهَذَا . فَقَالَتْ: أَيُّهَا الْبَرُّ بِأُمِّهِ! لَوْ رَكِبْتَنِي لَمْ تَقْدِرْ عَلِيَّ ، فَانْطَلَقَ ، فَلَوْ أَمَرَتُ الْجَبَلَ أَنْ يَنْقَلِعَ مِنْ أَصْلِهِ [وَيَنْطَلِقَ مَعَكَ ] لَانْقَلَعَ لِبِرِّكَ بِأُمِّكَ . فَلَمَّا جَاءَ بِهَا قَالَتْ أُمُّهُ: بِعْهَا بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنِّي ، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلِكًا فَقَالَ: بِكُمْ هَذِهِ؟ قَالَ: بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنْ أُمِّي . قَالَ: لَكَ سِتَّةٌ وَلَا تَسْتَأْمِرْهَا ، فَأَبَى ، وَعَادَ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَهَا ، فَقَالَتْ: بِعْهَا بِسِتَّةٍ عَلَى رِضًى مِنِّي ، فَجَاءَ الْمَلِكُ فَقَالَ: خُذِ اثْنَيْ عَشَرَ وَتَسْتَأْمِرْهَا ، فَأَبَى ، وَعَادَ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَهَا ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ! ذَاكَ مَلِكٌ ، فَقُلْ لَهُ: بِكَمْ تَأْمُرُنِي أَنْ أَبِيعَهَا؟ فَجَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ: يَا فَتَى يَشْتَرِي بَقْرَتَكَ هَذِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لِقَتِيلٍ يُقْتَلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا هَذِهِ الْآَيَةُ مُؤَخَّرَةٌ فِي التِّلَاوَةِ ، مُقَدَّمَةٌ فِي الْمَعْنَى ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ قَتْلُ النَّفْسِ ، فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ، فَسَأَلْتُمْ مُوسَى فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا [ الْكَهْفِ: 1 ] أَرَادَ: أَنْزَلَ الْكِتَابَ قَيِّمًا ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ، فَأَخَّرَ الْمُقَدَّمَ وَقَدَّمَ الْمُؤَخَّرَ ، لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ . قَالَ الْفَرَزْدَقُ:


إِنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طَالَتْ فَلَيْسَ تَنَالُهَا الْأَوْعَالَا


أَرَادَ: طَالَتِ الْأَوْعَالُ . وَقَالَ جَرِيرٌ:


طَافَ الْخَيَالُ وَأَيْنَ مِنْكَ لِمَامًا فَارْجِعْ لِزَوْرِكَ بِالسَّلَامِ سَلَامًا
[ ص: 101 ] أَرَادَ: طَافَ الْخَيَالُ لِمَامًا ، وَأَيْنَ هُوَ مِنْكَ؟ وَقَالَ الْآَخَرُ:


خَيْرٌ مِنَ الْقَوْمِ الْعُصَاةُ أَمِيرُهُمْ يَا قَوْمِ فَاسْتَحْيُوا النِّسَاءَ الْجُلَّسِ


أَرَادَ: خَيْرٌ مِنَ الْقَوْمِ الْعُصَاةُ النِّسَاءَ فَاسْتَحْيَوْا مِنْ هَذَا .

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَادَّارَأْتُمْ : اخْتَلَفْتُمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: ادَّارَأْتُمْ ، بِمَعْنَى: تَدَارَأْتُمْ ، أَيْ: تَدَافَعْتُمْ ، وَأَلْقَى بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، تَقُولُ: دَرَأْتُ فُلَانًا: إِذَا دَفَعْتَهُ ، وَدَارَيْتَهُ: إِذَا لَايَنْتَهُ ، وَدَرَيْتَهُ إِذَا خَتَلْتَهُ ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ ، لِأَنَّهُمَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ ، فَأَمَّا الَّذِي كَتَمُوهُ; فَهُوَ أَمْرُ الْقَتِيلِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .

مَنْ قَالَ: أَقَامُوا فِي طَلَبِهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً; قَالَ: ضَرَبُوا قَبْرَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، قَالَ: ضَرَبُوا جِسْمَهُ قَبْلَ دَفْنِهِ . وَفِي الَّذِي ضَرَبَ بِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ ضَرَبَ بِالْعَظْمِ الَّذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: وَذَلِكَ الْعَظْمُ هُوَ أَصْلُ الْأُذُنِ ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يَكْسِرُ ذَلِكَ الْعَظْمَ مِنْ أَحَدٍ فَيَعِيشُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: الْغُضْرُوفُ فِي الْأُذُنِ ، وَهُوَ مَا أَشْبَهَ الْعَظْمَ الرَّقِيقَ مِنْ فَوْقِ الشَّحْمَةِ ، وَجَمِيعٌ أَعْلَى صَدَفَةِ الْأُذُنِ ، وَهُوَ مُعَلَّقُ الشُّنُوفِ ، فَأَمَّا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ خَلْفَ الْأُذُنِ النَّاتِئَانِ مِنْ مُؤَخَّرِ الْأُذُنِ ، فَيُقَالُ لَهُمَا: الْخَشَّاوَانِ ، وَأَحَدُهُمَا: خَشَّاءُ ، وَخُشُشَاءُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ ضَرَبَ بِالْفَخْذِ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ أَنَّهُ الْفَخْذُ الْأَيْمَنُ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْبِضْعَةُ الَّتِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ . رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ الذَّنَبُ ، رَوَاهُ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ [ ص: 102 ] . وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ عَجْبُ الذَّنَبِ ، وَهُوَ عَظَمٌ بُنِيَ عَلَيْهِ الْبَدَنُ ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .

وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ اللِّسَانُ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ .

وَفِي الْكَلَامِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَقُلْنَا: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا لِيَحْيَا ، فَضَرَبُوهُ فَيَحْيَ ، فَقَامَ فَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ .

وَفِي قَاتِلِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: بَنُو أَخِيهِ ، رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: ابْنَا عَمِّهِ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ . وَالثَّالِثُ: ابْنُ أَخِيهِ ، قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ وَعُبَيْدَةُ . وَالرَّابِعُ: أَخُوهُ ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى : فِيهِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خِطَابٌ لِقَوْمِ مُوسَى . وَالثَّانِي: لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ ، احْتَجَّ عَلَيْهِمْ إِذْ جَحَدُوا الْبَعْثَ بِمَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَآَيَاتُهُ: عَجَائِبُهُ .
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهِ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: قَسَتْ فِي اللُّغَةِ: غَلُظَتْ وَيَبِسَتْ وَعَسَتْ ، فَقَسْوَةُ الْقَلْبِ: ذِهَابُ اللِّينِ وَالرَّحْمَةِ وِالْخُشُوعِ مِنْهُ . وَالْقَاسِي: وَالْعَاسِي: الشَّدِيدُ الصَّلَابَةِ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَسَتْ وَعَسَتْ وَعَتَتْ وَاحِدٌ ، أَيْ: يَبِسَتْ .




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* غزوة: « بني قريظة »
* فاتحة الفتوحات، أو (غزوة بدر الكبرى)
* أبو بكر الصدِّيق ودوره في الدعوة الإسلامية
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* حقائق غائبة حول استشهاد الحسين "-" رضي الله عنه "-" وأحداث كربلاء

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-19-2026, 04:09 PM   #20

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (20)

صــ103 إلى صــ 108

وَفِي الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَالثَّانِي: الْقَاتِلُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ بَعْدَ أَنْ سَمَّى قَاتِلَهُ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ . وَفِي كَافِ "ذَلِكَ" ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، فَيَكُونُ الْخِطَابُ لِجَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَالثَّانِي: [ ص: 103 ] إِلَى كَلَامِ الْقَتِيلِ ، فَيَكُونُ الْخِطَابُ لِلْقَاتِلِ ، ذَكَرَهُمَا الْمُفَسِّرُونَ . وَالثَّالِثُ: إِلَى مَا شُرِحَ مِنَ الْآَيَاتِ مِنْ مَسْخِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، وَرَفْعِ الْجَبَلِ وَانْبِجَاسِ الْمَاءِ ، وَإِحْيَاءِ الْقَتِيلِ ، ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ .

وَفِي "أَوْ" أَقْوَالٌ ، هِيَ بِعَيْنِهَا مَذْكُورَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَصَيِّبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ حَجَرٍ يَنْفَجِرُ مِنْهُ الْمَاءُ ، وَيَنْشَقُّ عَنْ مَاءٍ ، أَوْ يَتَرَدَّى مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ ، فَمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآَيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَاصَّةً ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمُؤْمِنُونَ ، تَقْدِيرُهُ: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ تُصْدِّقُوا نَبِيَّكُمْ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمُ الْأَنْصَارُ ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَسْلَمُوا أَحَبُّوا إِسْلَامَ الْيَهُودِ لِلرَّضَاعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ ، ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَأَلِفُ "أَفَتَطْمَعُونَ" أَلِفُ اسْتِخْبَارٍ ، كَأَنَّهُ آَيَسَهُمْ مِنَ الطَّمَعِ فِي إِيمَانِهِمْ .

وَفِي سَمَاعِهِمْ لِكَلَامِ اللَّهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا التَّوْرَاةَ فَحَرَّفُوهَا ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ فِي آَخَرِينَ ، فَيَكُونُ سَمَاعُهُمْ لِكَلَامِ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ نَبِيِّهِمْ ، وَتَحْرِيفِهِمْ: تَغْيِيرُ مَا فِيهَا . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى ، فَسَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ كِفَاحًا عِنْدَ الْجَبَلِ ، فَلَمَّا جَاؤُوا إِلَى قَوْمِهِمْ قَالُوا: قَالَ لَنَا: كَذَا وَكَذَا ، وَقَالَ فِي آَخِرِ قَوْلِهِ: إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا تَرْكَ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ; فَافْعَلُوا مَا تَسْتَطِيعُونَ . هَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمُ التِّرْمِذِيُّ صَاحِبُ "النَّوَادِرِ" هَذَا الْقَوْلُ إِنْكَارٌ شَدِيدٌ ، وَقَالَ إِنَّمَا خَصَّ [ ص: 104 ] بِالْكَلَامِ مُوسَى وَحْدَهُ ، وَإِلَّا فَأَيُّ مِيزَةٍ؟! وَجَعَلَ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا الْكَلْبِيُّ وَكَانَ كَذَّابًا .

وَمَعْنَى (عَقَلُوهُ) سَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ .

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُمْ يَعْلَمُونَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوهُ . وَالثَّانِي: وَهُمْ يَعْلَمُونَ عِقَابَ تَحْرِيفِهِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ أَوَّلًا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ .

هَذِهِ الْآَيَةُ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ ، كَانُوا إِذَا لَقُوا النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ قَالُوا: آَمَنَّا ، وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، قَالُوا: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَسَانِيِّ ، وَابْنِ زَيْدٍ ، وَمُقَاتِلٍ .

وَفِي مَعْنَى بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، وَالْفَتْحُ: الْقَضَاءُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [ الْأَعْرَافِ: 89 ] قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ آَمَنُوا ثُمَّ نَافَقُوا ، فَكَانُوا يُحَدِّثُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا عُذِّبُوا بِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . [مِنَ الْعَذَابِ ، لِيَقُولُوا: نَحْنُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْكُمْ ، وَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْكُمْ ] . وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: بِمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ: الَّذِي فَتَحَهُ عَلَيْهِمْ: مَا أَنْزَلُهُ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ الْمُسْلِمُ يَلْقَى حَلِيفَهُ ، أَوْ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مِنَ الْيَهُودِ ، فَيَسْأَلُهُ: أَتَجِدُونَ مُحَمَّدًا فِي كِتَابِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ ، إِنَّهُ لَحَقٌّ . فَسَمِعَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَغَيْرُهُ ، فَقَالَ لِلْيَهُودِ فِي السِّرِّ: أَتُحَدِّثُونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، أَيْ: بِمَا بَيَّنَ لَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَمْرٍ مُحَمَّدٍ لِيُخَاصِمُوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ بِاعْتِرَافِكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَنَّ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؟! [ ص: 105 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: عِنْدَ رَبِّكُمْ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى: فِي حُكْمِ رَبِّكُمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [ النُّورِ: 13 ] . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ يَعْنِي: الْيَهُودَ . وَالْأُمِّيُّ: الَّذِي لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِالْأُمِّيِّ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ عَلَى خِلْقَةِ الْأُمَّةُ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّمِ الْكِتَابَ ، فَهُوَ عَلَى جِبِلَّتِهِ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي الرِّجَالِ كَانَتْ دُونَ النِّسَاءِ . وَقِيلَ: لِأَنَّهُ عَلَى مَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ قَالَ قَتَادَةُ: يَدْرُونَ مَا فِيهِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا أَمَانِيَّ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ عَلَى تَشْدِيدِ الْيَاءِ ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ ، وَكَذَلِكَ: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ [ الْبَقَرَةِ: 111 ] وَ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [ النِّسَاءِ: 123 ] فِي أُمْنِيَّتِهِ [ الْحَجِّ: 52 ] وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [ الْحَدِيدِ: 14 ] كُلُّهُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ "أَمَانِيِّهِمْ" . وَلَا بِخِلَافٍ فِي فَتْحِ يَاءِ "الْأَمَانِي" .

وَفِي مَعْنَى الْكَلَامِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْأَكَاذِيبُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا أَمَانِي: يُرِيدُ إِلَّا قَوْلًا يَقُولُونَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا . وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ . وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ قَالَ لِابْنِ دَأْبٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ: أَهَذَا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ ، أَمْ شَيْءٌ تَمَنَّيْتَهُ؟ يُرِيدُ: افْتَعَلْتَهُ؟ .

وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَمَانِيَّ: التِّلَاوَةُ ، فَمَعْنَاهُ: يَعْلَمُونَ فِقْهَ الْكِتَابِ ، إِنَّمَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مَا يَسْمَعُونَهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ . قَالَ الشَّاعِرُ:


تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رِسْلِ


وَهَذَا قَوْلُ الْكِسَائِيِّ وَالزَّجَّاجِ .

[ ص: 106 ] . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا أَمَانِيُّهُمْ عَلَى اللَّهِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ قَالَ مُقَاتِلٌ: لَيْسُوا عَلَى يَقِينٍ ، فَإِنْ كَذَبَ الرُّؤَسَاءُ أَوْ صَدَّقُوا ، تَابَعُوهُمْ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ

هَذِهِ الْآَيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ [الَّذِينَ ] بَدَّلُوا التَّوْرَاةَ وَغَيَّرُوا صِفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ وَسُفْيَانَ . فَأَمَّا الْوَيْلُ: فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، يَهْوِي الْكَافِرُ فِيهِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ" وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْوَيْلُ: كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ ، وَيَسْتَعْمِلُهَا هُوَ أَيْضًا . وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ: الْعَذَابُ ، وَالْهَلَاكُ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَيُقَالُ: مَعْنَى الْوَيْلِ الْمَشَقَّةُ مِنَ الْعَذَابِ . وَيُقَالُ: أَصْلُهُ: وَيْ لِفُلَانٍ ، أَيْ: حُزْنٌ لِفُلَانٍ ، فَكَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ لِلْحَرْفَيْنِ ، فَوَصَلَتِ اللَّامُ بِ "وَيْ" وَجُعِلَتْ حَرْفًا وَاحِدًا ، ثُمَّ خَبَّرَ عَنْ "وَيْلٍ" بِلَامٍ أُخْرَى ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ . وَالْكِتَابُ هَاهُنَا: التَّوْرَاةُ . وَذِكْرُ الْأَيْدِي تَوْكِيدٌ ، وَالثَّمَنُ الْقَلِيلُ: مَا يَفْنَى مِنَ الدُّنْيَا .

وَفِيمَا يَكْسِبُونَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَوَّضَ مَا كَتَبُوا . وَالثَّانِي: إِثْمُ مَا فَعَلُوا .
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهِ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً وَهْمُ: الْيَهُودُ . وَفِيمَا عَنَوْا بِهَذِهِ الْأَيَّامِ قَوْلَانِ .

[ ص: 107 ] أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ .

وَلِمَاذَا قَدَّرُوهَا بِأَرْبَعِينَ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ مَسِيرَةَ كُلِّ سَنَةٍ فِي يَوْمٍ ، ثُمَّ يَنْقَضِي الْعَذَابُ وَتَهْلَكُ النَّارُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: عَتَبَ عَلَيْنَا رَبُّنَا فِي أَمْرٍ ، فَأَقْسَمَ لِيُعَذِّبَنَا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ يُدْخِلَنَا الْجَنَّةَ ، فَلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا عَدَدُ الْأَيَّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيهَا الْعِجْلَ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَ الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَةِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَبْعَةَ آَلَافٍ ، سَنَةٍ وَالنَّاسُ يُعَذَّبُونَ لِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا أَيْ: عُهِدَ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ يُعَذِّبُكُمْ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَارَ؟!
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً : بَلَى: بِمَنْزِلَةِ "نَعَمْ" إِلَّا أَنَّ "بَلَى" جَوَابُ النَّفْيِ ، وَنَعَمْ ، جَوَابُ الْإِيجَابِ ، قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: مَا لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ ، فَقَالَ الْآَخَرُ: نَعَمْ ، كَانَ تَصْدِيقًا أَنَّ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ . وَلَوْ قَالَ: بَلَى; كَانَ رَدًّا لِقَوْلِهِ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَإِنَّمَا صَارَتْ "بَلَى" تَتَّصِلُ بِالْجَحْدِ ، لِأَنَّهَا رُجُوعٌ عَنِ الْجَحْدِ إِلَى التَّحْقِيقِ ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ "بَلْ" وَ"بَلْ" سَبِيلُهَا أَنْ تَأْتِيَ بَعْدَ الْجَحْدِ ، كَقَوْلِهِمْ: مَا قَامَ أَخُوكَ ، بَلْ أَبُوكَ . وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَلَا تَقُومُ؟ فَقَالَ لَهُ: بَلَى; أَرَادَ: بَلْ أَقُومُ ، فَزَادَ الْأَلِفَ عَلَى "بَلْ" لِيَحْسُنَ السُّكُوتُ عَلَيْهَا ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بَلْ; كَانَ يَتَوَقَّعُ كَلَامًا بَعْدَ بَلْ ، فَزَادَ الْأَلِفَ لِيَزُولَ هَذَا التَّوَهُّمُ عَنِ الْمُخَاطَبِ . [ ص: 108 ] وَمَعْنَى: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً : بَلْ مَنَ كَسَبَ . قَالَ الزَّجَّاجُ: بَلَى: رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً وَالسَّيِّئَةُ هَاهُنَا: الشِّرْكُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُقَاتِلٍ .

وَأَحَاطَتْ بِهِ أَيْ: أَحْدَقَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ . وَقَرَأَ نَافِعٌ "خَطِيئَاتُهُ" بِالْجَمْعِ . قَالَ عِكْرِمَةُ: مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا ، وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: الْخَطِيئَةُ: صِفَةٌ لِلشِّرْكِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَحَاطَتْ بِحَسَنَتِهِ خَطِيئَتُهُ ، أَيْ: أَحْبَطَتْهَا ، مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْمُحِيطَ أَكْثَرُ مِنَ الْمُحَاطِ بِهِ ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [ التَّوْبَةِ: 49 ] وَقَوْلُهُ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [ الْكَهْفِ: 29 ] أَوْ يَكُونُ مَعْنَى أَحَاطَتْ بِهِ: أَهْلَكَتْهُ ، كَقَوْلِهِ: إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [ يُوسُفَ: 66 ] .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَذَا الْمِيثَاقُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: تَعْبُدُونَ وَقَرَأَ عَاصِمٌ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ: بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ لَهُمْ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: بِالْيَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أَيْ: وَوَصَّيْنَاهُمْ بِآَبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ خَيْرًا . قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أُوصِيكَ بِهِ خَيْرًا ، وَآَمُرُكَ بِهِ خَيْرًا وَالْمَعْنَى: آَمُرُكَ أَنْ تَفْعَلَ بِهِ ، ثُمَّ تُحْذَفُ "أَنْ" فَيُوصَلُ الْخَيْرُ ، بِالْوَصِيَّةِ وَالْأَمْرِ . قَالَ الشَّاعِرُ


عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونَا وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينَا

خَيْرًا بِهَا كَأَنَّنَا جَافَوْنَا


وَأَمَّا الْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ; فَهُوَ بِرُّهُمَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فَيُصِيبَهُمَا الْغُبَارُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا بَرَّ وَالِدَهُ مَنْ شَدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ . وَقَالَ عُرْوَةُ: لَا تَمْتَنِعْ عَنْ شَيْءٍ أَحَبَّاهُ .




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* غزوة: « بني قريظة »
* فاتحة الفتوحات، أو (غزوة بدر الكبرى)
* أبو بكر الصدِّيق ودوره في الدعوة الإسلامية
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* حقائق غائبة حول استشهاد الحسين "-" رضي الله عنه "-" وأحداث كربلاء

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2026, 08:58 PM   #21

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (21)

صــ109 إلى صــ 114


[ ص: 109 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذِي الْقُرْبَى أَيْ: وَوَصَّيْنَاهُمْ بِذِي الْقُرْبَى أَنْ يَصِلُوا أَرْحَامَهُمْ . وَأَمَّا الْيَتَامَى; فَجَمْعُ: يَتِيمٍ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْيُتْمُ فِي النَّاسِ ، مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَفِي غَيْرِ النَّاسِ: مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: قَالَ ثَعْلَبٌ: الْيُتْمُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِانْفِرَادُ . فَمَعْنَى صَبِيٍّ يَتِيمٍ: مُنْفَرِدٌ عَنْ أَبِيهِ . وَأَنْشَدْنَا


أَفَاطِمُ إِنِّي هَالِكٌ فَتَبِينِي وَلَا تَجْزَعِي كُلُّ النِّسَاءِ يَتِيمُ


قَالَ: يُرْوَى: يَتِيمٌ وَيَئِيمُ . فَمَنْ رَوَى يَتِيمَ بِالتَّاءِ; أَرَادَ: كُلُّ النِّسَاءِ ضَعِيفٌ مُنْفَرِدٌ . وَمَنْ رَوَى بِالْيَاءِ أَرَادَ: كُلُّ النِّسَاءِ يَمُوتُ عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَقَالَ: أَنْشَدَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:


ثَلَاثَةُ أَحْبَابٍ: فَحُبُّ عَلَاقَةٍ وَحُبُّ تَمَلَّاقٍ وَحُبٌّ هُوَ الْقَتْلُ


قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: زِدْنَا ، فَقَالَ: الْبَيْتُ يَتِيمٌ: أَيْ: مُنْفَرِدٌ . وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ ، قَالَ: إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ ، زَالَ عَنْهُ اسْمُهُ الْيُتْمُ . يُقَالُ: مِنْهُ يَتَمَ يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتْمًا . وَجَمْعُ الْيَتِيمِ: يَتَامَى ، وَأَيْتَامٌ . وَكُلُّ مُنْفَرِدٍ عِنْدَ الْعَرَبِ يَتِيمٌ وَيَتِيمَةٌ . قَالَ: وَقِيلَ: أَصْلُ الْيُتْمِ: الْغَفْلَةُ ، وَبِهِ سُمِّيَ الْيَتِيمُ ، لِأَنَّهُ يَتَغَافَلُ عَنْ بِرِّهِ . وَالْمَرْأَةُ تُدْعَى: يَتِيمَةٌ مَا لَمْ تُزَوَّجْ ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ زَالَ عَنْهَا اسْمُ الْيُتْمِ ، وَقِيلَ: لَا يَزُولُ عَنْهَا اسْمُ الْيُتْمِ أَبَدًا . وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الْيُتْمُ: الْإِبْطَاءُ ، وَمِنْهُ أُخِذَ الْيَتِيمُ ، لِأَنَّ الْبِرَّ يُبْطِئُ عَنْهُ . "وَالْمَسَاكِينَ": جَمْعُ مِسْكِينٍ ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ ، كَأَنَّ الْمِسْكِينَ قَدْ أَسْكَنَهُ الْفَقْرُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَنَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ: (حُسْنًا) بِضَمِّ الْحَاءِ وَالتَّخْفِيفِ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (حَسَنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالتَّثْقِيلِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ قَرَأَ "حَسَنًا" فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ لُغَةً فِي الْحُسْنِ ، كَالْبُخْلِ ، وَالْبَخَلِ ، وَالرُّشْدِ وَالرَّشَدِ . وَجَاءَ ذَلِكَ فِي الصِّفَةِ كَمَا جَاءَ فِي الِاسْمِ ، أَلَا تَرَاهُمْ قَالُوا: الْعَرَبُ وَالْعُرْبُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ مَصْدَرًا كَالْكُفْرِ وَالشُّكْرِ وَالشُّغْلِ ، وَحُذِفَ الْمُضَافُ مَعَهُ ، كَأَنَّهُ [ ص: 110 ] قَالَ قُولُوا قَوْلًا ذَا حَسَنٍ . وَمَنْ قَرَأَ (حَسَنًا) جَعَلَهُ صِفَةً ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: قُولُوا لِلنَّاسِ قَوْلًا حَسَنًا ، فَحُذِفَ الْمَوْصُوفَ .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِ بِهَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ . وَمَعْنَاهُ: اصْدُقُوا وَبَيِّنُوا صِفَةَ النَّبِيِّ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قُولُوا لِلنَّاسِ مَعْرُوفًا ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ : كَلِّمُوهُمْ بِمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَقُولُوا لَكُمْ . وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُسَاهَلَةُ الْكُفَّارِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ . فَعَلَى هَذَا; تَكُونُ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أَيْ: أَعْرَضْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ . وَفِيهِمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَوْلَّوْهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَاءُ مِنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ أَيْ: لَا يَسْفِكُ بَعْضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ ، وَلَا يُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دَارِهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالْعَهْدِ ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ ، فَالْإِقْرَارُ عَلَى هَذَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى سَلَفِهِمْ ، وَالشَّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى خَلَفِهِمْ . ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ أَيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفَاءَ الْأَوْسِ ، وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، فَكَانُوا يُقَاتِلُونَ فِي حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهَا النَّضِيرَ وَحُلَفَاءَهَا ، وَكَانَتْ [ ص: 111 ] النَّضِيرُ تُقَاتِلُ قُرَيْظَةَ وَحُلَفَاءَهَا ، فَيَغْلِبُونَهُمْ وَيُخَرِّبُونَ الدِّيَارَ وَيُخْرِجُونَ مِنْهَا ، فَإِذَا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ ، فَتُعَيِّرُهُمُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ؟! فَيَقُولُونَ: أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ ، حَرُمَ عَلَيْنَا قَتْلُهُمْ . فَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أَنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفَاؤُنَا ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ:
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَكَانَ إِيمَانُهُمْ بِبَعْضِهِ: فِدَاءَهُمُ الْأَسَارَى ، وَكُفْرَهُمْ: قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: تَظَاهَرُونَ قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (تُظَاهِرُونَ) وَفِي (التَّحْرِيمِ) (تَظَاهَرَا) بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ مَعَ إِثْبَاتِ الْأَلِفِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ قَرَأَ (تُظَاهِرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ; أَدْغَمَ التَّاءَ فِي الظَّاءِ ، لِمُقَارَبَتِهَا لَهَا ، فَخَفَّفَ بِالْإِدْغَامِ . وَمَنْ قَرَأَ (تُظَاهِرُونَ) خَفِيفَةً; حَذَفَ التَّاءَ الَّتِي أَدْغَمَهَا أُولَئِكَ مِنَ اللَّفْظِ ، فَخَفَّفَ بِالْحَذْفِ . وَالتَّاءُ الَّتِي أَدْغَمَهَا ابْنُ كَثِيرٍ هِيَ الَّتِي حَذَفَهَا عَاصِمٌ . وَرَوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي جَعْفَرٍ (تَظَّهَرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ، فَالتَّظَاهُرُ: التَّعَاوُنُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَأَصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ ، فَكَأَنَّ التَّظَاهُرَ: أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ [أَوْ مِنَ الْقَوْمِ ] الْآَخَرِ ظَهْرًا لَهُ يَتَقَوَّى بِهِ ، وَيَسْتَنِدُ إِلَيْهِ . قَالَ مُقَاتِلٌ: وَالْإِثْمُ: الْمَعْصِيَةُ ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ أَصْلُ الْأَسْرِ: الشَّدُّ . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ (أَسَارَى) وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (أَسْرَى) قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَجْمَعُونَ الْأَسِيرَ "أَسَارَى" وَأَهْلُ نَجْدٍ أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ "أَسْرَى" وَهُوَ أَجْوَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: جَرِيحٌ وَجَرْحَى ، وَصَرِيعٌ وَصَرْعَى . وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: الْأَسَارَى: مَا شُدُّوا ، وَالْأَسْرَى: فِي أَيْدِيهِمْ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُشَدُّوا . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "فَعَلَى" جَمْعٍ لِكُلِّ مَا أُصِيبَ بِهِ النَّاسُ فِي أَبْدَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ . يُقَالُ: هَالِكٌ وَهَلْكَى ، وَمَرِيضٌ وَمَرْضَى ، وَأَحْمَقُ [ ص: 112 ] وَحَمْقَى ، وَسَكْرَانُ وَسَكْرَى ، فَمَنْ قَرَأَ: (أَسَارَى); فَهِيَ جَمْعُ الْجَمْعِ . تَقُولُ: أَسِيرٌ وَأَسْرَى وَأُسَارَى جَمْعُ أَسْرَى .

قَوْلُهُ تَعَالَى: تُفَادُوهُمْ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عُمَرَ ، وَابْنُ عَامِرٍ: (تَفْدُوهُمْ) وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَالْكِسَائِيُّ: (تُفَادُوهُمْ) بِأَلِفٍ . وَالْمُفَادَاةُ: إِعْطَاءُ شَيْءٍ وَأَخْذُ شَيْءٍ مَكَانَهُ .

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَهُوَ: فِكَاكُ الْأَسْرَى . وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وَهُوَ: الْإِخْرَاجُ وَالْقَتْلُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَفْدِيهِ فِي يَدِ غَيْرِكَ ، وَتَقْتُلُهُ أَنْتَ بِيَدِكَ . ؟!

وَفِي الْمُرَادِ بِالْخِزْيِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْجِزْيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وَنَفْيُ النَّضِيرِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَاعُوا الْآَخِرَةَ بِمَا يُصِيبُونَهُ مِنَ الدُّنْيَا .
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ يُرِيدُ التَّوْرَاةَ . وَقَفَّيْنَا: أَتْبَعْنَا . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَفَا . يُقَالُ: قَفَوْتُ الرَّجُلَ: إِذَا سِرْتُ فِي أَثَرِهِ . وَالْبَيِّنَاتُ: الْآَيَاتُ وَالْوَاضِحَاتُ كَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى . وَأَيَّدْنَاهُ: قَوَّيْنَاهُ . وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ .

وَفِي رُوحِ الْقُدُسِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ جِبْرِيلُ . وَالْقُدْسُ: الطَّهَارَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ ، فِي آَخَرِينَ . وَكَانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَأُ: (بِرُوحِ الْقُدْسِ) سَاكِنَةَ الدَّالِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ فِيهِ حَسَنَانِ ، نَحْوُ: الْعُنْقُ وَالْعُنُقُ ، وَالطُّنْبُ وَالطُّنُبُ .

وَفِي تَأْيِيدِهِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . ذَكَرَهَا الزَّجَّاجُ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَيَّدَ بِهِ ظَاهِرَ حُجَّتِهِ وَأَمْرَ دِينِهِ .

[ ص: 113 ] . وَالثَّانِي: لِدَفْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْهُ إِذْ أَرَادُوا قَتْلَهُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَيَّدَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى ، رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْإِنْجِيلُ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَقَرَأَ قَوْمٌ ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّهَا . قَالَ الزَّجَّاجُ: قَرَأَ: (غُلْفٌ) بِتَسْكِينِ اللَّامِ ، فَمَعْنَاهُ: ذَوَاتُ غُلْفٍ ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا فِي أَوْعِيَةٍ . وَمَنْ قَرَأَ (غُلُفٌ) بِضَمِّ اللَّامِ ، فَهُوَ جَمْعُ "غِلَافٍ" فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ ، فَمَا بِالُهَا لَا تَفْهَمُ وَهِيَ أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ؟! فَعَلَى الْأَوَّلِ ، يَقْصِدُونَ إِعْرَاضَهُ عَنْهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا نَفْهَمُ شَيْئًا وَعَلَى الثَّانِي: يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكَ حَقًّا لِقَبِلَتْهُ قُلُوبُنَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: فَقَلِيلٌ مَنْ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى قَلِيلٌ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ . قَالَ مُعَمَّرُ: يُؤْمِنُونَ بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَيَكْفُرُونَ بِأَكْثَرِهِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَعْنَى: فَمَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا . ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . وَقَالَ: هَذَا عَلَى لُغَةِ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ ، يَقُولُونَ: قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ ، وَهُمْ يُرِيدُونَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ . وَالرَّابِعُ: فَيُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مِنَ الزَّمَانِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمِنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَيْضًا . وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْمَعْنَى: فَإِيمَانُهُمْ قَلِيلٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . وَحَكَى فِي "مَا" قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا زَائِدَةٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا تَجْمَعُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ تَخُصُّ بَعْضَ مَا عَمَّتْهُ بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا .
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مِنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [ ص: 114 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَعْنِي: الْقُرْآَنَ . وَ"يَسْتَفْتِحُونَ": يَسْتَنْصِرُونَ . وَكَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا قَاتَلْتِ الْمُشْرِكِينَ اسْتَنْصَرُوا بِاسْمِ نَبِيِّ اللَّهِ ، مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِئْسَ: كَلِمَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ ، وَنَقِيضِهَا: "نِعْمَ" وَاشْتَرَوْا ، بِمَعْنَى: بَاعُوا . وَالَّذِي بَاعُوهَا بِهِ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْيًا) قَالَ قَتَادَةُ: حَسَدًا . وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَفَرُوا بَغْيًا ، لِأَنْ نَزَّلَ اللَّهُ الْفَضْلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) خَمْسَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْغَضَبَ الْأَوَّلَ لِاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ . وَالثَّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ . وَالثَّانِي: لِعَدَاوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ . رَوَاهُ شَهْرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَوَّلَ حِينَ قَالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ الْمَائِدَةِ: 64 ] . وَالثَّانِي: حِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ . رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ . وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ . وَالثَّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآَنِ . قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَبْدِيلِهِمُ التَّوْرَاةَ . وَالثَّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالْمَهِينُ: الْمُذِلُّ .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَعْنِي: الْقُرْآَنَ; قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا يَعْنُونَ: التَّوْرَاةَ .

وَفِي قَوْلِهِ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا سِوَاهُ . وَمِثْلُهُ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [ النِّسَاءِ: 24 ] قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: بِمَا بَعْدَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الْحَقُّ) يَعُودُ عَلَى مَا وَرَاءَهُ .




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* غزوة: « بني قريظة »
* فاتحة الفتوحات، أو (غزوة بدر الكبرى)
* أبو بكر الصدِّيق ودوره في الدعوة الإسلامية
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* حقائق غائبة حول استشهاد الحسين "-" رضي الله عنه "-" وأحداث كربلاء

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2026, 09:00 PM   #22

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (22)

صــ115 إلى صــ 120

فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ هَذَا جَوَابُ قَوْلِهِمْ: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ ، جَاءُوا بِتَأْيِيدِ التَّوْرَاةِ . وَإِنَّمَا نَسَبَ الْقَتْلَ إِلَى الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ الْمُتَقَدِّمِينَ . [ ص: 115 ] وَتَقْتُلُونَ بِمَعْنَى: قَتَلْتُمْ ، فَوَضَعَ الْمُسْتَقْبَلَ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي ، لِأَنَّ الْوَهْمَ لَا يَذْهَبُ إِلَى غَيْرِهِ . وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ:


شَهِدَ الْحَطِيئَةَ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فِيهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: مَا فِي الْأَلْوَاحِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: الْآَيَاتُ التِّسْعُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَفِي هَاءِ "بَعْدَهُ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى مُوسَى ، فَمَعْنَاهُ: مِنْ بَعْدِ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْمَجِيءِ ، لِأَنَّ "جَاءَكُمْ" يَدُلُّ عَلَى الْمَجِيءِ وَفِي ذِكْرِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا إِذَا نَظَرُوا إِلَى الْجَبَلِ ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى الْكِتَابِ; قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أَيْ: سُقُوا حُبَّ الْعِجْلِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ ، وَهُوَ الْحُبُّ ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [ الْبَقَرَةِ: 197 ] [أَيْ: وَقْتَ الْحَجِّ ] وَقَوْلُهُ: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ [ التَّوْبَةِ: 19 ] [أَيْ: أَجَعَلْتُمْ صَاحِبَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ ] . وَقَوْلُهُ: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ يُوسُفَ: 82 ] [أَيْ: أَهْلُهُا ] وَقَوْلُهُ: إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ [ الْإِسْرَاءِ: 75 ] . أَيْ: ضِعْفُ عَذَابِ الْحَيَاةِ . وَقَوْلُهُ: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ [ الْحَجِّ: 40 ] . أَيْ: بُيُوتُ صَلَوَاتٍ . وَقَوْلُهُ: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [ سَبَإِ: 30 ] . أَيْ: مَكْرُكُمْ فِيهِمَا . وَقَوْلُهُ: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ [ الْعَلَقِ: 17 ] أَيْ: أَهْلُهُ . [ ص: 116 ] وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:


أُنْبِئَتُ أَنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ الْمَجْلِسُ


أَيْ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ . وَقَالَ الْآَخَرُ


وَشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ بَيْنَ أَهْلِهِ


أَيْ: وَشَرُّ الْمَنَايَا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ بَيْنَ أَهْلِهِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ أَيْ: أَنْ تُكَذِّبُوا الْمُرْسَلِينَ ، وَتَقْتُلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَتَكْتُمُوا الْهُدَى .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فِي "إِنْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى: الْجَحْدِ ، فَالْمَعْنَى: مَا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِذْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ ، وَعَبَدْتُمُ الْعِجْلَ . وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ "إِنْ" شَرْطًا مُعَلَّقًا بِمَا قَبْلَهُ ، فَالْمَعْنَى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ; فَبِئْسَ الْإِيمَانُ إِيمَانٌ يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ كَانَتِ الْيَهُودُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقِ الْجَنَّةَ إِلَّا لِإِسْرَائِيلَ وَوَلَدِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى عِلْمِهِمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقٌ ، أَنَّهُمْ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ ، وَأَكْبَرُ الدَّلِيلِ عَلَى صِدْقِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ فَمَا تَمَنَّاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ . وَالَّذِي قَدَّمَتْهُ أَيْدِيهِمْ: قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَتَكْذِيبُهُمْ ، وَتَبْدِيلُ التَّوْرَاةِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) اللَّامُ: لَامُ الْقَسَمِ ، وَالنُّونُ تَوْكِيدٌ لَهُ ، وَالْمَعْنَى: وَلَتَجِدَنَّ الْيَهُودَ فِي حَالِ دُعَائِهِمْ إِلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ، وَأَحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا . وَفِي "الَّذِينَ أَشْرَكُوا" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْمَجُوسُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، [ ص: 117 ] وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: مُشْرِكُو الْعَرَبِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ مِنْ "أَحَدِهِمْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: تَرْجِعُ إِلَى الْيَهُودِ ، قَالَ مُقَاتِلٌ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ "أَلْفَ سَنَةٍ" لِأَنَّهَا نِهَايَةٌ مَا كَانَتِ الْمَجُوسُ تَدْعُو بِهَا لِمُلُوكِهَا ، كَانَ الْمَلِكُ يَحْيَا بِأَنْ يُقَالَ: لَهُ عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزَ ، وَأَلْفَ مَهْرَجَانَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا هُوَ) فِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الزَّجَّاجُ ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ أَحَدِهِمُ الَّذِي جَرَى ذِكْرُهُ ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا أَحَدُهُمْ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ تَعْمِيرُهُ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنَ التَّعْمِيرِ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَمَا تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ ، ثُمَّ جَعَلَ "أَنْ يُعَمَّرَ" مُبَيِّنًا عَنْهُ ، كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ الشَّيْءُ الدَّنِيءُ لَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ .
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَقْبَلَتِ الْيَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: مَنْ يَأْتِيكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ ، فَقَالُوا: ذَاكَ يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ ، ذَاكَ عَدُوُّنَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ وَالَّتِي تَلِيهَا .

وَفِي جِبْرِيلَ إِحْدَى عَشْرَةَ لُغَةً .

إِحْدَاهَا: جِبْرِيلُ ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو . قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:


وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعَهُمَا مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلَ
[ ص: 118 ] وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حَطَّانٍ:


وَالرُّوحُ جِبْرِيلُ فِيهِمْ لَا كَفَاءَ لَهُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونًا


وَقَالَ حَسَّانُ:


وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كَفَاءُ


وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةِ: جَبْرِيلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ عَلَى وَزْنِ: فَعْلِيلٍ ، وَبِهَا قَرَأَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا أَشْتَهِيهَا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْلِيلٌ ، وَلَا أَرَى الْحَسَنَ قَرَأَهَا إِلَّا وَهُوَ صَوَابٌ ، لِأَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ .

وَالثَّالِثَةُ: جَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ عَلَى وَزْنِ: جَبْرَعِيلَ ، وَبِهَا قَرَأَ ، الْأَعْمَشُ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ . قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هِيَ أَجْوَدُ اللُّغَاتِ ، وَقَالَ جَرِيرٌ:


عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ وَبَجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكَالَا


وَالرَّابِعَةُ: جَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ وَهَمْزَةٌ بَيْنَ الرَّاءِ وَاللَّامِ ، مَكْسُورَةٌ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ: جَبْرَعِلِ ، رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ .

وَالْخَامِسَةُ جَبْرَئِلُّ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبَانَ عَنْ عَاصِمٍ ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ .

وَالسَّادِسَةُ: جِبْرَائِيلُ ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ مَعَ الْأَلِفِ .

وَالسَّابِعَةُ: جِبْرَايِيلُ بِيَائَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ أَوَّلَهُمَا مَكْسُورَةٌ .

وَالثَّامِنَةُ: جَبْرِينُ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَنُونٍ مَكَانَ اللَّامِ .

وَالتَّاسِعَةُ: جِبْرِينُ ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبَنُونٍ ، قَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ لُغَةُ بَنِي أَسَدٍ . وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ قَالَ: فِي جِبْرِيلَ تِسْعُ لُغَاتٍ ، فَذَكَرَهُنَّ .

[ ص: 119 ] وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ "الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ" جِبْرَائِلَ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِثْبَاتٍ الْأَلِفِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لَيْسَ بَعْدَهَا يَاءٌ . وَجَبْرَئِينُ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ وَنُونٌ .

فَأَمَّا مِيكَائِيلُ ، فَفِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ .

إِحْدَاهُنَّ: مِيكَالُ ، مِثْلُ: مِفْعَالُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَبِهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ .

وَالثَّانِيَةُ: مِيكَائِيلَ بِإِثْبَاتِ يَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ ، مِثْلُ: مِيكَاعِيلُ ، وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ .

وَالثَّالِثَةُ: مِيكَائِلُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ ، مِثْلُ مِيكَاعِلُ ، وَبِهَا قَرَأَ نَافِعٌ ، وَابْنُ شَنَبُوذَ ، وَابْنُ الصَّبَاحِ ، جَمِيعًا عَنْ قُنْبُلٍ .

وَالرَّابِعَةُ: مِيكَئِلُ ، عَلَى وَزْنِ: مِيكَعِلُ ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ .

وَالْخَامِسَةُ: مِيكَائِينُ بِهَمْزَةٍ مَعَهَا يَاءٌ وَنُونٌ بَعْدَ الْأَلِفِ ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .

قَالَ الْكِسَائِيُّ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، اسْمَانِ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُمَا ، فَلَمَّا جَاءَا عَرَّبَتْهُمَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ "إِيلَ" اسْمُ اللَّهِ ، وَاسْمُ الْمَلِكِ ، "جَبْرَ" وَ"مِيكَا" . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنَى جِبْرِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ ، وَمَعْنَى مِيكَائِيلَ: عُبَيْدُ اللهِ ، وَقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فِي الْمَلَائِكَةِ ، لَكِنَّهُ أَعَادَ ذِكْرَهُمَا لِشَرَفِهِمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [ الرَّحْمَنِ: 68 ] . وَإِنَّمَا قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ وَلَمْ يَقُلْ: لَهُمْ ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَافِرُونَ بِهَذِهِ الْعَدَاوَةِ .
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ ص: 120 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا الْوَاوُ وَاوُ الْعَطْفِ ، أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَالْمُشَارُ إِلَيْهِمُ: الْيَهُودُ . وَقِيلَ: الْعَهْدُ الَّذِي عَاهَدُوهُ ، أَنَّهُمْ قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا الْعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَهُمْ ، فَنَقَضُوهَا ، كَفِعْلِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ . وَمَعْنَى نَبَذَهُ: رَفَضَهُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَعْنِي الْيَهُودَ . وَالْكِتَابُ: التَّوْرَاةُ .

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كِتَابَ اللَّهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: الْقُرْآَنُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ ، لِأَنَّ الْكَافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَبَذُوا التَّوْرَاةَ .
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينُ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْـزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ .

فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ عَنْ شَيْءٍ مِنَ التَّوْرَاةِ إِلَّا أَجَابَهُمْ ، فَسَأَلُوهُ عَنِ السِّحْرِ وَخَاصَمُوهُ بِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ سُلَيْمَانُ فِي الْقُرْآَنِ قَالَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةَ: أَلَا تَعْجَبُونَ لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أَنَّ ابْنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيًّا؟! وَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا سَاحِرًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ .

و"تَتْلُوَا" بِمَعْنَى: تَلَتْ ، وَ"عَلَى" بِمَعْنَى: فِي ، قَالَهُ الْمُبَرِّدُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَقَوْلُهُ: عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ أَيْ: عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ .

وَفِي كَيْفِيَّةِ مَا تَلَتِ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ .





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* غزوة: « بني قريظة »
* فاتحة الفتوحات، أو (غزوة بدر الكبرى)
* أبو بكر الصدِّيق ودوره في الدعوة الإسلامية
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* حقائق غائبة حول استشهاد الحسين "-" رضي الله عنه "-" وأحداث كربلاء

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2026, 09:02 PM   #23

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (23)

صــ121 إلى صــ 126


[ ص: 121 ] أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ عَنْ مُلْكِهِ; كَتَبَتِ الشَّيَاطِينُ السِّحْرَ ، وَدَفَنَتْهُ فِي مُصَلَّاهُ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ اسْتَخْرَجُوهُ ، وَقَالُوا: بِهَذَا كَانَ يَمْلِكُ الْمُلْكَ ، ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ .

وَالثَّانِي: أَنْ آَصَفَ كَانَ يَكْتُبُ مَا يَأْمُرُ بِهِ سُلَيْمَانُ ، وَيَدْفِنُهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ اسْتَخْرَجَتْهُ الشَّيَاطِينُ ، فَكَتَبُوا بَيْنَ كُلِّ سَطْرَيْنِ سِحْرًا وَكَذِبًا ، وَأَضَافُوهُ إِلَى سُلَيْمَانَ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَتَبَتِ السِّحْرَ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمَانَ ، ثُمَّ أَضَافَتْهُ إِلَيْهِ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ ابْتَدَعَتِ السِّحْرَ ، فَأَخَذَهُ سُلَيْمَانُ ، فَدَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ لِئَلَّا يَتَعَلَّمَهُ النَّاسُ ، فَلَمَّا قُبِضَ اسْتَخْرَجَتْهُ ، فَعَلَّمَتْهُ النَّاسَ وَقَالُوا: هَذَا عِلْمُ سُلَيْمَانَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ .

وَالْخَامِسُ: أَنَّ سُلَيْمَانَ أَخَذَ عُهُودَ الدَّوَابِّ ، فَكَانَتِ الدَّابَّةُ إِذَا أَصَابَتْ إِنْسَانًا طَلَبَ إِلَيْهَا بِذَلِكَ الْعَهْدِ ، فَتَخَلَّى عَنْهُ ، فَزَادَ السَّحَرَةُ السَّجْعَ وَالسِّحْرَ ، قَالَهُ أَبُو مِجْلَزٍ .

وَالسَّادِسُ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ ، فَتَسْمَعُ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْثٍ أَوْ أَمْرٍ ، فَيَأْتُونَ الْكَهَنَةَ فَيُخْبِرُونَهُمْ ، فَتُحَدِّثُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ ، فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا ، حَتَّى إِذَا أَمِنَتْهُمُ الْكَهَنَةُ كَذَبُوا لَهُمْ [وَأَدْخَلُوا فِيهِ غَيْرَهُ ] فَزَادُوا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ كَلِمَةً ، فَاكْتَتَبَ النَّاسُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي الْكُتُبِ ، وَفَشَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ الْجِنَّ تَعْلَمُ الْغَيْبَ ، فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ فِي النَّاسِ ، فَجَمَعَ تِلْكَ الْكُتُبَ فِي صُنْدُوقٍ ، ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا احْتَرَقَ [وَقَالَ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ ] ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ; جَاءَ شَيْطَانٌ إِلَى نَفَرٍ مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَدَلَّهُمْ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَضْبِطُ أَمْرَ الْخَلْقِ بِهَذَا ، فَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ سَاحِرًا ، وَاتَّخَذَ [ ص: 122 ] بَنُوا إِسْرَائِيلَ تِلْكَ الْكُتُبَ ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَاصَمُوهُ بِهَا ، هَذَا قَوْلُ السُّدِّيُّ .

وَسُلَيْمَانُ: اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ النَّابِغَةُ سَلِيمًا ضَرُورَةً ، فَقَالَ:


وَنَسَجَ سَلِيمُ كُلَّ قَضَاءٍ ذَائِلٍ


وَاضْطَرَّ الْحَطِيئَةُ فَجَعَلَهُ: سَلَامًا ، فَقَالَ:


فِيهِ الرِّمَاحُ وَفِيهِ كُلُّ سَابِغَةٍ جَدْلَاءُ مَحْكَمَةٌ مَنْ نَسْجَ سَلَامٍ


وَأَرَادَا جَمِيعًا: دَاوُدَ أَبَا سُلَيْمَانَ ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُمَا الشِّعْرُ ، فَجَعَلَاهُ: سُلَيْمَانَ وَغَيَّرَاهُ .

كَذَلِكَ قَرَأْتُهُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ . وَفِي قَوْلِهِ: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ دَلِيلٌ عَلَى كُفْرِ السَّاحِرِ ، لِأَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى السِّحْرِ ، لَا إِلَى الْكُفْرِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا .

وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَعَاصِمٌ بِتَشْدِيدِ نُونِ (وَلَكِنْ) وَنُصْبِ نُونِ (الشَّيَاطِينَ) . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْ (لَكِنْ) وَرَفْعِ نُونِ (الشَّيَاطِينَ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيُّ (الْمَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ أَصَحُّ .

وَفِي "مَا" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى "مَا" الْأُولَى ، فَتَقْدِيرُهُ" وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى السِّحْرِ ، فَتَقْدِيرُهُ: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ، وَيُعَلِّمُونَهُمْ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ السِّحْرُ نَزَلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ، فَلِمَاذَا كَرِهَ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ السَّرِيِّ ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ: مَا السِّحْرُ ، وَيَأْمُرَانِ بِاجْتِنَابِهِ ، وَفِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ; لِأَنَّ سَائِلًا لَوْ قَالَ: مَا الزِّنَا؟ لَوَجَبَ [ ص: 123 ] أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّاسَ بِالْمَلَكَيْنِ ، فَمَنْ قَبِلَ التَّعَلُّمَ كَانَ كَافِرًا ، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، كَمَا امْتُحِنَ بِنَهْرِ طَالُوتَ .

وَفِي الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ السِّحْرُ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ زَيْدٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، لَا السِّحْرُ ، رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالْقَوْلَيْنِ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا مِنْ بَابِ السِّحْرِ أَيْضًا .

الْإِشَارَةُ إِلَى قِصَّةِ الْمَلَكَيْنِ .

ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ إِنَّمَا أُنْزِلَا إِلَى الْأَرْضِ لِسَبَبٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَتْ خَطَايَا بَنِي آَدَمَ; دَعَتْ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ أُنْزِلَتِ الشَّهْوَةُ وَالشَّيَاطِينُ مِنْكُمْ مَنْزِلَتَهُمَا مِنْ بَنِي آَدَمَ ، لَفَعَلْتُمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا ، فَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ إِنِ ابْتُلُوا ، اعْتَصَمُوا ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ [ ص: 124 ] [أَنِ ] اخْتَارُوا مِنْ أَفْضَلِكُمْ مَلَكَيْنِ ، فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ . وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: مَاذَا فَعَلَا مِنَ الْمَعْصِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا زَنَيَا ، وَقَتَلَا ، وَشَرِبَا الْخَمْرَةَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا جَارَا فِي الْحُكْمِ ، قَالَهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا هُمَا بِالْمَعْصِيَةِ فَقَطْ . وَنُقِلَ عَنْ عَلَيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ الزُّهْرَةَ كَانْتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً ، وَأَنَّهَا خَاصَمَتْ إِلَى الْمَلَكَيْنِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ، فَرَاوَدَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهَا ، وَلَمْ يَعْلَمْ صَاحِبَهُ ، وَكَانَا يَصْعَدَانِ السَّمَاءَ آَخِرَ النَّهَارِ ، فَقَالَتْ لَهُمَا: بِمَ تَهْبِطَانِ وَتَصْعَدَانِ؟ قَالَا: بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ ، فَقَالَتْ: مَا أَمَّا بِمُوَاتِيَتِكُمَا إِلَى مَا تُرِيدَانِ حَتَّى تُعَلِّمَانِيهِ ، فَعَلَّمَاهَا إِيَّاهُ ، فَطَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَمَسَخَهَا اللَّهُ كَوْكَبًا .

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَعَنَ الزُّهْرَةَ ، وَقَالَ: إِنَّهَا فَتَنَتْ مَلَكَيْنِ" إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ ، هَذَا فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْكَوْكَبَ ، ذَكَرَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ ، [ ص: 125 ] لَا أَنَّ الْمَرْأَةَ مُسِخَتْ نَجْمًا .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ عَذَابِهِمَا; فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ بِشُعُورِهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ جُبًّا مُلِئَ نَارًا فَجُعِلَا فِيهِ .

فَأَمَّا بَابِلُ; فَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ أَلْسُنَ النَّاسِ تَبَلْبَلَتْ بِهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهَا: الْكُوفَةُ وَسَوَادُهَا ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مِنْ نَصِيبَيْنِ إِلَى رَأْسِ الْعَيْنِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا جَبَلٌ فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ أَيِ: اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ يُرِيدُ: بِقَضَائِهِ . وَلَقَدْ عَلِمُوا : إِشَارَةٌ إِلَى الْيَهُودِ لَمَنِ اشْتَرَاهُ يَعْنِي: اخْتَارَهُ ، يُرِيدُ: السِّحْرَ . وَاللَّامُ لَامُ الْيَمِينِ . فَأَمَّا الْخَلَاقُ; فَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ النَّصِيبُ وَالْوَافِرُ مِنَ الْخَيْرِ .

وَلَهُ تَعَالَى: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَيْ: بَاعُوهَا بِهِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْعِقَابَ فِيهِ .

[ ص: 126 ] فَصْلٌ

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ; فَمَذْهَبُ إِمَامِنَا أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ ، قَتَلَ بِهِ ، أَوْ لَمْ يَقْتُلْ ، وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ ، فَإِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ وَقَالَ: سِحْرِي يَقْتُلُ مِثْلَهُ ، وَتَعَمَّدْتَ ذَلِكَ ، قُتِلَ قَوْدًا . وَإِنْ قَالَ: قَدْ يَقْتُلُ ، قَدْ يُخْطِئُ ، لَمْ يَقْتُلْ ، وَفِيهِ الدِّيَةُ . فَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ عِنْدَ أَحْمَدَ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَيَقْتُلُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حُكْمُ سَاحِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ حُكْمُ سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي إِيجَابِ الْقَتْلِ ، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ السَّاحِرَةُ ، فَقَالَ: تُحْبَسُ ، وَلَا تُقْتَلُ .
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا يَعْنِي: الْيَهُودَ ، وَالْمَثُوبَةُ: الثَّوَابُ . لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ: يُعَلِّمُونَ بِعِلْمِهِمْ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِلَا تَنْوِينٍ ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّنْوِينِ ، "وَرَاعِنَا" بِلَا تَنْوِينٍ مِنْ رَاعَيْتُ ، وَبِالتَّنْوِينِ مِنَ الرُّعُونَةِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَاعِنَا بِالتَّنْوِينِ: هُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ [الرَّعْنِ ] وَالرُّعُونَةِ ، أَرَادَ: لَا تَقُولُوا جَهْلًا وَلَا حُمْقًا . وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ اسْتِنْصَاتَ صَاحِبِهِ ، قَالَ: أَرْعِنِي سَمْعَكَ ، فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ: رَاعِنَا ، يُرِيدُونَ: أَنْتَ أَرْعَنُ . وَقَوْلُهُ: (انْظُرْنَا) بِمَعْنَى: انْتَظِرْنَا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: انْظُرْنَا: اسْمَعْ مِنَّا ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تُعَجِّلْ عَلَيْنَا .
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مِنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ ، وَنَصَارَى نَجْرَانَ ، فَالْمُشْرِكُونَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ .

أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ أَيْ: عَلَى رَسُولِكُمْ . مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَرَادَ: النُّبُوَّةَ وَالْإِسْلَامَ .




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* غزوة: « بني قريظة »
* فاتحة الفتوحات، أو (غزوة بدر الكبرى)
* أبو بكر الصدِّيق ودوره في الدعوة الإسلامية
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* حقائق غائبة حول استشهاد الحسين "-" رضي الله عنه "-" وأحداث كربلاء

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2026, 09:04 PM   #24

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (24)

صــ127 إلى صــ 132


وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: أَرَادَ بِالْخَيْرِ: الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ وَالْحِكْمَةُ .

وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ

فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا النُّبُوَّةُ ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَمُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْإِسْلَامُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ .
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهَ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ .

سَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لَمَّا نُسِخَتِ الْقِبْلَةُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَحِلُّ لِأَصْحَابِهِ إِذَا شَاءَ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ إِذَا شَاءَ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ: إِبْطَالُ شَيْءٍ وَإِقَامَةُ آَخَرَ مَقَامِهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ: إِذَا أَذْهَبَتْهُ ، وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ ، وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا النَّسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: رَفْعُ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ . وَالثَّانِي: تَبْدِيلُ الْآَيَةِ بِغَيْرِهَا ، رُوِيَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ السُّدِّيُّ ، . وَالثَّانِي: قَوْلُ مُقَاتِلٍ . وَالثَّالِثُ: رَفْعُ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ ، رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (مَا نَنْسَخُ) بِضَمِّ النُّونِ ، وَكَسْرِ السِّينِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: أَيْ: مَا نَجِدُهُ مَنْسُوخًا كَقَوْلِكَ: أَحَمَدْتُ فُلَانًا ، أَيْ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا ، وَإِنَّمَا يَجِدُهُ مَنْسُوخًا بِنَسْخِهِ إِيَّاهُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ نُنْسِهَا) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (نَنَسْأَهَا) بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ [ ص: 128 ] الْهَمْزَةُ ، وَالْمَعْنَى نُؤَخِّرُهَا . قَالَ أَبُو زَيْدٍ: نَسَأَتِ الْإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ ، فَإِنْ أَنْسَأَهَا: إِذَا أَخَّرَتْهَا ، وَمِنْهُ: النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ . وَفِي مَعْنَى نُؤَخِّرُهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: نُؤَخِّرُهَا عَنِ النَّسْخِ فَلَا نَنْسَخُهَا ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: نُؤَخِّرُ إِنْزَالهَا ، فَلَا نَنْزِلُهَا الْبَتَّةَ . وَالثَّالِثُ: نُؤَخِّرُهَا عَنِ الْعَمَلِ بِهَا بِنَسْخِنَا إِيَّاهَا ، حَكَاهُمَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ . وَقَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: (تَنْسَهَا) بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَنُونٍ . وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالضَّحَّاكُ: (تَنْسَهَا) بِضَمِّ التَّاءِ . وَقَرَأَ نَافِعٌ: (أَوَنُنْسُهَا) بِنُونَيْنِ ، الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ، وَالثَّانَيَةُ سَاكِنَةٌ . أَرَادَ: أَوْ نُنْسِكَهَا ، مِنَ النِّسْيَانِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِاللِّينِ مِنْهَا ، وَأَيْسَرَ عَلَى النَّاسِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ مِثْلِهَا) أَيْ: فِي الثَّوَابِ وَالْمَنْفَعَةِ ، فَتَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي تَبْدِيلِهَا بِمِثْلِهَا الِاخْتِبَارَ . (أَلَمْ تَعْلَمْ) لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَمَعْنَاهُ التَّوْقِيفُ وَالتَّقْرِيرُ . وَالْمُلْكُ فِي اللُّغَةِ: تَمَامُ الْقُدْرَةِ وَاسْتِحْكَامُهَا ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَحْكُمُ بِمَا يَشَاءُ عَلَى عِبَادِهِ ، وَبِغَيْرِ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحْكَامٍ .
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ .

فِي سَبَبِ نُزُولِهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ رَافِعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ ، وَوَهْبَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ: ائْتِنَا بِكِتَابٍ نَقْرَؤُهُ تُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْنَا ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا حَتَّى نَتَّبِعَكَ ، فَنَزَلَتِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّ قُرَيْشًا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا ، فَقَالَ: "هُوَ لَكُمْ كَالْمَائِدَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [إِنْ كَفَرْتُمْ ] فَأَبَوْا" قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

[ ص: 129 ] . وَالثَّالِثُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَتْ كَفَّارَتُنَا كَكَفَّارَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ لَا نَبْغِيهَا ، مَا أَعْطَاكُمُ اللَّهُ ، خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَانُوا إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمُ الْخَطِيئَةُ; وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفَّارَتَهَا ، فَإِنَّ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الْآَخِرَةِ ، فَقَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَقَالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ] [ النِّسَاءِ: 110 ] . وَقَالَ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: وَاللَّهِ لَا أُؤْمِنُ بِكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . ذَكَرَهُ ابْنُ السَّائِبِ .

وَالْخَامِسُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا . وَقَالَ آَخَرُ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسِيرَ لَنَا جِبَالُ مَكَّةَ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ ، فِيهِ: مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: اعْلَمْ أَنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إِلَى النَّاسِ . وَقَالَ آَخَرُ: هَلَّا جِئْتَ بِكِتَابِكَ مُجْتَمِعًا ، كَمَا جَاءَ مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ .

وَفِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآَيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ قُرَيْشٍ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: الْيَهُودُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: جَمِيعُ الْعَرَبِ ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ . [ ص: 130 ] وَفِي "أَمْ" قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى: بَلْ ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَلْ لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ ، أَمْ أَنْتَ مَعْرُوفٌ بِالظُّلْمِ . يُرِيدُونَ: بَلْ أَنْتَ . وَأَنْشَدُوا:


بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى وَصُورَتَهَا أَمْ أَنْتَ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ


ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ .

وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ ، فَقَالَ: إِنَّمَا تَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ إِذَا كَانَتْ مَرْدُودَةً عَلَى اسْتِفْهَامٍ قَبْلَهَا ، فَأَيْنَ الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي تَقَدَّمَهَا؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهَا اسْتِفْهَامٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْأَلِفِ فِي: (أَلَمْ تَعْلَمْ) فَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَفْظُ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) يُنْبِئُ عَنِ الْوَاحِدِ ، وَ(تُرِيدُونَ) عَنْ جَمَاعَةٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ الْخِطَابُ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَى الْجَمْعِ ، لِأَنَّ مَا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ خُوطِبَتْ بِهِ أُمَّتُهُ ، فَاكْتَفَى بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ فِي الْمُخَاطَبَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ أَظْهَرَ الْمَعْنَى فِي الْمُخَاطَبَةِ الثَّانِيَةِ . وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطَّلَاقِ: 1 ] . ذَكَرَ هَذَا الْجَوَابَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . فَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي عَنْ (أَمْ); فَهُوَ أَنَّهَا لِلِاسْتِفْهَامِ ، وَلَيْسَتْ مَرْدُودَةً عَلَى شَيْءٍ . قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا تَوَسَّطَ الِاسْتِفْهَامُ الْكَلَامَ; ابْتُدِئَ بِالْأَلِفِ وَبِأَمْ ، وَإِذَا لَمْ يَسْبِقْهُ كَلَامٌ; لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِالْأَلِفِ أَوْ بِ"هَلْ" وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "أَمْ" جَارِيَةٌ مَجْرَى "هَلْ" غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا: أَنَّ "هَلْ" اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ ، لَا يَتَوَسَّطُ وَلَا يَتَأَخَّرُ ، وَ"أَمْ": اسْتِفْهَامٌ مُتَوَسِّطٌ ، لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ كَلَامٍ .

فَأَمَّا الرَّسُولُ هَاهُنَا; فَهُوَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالَّذِي سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلِ قَوْلُهُمْ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النِّسَاءِ: 153 ] . وَهَلْ سَأَلُوا ذَلِكَ نَبِيًّا أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ سَأَلُوا ذَلِكَ ، فَقَالُوا: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قُبَيْلًا ) [ الْإِسْرَاءِ: 92 ] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ بِالَغُوا فِي الْمَسَائِلِ ، [ ص: 131 ] فَقِيلَ لَهُمْ بِهَذِهِ الْآَيَةِ: لَعَلَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا مُحَمَّدًا أَنْ يُرِيَكُمُ اللَّهُ جَهْرَةً ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .

وَالْكُفْرُ: الْجُحُودُ . وَالْإِيمَانُ: التَّصْدِيقُ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْنَى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ . وَسَوَاءَ السَّبِيلِ: وَسْطُهُ .
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ ، وَأَبَا يَاسِرٍ كَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ يَهْجُوا النَّبِيَّ ، وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فِي شِعْرِهِ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ قَدِمَهَا ، فَأَمَرَ النَّبِيَّ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ دَعَوْا حُذَيْفَةَ وَعَمَّارًا إِلَى دِينِهِمْ ، فَأَبَيَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَمَعْنَى "وَدَّ" أَحَبَّ وَتَمَنَّى . وَأَهْلُ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مَوْصُولٌ: بِـ (وَدَّ كَثِيرٌ) ، لَا بِقَوْلِهِ: حَسَدًا لِأَنَّ حَسَدَ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، وَالْمَعْنَى مَوَدَّتُهُمْ لِكُفْرِكُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، لَا أَنَّهُ عِنْدَهُمُ الْحَقُّ . فَأَمَّا الْحَسَدُ ، فَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحَاسِدِ مِثْلُهَا ، وَتُفَارِقُهُ الْغِبْطَةُ ، فَإِنَّهَا تَمَنِّي مِثْلَهَا مِنْ غَيْرِ حُبِّ زَوَالِهَا عَنِ الْمَغْبُوطِ . وَحَدَّ بَعْضُهُمُ الْحَسَدَ فَقَالَ: هُوَ أَذًى يَلْحَقُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ بِحُسْنِ حَالِ الْأَخْيَارِ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاضِلُ حَسُودًا ، لِأَنَّ الْفَاضِلَ يَجْرِي عَلَى مَا هُوَ الْجَمِيلُ [ ص: 132 ] وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كُلُّ أَحَدٍ يُمْكِنُ أَنْ تُرْضِيهِ إِلَّا الْحَاسِدُ ، فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيهِ إِلَّا زَوَالُ نِعْمَتِكَ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنَ الْحَاسِدِ ، حُزْنٌ لَازِمٌ ، وَنَفَسٌ دَائِمٌ ، وَعَقْلٌ هَائِمٌ ، وَحَسْرَةٌ لَا تَنْقَضِي .

قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فِي النَّضِيرِ بِالْجَلَاءِ وَالنَّفْيِ ، وَفِي قُرَيْظَةَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ .

فَصْلٌ

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [ التَّوْبَةِ: 29 ] وَأَبَى هَذَا الْقَوْلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءُ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ إِلَى غَايَةٍ ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمَنْسُوخِ ، بَلْ يَكُونُ الْأَوَّلُ قَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ بِغَايَتِهِ ، وَالْآَخَرُ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمٍ آَخَرَ .
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَجِدُوهُ) أَيْ: تَجِدُوا ثَوَابَهُ .
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ .






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* غزوة: « بني قريظة »
* فاتحة الفتوحات، أو (غزوة بدر الكبرى)
* أبو بكر الصدِّيق ودوره في الدعوة الإسلامية
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* حقائق غائبة حول استشهاد الحسين "-" رضي الله عنه "-" وأحداث كربلاء

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
", لابو, متجدد, التَّفْسِيرِ", الجوزي, الْمَسِيرِ, القرآن, تفسير, زَادُ, عِلْمِ, فِي, ____
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 179 اليوم 10:34 PM
مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 70 اليوم 05:43 PM
"حيّ بن يقظان" .. مُلهم "ماوكلي" "كروزو" و"طرزان" ابو الوليد المسلم ملتقى اللغة العربية 0 01-01-2026 09:23 PM
الدلالة البيانية للفظي"الوالدان"و"الأبوان"في تعبير القرآن الكريم-د.صالح التركي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-14-2025 06:51 AM
فوائد من "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" لابن القيم امانى يسرى محمد ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 0 09-21-2025 07:10 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009