استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 05-22-2026, 10:54 PM   #247

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 161 الى صـــ 180
الحلقة (247)






بينهن؛ لما صح من صلاته قبل الظهر وغيرها ركعتين توفيقًا (١) بين الأدلة، ثم إنه دالٌّ على فضل الأربع إذا اتصلت وفعلت في هذا الوقت، ولا يدل على أن أكثر من الأربع لا يكون أفضل منها إذا كانت منفصلة؛ لأنه - ﷺ - قد يذكر فضل الشيء ويكون هناك ما لو قاله أو فعله لكان أفضل، ألا ترى أنه قَالَ: «اتقوا النار ولو بشق تمره» (٢) ولا شك أن رطل تمر أفضل منها، فنبه بذكره على أربع على أن الأكثر يكون أفضل، فلو صلى عشرين بتسليمة بين كل ركعتين كان أفضل من أربع متصلة.
وقد اختلف العلماء في التطوعات ليلًا ونهارًا، وقد أسلفناه فيما مضى في باب: ما جاء في الوتر، ومذهب ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأبي ثور: مثنى مثنى. وهو قول أبي يوسف ومحمد في صلاة الليل (٣)، وقال أبو حنيفة: أما صلاة الليل فإن شئت ركعتين وإن شئت أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا. وكره الزيادة على ذلك. قاله أبو حنيفة وتبعه صاحباه (٤).

------------------
وهو ضعيف بالاتفاق سيِّئ الحفظ.
وقال الحافظ: في إسناده عبيدة بن معتب، وهو ضعيف. «الدراية» ١/ ١٩٩.
وانظر: «صحيح أبي داود» (١١٥٣).
(١) دل على ذلك حديث سبق برقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة وقبلها.
(٢) سيأتي برقم (١٤١٧) كتاب: الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة.
(٣) انظر: «مختصر خلافيات البيهقي» ١/ ٢٢٣، «التمهيد» ٤/ ١٧٠ - ١٧١، «الحاوي الكبير» ٢/ ٢٨٨.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ٧٢.



فأما النهار فإن شئت ركعتين وإن شئت أربعًا. وكرهوا الزيادة على ذلك، احتج أبو حنيفة بحديث عائشة السالف: كان يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا (١). وأجيب عنه بأنه ليس فيه أن الأربع بسلام واحد، وإنما أرادت العدد في قولها: أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا. بدليل قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٢) وهذا يقتضي ركعتين ركعتين بسلام بينهما على ما سلف في باب: كيف صلاة الليل.
ورد الطحاوي على أبي حنيفة بحديث الزهري عن عروة عنها أنه كان يسلم بين كل اثنتين منهن. وقال: هذا الباب إنما يؤخذ من جهة التوقيف والاتباع لما فعله الشارع وأمر به وفعله أصحابه من بعده، فلم يجد عنه من فعله ولا من قوله أنه أباح أنه يصلي بالليل أكثر من ركعتين، وهذا أصح القولين عندنا (٣).
وأما صلاة النهار فالحجة فيه حديث أبي أيوب السالف، وقد سلف بيانه. وقال عبد الله: كان عبد الله يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم (٤). وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي بالليل ركعتين وبالنهار أربعًا (٥)، وما سلف أولى.

----------------
(١) سبق برقم (١١٤٧) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - هو بالليل في رمضان وغيره.
(٢) سبق برقم (٤٧٢) كتاب: الصلاة، باب: الحِلَق والجلوس في المسجد.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٦.
(٤) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٥.
(٥) السابق ١/ ٣٣٤.



٢٦ - باب الحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ
١١٦٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَبُو النَّضْرِ حدَّثنِي أبي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلاَّ اضْطَجَعَ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤، ٧٤٣ - فتح: ٣/ ٤٤]
ذكر فيه حديث عائشة السالف في باب: من تحدث بعد الركعتين
ولم يضطجع (١). وقد أسلفنا الكلام هناك، ومذاهب العلماء فيه.
وسفيان المذكور في إسناده هو ابن عيينة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني.

------------
(١) برقم (١١٦١) كتاب: التهجد.


٢٧ - باب تَعَاهُدِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهُمَا تَطَوُّعًا
١١٦٩ - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَىْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٣/ ٤٥]
ذكر فيه حديث عائشة:
لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
وأخرجه مسلم أيضًا (١)، ورواه حفص بن غياث عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة: ما رأيت رسول الله - ﷺ - يسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر، ولا إلى غنيمة ذكره الإسماعيلي، والعلماء متفقون على تأكد ركعتي الفجر إلا أنهم اختلفوا في تسميتها هل هي واجبة أو سنة، أو من الرغائب على أقوال سلفت في باب: المدوامة عليها. وإلى الوجوب ذهب الحسن البصري كما ذكره ابن أبي شيبة عنه (٢)، وإلى السنة ذهب الشافعي وأحمد وأشهب وإسحاق وأبو ثور (٣)، وأبى كثير منهم أن يسميها نافلة.
قَالَ مالك في «المختصر»: ليستا بسنة، وقد عمل بهما المسلمون ولا ينبغي تركهما.

------------
(١) «صحيح مسلم» (٧٢٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤٩ (٦٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في ركعتي الفجر.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٤.



وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: إنهما ليستا بسنة، وهما من الرغائب (١). ومعنى الرغائب: ما رغب فيه. واصطلاح المالكية فيه أوقفوا هذا اللفظ على ما تأكد من المندوب إليه وكانت له مزية على النوافل المطلقة، واختلفوا في السنن، فقال أشهب: إنها كل ما تقرر ولم يكن للمكلف الزيادة فيه بحكم التسمية المختصة به كالوتر. وعند مالك: أنها ما تكرر فعل الشارع له في الجماعات كالعيدين ونحوهما، فإن لم يكن فمن الرغائب.
حجة من أوجبها: قضاء الشارع لها في حديث الوادي (٢)، ولم يأت عنه أنه قضى شيئًا من السنن بعد خروج وقتها غيرهما، كذا قيل، لكن فاتته سنة الظهر بعدها فقضاها بعد العصر (٣)، وحجة من سنها: مواظبة الشارع عليها وشدة تعاهده لها أن النوافل تصير سننًا بذلك.
وحجة من لم يسمها سنة: حديث الباب جعلتهما من جملة النوافل، وقد روى ابن القاسم عن مالك أن ابن عمر: كان لا يركعهما في السفر (٤).
فرع: لا بد من تعيينها لأن لها وقتًا كالعيد.

------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٤، «المهذب» ١/ ٢٨٠، «المبدع» ٢/ ٣.
(٢) سبق برقم (٥٩٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت.
(٣) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (١٢٣٣) كتاب: السهو، باب: إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٤.



٢٨ - باب مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ
١١٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤، ٧٣٦ - فتح: ٣/ ٤٥]

١١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟! [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٣/ ٤٦]
ذكر فيه حديثين عن عائشة: أولهما:
كان يُصَلِّي من اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
ثانيهما:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عمته عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبحِ، حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟!
وأخرجه مسلم (١) أيضًا (٢). رواه عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني عن عائشة محمدُ بن عبد الرحمن بن أسعد بن

------------
(١) فوقها في الأصل تخريج من أبي داود والنسائي: (د. س).
(٢) مسلم برقم (٧٢٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر.
أبو داود (١٢٥٥)، النسائي ٢/ ١٥٦.



زرارة، كذا ذكره البخاري وغيره، وقيل: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن سعد. وقيل: ابن أسعد.
قَالَ المزي: هو ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن. قَالَ: وهو محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة (١)، قلت: فعلى هذا هو ابن ابن أخيها لا ابن أخيها، بيَّن ذلك الجياني، فقال: محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة وسعد أخو أسعد. قاله يحيى القطان، يروي عن عمته عمرة وغيرها، ثم قَالَ: هكذا أتى في هذا الحديث، وإنما هي عمة أبيه، فإنها عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة (٢). وكذا قَالَ أبو طاهر وابن عساكر: إنها عمة أبيه.
فمن قَالَ: محمد بن عبد الرحمن بن سعد. فقد نسبه إلى جده لأبيه، ومن قال: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد فإلى جده لأمه، وهذا روى عنه يحيى بن سعيد وشعبة وغيرهما، كان واليًا على المدينة زمن عمر بن عبد العزيز، مات سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ثقة وله أحاديث (٣)،

--------------
(١) «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٠٩ ترجمة (٥٣٩٩).
(٢) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني، ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة. فمن قال: محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة نسبه إلى جد لأبيه، ومن قال: محمد عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة نسبة إلى جده لأمه. وكان عاملَ عمر ابن عبد العزيز على المدينة فيما قال: يحيى بن أبي كثير وغيره.
ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: توفي سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ثقة، وله أحاديث.
وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، روى له الجماعة، «الطبقات الكبرى» [القسم المتمم] ص ٢٨٦ (١٧٥)، انظر «التاريخ الكبير» ١/ ١٤٨ =



وذكر أبو مسعود أن محمد بن عبد الرحمن هذا هو أبو الرجال، وأبو الرجال هو: محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان، ويقال: ابن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري، لقب بأبي الرجال؛ لأن له عشرة أولاد رجال (١)، وجده حارثة بدري، وسبب اشتباه ذلك على أبي مسعود أنه روى عن عمرة -وعمرة أمه- لكنه لم يرو عنها هذا الحديث؛ ولأنه روى عنه يحيى بن سعيد وشعبة. وقد نبه على ذلك الخطيب فقال في حديث محمد بن عبد الرحمن، عن عمته عمرة، عن عائشة في الركعتين بعد الفجر من قَالَ: في هذا الحديث عن شعبة، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، فقد وهم؛ لأن شعبة لم يرو عن أبي الرجال شيئًا، وكذلك من قَالَ: عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة.
وذكر الجياني أن محمد بن عبد الرحمن أربعة من تابعي أهل المدينة، أسماؤهم متقاربة، وطبقتهم واحدة (٢)، وحديثهم مخرج في

-----------------
= (٤٤٣)، وانظر: «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٦ (١٧١٤)، وانظر: «الثقات» ٧/ ٣٦٣، وانظر: «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٠٩ (٥٣٩٩).
(١) محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان أبو الرجال ويقال محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، أبو الرجال، المدني. كنيته أبو عبد الرحمن، وأبو الرجال لقبُ لُقّب به لولده، وكانوا عشرة رجال منهم: حارثة بن أبي الرجال، وعبد الرحمن بن أبي الرجال. وكان جده حارثة بن النعمان من أهل بدر، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال: أبو داود، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، انظر: «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٢٨٧ - ٢٨٨ (١٧٦) «التاريخ الكبير» ١/ ١٥٠ (٤٤٤)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٧ (١٧١٧)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٣٦٦، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٠٢ (٥٣٩٥).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في قوله: وطبقاتهم واحدة نظر؛ وذلك أن محمد بن =



الكتابين (١).
والأول: (محمد) (٢) بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر وأبي سلمة، روى عنه يحيى بن أبي كثير، وروى عن أمه عن عائشة، وروى عنه يحيى الأنصاري (٣)، وذكر ابن عساكر في حديث: «يقطع السارق» أن أبا مسعود الدمشقي ذكر أن يحيى بن أبي كثير رواه عن محمد بن عبد الرحمن -يعني: أبا الرجال- عن أمه عمرة عن عائشة. قَالَ ابن عساكر: وذكر حديث يحيى عن محمد بن عبد الرحمن هذا، هو ابن سعد بن زرارة، لا عن أبي الرجال. قَالَ: ورواه آخرون عن أبي إسماعيل القناد فقال: عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عمرة.
والثاني: (محمد) (٤) بن عبد الرحمن بن نوفل أبو الأسود يتيم عروة (٥).
الثالث: (محمد) (٦) بن عبد الرحمن يعني: ابن زرارة (٧).

----------------
= عبد الرحمن بن ثوبان والباقون من اتباع التابعين من طبقة الثلاثة، وهو محمد بن المغيرة بن أبي ذئب- مع الأربعة.
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٥.
(٢) فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشِيُّ العامري، مولاهم أبو عبد الله المدني، قال محمد بن سعد وأبو زُرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: هو من التابعين لا يُسأل عن مثله، وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات»، انظر: «الطبقات الكبرى»، و«الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٢ (١٦٩٧)، «الثقات» لابن حبان: ٥/ ٣٦٩، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٩٦ (٥٣٩٣).
(٤) فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٥) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٥.
(٦) فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٧) السابق.



والرابع: (محمد) (١) بن عبد الرحمن أبو الرجال (٢).
والمراد بالنداء الثاني؛ لأن الأول للتأهب.
إذا تقرر ذلك:
فاختلف العلماء في القراءة في ركعتي الفجر على أربعة مذاهب، حكاها الطحاوي:
أحدها: لا يقرأ فيهما.
ثانيها: يخفف، يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك كما سلف قبيل باب الضجعة.
ثالثها: يخفف، ولا بأس أن يقرأ مع أم القرآن سورة قصيرة، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول الشافعي، وروي عن إبراهيم النخعي (٣) ومجاهد أنه لا بأس أن يطيل القراءة فيهما، ذكره ابن أبي شيبة (٤).
رابعها: قَالَ أبو حنيفة: ربما قرأت فيهما حزبي من القرآن، وهو قول أصحابه، واحتج لهم الطحاوي فقال: لما كانت ركعتا الفجر من أشرف التطوع، كما سلف من أنهما خير من الدنيا وما فيها، كان الأولى أن يفعل فيها أشرف ما يفعل في التطوع من إطالة القراءة فيهما، وهو عندنا أفضل من التقصير؛ لأنه من طول القنوت الذي فضله الشارع في التطوع على غيره (٥).

-------------
(١) فوقها في الأصل: (خ، م، س، ق).
(٢) السابق ٢/ ٥٣٦.
(٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٠٠.
(٤) «المصنف» ٢/ ٥٢ (٦٣٥٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: لا بأس أن تطولا.
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٩٦ - ٣٠٠.



ومن قَالَ: لا قراءة فيهما. احتج بحديثي الباب، وجوابه رواية شعبة عن محمد بن عبد الرحمن: سمعت عمتي عمرة تحدث عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان إذا صلى الفجر صلى ركعتين، أقول يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، فهذا خلاف أحاديث عائشة الأخرى؛ لأنها أثبتت في هذا الحديث قراءة أم القرآن، فذلك حجة على من نفاها، وهو حجة أيضًا لمن قَالَ: يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة؛ لأنها مع الفجر من حيث الصورة كالرباعية، ومن سنة الرباعية أن تكون ركعتان منها بأم القرآن، وقد يجوز أن يقرأ فيهما بالفاتحة وغيرها، وتخفف القراءة حَتَّى يقال على التعجب من تخفيفه: هل يقرأ فيهما بالفاتحة؟
وحجة من قَالَ بسورة قصيرة معها ما رواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قَالَ: رمقت النبي - ﷺ - أربعًا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل صلاة الغداة، وفي الركعتين بعد المغرب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾.
وروى أبو وائل عن عبد الله مثله وقال: ما أحصي ما سمعت النبي - ﷺ - يقرأ بذلك. وبه كان يأخذ ابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة (١)، وقد روي مثله من حديث قتادة عن أنس، ومن حديث جابر عن رسول الله - ﷺ - في ركعتي الفجر خاصة (٢) وهي على أبي حنيفة، ومن جوز تطويل القراءة فيهما؛ لأنه لم يحفظ عنه خلافها، ولا قياس لأحد مع وجود السنة الثابتة، وقد ذكر لابن سيرين قول النخعي فقال: ما أدري ما هذا؟ وكان أصحاب ابن مسعود يأخذون في ذلك

--------------
(١) «المصنف» ٢/ ٥٠ (٦٣٣٨) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ به فيهما.
(٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٩٨.



بحديث ابن عمر وبحديث ابن مسعود في تخفيف القراءة (١)، وتخفيفهما -والله أعلم- لمزاحمة الإقامة؛ لأنه كان لا يصليهما في أكثر أحواله إلا حَتَّى يأتيه المؤذن للإقامة، وكان يغلس بصلاة الصبح (٢).
فرع:
يستحب عندنا أيضًا أن يقرأ فيهما بـ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] و﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] ثبت في «الصحيح» (٣) من حديث ابن عباس وفيه أيضًا من حديثه في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ..﴾ الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وروي أيضًا أنه قرأ في الأولى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢٨٥] وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ﴾ [آل عمران:٦٤] (٤).
فائدة:
في قولها: (ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين)، ظاهره أنهما في بيتها، وروى ابن حبيب: فعلهما في المسجد أحب إليَّ؛ لأنهما من السنن التي ينبغي إظهارها، ولذلك واظب الشارع عليها.

-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠ (٦٣٤٢).
(٢) دل عليه حديث سيأتي برقم (٥٦٠) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني «صحيح مسلم».
وهو عند مسلم (٧٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر، وابن خزيمة ٢/ ١٦٣ - ١٦٤ (١١١٥) كتاب: الصلاة، باب: ما يستحب قراءته في ركعتي الفجر.
(٤) رواه أحمد ١/ ٢٦٥.



٢٩ - باب التَّطَوُّعِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ
١١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَعْدَ العِشَاءِ فِي أَهْلِهِ. تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ. [انظر: ٩٣٧ - مسلم: ٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٣/ ٥٠]

١١٧٣ - وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهَا. تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَعْدَ العِشَاءِ فِي أَهْلِهِ. [انظر: ٦١٨ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ٣/ ٥٠]
ذكر فيه حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَبِيِّ - ﷺ - سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ. الحديث.
وقد سلف قريبًا في باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى (١)، تابعه كثير بن فرقد، وأيوب عن نافع. وقال ابن أبي الزناد: عن موسى بن عقبة، عن نافع: بعد العشاء في أهله. كذا هو ثابت في عدة نسخ، وكذا ذكره أبو نعيم في «مستخرجه»، ويقع في بعضها بعد قوله: فأما المغرب والعشاء ففي بيته. قَالَ ابن أبي الزناد: إلى آخره، تابعه كثير ابن فرقد وأيوب عن نافع.
وحديث أيوب أخرجه الترمذي (٢)، والمراد بسجدتين: ركعتان. عبر

------------
(١) برقم (١١٦٥) كتاب: التهجد.
(٢) «سنن الترمذي» (٤٣٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أنه يصليهما في البيت.



عن الركوع بالسجود، وهو يبين حديث الكسوف (ركعتين في سجدة) (١)، أي: في ركعة. على ما روته عائشة (٢).
وقوله: (ففي بيته). أي: في بيت حفصة، كذا ذكره الداودي، ولا تعارض بين حديثه هذا وحديثه السالف في باب: الصلاة بعد الجمعة (٣)، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حَتَّى ينصرف فيصلي ركعتين. فإن ظاهره أنه مخالف له للعشاء والجمعة، وقد أسلفنا ما يوضحه هناك.
وقوله: (كانت ساعة لا أدخل على النبي - ﷺ - فيها) هو من قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨]، وقيل: إن هذِه الآية للنساء خاصة.
أي: إن سبيل الرجال أن يستأذنوا في كل وقت، والنساء يستأذن في هذِه الأوقات خاصة، حكاه النحاس (٤). ثم تطوعه - ﷺ - بهذِه النوافل قبل الفرائض وبعدها؛ لأن أفضل الأوقات أوقات صلوات الفريضة.
وفيها تفتح أبواب السماء للدعاء، ويقبل العمل الصالح، فلذلك يحيها - ﷺ - بالنوافل، ولكن في حديث ابن عمر التنفل قبل العصر (٥).

-------------
(١) سلف برقم (١٠٥١)، كتاب: الكسوف، باب: طول السجود في الكسوف.
(٢) سيأتي برقم (١٠٦٤) كتاب: الكسوف، باب: الركعة الأولى في الكسوف أطول.
(٣) رقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة.
(٤) انظر: «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥ (٧٢٢ - ٧٢٣).
(٥) رواه أبو داود (١٢٧١) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل العصر، والترمذي (٤٣٠)، وأحمد ٢/ ١١٧، وابن حبان ٦/ ٢٠٦ (٢٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: النوافل، وابن خزيمة ٢/ ٢٠٦ (١١٩٣) كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل العصر أربعًا، قال الترمذي: غريب حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٥٤): حسن.



وقد روي عن عليٍّ أنه - ﷺ - كان يصلي قبلها أربع ركعات يفصل بينهما بسلام (١). وفي الترمذي: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا». استغربه، وصححه ابن حبان (٢).
وقد اختلف السلف في ذلك، فكان بعضهم يصلي أربعًا، وبعضهم ركعتين، وبعضهم لا يرى الصلاة قبلها، فممن كان يصلي أربعًا علي، وقد رواه (٣) كما سلف. وقال إبراهيم: كانوا يحبون أربعًا قبل العصر.
وممن كان يصلي ركعتين، روى سفيان وجرير، عن منصور، عن إبراهيم قَالَ: كانوا يركعون الركعتين قبل العصر ولا يرون أنها من السنة (٤).
وممن كان لا يصلي فيها شيئًا، روى قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يصلي قبل العصر شيئًا، وقتادة عن الحسن مثل ذلك (٥). وروى فُضيل، عن منصور، عن إبراهيم أنه رأى إنسانًا يصلي قبل العصر، فقال: إنما العصر أربع. والصواب عندنا -كما قال الطبري- أن الفصل في التنفل قبل العصر بأربع ركعات؛ لصحة الخبر بذلك عن علي، عن رسول الله - ﷺ - ثم ساقه من حديث عاصم بن ضمرة عن علي قَالَ: رأيت النبي - ﷺ - صلى أربع ركعات قبل العصر. وأما قول

-------------
(١) رواه الترمذي (٤٢٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل العصر، والبيهقي ٢/ ٤٧٣، كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل العصر أربع ركعات.
(٢) الترمذي (٤٣٠)، ابن حبان ٦/ ٢٠٦ (٢٤٥٣) وتقدم تخريجه قريبًا.
(٣) ورد بهامش الأصل: فاعل رواه علي.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٦٩ (٤٨٣٠٩) كتاب: الصلاة، باب: التطوع قبل الصلاة وبعدها.
(٥) رواه ابن أبي شيبة عن ابن عون عن الحسن ٢/ ٢٠ (٥٩٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في الركعتين قبل العصر.



ابن عمر: (فأما المغرب والعشاء في بيته). فقد اختلف في ذلك، فروى قوم من السلف منهم زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن عوف أنهما كانا يركعان الركعتين بعد المغرب في بيوتهم (١).
وقال العباس بن سهل بن سعد: لقد أدركت زمن عثمان وإنه ليسلم من المغرب فما أرى رجلًا واحدًا يصليهما في المسجد، كانوا يبتدرون أبواب المسجد يصلونها في بيوتهم (٢).
وقال ميمون بن مهران: كانوا يحبون الركعتين بعد المغرب، وكانوا يؤخرونها حَتَّى تشتبك النجوم (٣).
وروي عن طائفة أنهم كانوا يتنفلون النوافل كلها في بيوتهم دون المسجد. روي عن عبيدة أنه كان لا يصلي بعد الفريضة شيئًا حَتَّى يأتي أهله (٤).
وقال الأعمش: ما رأيته متطوعًا حياته في مسجد إلا مرة صلى بعد الظهر ركعتين، وكانت طائفة لا تتنفل إلا في المسجد، روى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي سُبحته مكانه (٥)، وكان أبو مجلز يصلي بين الظهر والعصر في المسجد الأعظم. وروى ابن القاسم عن مالك قال: التنفل في المسجد هو شأن الناس في النهار، وبالليل في بيوتهم (٦)، وهو قول الثوري، وحجة ذلك حديث حذيفة: صليت مع

---------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٣ (٦٣٧١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته.
(٢) المصدر السابق برقم (٦٣٧٣).
(٣) المصدر السابق برقم (٦٣٧٦) باب: من قال: يؤخر الركعتين بعد المغرب.
(٤) السابق ٢/ ٥٢ - ٥٣ (٦٣٦٧ - ٦٣٦٩) باب: من كان لا يتطوع في المسجد.
(٥) المصدر السابق رقم (٢٠١٥) باب: من رخص أن يتطوع مكانه.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٢٥، «البيان والتحصيل» ١/ ٢٦١.



رسول الله - ﷺ - العشاء الآخرة، ثم صلى حَتَّى لم يبق في المسجد أحد.
وعن سفيان بن جبير قَالَ: كان النبي - ﷺ - يصلي بعد المغرب ركعتين، ويصليهما حين ينصدع أهل المسجد، وإنما كره الصلاة في المسجد لئلا يرى جاهل عالمًا يصليها فيه فيراها فريضة، أو كراهة أن يخلي منزله من الصلاة فيه، أو حذرًا من الرياء، أو عارض من خطرات الشيطان، فإذا سلم من ذلك فإن الصلاة فيه حسنة، وقد بين بعضهم علة كراهة من كرهه: لا يرونكم الناس فيرون أنها سنة.
قَالَ الطبري: والذي يقول: إن حديث حذيفة، وسفيان بن جبير.
وقوله: «صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة» (١) هي صحاح كلها، لا يدفع شيءٌ منها شيئًا، وذلك نظير ما ثبت أنه - ﷺ - كان يعمل العمل؛ ليتأسى به فيه، ثم يعمل بخلافه في حال آخر؛ ليعلم بذلك من فعله أن أمره بذلك على وجه الندب، وأنه غير واجب العمل به (٢).

-----------
(١) سلف برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل.
(٢) بهامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد التسعين. كتبه مؤلفه غفر الله له.
آخره ١٠ وهو آخر الجزء ٤ من تجزئة المصنف.



٣٠ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ
١١٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَعَجَّلَ العِشَاءَ وَأَخَّرَ المَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ. [انظر: ٥٤٣ - مسلم: ٧٠٥ - فتح: ٣/ ٥١]
ذكر فيه حديث ابن عباس:
صَلَّيْتُ مَعَ النبي - ﷺ - ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَعَجَّلَ العِشَاءَ وَأَخَّرَ المَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وفي رواية للبخاري: قَالَ أيوب: لعله كان في ليلة مطيرة، قَالَ: عسى (٢).
قَالَ الداودي: وليس فيه أنه لم يصلِ قبل الظهر ولا بعد العشاء، ولا أنه صلى.
قَالَ مالك: أرى ذلك بعذر المطر (٣).
قلتُ: في مسلم: ولا مطر. وما قاله مالك في المطر مشهور مذهبه في غير المغرب والعشاء خلافه. وقيل: إنه لا يمنعه، وإنما كره أن يقدم العصر على وقتها المختار.

-------------
(١) «صحيح مسلم» (٧٠٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر.
(٢) سبقت برقم (٥٤٣) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: تأخير الظهر إلى العصر.
(٣) «الموطأ» ص ١٠٩.



وقال ابن الماجشون: لو فعله فاعل لغير حاجة جاز؛ لأنه يصلي كل صلاة في وقتها. يعني: في الظهر والعصر. أي: والمغرب والعشاء مثله، إلا أن يريد أن وقت المغرب عند الغروب فيه خلاف عندهم.
وقال ابن بطال: إنما ترك التنفل فيه؛ لأن السنة عند جميع الصلوات ترك التنفل، فأراد - ﷺ - أن يعلم أمته أن التطوع ليس بلازم لا يسع تركه؛ ولذلك كان ابن عمر لا يتنفل في السفر (١).

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٦٤ - ١٦٥.


٣١ - باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ
١١٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تَوْبَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ لَا. قُلْتُ فَالنَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ. [انظر: ٧٧ - فتح: ٣/ ٥١]

١١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. [انظر: ١١٠٣ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ٣/ ٥١]
ذكر فيه حديث مورق:
قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: لَا أخَالُهُ.
وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
مَا حَدَّثنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمَّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
الشرح:
حديث ابن عمر من أفراده دون الخمسة. ويحيى فيه هو ابن سعيد القطان. وسيأتي في فضل مسجد قباء عن ابن عمر: كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم مكة، فإنه كان يقدمها ضحى فيطوف، ثم يصلي خلف المقام، وفي مسجد قباء (١).

---------------
(١) برقم (١١٩١) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد قباء.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2026, 10:56 PM   #248

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 181 الى صـــ 200
الحلقة (248)






وحديث أم هانئ تقدم في باب من تطوع في السفر (١)، وهو ظاهر لما ترجم له، فإنه - ﷺ - كان بمكة مسافرًا غير مقيم.
وأما حديث ابن عمر، ونفيه المطلق فوجه إيراده هنا أن البخاري حمله على السفر خاصة؛ لأنه قد ثبت صلاتها في الحضر من حديث أبي هريرة، وغيره: أوصاني خليلي بها (٢). فإذا حمل حديث ابن عمر على السفر كان جمعًا بين الأحاديث. وإذا حمل على الإطلاق وقع التعارض والاختلاف، فالجمع أولى. ويؤيده أن ابن عمر كان لا يتنفل في السفر. قَالَ: ولو كنت متنفلًا لأتممت (٣). وهذا أولى مما فعله ابن بطال حيث قَالَ: إنه ليس من هذا الباب، وإنما يصلح في الباب الذي بعده في من لم يصل الضحى. قَالَ: وأظنه من غلط الناسخ (٤). وهذا لا يُقال في غور هذا المصنف العميق الكامل النظر في أصول الشريعة العريق. وما ذكرناه هو جواب ابن المنير (٥)، وهو جواب دقيق.
وقول ابن أبي ليلى: (ما حدثنا أحد أنه رأى ذلك)، فلا حجة فيه ترد ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه صلاها، وأمر بصلاتها من طرق جمة. وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا عن كثير، ويوجد عند الأقل.
وقد روى ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله

--------------
(١) برقم (١١٠٣) كتاب: تقصير الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى في الحضر.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٤ (٣٨٢٧) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يتطوع في السفر.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٦٥.
(٥) انظر: «المتواري» ص ١٢٠.



حدثني الضحاك بن عبد الله القرشي، عن أنس رأيت رسول الله - ﷺ - في السفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات. وإذا جازت في السفر، فالحضر أولى بذلك. وقد سلف حديث أم هانئ، وحديث أنس هذا.
وذكر الطبري أن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة كانا يصليان الضحى ثمانيًا. وعن ابن مسعود مرفوعًا: «من صلى الضحى عشر ركعات بني له بيت في الجنة» (١). وعن أنس أنه - ﷺ - قَالَ: «من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بني الله له بها قصرًا من ذهب في الجنة» (٢). وعنه أيضًا أنه - ﷺ - كان يصلي الضحى ست ركعات (٣).
وعن جابر مثله (٤).
وعن عائشة أنها كانت تصلي الضحى ستًّا (٥).
وعن علي أنه - ﷺ - كان يصلي أربعًا (٦). وعن عائشة مثله، وبه كان يأخذ علقمة، والنخعي، وسعيد بن المسيب.

---------------
(١) رواه أحمد ٣/ ١٤٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٣٢٦، والضياء في «المختاره» ٦/ ٢٠٩ (٢٢٢١).
(٢) رواه الترمذي (٤٣٧) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وابن ماجه (١٣٨٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، والطبراني في «المعجم الصغير» ١/ ٣٠٥ (٥٠٦)، قال أبو عيسى: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه ابن حجر في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٠. وتقدم تخريجه والكلام عليه.
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط» ٢/ ٦٨ (١٢٧٦).
(٤) رواه الطبراني في «الأوسط» ٣/ ١٣٧ - ١٣٨ (٢٧٢٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٧ (٧٨١٢) كتاب: الصلوات، باب: كم يصلي من ركعة؟
(٦) رواه الترمذي (٥٩٨) كتاب: الصلاة، باب: كيف كان تطوع النبي - ﷺ -، والنسائي ٢/ ١١٩ - ١٢٠ كتاب: الإمامة، باب: الصلاة قبل العصر، وابن ماجه (١١٦١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما يستحب من التطوع بالنهار، وأحمد ١/ ٨٥، وأبو يعلى ١/ ٢٦٩ (٣١٨). وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن.



وعن عتبان بن مالك أنه - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى ركعتين (١).
وعن جابر أنه - ﷺ - أمره أن يصلي سبحة الضحى ركعتين (٢).
وعن أبي هريرة أنه - ﷺ - أوصاه بركعتي الضحى (٣)، وقال: «من حافظ عليها غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر» (٤).
وعن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي الضحى ركعتين (٥). وعن الضحاك مثله. وليس منها حديث يدفع صاحبه. وذلك أنه من صلى الضحى أربعًا جائز أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيره في حالة أخرى صلى ركعتين ورآه آخر في حال آخر صلاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحث على أن تصلي ستًّا، وآخر يحث على ركعتين، وآخر على عشر، وآخر على اثنتي عشرة، فأخبر كل واحد منهم عما رأى وسمع.

------
(١) ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢١٦ كتاب: الصلاة، باب: ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على خلاف قول من زعم أن تطوع النهار أربعًا لا مثنى.
(٢) رواه الطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٢٢٣ (١٢٢٧).
(٣) ما يدل على ذلك سيأتي برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى في الحضر.
(٤) رواه الترمذي برقم (٤٧٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى.
وقال: وقد روى وكيع بن شميل وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نهاس بن قهم، ولا نعرفه إلا من حديثه، وابن ماجه برقم (١٣٨٢) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ١/ ٣٣٨ (٣٢٩)، ١/ ٤١١ (٤٦٢)، وأحمد ٢/ ٤٤٣، وضعفه النووي في «المجموع» ٣/ ٥٣٠، وفي «الخلاصة» ١/ ٥٧٠ - ٥٧١ (١٩٣٦). والألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٩٢).
(٥) سيأتي برقم (١١٩١) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد قباء.



ومن الدليل على صحة ما قلناه في ذلك ما روي عن زيد بن أسلم قَالَ سمعت عبد الله بن عمرو يقول لأبي ذر: أوصني يا عم. قَالَ: سألت رسول الله - ﷺ - عما سألتني عنه فقال: «من صلى الضحى ركعتين لم يُكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كُتب من العابدين، ومن صلى ستًا لم يلحقه في ذلك اليوم ذنب، ومن صلى ثمانيًا كتب من القانتين، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة بني الله له بيتًا في الجنة» (١).
وقال مجاهد: صلى النبي - ﷺ - يومًا الضحى ركعتين، ثم يومًا أربعًا، ثم يومًا ستًّا، ثم يومًا ثمانيًا، ثم ترك. فأبان بهذا الخبر عن صحة ما قلناه من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم قوله أن يكون إخباره بما أخبر به الشارع في صلاة الضحى كان على قدر ما شاهده وعاينه.
فالصواب أن يصلى على غير عدد، كما قاله الطبري. وقد روي عن قوم من السلف. قَالَ إبراهيم: سأل رجل الأسود قَالَ: كم أصلي الضحى؟ قَالَ: كما شئت.
وقد أسلفنا عددها عندنا، وحاصل ما ذكرناه أن الصحابة الذين رووا عن سيدنا رسول الله - ﷺ - إثبات الضحى قولًا وفعلًا في الباب وما سلف اثنا عشر صحابيًا: أم هانئ، وأنس، وأبو ذر، وأبو هريرة (ك)، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وجابر (م)، وعائشة، وعلي (ت)، ونعيم بن

-------------
(١) رواه البزار كما في «كشف الأستار» ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ (٦٩٤) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى.
وقال: لا نعلمه إلا عن أبي ذر، ولا روى ابن عمر عنه إلا هذا، قلت: رواه زيد بن أسلم عن ابن عمر، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ٢٣٦ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى، وقال: رواه البزار، وفيه: حسين بن عطاء، ضعفه أبو حاتم وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويدلس.



همار (د)، وعمر، ومعاذ بن أنس، وبقي عليك بما أفاده الترمذي: أبو أمامة (ك)، وعبيد (ط) بن عبد السلمي، وابن أبي أوفي، وأبو سعيد (ت)، وزيد بن أرقم (م، ك)، وابن عباس (ك) (١)، ومما زدناه عليه: عقبة بن عامر، روى الحاكم من حديث أبي الخير عنه قَالَ: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نصلي ركعتي الضحى بسورتيها: بالشمس وضحاها، والضحى. ورواه من حديث نعيم بن همار عن عقبة ثم قَالَ: لا أعلم أحدًا ذكر عقبة في هذا الإسناد غير قتادة (٢).
وأما الشاميون فإنهم يعدون نعيم بن همار في الصحابة، وبريدة أخرجه الحاكم (٣)، وابن عمر أخرجه الحاكم أيضًا. وروىِ حديث أبي أمامة السالف أنه - ﷺ - ذكر هذِه الآية: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] قَالَ: «هل تدرون ما وفَّى؟ وفَّى عمل يومه بأربع ركعات الضحى».
قَالَ الحاكم: صحبت جماعة من أئمة الحديث الحفاظ الأئمة الأثبات فوجدتهم يختارون هذا العدد، ويصلون هذِه الصلاة أربعًا لتواتر الأخبار الصحيحة فيه، وإليه أذهب (٤). وحديث الست ركعات أخرجه الحاكم من حديث جابر وقد سلف، ومن حديث أبي الدرداء: «ومن صلى ستًّا كفي ذلك اليوم» (٥).

------------
(١) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٤٧٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) «المستدرك» ١/ ٣١٢ كتاب: صلاة التطوع، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) عزاه ابن حجر في «الفتح» ٣/ ٥٤ للحاكم في «المفرد في صلاة الضحى».
(٥) رواه البيهقي في «السنن الصغرى» ١/ ٨٤٧، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» =



وحديث الثمانية روته أم هانئ، وهو مجمع على صحته. قَالَ أحمد، وقد سئل عن صلاة الضحى، فقال: المثبت عن أم هانئ ثماني ركعات.
وروى بكير بن الأشج، عن الضحاك بن عبد الله، عن أنس أنه قَالَ: رأيت رسول الله في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات (١).
وقد سلف في الباب الماضي عن فعل عائشة أيضًا. وسلف من حديث أبي الرداء (٢).
وحديث العشر أخرجه البيهقي من حديث أبي ذر: «وإن صليتها عشرًا لم يكتب لك ذلك اليوم ذنب» (٣) وسلف من حديث ابن مسعود.
وحديث اثني عشر أخرجه الترمذي من حديث أنس، واستغربه. وابن ماجه (٤) وأخرجه الحاكم من حديث أم سلمة، وعائشة، ولفظه في حديث أبي هريرة: «إن للجنة بابًا يُقال له الضحى، فإذا كان يوم

---------
= ٢/ ٢٣٧ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى، وقال: رواه الطبراني في»الكبير«، وفيه: موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه ابن المديني وغيره، وبقية رجاله ثقات.
(١) رواه أحمد ٣/ ١٤٦، ٣/ ١٥٦، وابن خزيمة في»صحيحه«٢/ ٢٣٠ (١٢٢٨) كتاب: الصلاة، باب: استحباب مسألة الله -عز وجل- في صلاة الضحى رجاء الإجابة، والحاكم ١/ ٣١٤ كتاب: صلاة التطوع، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ. وأبو نعيم في»الحلية«٨/ ٣٢٦، والضياء المقدسي في:»المختارة«٦/ ٢٠٨ (٢٢٢٠).
(٢) انظر: التخريج قبل السابق.
(٣)»السنن الكبرى«٣/ ٤٨ - ٤٩ كتاب: الصلاة، باب: ذكر خبر جامع لأعداده، وقال الذهبي في»المهذب«٢/ ٩٧٩ (٤٣٥٨): في إسناده نظر.
(٤)»سنن الترمذي«برقم (٤٧٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، و»سنن ابن ماجه«برقم (١٣٨٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وضعفه الألباني في»ضعيف ابن ماجه" (٢٩١).



القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا يديمون على صلاة الضحى، هذا بابكم فادلخوه برحمة الله» وفي رواية أخرى: «لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب» ثم قَالَ: هذا إسناد احتج بمثله مسلم (١). ومما زدناه جبير بن مطعم أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي الضحى. أخرجه الحاكم. ووقع في كلام الحاكم أن حديث زيد بن أرقم اتفقا على إخراجه، وليس كما ذُكرَ وإنما هو من أفراد مسلم. قَالَ الحاكم: وقد صحت الروايات عن أمير المؤمنين، والسبطين الحسن والحسين، وجماعة من أهل البيت أنهم كانوا يواظبون عليها. ومما زدناه الحسن أخرجه الحاكم. وفي كتاب المحاملي: ومن دخل مكة، وأراد أن يصلي الضحى أول يوم اغتسل وصلاها، فعله رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة (٢).
--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٣١٤ كتاب: صلاة التطوع، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
(٢) سلف برقم (١١٠٣) وخرجه البخاري في مواضع أخر.



٣٢ - باب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا
١١٧٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [انظر: ١١٢٨ - مسلم: ٧١٨ - فتح: ٣/ ٥٥]
ذكر فيه حديث عائشة:
مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا.
وأخرجه مسلم أيضًا (١). زاد معمر في روايته: وما أحدث الناس شيئًا أحب إلى منها (٢). وقد سلف الكلام عليه في باب تحريضه - ﷺ - على صلاة الليل واضحًا (٣).
قَالَ البيهقي: وعندي -والله أعلم- أن المراد به ما رأيته داوم عليها، وإني لأسبحها أي: أداوم عليها. قَالَ وكذا قولها: وما أحدث الناس شيئًا يعني المداومة عليها (٤).
وفي الحديث السالف إثبات فعلها إذا جاء من مغيبه. وروى في ذلك جابر بن عبد الله (٥)، وكعب بن مالك، عن النبي - ﷺ - (٦)، وحديثها يصلي

--------------
(١) «صحيح مسلم» برقم (٧١٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان.
(٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٧٨ - ٧٩ (٤٨٦٨) في الصلاة، باب صلاة الضحى، والبيهقي ٣/ ٤٩ في الصلاة، باب ذكر الحديث الذي روي في ترك الرسول - ﷺ - صلاة الضحى.
(٣) دل على ذلك الحديث السالف برقم (١١٢٨) كتاب: التهجد.
(٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٩ السابق.
(٥) سيأتي برقم (٢٠٩٧) كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير.
(٦) سيأتي برقم (٣٠٨٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: الصلاة إذا قدم من سفر.



أربعًا ويزيد ما شاء الله (١)، وهو دال على صحة التأويل المذكور. وقد ثبتت العلة في تركه المداومة عليها بقولها في آخره: وإن كان ليدع العمل، وهو يحب أن يعمله، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق: هذِه كلمة تكلمت بها عائشة على المسامحة والمساهلة، وقد يشركها كثير من الصحابة في جهل ذلك، روى الحاكم إنكارها عن أبي بكرة، قَالَ: ولم يصح، ولو صح لكان معناه ما ذكر في حديث عائشة وأنس، ثم أعله. وهو خلاف رواياته الصحيحة، وأبو هريرة، ووهاه.
وقد أخذ قوم من السلف بحديث ابن عمر السالف، وعائشة هذا، ولم يروا صلاة الضحى. وقال بعضهم بأنها بدعة كما سلف.
روى الشعبي، عن قيس بن عباد قال: كنت اختلف إلى ابن مسعود السنة كلها، فما رأيته مصليًا الضحى (٢).
وقال إبراهيم النخعي: حَدَّثَني من رأى ابن مسعود صلى الفجر، ثم لم يقم لصلاة حَتَّى أُذن لصلاة الظهر، فقام فصلى أربعًا (٣).
وكان ابن عون لا يصليها (٤).
وقال ابن عمر: بدعة (٥). كما سلف تأويله. وقال مرة: ونعمت

--------------
(١) روى ما يدل على ذلك مسلم برقم (٧١٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى.
(٢) روى ذلك عن عبد الرزاق ٣/ ٨٠ (٤٨٧٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى.
(٣) روى ذلك الطبراني ٩/ ٢٥٩ (٩٢٨٤).
(٤) عنه عبد الرزاق ٣/ ٨٠ - ٨١ (٤٨٧٦) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى.
(٥) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٨٢) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يصلي الضحى.



البدعة. وقال مرة: ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل منها (١).
وقال أنس: صلاته يوم الفتح كان سنة الفتح، لا سنة الضحى. ولما فتح خالد بن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ثماني ركعات لم يسلم فيهن، ثم انصرف. وهذا تأويل لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن رسول الله - ﷺ -، وفعل السلف بعده.
وذهب قوم من السلف أنها تصلى في بعض الأيام دون بعض، واحتجوا بحديث عائشة: لا إلا أن يجيء من مغيبه (٢).
وروى عطية عن أبي سعيد كان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى حَتَّى نقول: لا يدعها. ويدعها حَتَّى نقول: لا يصليها (٣). وكان ابن عباس يصليها يومًا، ويدعها عشرة أيام (٤). وكان ابن عمر لا يصليها، فإذا

-------------
(١) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٦ (٧٧٩٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصليها.
بلفظ: من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذِه.
(٢) مسلم (٧١٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب الصلاة الضحى.
(٣) رواه الترمذي برقم (٤٧٧٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى. وقال: حديث حسن غريب، وأحمد ٣/ ٢١، وعبد بن حميد في «المنتخب» ٢/ ٦٨ (٨٨٩)، وأبو يعلى في «مسنده» ٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧ (١٢٧٠٩)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
قلت: وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف، عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي القيسي أبو الحسن الكوفي، قال: أبو زرعة: لين، وقال ابن معين: صالح، وضعفه النسائي وأبو حاتم، وزاد أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن حجر في «تقريبه»: صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًا مدلسًا، انظر: «الضعفاء الكبير» ٣/ ٣٥٩ (١٣٩٢)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٣٨٢ (٢١٢٥)، و«المجروحين» ٢/ ١٧٦، و«تهذيب الكمال» ٢/ ١٤٥ (٣٩٥٦)، و«تقريب التهذيب» (٤٦١٦).
(٤) ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٩١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصليها.



أتى مسجد قباء صلى، وكان يأتيه كل سبت (١). وعن إبراهيم: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون ويدعون (٢). وعن سعيد بن جبير: إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها مخافة أن أراها حتمًا عليّ (٣).
------------
(١) البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٤٩ (٤١٨٧) باب: في المناسك، فضل الحج والعمرة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٩٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصلي الضحى.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٨٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يصلي الضحى.



٣٣ - باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضَرِ
قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١١٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الجُرَيْرِيُّ -هُوَ ابْنُ فَرُّوخٍ- عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْديِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ. [١٩٨١ - مسلم: ٧٢١ - فتح: ٣/ ٥٦]

١١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -وَكَانَ ضَخْمًا- لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ. فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ جَارُودٍ لأَنَسٍ - رضي الله عنه -: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ. [انظر: ٦٧٠ - فتح: ٣/ ٥٧]
وهذا ذكره مسندًا (١).
وذكر فيه حديث أبي هريرة (د. ت. س) أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ. وعدَّ منها صلاة الضحى.
وحديث أنس: أنه - ﷺ - صلى عند عتبان ركعتين فقال فلان بن فلان بن الجارود لأنس: أكان - عليه السلام - يصلي الضحى؟ فقال: ما رأيته صلى غير ذلك اليوم.

------------
(١) أي: ترجمة الباب عن عتبان. قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٧: كأنه يشير -يعني: البخاري- إلى ما رواه أحمد من طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك أن رسول الله - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى … " وقد أخرجه مسلم وكذلك المصنف مطولًا ومختصرًا وسيأتي بعد بابين. اهـ بتصرف.
وقد سلف برقم (٤٢٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا دخل بيتًا يصلي حيث شاء ..



الشرح:
الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١). وحديث أنس ليس صريحًا في أنها صلاة الضحى. نعم روى الحاكم من حديث عتبان بن مالك أنه - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا. وقد سلف حديث عتبان في باب: هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ (٢).
وقوله: (أوصاني خليلي) لا يخالف قوله - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي، لاتخذت أبا بكر» (٣) لأن الممتنع أن يتخذ رسولُ الله - ﷺ - غيرهَ خليلًا. ولا يمتنع أن يتخذ الصحابي وغيره رسول الله - ﷺ - خليلًا.
وفيه: فضيلة صلاة الضحى، والحث عليها، وأنها ركعتان، وصيام ثلاثه أيام من كل شهر، والوتر قبل النوم. وهو محمول على من لا يستيقظ آخر الليل، فإن أمن فالتأخير أفضل؛ للحديث الصحيح: وانتهى وتره إلى السحر.
وقوله: (وقال فلان بن فلان بن جارود) قيل: إنه عبد الحميد بن المنذر (٤)، وله ترجمة.

----------------
(١) «صحيح مسلم» برقم (٧٢١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان.
(٢) برقم (٦٧٠) كتاب: الأذان.
(٣) سلف برقم (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد.
(٤) ورد بهامش الأصل: ذكر المصنف في «تحفته» أن عبد الحميد ذكره ابن حبان في «ثقاته». ذكر -أي: ابن حبان- أنه المعني بقول البخاري في باب صلاة الضحى في الحضر: قال فُلان بن فلان بن جارود لأنس: … الحديث فاعلمه.
رأيت عبد الحميد في ثقات ابن حبان ولم أو هذا الكلام في ترجمته فلعله رآه في بعض النسخ.



٣٤ - باب الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ
١١٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهَا. [انظر: ٩٣٧ - مسلم: ٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٣/ ٥٨]

١١٨١ - حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٦١٨ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ٣/ ٥٨]

١١٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ. [مسلم: ٧٣٠ - فتح: ٣/ ٥٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر:
حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا. الحديث
سلف قريبًا في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى (١)، وهو مطابق لما ترجم له. وحديث عائشة:
كان النَّبِيَّ - ﷺ - لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. فما زاد، ولعل وجهه أنه صلى ركعتين فما زاد.
ثم قال البخاري: تابعه ابن أبي عدي وعمرو عن شعبة يعني أنهما تابعا يحيى بن سعيد على روايته عن شعبة. وابن أبي عدي: (ع) هو

---------------
(١) برقم (١١٦٥) كتاب: التهجد.


محمد بن إبراهيم، وعمرو (خ مقرونًا، د): هو ابن مرزوق أبو عثمان الباهلي مولاهم بصري. وتابعهما عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، أخرجه النسائي، لكن بزيادة مسروق قبل عائشة، ثم قَالَ: ولم يتابع عليه (١). وتابعه محمد بن جعفر عن شعبة كالجماعة، وصوب المنيعي إثبات مسروق، ووهم إسقاطه.
قَالَ الإسماعيلي: وقد ذكر سماع (ابن المنتشر) (٢) عن عائشة غير واحد. فالعمل في ذلك على عثمان بن عمر فإن يحيى بن سعيد لم يكن ليحمل كذا إن شاء الله وقد جاء به غندر ووكيع وكفي بهما، قال: وتابع يحيى ابن المبارك ومعاذ بن معاذ وابن أبي عدي، ووهب ابن جرير.
وفي الترمذي والنسائي من حديث المغيرة بن زياد عن عطاء -وهو ابن أبي رباح- عن عائشة مرفوعًا: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» (٣). قَالَ الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. ومغيرة بن زياد قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه (٤). وقال النسائي: هذا خطأ، ولعله

---------------
(١) «سنن النسائي» ٣/ ٢٥١ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: المحافظة على الركعتين قبل الفجر.
(٢) في الأصل فوقها: هو محمد.
(٣) «سنن الترمذي» (٤١٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة.
و«سنن النسائي» ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: ثواب من صلى في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة.
(٤) المغيرة بن زياد البجلي، أبو هاشم، ويقال: أبو هاشم الموصلي، وقال: =



أراد عنبسة بن أبي سفيان، فصحف -يعني حديث عنبسة- عن أم حبيبة مرفوعًا: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة: أربعًا قبل الظهر …» الحديث (١).
ولمسلم من حديث عبد الله بن شقيق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ -، عن تطوعه، فقالت: كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين .. الحديث (٢).
وللترمذي: قبل الظهر ركعتين. وصححه (٣). والأول هو المشهور من رواية عائشة.
وفي الترمذي من هذا الوجه: كان إذا لم يصلِ أربعًا قبل الظهر، صلاهن بعدها. ثم قَالَ: حسن غريب (٤).
واختلفت الأحاديث في التنفل قبل الظهر وبعدها. ففي حديث عائشة

---------------
= أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث، منكر الحديث، أحاديثه مناكير، وقال ابن معين: ليس به بأس، له حديث واحد منكر. ووثقه مرة أخرى، ووثقه العجلي، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا يحتج به، صالح، صدوق، ليس بذاك القوي، وقال أبو زرعة في موضع آخر: في حديثه اضطراب، وقال ابن حجر في «تقريبه»: صدوق له أوهام، انظر: «معرفة الثقات» ٢/ ٢٩٢ (١٧٧١)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٢٢٢ (٩٩٨)، و«تهذيبب الكمال» ٢٨/ ٣٥٩ (٦١٢٦)، و«تقريب التهذيب» (٦٨٣٤).
(١) رواه مسلم برقم (٧٢٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن. وانظر: «البدر المنير» ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤، و«تلخيص الحبير» ٢/ ١٢، و«الدراية» ١/ ١٩٧.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٧٣٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا.
(٣) «سنن الترمذي» برقم (٤٢٥) في الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين بعد الظهر.
(٤) «سنن الترمذي» برقم (٤٢٦)، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي».



ما علمته، وفي حديث ابن عمر المذكور في الباب أن النبي - ﷺ - ركع ركعتين قبلها، وركعتين بعدها.
ولأبي داود من حديث البراء: ركعتين قبلها (١). واستغربه الترمذي وحسنه (٢). ولا تخالف بينها؛ لأن كل واحد أخبر بما رأى. وأجاب الداودي بأن ابن عمر قد ينسى بعض ذلك. وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك.
وروي عن ابن مسعود وابن عمر، والبراء، وأبي أيوب أنهم كانوا يصلون قبل الظهر. وعن ابن المسيب مثله (٣).
وقال إبراهيم: من السنة أربع قبل الظهر وركعتان بعدها سنة (٤).
وصوب الطبري الروايتين، وأن كلًا منهما صحيح، والأربع في كثير أحواله، وركعتين في قليلها.
وإذا كان ذلك كذلك فللمرء أن يصلي قبل الظهر ما شاء؛ لأن ذلك تطوع، وقد ندب الله المؤمنين إلى التقرب إليه بما أطاقوا من فعل الخير.
والصلاة بعد الزوال وقبل الظهر كانت تعدل بصلاة الليل في الفضل.
روي هذا عن جماعة من السلف. وذكر ابن قدامة الحنبلي أن الراتبة عندهم قبل الظهر ركعتان، وركعتان بعدها. واستدل بحديث ابن عمر

--------------
(١) «سنن أبي داود» برقم (١٢٢٢) كتاب: الصلاة، باب: التطوع في السفر، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢٢٤).
(٢) «سنن الترمذي» (٥٥٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التطوع في السفر.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٦ - ١٧ (٥٩٤٠)، (٥٩٤٤)، (٥٩٤٦)، (٥٩٤٨)، كتاب: الصلوات، باب: في الأربع قبل الظهر من كان يستحبها.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٩ (٥٩٧٠) الصلاة، باب فيما يحب من التطوع بالنهار.



هذا (١). وقال الشافعي: قبل الظهر أربع. وقال صاحب «البداية» الحنفي: أربع قبلها، وركعتان بعدها (٢). واستدل بحديث عائشة في الباب، وبحديث أم حبيبة. أخرجه الترمذي وصححه، وعنها: «من صلى أربعًا قبل الظهر، وأربعًا بعدها، حرمه الله على النار» أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب. وقال مرة: حسن صحيح غريب (٣). وأخرجه أبو داود، والنسائي أيضًا (٤).
ولأبي داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي أيوب مرفوعًا: «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء» (٥) وللترمذي عن علي: كان النبي - ﷺ - يصلي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين. ثم قَالَ: حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربعًا. وهو قول الثوري، وابن المبارك، وإسحاق (٦).

-------------
(١) «المغني» ٢/ ٥٣٩.
(٢) «الهداية» ١/ ٧٢.
(٣) «سنن الترمذي» برقم (٤٢٧ - ٤٢٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين بعد الظهر، وصححهما الألباني في «صحيح الترمذي».
(٤) «سنن أبي داود» برقم (١٢٦٩) كتاب: الصلاة، باب: الأربع قبل الظهر وبعدها، و«سنن النسائي» ٣/ ٢٦٥ كتاب: قيام الليل، باب: ثواب من صلى في اليوم والليلة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١١٥٢).
(٥) «سنن أبي داود» (١٢٧٠) كتاب: الصلاة، باب: الأربع قبل الظهر وبعدها، و«شمائل الترمذي» ص ١٣٠ (٢٩٤) باب: صلاة الضحى، و«سنن ابن ماجه» (١١٥٧) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في الأربع ركعات قبل الظهر، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١١٥٣): حديث حسن دون قوله: «ليس فيهن تسليم». وتقدم تخريجه.
(٦) انظر: «سنن الترمذي» (٤٢٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل الظهر، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.



ولابن منصور في «سننه» من حديث البراء قَالَ: «من صلى قبل الظهر أربعًا كان كمن تهجد من ليلته، ومن صلاهن بعد العشاء كان كمثلهن من ليلة القدر».
وللترمذي من حديث عبد الله بن السائب أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح» وقد سلف. قَالَ الترمذي: حديث حسن غريب، وفي الباب عن علي، وأبي أيوب (١).
وله من حديث عمر رفعه: «أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن من صلاة السحر، فليس شيء إلا يسبح الله تلك الساعة، ثم قرأ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: ٤٨] كلها». ثم قَالَ: حديث غريب (٢).
قَالَ القرطبي: واختلف العلماء هل للفرائض رواتب مسنونة أو ليس لها؟ فذهب الجمهور وقالوا: هي سنة مع الفرائض. وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنه لا رواتب في ذلك، ولا توقيت عدا ركعتي الفجر؟ حماية للفرائض. ولا يمنع من تطوع بما شاء إذا أمن ذلك. قَالَ: وذهب العراقيون من أصحابنا إلى استحباب الركوع بعد الظهر، وقبل العصر، وبعد المغرب (٣).

-------------
(١) «سنن الترمذي» (٤٧٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند الزوال، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٢) «سنن الترمذي» (٣١٢٨) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة النحل، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٣) «المفهم» ٢/ ٣٦٥.



٣٥ - باب الصَّلَاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ
١١٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ». -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ». كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. [٧٣٦٨ - فتح: ٣/ ٥٩]

١١٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ اليَزَنِيَّ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ، يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ. [فتح: ٣/ ٥٩]
ذكر فيه حديث ابن بريدة:
عن عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺقَاْلَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ». -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ- «لِمَنْ شَاءَ» كَرَاهِةَ أَنْ يَتَخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةَ.
وحديث مرثد بن عبد الله اليزني:
قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعجِّبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ؛ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُغْلُ.
الشرح:
حديث عبد الله ذكره البخاري أيضًا في آخر كتاب الاعتصام، في باب نهي النبي - ﷺ - على التحريم إلا ما يعرف إباحته، بهذا اللفظ والسند (١).
وكذا أخرجه كذلك أبو داود (٢)، وسلف في باب كم بين الأذان والإقامة

-----------
(١) سيأتي برقم (٧٣٦٨).
(٢) «سنن أبي داود» (١٢٨١) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل المغرب.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2026, 10:58 PM   #249

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 201 الى صـــ 220
الحلقة (249)






من كتاب الأذان بلفظ: «بين كل أذانين صلاة». أخرجاه (١).
وابن بريدة اسمه: عبد الله أخو سليمان. وعبد الله الراوي: هو ابن مُغَفَّل بالغين المعجمة (٢) والفاء. والحُسَين الراوي عنه هو ابن ذكوان المعلم. قَالَ الإسماعيلي: قَالَ ابن حساب: محمد بن عبيد في حديثه عن عبد الله، كنيته ونسبه لا أدري: ابن معْقل، أو ابن مغفل، فذكره.
قَالَ البيهقي: ورواه حيان بن عبيد الله، عن ابن بريدة، عن أبيه، وأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لم يتابع عليها، وهي أن بين كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب (٣).
قَالَ ابن خزيمة: هو خطأ، إنما الخبر عن ابن بريدة، عن ابن مغفل، لا عن أبيه (٤).
قلتُ: وحيان هذا وثقه ابن حبان وغيره، وإن جهل.
والحديث الثاني أخرجه النسائي (٥). وأبو تميم عبد الله بن مالك الجيشاني المصري. مات سنة سبع وسبعين. يقال: أسلم في حياة رسول الله. إذا تقرر ذلك:
فاختلف السلف في التنفل قبل المغرب، فأجازه طائفة من الصحابة

-------------
(١) برقم (٦٢٤) كتاب: الأذان، ورواه مسلم برقم (٨٣٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.
(٢) ورد بهامش الأصل: يعني: المشددة المفتوحة، قوله: والفاء يعني: المفتوحة أيضًا.
(٣) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٧٤ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.
(٤) هو في «السنن الكبرى» للبيهقي مسندًا ٢/ ٤٧٤.
(٥) «سنن النسائي» ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ كتاب: المواقيت، باب: الرخصة في الصلاة قبل المغرب.



والتابعين والفقهاء، وممن فعله أبيُّ بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص (١).
وقال حميد عن أنس: رأيتهم إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري فيصلون (٢).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد يصلون عند كل تأذين (٣).
وكان الحسن، وابن سيرين يركعان قبل المغرب (٤)، وهو قول أحمد وإسحاق. والحجة لهم من حديث المزني: «لمن شاء» وممن كان لا يصليها، قَالَ إبراهيم النخعي: لم يصلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان (٥). وقَالَ إبراهيم: هما بدعة، قَالَ: وكان خيار أصحاب رسول الله - ﷺ - بالكوفة عليٌّ وابن مسعود وحذيفة وعمار، فأخبرني من رمقهم كلهم فما رأى أحدًا منهم يصلي قبل المغرب. وهو قول مالك، وأبي حنيفة والشافعي.
قَالَ المهلب: والحجة لهم أن هذا كان في أول الإسلام ليدل على أن وقت الفجر في وقت النافلة، في هذا الوقت قد انقطع بمغيب الشمس، وحلت النافلة والفريضة، ثم التزم الناس مبادرة الفريضة؛ لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن الوقت الفاضل. ويختلف أمر الناس في

---------------
(١) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ - ١٣٩ (٧٣٧٧، ٧٣٨٥) من كان يصلي ركعتين قبل المغرب.
(٢) ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٧٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٨١).
(٤) رواه ابن ألي شيبة عن الحسن ٢/ ١٣٨ (٧٣٨٤).
(٥) البيهقي ٢/ ٤٧٦ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.



المبادرة بالصلاة، إذ المغرب لا يشكل على العامة والخاصة، وغيرها من الصلوات يشكل أوائل أوقاتها، وفيها مهلة حتى يستحكم الوقت؛ فلذلك أبيح الركوع قبل غيرها من الصلوات.
وقال ابن قدامة: ظاهر كلام أحمد أنهما جائزان، وليسا بسنة. قَالَ الأثرم: سألت أحمد عنهما، قَالَ: ما فعلته قط إلا مرة حين سمعت الحديث. وقال: فيهما أحاديث جياد -أو قَالَ: صحاح- عن رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، والتابعين، إلا أنه قَالَ: «لمن شاء» فمن شاء صلى. وقال: هذا ينكره الناس، وضحك كالمتعجب، وكل هذا عندهم عظيم (١).
وقال ابن العربي: لم يفعلها أحد بعد الصحابة (٢). واختلف أصحابنا فيه على وجهين: أشهرهما لا يستحب. والصحيح عند المحققين استحبابها (٣)؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها حديثا الباب، وحديث أنس قَالَ: كان المؤذن إذا أذن قام الناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - يبتدرون السواري حَتَّى يخرج النبي - ﷺ -. وهم كذلك يصلون ركعتين حَتَّى إن الرجلَ الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. أخرجاه (٤)، وقد سلف في (كتاب) (٥)

-------------
(١) «المغني» ٢/ ٥٤٦.
(٢) «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٠٠.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣٢٧.
(٤) سلف برقم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى الإسطوانة، و«صحيح مسلم» (٨٣٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.
(٥) في الأصل: باب.



الأذان (١). ولأبي داود من حديث أنس قَالَ: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - ﷺ -، قَالَ المختار: قلتُ لأنس: أرآكم رسول الله - ﷺ -؟ قَالَ: نعم رآنا. فلم يأمرنا، ولم ينهنا (٢).
وللبيهقي عن سعيد بن المسيب قَالَ: كان المهاجرون لا يركعون ركعتين قبل المغرب، وكانت الأنصار يركعونهما، وكان أنس يركعهما. قَالَ البيهقي: كذا قَالَ سعيد بن المسيب.
وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه قَالَ: كنا نركعهما، وكان من المهاجرين (٣) -وكأنه أراد غيره أو الأكثر منهم- ثم ساق بسنده إلى زرًّ قَالَ: كان ابن عوف، وأبي بن كعب يصليان قبل المغرب ركعتين، وبسنده إلى مكحول عن أبي أمامة قَالَ: كنا لا ندعهما في زمان رسول الله - ﷺ -، وعن حبيب بن مسلم قَالَ: رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة (٤). يعني: إلى الركعتين قبل المغرب. وحجة المانع حديث أبي داود، عن طاوس قَالَ: سُئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله - ﷺ - يصليهما (٥)، ورخص في الركعتين بعد العصر.
ولما ذكر الداودي حديث الباب قَالَ: يدل على قوله - ﷺ -: «لا تتحروا
(١) برقم (٦٢٥) كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة.
(٢)»سنن أبي داود«(١٢٨٢). والحديث رواه مسلم (٨٣٦)!
(٣)»السنن الكبرى«٢/ ٤٧٥.
(٤)»السنن الكبرى«٢/ ٤٧٦ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.
(٥)»سنن أبي داود«(١٢٨٤) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل المغرب، وضعفه الألباني في»ضعيف أبي داود" (٢٣٧).



بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها» (١) وقول ابن عمر: لا أنهى أحدًا أن يصلي أية ساعة شاء من ليل أو نهار، هذا عند طلوع الشمس وعند غروبها (٢).
وقوله: «بين كل أذانين صلاة»، وفي الحديث الآخر: كان إذا أذن (بالمغرب) (٣) ابتدروا السواري، فيخرج النبي - ﷺ - وهم على ذلك.
فائدة:
يدخل في الحديث السالف: «بين كل أذانين صلاة» (٤) قبل العشاء.
وبه صرح المحاملي في «لبابه»، فقال: ويصلي بعد العشاء الآخرة ركعتين، وقبلها ركعتين (٥). ولم أر من صرح به من متقدمي أصحابنا سواه. وقد رواه الشافعي في البويطي عن فعل رسول الله - ﷺ -.

--------
(١) سلف برقم (٥٨٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٧ (٧٣٦٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان ينهى عن الصلاة.
(٣) في (ج) المؤذن.
(٤) سلف برقم (٦٢٤).
(٥) «اللباب في الفقه الشافعي» ص ١٣٥، ولم ينص صراحة على ذلك وإنما قال: يصلي بين كل أذانين ركعتين إلا المغرب.



٣٦ - باب صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً
ذَكَرَهُ أَنَسٌ وَعَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١١٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ. [انظر: ٧٧ - فتح ٣/ ٦٠]

١١٨٦ - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ - رضي الله عنهوَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الوَادِيَ الذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سَأَفْعَلُ». فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟». فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَي المَكَانِ الذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِي، فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي البَيْتِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُم: مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟ لَا أَرَاهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقُلْ ذَاكَ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟». فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. أَمَّا نَحْنُ فَوَاللهِ لَا نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إِلاَّ إِلَي المُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ». قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوَتِهِ التِي تُوُفِّىَ فِيهَا، وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: وَاللهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ للهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي، أَنْ


أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ -أَوْ بِعُمْرَةٍ-، ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٢٦٣ - فتح: ٣/ ٦٠]
حديث أنس سلف مسندًا في باب الصلاة على الحصير (١). وحديث عائشة سلف في الكسوف (٢).
ثم ذكر فيه حديث محمود بن الربيع: أنه عقل مجَّها بها رسول الله - ﷺ - في وجهه .. إلى آخره.
وفيه: فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا، وقد سلف في كتاب العلم (٣)، وباب: المساجد في البيوت (٤). وهو كما ترجم له من جواز الجماعة في النافلة. قَالَ ابن حبيب: لا بأس أن يؤم النفر في النافلة في صلاة الضحى وغيرها كالرجلين والثلاثة، وأما أن يكون مشتهرًا جدًا، ويجتمع له الناس فلا. قاله مالك. واستثنى ابن حبيب قيام رمضان؛ لما في ذلك من سنة أصحاب محمدﷺ - (٥).
ولنذكر هنا من فوائده فوق الخمسين فائدة، فقد طال العهد به:
إحداها: أن من عقل رسول الله - ﷺ -، وعقل منه فعلًا يعد صحابيًّا.
ثانيها: ما كان عليه - ﷺ - من الرحمة لأولاد المؤمنين، وفعل ذلك ليعقل عنه الغلمان، وتعدلهم به الصحبة لينالوا فضلها، وناهيك بها.

------
(١) برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (١٠٤٤) باب: الصدقة في الكسوف.
(٣) برقم (٧٧) باب: متى يصح سماع الفجر.
(٤) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة.
(٥) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٠٣.



ثالثها: استئلافه لآبائهم بمزحه مع بنيهم.
رابعها: مزحه ليكرم به من يمازحه.
خامسها: استراحته في بعض الأوقات؛ ليستعين على العبادة في وقتها.
سادسها: إعطاء النفس حقها، ولا يشق عليها في كل الأوقات.
سابعها: اتخاذ الدلو.
ثامنها: أخذ الماء بالفم منه.
تاسعها: إلقاء الماء في وجه الطفل.
عاشرها: صلاة القبائل الذين حول المدينة في مساجدهم المكتوبة وغيرها.
الحادية عشرة: إمامة الضعيف البصر.
والتخلف عن المسجد في الطين والظلمة. وصلاة المرء المكتوبة وغيرها في بيته. وسؤال الكبير إتيانه إلى بيته ليتخذ مكان صلاته مصلى. وذكر المرء ما فيه من العلل متعذرًا، ولا تكون شكوى فيه.
وأجاب الشارع من سأله. وسير الأتباع مع التابع. وصحبة أفضل الصحابة إياه. وتسميته لأبي بكر وحده لفضله. وأن صاحب البيت أعلم بأماكن بيته فهو أدرى به.
الحادية بعد العشرين: التبرك بآثار الصالحين، وطلب العين تقديمًا على الاجتهاد، فإن كل موضع صلى فيه الشارع فهو عين لا يجتهد فيه، وطلب الصلاة في موضع معين لتقوم صلاته فيه مقام الجماعة ببركة من صلى فيه، وترك التطلع في نواحي البيت، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وفضل موضع صلاته - ﷺ -، وأن نوافل النهار تصلى ركعتين


كالليل، وأن المكان المتخذ مسجدًا ملكه باقٍ عليه، وأن النهي أن يوطن الرجل مكانًا للصلاة إنما هو في المساجد دون البيوت، وصلاة الضحى.
الحادية بعد الثلاثين: صنع الطعام الكثير عند إتيانه لهم، وإن لم يعلم بذلك، وعدم التكلف فيما يصنع، فكان لا يعيب طعامًا، وهو أدوم على فعل الخيرات.
والخزير بالخاء والزاي المحجمتين: طعام يتخذ من دقيق ولحم كما ذكر الخطابي (١). قَالَ الجوهري: يقطع اللحم صغارًا على ما في القدر، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، وإن لم يكن لحمًا فهو عصيدة (٢).
وقال ابن فارس: هي دقيق ملبك بشحم أي: يخلط بشحم، كانت العرب تعير به (٣).
وقال أبو الهيثم: إذا كان من دقيق فهي خزيرة، وإن كان نخالة فهي حريرة (٤). والاكتفاء بالإشارة. ويجوز أن يكون تلفظ به معها، وأنه يعبر بالدار عن المحلة التي فيها الدور، ومثله في الحديث: «خير دور الأنصار بنو النجار …» ثم عدد جماعة، وفي آخره: «وفي كل دور الأنصار خير» (٥). وكذا حديث: أمر ببناء المساجد في الدور، وتنظيفها (٦). أراد المحال. وكذا قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ﴾

--------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٤٥.
(٢) «الصحاح» ٢/ ٦٤٤.
(٣) «المجمل» ٢/ ٢٨٨.
(٤) انظر: «لسان العرب» ٢/ ١١٤٨.
(٥) سيأتي الحديث برقم (١٤٨١) كتاب: الزكاة، باب: خرص التمر. من حديث أبي حميد الساعدي.
(٦) رواه أبو داود (٤٥٥٩) كتاب: الصلاة، باب: اتخاذ المساجد في الدور، والترمذي (٥٩٤) كتاب: الصلاة، باب: ما ذكر في تطيب المساجد، وابن ماجه =



[الأعراف: ١٤٥] واجتماع القبيل إلى الموضع الذي يأتيه الكبير ليؤدوا حقه، ويأخذوا حظهم منه، وعيب من حضر على من تخلف ونسبته إلى أمر يتهم به، وهو مالك بن الدخشم، شهد بدرًا واختلف في شهوده العقبة، وظهر من حسن إسلامه ما ينفي عنه تهمة النفاق، وكراهية من يميل إلى المنافقين في حديثه ومجالسته، وأن من رمى مسلمًا بالنفاق لمجالسته لهم لا يعاقب ولا يقال له: أثمت. وأن الشارع كان يأتيه الوحي ولا شك فيه.
الحادية بعد الأربعين: أنه لا يحب الله ورسوله منافق، وأن الكبير إذا علم بصحة اعتقاد من نسب إلى غيره يقول له: لا تقل ذلك. وأن من عيب بما يظهر منه لم يكن عيبة، وأن من تلفظ بالشهادتين واعتقد حقيقة ما جاء به مات على ذلك فاز ودخل الجنة، وأصابه بذنوبه سفع منها، وإخبار من سمع الحديث من صاحب صاحبًا مثله وغيره ليثبت ما سمع ويشهد ما عند الذي يخبره من ذلك، وإنكار من روى حديثًا من غير أن يقطع بنفيه، وقيل: إن الإنكار؛ لأن ظاهره تحريم دخول النار على من قَالَ: لا إله إلا الله. كقول بعض أهل الأهواء.
وقيل: معنى التحريم هنا: تحريم الخلود في النار، وغزو أرض الروم، وكان أبو أيوب تخلف عن الخروج مع يزيد قبل ذلك العام،

-----------
= (٧٥٨) كتاب: المساجد، باب: تطهير المساجد وتطييبها، وأحمد ٦/ ٢٧٩، وأبو يعلى في «مسنده» ٨/ ١٥٢ (٤٦٩٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٧٠ (١٢٩٤) كتاب: الصلاة، باب: الأمر ببناء المساجد في الدور، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٥١٣ (١٦٣٤) كتاب: الصلاة، باب: المساجد، وهو في ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، كتاب: الصلاة، باب: في تنظيف المساجد وتطييبها بالخلوق وغيره، كلهم عن عائشة، وقال الألباني: «صحيح أبي داود» (٤٨٠): إسناده صحيح على شرط الشيخين.


ثم ندم وقال: ما عليَّ لو خرجت أقاتل على نفسي من الآخرة، ولكل أحد ما يحتسب. والمراجعة؛ فإن محمود بن الربيع الأنصاري أوجب على نفسه إن سلم أن يأتي عتبان فيسأله، وكان محمود مقيمًا بالشام، وذكر العمرة ليصف ما جرى وليتأسى به أن يجمع في طريقه العمرة والسفر إلى أبي أيوب والرحلة في العلم. وأن ذكر ما في الإنسان على وجه التعريف ليس عيبة لذكره عمى عتبان.
الحادية بعد الخمسين: إمامة الأعمى وجلب الحديث لصلاته بهم جماعة في النافلة، والإسرار بالنوافل، وفيه غير ذلك بما سلف، فلابد لك من مراجعته.


٣٧ - باب التَّطَوُّعِ فِي البَيْتِ
١١٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اجْعَلُوا فى بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». تَابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ. [انظر: ٤٣٢ - مسلم: ٧٧٧ - فتح: ٣/ ٦٢]
ذكر فيه حديث وهيب عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اجْعَلُوا فى بُيُويكُمْ مِنْ صَلَاِتكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». تَابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ.
وقد سلف في باب: كراهية الصلاة في المقابر (١)، وهذِه المتابعة أخرجها مسلم عن ابن مثنى عن عبد الوهاب (٢)، والإسماعيلي عن ابن مثنى، وابن خلاد عن عبد الوهاب، وهذا الحديث من التمثيل البديع، وذلك لتشبيهه البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر الذي لا يمكن المبيت فيه عبادة، وشبه النائم بالليل كله بالميت الذي انقطع منه فعل الخير، وقد قَالَ عمر بن الخطاب: صلاة المرء في بيته نور، فنوروا بيوتكم.
وقد سلف هناك أن للعلماء في معنى الحديث قولين: هل المراد النافلة أو الفرض؟ والأول أظهر؛ لأنه - ﷺ - لم يختلف عنه أنه أنكر التخلف عن الجماعات في حضور المساجد.

-----------
(١) برقم (٤٣٢) كتاب: الصلاة.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٧٧) ٢٠٩ كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.



٢٠

كتاب فضل الصلاة في مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمدْينَةِ


٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمدْينَةِ (١)
١ - باب فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ
١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ [بْنُ عُمَيْرٍ]، عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ - رضي الله عنه - أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً ح. [انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧،٤١٥ - فتح: ٣/ ٦٣]

١١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». [مسلم: ١٣٩٧ - فتح: ٣/ ٦٣]

١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ». [مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٦٣]

--------
(١) ليس في الأصل، والمثبت من الصحيح.


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
حديث قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخدري أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَكَانَ قد غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَى عَشْرَةَ غَزْوَةً.
ثانيها: حديث سعيد عن أبي هريرة: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَي ثَلًاثةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ -، وَمَسْجِدِ الآقصَى».
ثالثها: حديث أبي عبد الله الأغر -واسمه سلمان- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أيضًا: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا المَسْجِدَ الحَرَامَ».
الشرح:
حديث أبي سعيد أتى به في الباب بعده مطولًا، وفي آخره: «ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» كما سيأتي في الحج والصوم أيضًا (١)، ولم يخرجه غيره مجموعًا بتمامه من طريق قزعة عن أبي سعيد.
وفي بعض نسخ البخاري إيراده آخر الباب، وكذا ذكره أبونعيم، وأخرجه مسلم مقطعًا، قطعة في الحج: «لا تسافر المرأة» إلى آخره، ومثلها من حديث أبي صالح عنه (٢)، وقطعة في الصيام، وهي النهي عن صوم العيدين (٣)، وأخرجاه من حديث يحيى بن عمارة عن أبي

-----
(١) برقم (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة، باب: مسجد بيت المقدس، وبرقم (١٨٦٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء، وبرقم (١٩٩٥) كتاب: الصوم، باب: الصوم يوم النحر.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٨٢٧/ ٤١٥) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، وبرقم (١٣٤٠/ ٤٢٣) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع …
(٣) «صحيح مسلم» برقم (٨٢٧/ ١٤٠) كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.



سعيد (١) وقطعة في: «لا صلاة بعد الصبح» من حديث عطاء بن يزيد بن أبي سعيد (٢)، وأخرجه البخاري أيضًا كذلك (٣)، وابن ماجه من حديث قزعة عنه (٤)، وقطعة الباب «لا تشد» أخرجها هنا مختصرًا بدونها.
قَالَ الحميدي: أهمل، ولم يبين تمامه (٥). وأخرجها مسلم من حديث قزعة أيضًا في الحج، وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٦).
وذكر الدارقطني أنه اختلف فيه على قزعة، فذكره، ثم قَالَ: والصحيح قول من قَالَ: قزعة عن أبي سعيد (٧).
وقال الداودي: ذكر حديث أبي سعيد ولم يذكر ما فيه، ثم أتى بحديث أبي هريرة بعد. يعني أنهما جميعًا حدثا بالحديث. وقد ذكره بعد في باب: مسجد بيت المقدس، وذكر الأربع وأنهن أعجبنه.

---------------
(١) سيأتي برقم (١٩٩١) كتاب: الصوم، باب: صوم يوم الفطر، ومسلم برقم (٨٢٧/ ١٤١) كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
(٢) «صحيح مسلم» (٨٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٣) سلف برقم (٥٨٦) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس.
(٤) «سنن ابن ماجه» (١٢٤٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر.
(٥) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤٣٥.
(٦) «صحيح مسلم» (٨٢٧/ ٤١٥) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، و«سنن الترمذي» (٣٢٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في أي المساجد أفضل، و«سنن ابن ماجه» (١٤١٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس.
(٧) «علل الدارقطني» ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٧.



قَالَ ابن التين: وأضاف إليهن ابن مسلمة رابعًا، وهو مسجد قباء.
وحديث أبي هريرة الأول أخرجه مسلم أيضًا (١) (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث سلمان الأغر، عن أبي هريرة بلفظ: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء» (٣).
وشيخ البخاري فيه علي هو ابن المديني، وشيخه سفيان هو ابن عيينة. قَالَ الدارقطني: تفرد الزهري واختلف عنه فذكره، ثم قَالَ: وكلها محفوظة عنه (٤).
وحديثه الثاني أخرجه مسلم أيضًا (٥)، وقد رواه عن أبي هريرة غير الأغر، رواه عنه سعيد بن المسيب وأبو صالح، والوليد بن رباح، (م) وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وأبو سلمة، وعطاء (٦).

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٣٩٧) كتاب: الحج، باب: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
(٢) رمز الناسخ فوقها (د. س. ق) وانظر [أبو داود (٢٠٣٣)، النسائي ٢/ ٣٧، ابن ماجه (١٤٠٩)].
(٣) «صحيح مسلم» (١٣٩٧) ٥١٣.
(٤) «علل الدارقطني» ٩/ ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٥) «صحيح مسلم» (١٣٩٤) كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة ورمز الناسخ فوق مسلم (د. س. ق)، وانظر: [«سنن النسائي» ٢/ ٣٥ كتاب: المساجد، باب: فضل مسجد النبي - ﷺ - والصلاة فيه، و«سنن ابن ماجه» (١٤٠٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام].
(٦) رمز في الأصل فوق الرواة إشارة إلى مخرجي رواياتهم.
فرمز فوق سعيد بن المسيب (م. ق) [قلت انظر مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٥) وابن ماجه (١٤٠٤)]، ورمز فوق أبي صالح (م) [مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٨) وفيه قال: أخبرني عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه سمع أبا هريرة … فذكره]، ورمز فوق الوليد بن رباح (ت) لترمذي (٣٩١٦)]، ورمز فوق عبد الله بن إبراهيم بن قارظ (م) [مسلم =



قَالَ أبو عمر: لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث في «الموطأ» عن زيد بن رباح وعبيد الله بن عبد الله الأغر، عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة.
ورواه محمد بن مسلمة المخزومي عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس، وهو غلط فاحش وإسناده مقلوب، ولا يصح فيه عن مالك إلا حديثه في «الموطأ» عن زيد (١). كما سلف.
وروي عن أبي هريرة من طرق متواترة كلها صحاح ثابتة، وطرقه الدارقطني فأبلغ (٢)، ورواه ابن عمر وميمونة، وطرقه الدارقطني، وجابر وابن الزبير (٣) وإسناده حسن أخرجه أحمد، وأبو ذر أخرجه الطحاوي (٤).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليها من أوجه:

-------------
= (١٣٩٤/ ٥٠٧ - ٥٠٨)] ورمز فوق أبي سلمة (م) [مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٧)]، ورمز فوق عطاء (قط) [ولم أقف عليه في «سنن الدارقطني» وأشار إلى روايته في «العلل» فقال: ورواه عطاء بن أبي رباح، واختلف عنه، فرواه ابن المبارك عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وعائشة، وكذلك قال أبو مريم عن عطاء. ورواه الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير عن النبي - ﷺ -. اهـ «العلل» ٩/ ٣٩٧. قلت: انظر «المسند» ٢/ ٢٧٧، ٢٧٨].
(١) «التمهيد» ٦/ ١٦.
(٢) «علل الدارقطني» ٩/ ٤٨ - ٤٩ (١٦٣٤) و٩/ ٣٩٥ - ٤٠٠ (١٨١٦).
(٣) رمز في الأصل فوق ابن عمر (ق) [ابن ماجه (١٤٠٥) قلت: هو في مسلم (١٣٩٥) ورمز فوق ميمونة (خ. م. س) [البخاري لم أقف عليه فيه، ومسلم (١٣٩٦)، والنسائي ٢/ ٣٣]، ورمز فوق جابر (ق) [ابن ماجه (١٤٠٦)]، ورمز فوق ابن الزبير (قط) [ولم أقف عليه في «سننه» وذكره في تطريقه؛ لحديث أبي هريرة في «العلل» ٩/ ٣٩٨ وهو في «المسند» ٤/ ٥ كما عزاه إليه المصنف وسيأتي تخريجه].
(٤) رواه في «شرح مشاكل الآثار» ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٦٠٨).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2026, 11:02 PM   #250

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 221 الى صـــ 240
الحلقة (250)




أحدها:
قوله: («مسجد الأقصى») هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، وقد أجازه الكوفيون، وتأوله البصريون على الحذف. أي: مسجد المكان الأقصى، وسمي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام.
ثانيها:
فيه فضيلة هذِه المساجد الثلاثة وميزتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء عليهم السلام، وتفضيل الصلاة فيها، وشد الرحال -أي: سروج الجمال- إلى هذِه المساجد الثلاثة، وإعمال المطي إليها مشروع قطعًا.
واختلفوا في الشد والإعمال إلى غيرها كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها. وهو الذي أشار القاضي حسين إلى اختياره (١)، والصحيح عند أصحابنا، وهو مختار الإمام والمحققين: أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد: أن الفضيلة الثابتة إنما هي في شد الرحال إلى هذِه الثلاثة خاصة.
قَالَ ابن بطال: هذا الحديث في النهي عن إعمال المطي، إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة.
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: الذي قاله الشيخ محمى الدين في «شرح مسلم» أن القاضي عياضًا أشار إلى اختياره، والظاهر أن في نسخة شيخنا من «شرح مسلم» نقل ذلك عن القاضي وسقط منها (عياض) فالشافعية المتأخرون من الخراسانين إذا أطلقوا: القاضي. يريدون حُسينًا، فوضحه شيخنا فوهم (…).
وعبارة شيخنا هي عبارة النووي في «شرح مسلم» فلهذا غلب على ظني أنه القاضي عياض.



قَالَ مالك: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة فإنه يصلي في بلده إلا أن ينذر ذلك في المساجد الثلاثة، فعليه السير إليها، وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك، فمباح له قصدها بإعمال المطي وغيره، ولا يتوجه إليه النهي في الحديث.
وقال الخطابي: اللفظ لفظ خبر ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك فيها، يريد أنه لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذِه المساجد (١).

------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٤٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن موجودًا في الإسلام في زمن مالك، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم. فأما هذِه القرون التي أثنى عليها رسول الله - ﷺ - فلم يكن هذا ظاهرًا فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك، ولهذا لما سأل سائل لمالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي - ﷺ -. فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». وكذلك من يزور قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم، أو يطلب منهم الدعاء، أو يقصد الدعاء عندهم لكونه أقرب إجابة في ظنه، فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك، لا عند قبر النبي - ﷺ - ولا غيره، «مجموع الفتاوى» ٢٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
وقال أيضًا ردًا على من قال: إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين قربة، وإنه إن نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفي بهذا النذر. فقال: هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإن أطلقوا القول بأن السفر إلى زيارة قبر النبي - ﷺ -، قربه، أو قالوا هو قربة مجمع عليها: فهذا حق إذا عرف مرادهم بذلك، كما ذكر ذلك القاضي عياض، وابن بطال وغيرهما: فمرادهم السفر المشروع إلى مسجده، وما يفعل فيه من العبادة المشروعة التي تسمى زيارة لقبره، ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره. فهذا الإجماع على هذا المعنى صحيح لا ريب فيه. =



وقال ابن الجوزي: اختلف العلماء فيما إذا نذر أن يصلي في هذِه المساجد الثلاثة، فمذهب أحمد أنه يلزمه، وقال أبو حنيفة لا يلزمه بل يصلي حيث شاء. وعن الشافعي كالمذهبين. انتهى.
ولا يعترض بأن أبا هريرة أعمل المطي إلى الطور، فلما انصرف لقيه بصرة بن أبي بصرة، فأنكر عليه خروجه وقال له: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» (١) فدل أن مذهب بصرة حمل الحديث على العموم في

-----------
= ولكن ليس هذا إجماعًا على ما صرحوا بالنهي عنه، أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة.
والسفر لغير المساجد الثلاثة قد صرح مالك وغيره: كالقاضي إسماعيل، والقاضي عياض، وغيرهما: أنه منهي عنه، لا يفعله لا ناذر ولا متطوع، وصرحوا بأن السفر إلى المدينة وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين هو من السفر المنهي عنه ليس له أن يفعله، وإن نذره، سواء سافر لزيارة أي نبي من الأنبياء، أو قبر من قبورهم، أو قبور غيرهم. أو مسجد غير الثلاثة: فهذا كله عندهم من السفر المنهي عنه، فكيف يقولون: إنه قربة،
ولكن الإجماع على تحريم اتخاذه قربة لا يناقض النزاع في الفعل المجرد، وهذا الإجماع المحكي عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض المتأخرين إن وجد، ولكن إن وجد أن أحد من الصلحاء المعروفين من السلف قال: إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين كان هذا قادحًا في هذا الإجماع، ويكون في المسألة ثلاثة أقوال.
ولكن الذي يحكي الإجماع لم يطلع على هذا القول، كما يوجد ذلك كثيرًا لكثير من العلماء، ومع هذا فهذا القول يرد إلى الكتاب والسنة، لا يجوز إلزام الناس به بلا حجة، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين. «مجموع الفتاوى» ٢٧/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(١) رواه النسائي ٣/ ١١٣: ١١٥ كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة، ومالك ١/ ١٧٨ (٤٦٣) كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة، وعبد الرزاق ١/ ١٧٨ (٤٦٣) كتاب: المناسك، باب: ما تشد إليه الرحال، وأحمد ٦/ ٧، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٧ (٢٧٧٢) كتاب: الصلاة، بابك صلاة الجمعة،



النهي عن إعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة على كل حال، فدخل فيه الناذر والمتطوع؛ لأن بصرة إنما أنكر على أبي هريرة خروجه إلى الطور؛ لأن أبا هريرة كان من أهل المدينة التي فيها أحد المساجد الثلاثة التي أمر بإعمال المطي إليها، ومن كان كذلك فمسجده أولى بالإتيان.
وليس في الحديث أن أبا هريرة نذر السير إلى الطور، وإنما ظاهره أنه خرج متطوعًا إليه، وكان مسجده بالمدينة أولى بالفضل من الطور؛ لأن مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس أفضل من الطور.
وقد اختلف العلماء فيمن كان بالمدينة فنذر المشي إلى بيت المقدس، فقال مالك: يمشي ويركب. زاد الأوزاعي: ويتصدق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلي في مسجد المدينة أو مكة؛ لأنهما أفضل منه. وقال سعيد بن المسيب: يقومان مقام مسجد بيت المقدس.
وقال الشافعي: يمشي إلى مسجد المدينة والأقصى إذا نذر ذلك، ولا يتبين لي وجوبه؛ لأن البر بإتيان بيت الله فرض، والبر بإتيان هذين نافلة (١).
وقال ابن المنذر: من نذر المشي إلى المسجد الحرام والأقصى وجب عليه ذلك؛ لأن الوفاء به طاعة، وإن نذر الأقصى إن شاء مشى إليه، وإن شاء مشى إلى المسجد الحرام؛ لحديث جابر أن رجلًا قَالَ للنبي - ﷺ -: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.

------------
والطبراني ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (٢١٥٧ - ٢١٥٩)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٢٣٧، وصححه الألباني في «صحيح النسائي».
(١) انظر: «مغني المحتاج» ٤/ ٣٦٣.



قَالَ: «صل ها هنا» ثلاثًا (١).
وقال أبو يوسف: لا يقوم الأقصى مقام المسجد الحرام. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة ومحمد: أن من جعل لله عليه أن يصلي في مكان فصلى في غيره أجزأه. واحتج لهم الطحاوي بأن معنى حديث «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢) أن المراد به الفريضة لا النافلة؛ لقوله - ﷺ -: «خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٣).
وقال ابن التين: هذا الحديث دليل لنا على الشافعي، فإنه أعمل المطي إليهما، والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم بالنذر كالمسجد الحرام، وانفصل بعضهم بأن قَالَ: قد تشد الرحال إلى المسجد الحرام فرضًا للحج أو العمرة، وفي مسجد المدينة للهجرة في حياته، وكانت واجبة على الكفاية في قول بعض العلماء، فأما إلى بيت المقدس فهي فضيلة.
وقد يتأول الحديث على أنه لا يعتكف إلا في هذِه المساجد الثلاثة فيرحل إليها، وهو قول بعض السلف.
فرع:
إذا لزم المضي إليهما، فهل يلزمه المشي؟

--------------
(١) رواه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد ٣/ ٣٦٣، والحاكم ٤/ ٣٠٤ وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) سيأتي برقم (٦١١٣) كتاب: الأدب، باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله.
حديث زيد بن ثابت.



في «المدونة»: يأتيهما راكبًا. وقال ابن وهب: ماشيًا وإن بعد.
وقيل: إن كان قريبًا بالأميال مشى. وقيل: لا يمشي وإن كان ميلًا، وأما المسجد الحرام فإنه يأتيه ماشيًا.
ثالثها:
اختلف العلماء في تأويل قوله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» ومعناه كما قَالَ أبو عمر، فتأوله قومٌ، منهم ابن نافع صاحب مالك على أن الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف درجة، وأفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، وقال به جماعة من المالكيين، ورواه بعضهم عن مالك.
وذكر أبو يحيى الساجي قَالَ: اختلف العلماء في تفضيل مكة على المدينة، فقال الشافعي: مكة أفضل البقاع كلها، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين. وقال مالك والمدنيون: المدينة أفضل من مكة (١).
واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك، فطائفة يقولون: مكة، وطائفة يقولون المدينة. وعامة أهل الأثر والفقه (يقولون) (٢): إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - بمائة صلاة.
وقال القرطبي: اختلف في استثناء المسجد الحرام: هل ذلك أن المسجد الحرام أفضل من مسجده - ﷺ -، أو هو؛ لأن المسجد الحرام أفضل من غير مسجده؟ فإنه أفضل المساجد كلها والجوامع.

---------------
(١) انظر: «الذخيرة» ٤/ ٨٤.
(٢) من (ج).



وهذا الخلاف في أي البلدين أفضل؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة على سائر المساجد، إلا المسجد الحرام فبأقل من الألف، واحتجوا بما قَالَ عمر: صلاة في المسجد الإكرام غير من مائة صلاة فيما سواه (١).
ولا يقول عمر هذا من تلقاء نفسه، ولا من اجتهاده، فعلى هذا تكون فضيلة مسجده على المسجد الحرام بتسعمائة وعلى غيره بألف.
وذهب الكوفيون والمكيون وابن وهب وابن حبيب من أصحابنا إلى تفضيل مكة، واحتجوا بما زاد قاسم بن أصبغ وغيره في هذا الحديث من رواية عبد الله بن الزبير بعد قوله: «إلا المسجد الحرام» قَالَ: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة» (٢).
قَالَ: وهذا الحديث رواه عبد بن حميد وقال فيه: «بمائة ألف صلاة» (٣) وهذِه الروايات منكرة لم تشتهر عند الحفاظ، ولا خرّجها أصحاب الصحيح، ولا شك أن المسجد الحرام مستثنى من قوله: «من المساجد» وهي بالاتفاق مفضولة، والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه، فالمسجد الحرام مفضول، لكنه (يقال) (٤): مفضول بألف؛ لأنه قد استثناه منها، فلابد أن يكون له مزية على غيره من المساجد ولم يعينها الشرع، فيوقف فيها، أو يعتمد على قول عمر.

-------------
(١) رواه الحميدي في «مسنده» ٢/ ١٧٩ - ١٨٠ (٩٧٠).
(٢) رواه أحمد ٤/ ٥، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٥ (٤١٤٢) كتاب: المناسك، باب: إتيان المدينة وزيارة.
(٣) «المنتخب» ١/ ٤٦٥ (٥٢٠).
(٤) كذا بالأصل، ولعلها: لا يقال.



قَالَ: ويدل على صحة ما قلناه زيادة عبد الله بن قارظ بعد قوله: «إلا المسجد الحرام»: «فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد» (١) فربطُ الكلام بفاء التعليل مشعر بأن مسجده إنما فضل على المساجد كلها؛ لأنه متأخر عنها، ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء في الزمان، فتدبره (٢).
وقال عياض: أجمعوا على أن موضع قبره - ﷺ - أفضل بقاع الأرض (٣).
ومن دلائل تفضيل مكة: حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول -وهو واقف على راحلته بمكة-: «والله إنك لخير بلاد الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». رواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح (٤).
وعن عبد الله بن الزبير قَالَ رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي» حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في «مسنده»، والبيهقي وغيرهما بإسناد حسن (٥).

--------------
(١) رواه مسلم (١٣٩٤) ٥٠٧ كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة وأبو نعيم في «المستخرج» ٤/ ٥٥ - ٥٦ (٣٢١٨) كتاب: حرمة مكة والمدينة، باب: في فضل الصلاة في مسجد المدينة.
(٢) «المفهم» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦.
(٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٥١١.
(٤) «سنن الترمذي» (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: في فضل مكة.
و«السنن الكبرى» للنسائي ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (٤٢٥٢ - ٤٢٥٣) كتاب: الحج، باب: فضائل مكة والمدينة. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٥) رواه أحمد ٤/ ٥، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٦٥ (٥٢٠)، والبزار كمال في «كشف الأستار» ١/ ٢١٤ (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في المساجد =



قَالَ أبو عمر (١): وأما تأويل ابن نافع فبعيد عند أهل المعرفة باللسان ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة ضعف،، وتسعة وتسعين ضعفًا.
وإذا كان هكذا، لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع.
ثم ساق بإسناده إلى ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن عتيق، سمعت ابن الزبير، سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه -يعني من المساجد- إلا مسجد رسول الله.
فهذا عمر، وابن الزبير، ولا مخالف لهما من الصحابة يقول: تفضل الصلاة في المسجد الحرام على مسجد المدينة.
وتأول بعضهم هذا الحديث أيضًا عن عمر على أن الصلاة في مسجد المدينة خير من تسعمائة صلاة في المسجد الحرام، وهذا تأويل لا يعضده أصل.
وزعم بعض المتأخرين أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة، ومن غيره بألف صلاة،

-----------
= الثلاث وقال: اختلف على عطاء ولا نعلم أحدًا قال: فإنه يزيد على مائة، إلا ابن الزبير، ورواه عبد المالك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة أو عائشة، ورواه ابن أبي ليلى عن عطاء، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٩٩ (١٦٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المساجد. والبيهقي ٥/ ٢٤٦ كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ -. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٥٠٤. وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في «الكبير»، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح.
وقال الذهبي في «المهذب» ٤/ ٢٠٠٧ (٨٥٠٨): سنده صالح.
(١) «التمهيد» ٦/ ١٨ - ٣٤ وسيطيل النفل عنه.



واحتج بحديث ابن الزبير عن عمر المذكور. قَالَ: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه مختلف في إسناده وفي لفظه، وقد خالفه فيه من هو أثبت منه.
واستدلوا بحديث سليمان بن عتيق، عن ابن الزبير، سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد رسول الله - ﷺ -، فإنها فضيلة عليه بمائة صلاة. فهذا حديث سليمان فيه من نقل الثقات نصًّا خلاف ما تأولوه.
وذكر حديث ابن عمر الذي فيه أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجده - ﷺ -. قَالَ: وروي عن أبي الدرداء وجابر مثل ذلك بزيادة: «وفي بيت المقدس بخمسمائة» (١).
وقال عبد الله بن مسعود: ما للمرأة أفضل من صلاة بيتها إلا المسجد الحرام (٢).
وهذا تفضيل منه للصلاة فيه على الصلاة في مسجد الرسول؛ وقد قَالَ لأصحابه: «صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» (٣).
وقد اتفق مالك، وسائر العلماء على أن صلاة (الفرض) (٤) يبرز لها في كل بلد إلا مكة فإنها تصلى في المسجد الحرام. فهذا عمر، وعلي،

-------------
(١) حديث أبي الدرداء، رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥ (٤١٤٠) في فضل الحج والعمرة. وانظر: «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
وحديث جابر، فرواه أيضًا البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٦ (٤١٤٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ١٥٨ (٧٦١٣)، والبيهقي ٣/ ١٣١.
(٣) سلف برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل بمعناه.
(٤) كذا في الأصل، وفي «التمهيد» ٦/ ٣١ - وهوالمصدر الذي ينقل منه المصنف هنا-: العيدين، وهو أصوب.



وابن مسعود، وأبو الدرداء، وجابر يفضلون مكة ومسجدها، وهم أولى بالتقليد ممن تقدمهم (١).
واستدل بعض أصحاب مالك على تفضيل المدينة بقوله - ﷺ -: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» أو «ما بين بيتي ومنبري روضة» الحديث (٢).
وركبوا عليه قوله: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٣) ولا دلالة فيه كما قَالَ أبو عمر (٤)؛ لأن قوله هذا إنما أراد ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها، وأراد بذكر السوط على التقليل، بل موضع نصف سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية. قَالَ: وإني لأعجب ممن ترك قول رسول الله - ﷺ - إذ وقف بمكة على الحزورة، وقيل: على الحجون، فقال: «والله إني لأعلم أنك خير أرض الله، وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» وهذا حديث صحيح. وقد سلف (٥).

------------
(١) كذا في الأصل، وفي «التمهيد» ٦/ ٣٤: بعدهم. وهوالصواب وها هنا انتهى كلام ابن عبد البر ٦/ ١٨ - ٣٤ بتصرف.
(٢) سيأتي برقم (١١٩٦) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل ما بين القبر والمنبر. مقتصرًا على الجزء الثاني منه.
ورواه مسلم كاملًا برقم (١٣٩١) كتاب: الحج، باب: ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة. ولم يأت في رواية صحيحة (قبري) بل: (بيتي) فليعلم.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٥٠) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٤) «التمهيد» ٢/ ٢٨٧ - ٢٩٠.
(٥) رواه الترمذي برقم (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: فضل مكة قال أبو عيسى، حسن غريب صحيح. والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٧٩، برقم (٤٢٥٢) كتاب: الحج =



وذكره من طريق عبد الله بن عدي بن الحمراء، ومن طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قَالَ: وقد روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها.
لكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة. وكان مالك يقول: مِنْ فضل المدينة على مكة أني لا اعلم بقعة فيها قبر نبي معروف غيرها. كأنه يريد ما لا يُشك فيه (١).
وعن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: اختلفوا في دفن رسول الله - ﷺ - فقال أبو بكر: سمعته يقول: «لا يقبض نبى إلا في أحب الأمكنة إليه» فقال: ادفنوه حيث قُبض. وفي لفظ: حيث قبضه الله؛ فإنه لم تقبض روحه إلا في مكان طيب (٢).
وروى ابن عبد البر في أواخر «تمهيده» عن عطاء الخرساني أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية [طه: ٥٥] (٣) واختلف هل يراد بالصلاة هنا الفرض أو

-------------
= باب: فضائل مكة والمدينة. وابن ماجه (٣١٠٨)، كتاب: المناسك، باب: فضل مكة. وأحمد في «المسند» ٤/ ٣٠٥، برقم (١٨٧١٥). والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٢٤٤. والحاكم: ٣/ ٧، كتاب: الهجرة وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. والمزي في «التهذيب» ١٥/ ٢٩٢. وفي «أسد الغابة» ٣/ ٣٣٦ برقم (٣٠٦٨). وصححه الألباني في «صحيحى الترمذي وابن ماجه».
(١) انتهى كلام ابن عبد البر.
(٢) رواه الترمذي (١٠١٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة. وقال: حديث غريب. والبزار في «البحر الزخار» ١/ ١٣٠ (٦٠ - ٦١). وأبو يعلى في «مسنده» ١/ ٤٦ (٤٥). وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٣) «التمهيد» ٢٤/ ٤٠٠.



أعم منه؟ وإلى الأول ذهب الطحاوي (١)، وإلى الثاني ذهب مطرف من أصحاب مالك. ومذهبنا أنه أعم.
فتقرر أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف هذا ما نعتقده، وفي مسجد المدينة بألف. وقد أسلفنا عن الأقصى أنها بخمسمائة، وفي حديث أبي ذر بمائتين وخمسين صلاة (٢).
وفي حديث ميمونة بألف (٣)، وهو من باب الترقي والفضل، كما نبه عليه الطحاوي.
ثم النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد الثلاثة، ثم هذا فيما يرجع إلى الثواب، ولا يتعدى إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في المسجد الحرام صلاة لم تجزئه عنهما بالاتفاق. ثم الفضيلة في الصلاة في مسجده خاص بنفس مسجده

------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٨.
(٢) رواه الطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ١/ ٤٤٤ - ٤٤٦ (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: بيان مشكل ما روي عنه - عليه السلام - في المساجد لا تشد الرحال إلا إليها ..، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٤٨ (٨٢٣٠). والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٦ (٤١٤٥) باب: في المناسك، فضل الحج والعمرة. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا الحجاج، وسعيد بن بشير، تفرد به عن الحجاج: إبراهيم بن طهمان، وتفرد به عن سعيد: محمد بن سليمان بن أبي داود.
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٧ كتاب: الحج، باب: الصلاة في المسجد الحرام.
وقال: الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه النسائي ٢/ ٣٣ كتاب: المساجد، باب: فضل الصلاة في المسجد الحرام.
وأحمد ٦/ ٣٣٣. والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٣٠٢ ترجمة (٩٥٨). وأبو يعلى ١٣/ ٣٠ - ٣١ (٧١١٣). والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٦. والبيهقي ١٠/ ٨٣ كتاب: النذور، باب: من لم ير وجوبه بالنذر.



الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده (١)، فيحرص المصلي على ذلك.
وقال ابن بطال: كلا الطائفتين في تفضيل مكة والمدينة يرغب لحديث أبي هريرة: «صلاة في مسجدي هذا» إلى آخره. ولا دلالة فيه أو أحد منهما، وإنما يفهم منه أن صلاة في مسجده - ﷺ - خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد.
ثم استثنى المسجد الحرام. وحكم الاستثناء عند أهل اللسان إخراج الشيء بما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما، وإدخاله فيما خرج منه هو وغيره بلفظ شامل لهما.
وقد مثل بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في الحديث بمثال بيَّن معناه.
فإن قلتَ: اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق، جاز أن يكون العراق مساويًا لليمن، وجاز أن يكون فاضلًا، وأن يكون مفضولًا. فإن كان مساويًا فقد علم فضله، وإن كان فاضلًا أو مفضولًا لم يقدر مقدار المفاضلة بينهما إلا بدليل على عدة درجات، إما زائدة على ذلك، أو ناقصة عنها، فيحتاج إلى ذكرها (٢).
واحتج من فضل مكة من طريق النظر أن الرب ﷻ فرض على عباده قصد بيته الحرام مرة في العمر، ولم يفرض عليهم قصد مسجد المدينة.
قالوا: ومن قول مالك: أن من نذر الصلاة في مسجد المدينة

---------
(١) ورد بهامش الأصل: كذا قاله النووي، وخالفه المحب الطبري وذكر لما قاله حديثًا من عند ابن النجار صاحب «تاريخ المدينة» البغدادي، وأثرًا عن عمررضي الله عنه - وكذا ذكره في «مناسكه» كما ذكره في «أحكامه».
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٨٠ - ١٨١.



والمشي إليه، أنه لا يلزمه المشي إليه، وعليه أن يأتيه راكبًا، ومن نذر المشي إلى مكة، فإنه يمشي إليها ولا يركب، فدل هذا من قوله أن مكة أفضل؛ لأنه لم يوجب المشي إليها إلا لعظيم حرمتها، وكبير فضلها. والمراد بقوله: «خير من ألف صلاة» أنها أكثر ثوابًا. قَالَ ابن حبيب: وذلك إذا كان عدد الرجال المصلين فيه دون ذلك، وأما إن كانوا أكثر من ذلك فالثواب على عدد تضعيفهم. وكذلك قَالَ في تضعيف صلاة الجماعة بخمسة وعشرين جزءًا في مسجد أو غيره على صلاة الفذ.
قَالَ: وفي صلاة المسجد الحرام بمائة ألف فيما سواه، وهذا سلف، وفي مسجد إيلياء بخمسمائة على ما سواه، وفي الجامع حيث المنبر والخطبة بخمس وسبعين على ما سواه من المساجد. قَالَ في ذلك كله: إن كانوا أكثر مما في الموضع من التضعيف كان التضعيف على العدد، وإن كانوا أقل أو مثل ذلك فعلى ما جاء فيه. قَالَ: وبذلك جاءت الروايات.
فائدة: في «الأوسط» للطبراني من حديث أبي هريرة «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الخيف، ومسجد الحرام، ومسجدي هذا» ثم قَالَ: لم يروه عن كلثوم إلا حماد بن سلمة (١). ولم يذكر مسجد الخيف في شد الرحال إلا في هذا الحديث.
وقال البخاري: لا يتابع خُثيم في ذكر مسجد الخيف، ولا يعرف له سماع من أبي هريرة (٢).

-----------
(١) «الأوسط» ٥/ ٢١١ (٥١١٠).
(٢) «التاريخ الكبير» ٣/ ٢١٠ (٧١٨) ترجمة: خثيم بن مروان.



ومن الموضوعات من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إلحاق مسجد الجَنَد بالثلاثة (١). وقد أسلفنا عن ابن التين أن ابن مسلمة أضاف إليهن رابعًا، وهو: مسجد قباء.
فائدة:
فضلت مكة المدينة من وجوه:
وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان.
ووجوب الإحرام لهما.
إقامته بمكة ثلاث عشرة أو خمس عشرة بخلاف المدينة فإنه عشر سنين.
أنها أكثر طارقًا من المدينة سيما من الأنبياء والمرسلين، آدم فمن دونه الذين حجوها.
التقبيل والاستلام.
وجوب استقبال كعبتها حيثما كنا.
حرمة استدبارها واستقبالها عند قضاء الحاجة.
أن حرمتها يوم خلق الله السماوات والأرض.
بوأها الله تعالى لإبراهيم، وابنه إسماعيل. ومولدًا لسيد الأمة. حرمًا آمنًا في الجاهلية والإسلام.
قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] عبر بالمسجد الحرام عن الحرم كله.
الاغتسال لها، وكذا المدينة.

-------------
(١) ذكره في «التمهيد» ٣٨/ ٢٣. وقال: حديث منكر لا أصل له.


٢ - باب مَسْجِدِ قُبَاءٍ
١١٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -[هُوَ: الدَّوْرَقِيُّ]- حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ لَا يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى إِلاَّ فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. [١١٩٣، ١١٩٤، ٧٣٢٦ - مسلم: ١٣٩٩ - فتح: ٣/ ٦٨]

١١٩٢ - قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا. [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٣/ ٦٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّه - ﷺ - كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
ثم ترجم عليه:


٣ - باب مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ
١١٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا.
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ. [انظر: ١١٩١ - مسلم: ١٣٩٩ - فتح: ٣/ ٦٩]
ثم ذكره بزيادة: كُلَّ سَبْتٍ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ.
ثم ترجم عليه:


٤ - باب إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا
١١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِى قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ١١٩١ - مسلم: ١٣٩٩ - فتح: ٣/ ٦٩]
ثم ذكره بزيادة: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.
فأما الحديث الأول فأخرجه مسلم (١)، وكذا الثالث (٢) والثاني أخرجاه (٣).
وزعم الطرقي أن أبا داود أخرجه ولم يعزه ابن عساكر إليه. وفي «أخبار المدينة» لابن شبة من حديث جابر أنه - ﷺ - كان يأتيه صبيحة سبع عشرة من رمضان (٤).
ومن حديث الدراوردي عن شريك بن عبد الله: كان رسول الله - ﷺ - يأتي قباء يوم الاثنين. و(قباء) يذكر ويؤنث، ويمد ويقصر، ويصرف ولا يصرف، ست لغات، والأفصح المد مع التذكير والصرف.
ومنع ابن التين القصر فقال: هو ممدود على كل حال. وهو من عوالي المدينة قريب منها. وقال في «المطالع»: إنه على ثلاثة أميال منها. قَالَ: وأصله باسم بئر هناك، وألفه واو.

-------------
(١) «صحيح مسلم» برقم (١٣٩٩) كتاب: الحج، باب: فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (١٣٩٩) السابق.
(٣) «صحيح مسلم» برقم (٨٢٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التى نهي عن الصلاة فيها.
(٤) «أخبار المدينة المنورة» ١/ ٤٤.



وقال البكري: وقباء موضع آخر في طريق مكة من البصرة (١)، وهو مسجد بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسس على التقوى على قول ستعلمه. وأول من وضع فيه حجرًا رسول الله - ﷺ -، ثم أبو بكر، ثم عمر.
والحديث دال على فضله، وفضل مسجده والصلاة فيه، وزيارته راكبًا وماشيًا، وهكذا جميع المواضع الفاضلة تزار كذلك.
وفي إتيانه إياه يوم السبت دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك.
وأصل مذهب مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب إلا ما ثبت به توقيف، حكاه القرطبي (٢).
وقال النووي: الصواب جواز تخصيص بعض الأيام (بالزيارة) (٣)، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك. ولعله لم تبلغه الأحاديث (٤).
ثم إتيانه مسجد قباء دال على أن ما قرب من المساجد الفاضلة التي في المصر لا بأس أن يؤتى ماشيًا وراكبًا، ولا يكون فيه ما نهى أن تعمل المطي إليه، قاله الداودي، قَالَ: ولم يذكر فيه أنه كان يصلي فيه إذا أتاه ضحى، وكان هو يصلي فيه؛ لئلا يخرج منه حتى يصلي. وقال بعضهم: إتيانه إياه مع أن مسجده أفضل؛ لتكثر المواضع التي يتقرب إلى الله فيها.
قَالَ ابن التين: وهذا كما قَالَ مالك أن التنفل في البيوت أحب إليه منه في مسجد الرسول إلا للغرباء، فإن تنفلهم في مسجده أحب إليه.

--------------
(١) «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٤٥ - ١٠٤٦.
وانظر: «معجم البلدان» ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٢) «المفهم» ٣/ ٥١٠.
(٣) في الأصل: بالزيادة، خطأ.
(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٧١.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2026, 11:23 PM   #251

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 241 الى صـــ 260
الحلقة (251)






وقال ابن رشد: إنما كان يأتيه لمواصلة الأنصار، والاجتماع بهم فيه، لا لصلاة فريضة، ولا نافلة؛ لأن صلاة الفريضة في مسجده، والنافلة في بيته أفضل.
وقال الطحاوي: ما روي من إتيانه ليصلي فيه ليس من كلامه - ﷺ -، فيحتمل أن يكون الراوي قاله من عنده؛ لعلمه أنه (لا يجلس) (١) فيه إلا صلى فيه قبل أن يجلس. على أن قوله: (فيصلي فيه) حرف انفرد به واحد من الرواة، وعسى أن يكون وهمًا؛ لأن الجماعة أولى بالحفظ من الواحد. فأما صلاته في بيته التطوع فأفضل من الصلاة في مسجده. ومسجده فوق مسجد قباء في الفضل، فتكون صلاته في مسجد قباء لأجل التحية.
وجاء في مسجد قباء: «صلاة فيه كعمرة»رواه ابن ماجه، والترمذي من حديث أسيد بن ظهير الأنصاري - رضي الله عنه -. قَالَ الترمذي: وفي الباب عن سهل بن حنيف: وحديث أسيد غريب، لا نعرف له شيئًا يصح غيره (٢).
ورواه ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه مرفوعًا (٣)، وروي (عن) (٤) سعد بن أبي وقاص، وابن عمر أنهما قالا ذلك (٥).

-------------
(١) في الأصل: ليجلس. وهو خطأ، وما أثبثناه الموافق للسياق.
(٢) «سنن الترمذي» برقم (٣٢٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد قباء. و«سنن ابن ماجه» برقم (١٤١١) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد قباء.
وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١١٥٩).
(٣) «المصنف» ٢/ ١٥١ (٧٥٢٩) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة في مسجد قباء.
(٤) من (ج).
(٥) «المصنف» ٢/ ١٥١ (٧٥٣١ - ٧٥٣٢).



واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى على قولين:
أحدهما: أنه مسجد المدينة، قَالَه ابن عمر، وابن المسيب (١)، ومالك في رواية أشهب (٢).
ووجهه ما أخرجه الترمذي من حديث أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قَالَ: امترى رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله - ﷺ -. وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا رسول اللهﷺ - في ذلك، فقال: «هذا -يعني: مسجده- وفي ذلك خير كثير» قَالَ الترمذي: حديث حسن صحيح (٣).
ورواه وكيع، عن ربيعة بن عثمان، حَدَّثَني عمران بن أبي أنس، عن سهل قَالَ: اختلف رجلان فذكره (٤).

-----------
(١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠ - ١٥١ (٧٥٢٢ - ٧٥٢٤)، (٧٥٢٦) كتاب: الصلوات، باب: في المسجد الذي أسس على التقوى.
(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ٢٥٩.
(٣) «سنن الترمذي» برقم (٣٢٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى.
وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٦٦).
(٤) روى هذا الحديث ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ١٥٠ (٧٥٢١) كتاب: الصلوات، باب: في المسجد الذي أسس على التقوى، وأحمد ٥/ ٣٣١، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٢٠ (٤٦٦)، والطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٧٥ (١٧٢٣٢)، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٨٢ (١٦٠٤) كتاب: الصلاة، باب: المساجد، والطبراني ٦/ ٢٠٧ (٦٠٢٥).
وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٣٤، وقال: رواه كله أحمد والطبراني باختصار ورجالهما رجال الصحيح.



وعن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - مثله (١).
وذكر الدارقطني عن كثير بن الوليد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن النبي - ﷺ - مثله. وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب، ومالك بن أنس.
والثاني: أنه مسجد قباء، وهو قول مجاهد، وعروة، وقتادة (٢)، والبخاري -فيما حكاه ابن التين- وابن عباس، والضحاك، والحسن (٣) فيما حكاه ابن النقيب. قَالَ تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ وهذا يقتضي السبق، ومسجد قباء أسبق ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] وهم أهل مسجد قباء. كما أخرجه الترمذي من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة. وقال: غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي أيوب، وأنس، ومحمد بن عبد الله بن سلام (٤). وأخرجه الدارقطني من حديث أبي أيوب، وجابر، وأنس، وكذا الطحاوي من حديثهم (٥).

----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠ (٧٥٢٠) كتاب: الصلوات، باب: في المسجد الذي أسس على التقوى، والطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٧٤ (١٧٢٢١)، والحاكم ٢/ ٣٣٤ كتاب: التفسير.
وقال الذهبي: صحيح.
(٢) ذكر عنهم ذلك ابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٥٠١.
(٣) رواه عن ابن عباس الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٧٤ (١٧٢٢٦ - ١٧٢٢٧).
وذكرها عنهم جميعًا ابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٥٠١.
(٤) «سنن الترمذي» (٣١٠٠) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة- وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٥) «شرح مشكل الآثار» ١/ ٤٢١ - ٤٢٢ (٣٩٨) (تحفة) وقال: حديث متصل.



قَالَ ابن العربي: وثبت أن ناسًا من المنافقين بنوا مسجدًا، وكانوا ينتمون إلى بني عمرو بن عوف، وقالوا: يا رسول الله، بنيناه لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، وقصدوا الفرار به عن مسجد قباء، فاعتذر رسول الله - ﷺ - لسفره، وأخرهم إلى قدومه (١). فلما قدم أنزل الله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية. قَالَ: ولا خلاف أنهم أهل قباء. والأثر مشهور جدًّا صحيح عن جماعة لا يحصون عدًّا، فهو أولى من العمل بحديث أبي سعيد.
وبوب البخاري في باب هجرة النبيﷺ -: أسس النبي - ﷺ - في بني عمرو بن عوف المسجد الذي أسس على التقوى (٢). ولا شك أن أولئك الرجال قد كانوا في مسجده - ﷺ -؛ لأن مسجده كان معمورًا بالمهاجرين والأنصار، وما سواهم ممن صحبه، قاله الطحاوي (٣).
قَالَ: والحديث الذي ذكره ابن العربي روي عن سعيد بن جبير، وهو منقطع لا تقاوم بمثله الأحاديث المتصلة، قَالَ: فثبت أنه مسجد المدينة لا مسجد قباء (٤).

-----
(١) «أحكام القرآن» ٢/ ١٠١٢.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٠٦) كتاب: مناقب الأنصار. وهو حديث طويل.
(٣) «شرح المشكل» ١/ ٤٢٣.
(٤) القائل الذي عناه المصنف في هذِه العبارة هو الطحاوي، وهو نص كلامه في «شرح المشكل» ١/ ٤٢٣ لكنه خلط في قوله: والحديث الذي ذكره ابن العربي فلا يمكن للطحاوي أن ينقل عن ابن العربي؛ لأن الطحاوي توفي في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وولد ابن العربي في سنة ثمان وستين وأربعمائة!
لكن المصنف يقصد أن الطحاوي ذكر الحديث الذي ذكره ابن العربي وهو الحديث الذي رواه الطحاوي (٤٢٠): حدثنا: إبراهيم بن مرزوق، حدثنا عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: .. الحديث.



قَالَ السهيلي وغيره: وبمكن أن يكون كلاًّ منهما أسس على التقوى، غير أن قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يرجح الأول؛ لأن مسجد قباء أسس قبل مسجده، غير أن اليوم قد يراد به المدة والوقت، وكلاهما أسس على هذا من أول يوم، أي: من أول عام من الهجرة.
وقد اختلف فيمن نذر الصلاة في مسجد قباء، فذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه أوجبه فيه. وفي كتاب ابن المواز: لا، إلا أن يكون قريبًا جدًّا فليأته، فليصل فيه.
قَالَ ابن حبيب: قَالَ مالك: إن كان معه في البلد مشى إليه وصلى فيه.
وقال ابن التين: أوجب ابن عباس مشيه على من نذره من المدينة.
قَالَ: ولا خلاف أن إتيانه قربة لمن قرب منه، وليس ذلك بمخالف للنهي عن شد الرحال لغير الثلاثة؛ لأن إتيانه من المدينة ليس من باب شد الرحال، ولا إعمال المطي؛ لأنه من صفات الأسفار المتباعدة، وقطع المسافات الطويلة، ولا يدخل في ذلك أيضًا ركوبه إلى مسجدٍ قريب لجمعة وغيرها؛ لأنه جائز إجماعًا، بل هو واجب في بعض الأحيان.
ولو أن آتيًا أتى قباء من بلد بعيد، وتكلف فيه من السفر ما يوصف بشد الرحال، وإعمال المطي لكان مرتكبًا للنهي على هذا القول.
وقال محمد بن مسلمة في «المبسوط»: من نذر أن ياتى مسجد قباء فيصلي فيه لزمه ذلك. والأول أظهر (١).

-----
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد التسعين. كتبه مؤلفه، غفر الله له.


٥ - باب فَضْلِ مَا بَيْنَ القَبْرِ وَالمِنْبَرِ
١١٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْر، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ المَازِنِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ». [مسلم: ١٣٩٠ - فتح: ٣/ ٧٠]

١١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». [١٨٨٨، ٦٥٨٨، ٧٣٣٥ - مسلم: ١٣٩١ - فتح: ٣/ ٧٠]
ذكر فيه حديث عبد الله (س) بن زيد المازني أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ».
وحديث خبيب بن عبد الرحمن -بضم الخاء المعجمة- عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: … بمثله وزاد: «وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
أخرجهما مسلم في الحج (١)، والثاني يأتي في الحج، والحوض، والاعتصام (٢).
وروى الثاني مالك به، لكنه قَالَ: عن أبي هريرة، أو أبي سعيد (٣)،

-------
(١) «صحيح مسلم» برقم (١٣٩٠ - ١٣٩١) باب: ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة.
(٢) برقم (١٨٨٨) كتاب: فضائل المدينة، باب: كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة، وبرقم (٦٥٨٨) كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، وبرقم (٧٣٣٥) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم ..
(٣) «الموطأ» ١/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٥١٨) في الجمعة، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد.



وانفرد معن بن عيسى، وروح بن عبادة فقالا: عن أبي هريرة، وأبي سعيد من غير شك (١).
وروي عن مالك بإسقاط أبي سعيد (٢). والحديث محفوظ لأبي هريرة، نبه على ذلك أبو عمر (٣).
قَالَ الداني في «أطرافه»: وتابع عبيد الله العمري عن خبيب جماعة (٤). ورواه محمد بن سليمان البصري، عن مالك، عن ربيعة، عن سعيد، عن ابن عمر قَالَ: أخبرني أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «وضعت منبري على ترعة من ترع الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (٥) ولم يتابع عليه، وابن سليمان ضعيف.
وروى أحمد بن يحيى الكوفي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» (٦) وهو إسناد

---------------
(١) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٢٨٥.
(٢) هذِه الرواية في «التمهيد» ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٣) «التمهيد» ٢/ ٢٨٦.
(٤) «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ» ٣/ ٢٦٨.
(٥) رواه الطحاوي في «المشكل- تحفة الأخيار» ٣/ ٣٧٠ (١٨٧٠) في الحج، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله: «بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ٤/ ٧٢، وأبونعيم في «الحلية» ٣/ ٢٦٤، ٦/ ٣٤١، وقال: هذا حديث غريب من حديث ربيعة تفرد به محمد بن سليمان عن مالك عنه. قلت: ومحمد بن سليمان. قال ابن عبد البر: ضعيف، وقال الأسدي: منكر الحديث. «لسان الميزان» ٦/ ١٥٢ ترجمة (٧٤٩٢).
(٦) رواه بهذا الإسناد الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ٣٧١ (١٨٧٣) كتاب: الحج، باب: مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله: «بين قبري ومنبري ..»، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ٤/ ٧٢، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٢/ ١٦٠.



خطأ كما قاله أبو عمر (١). ومن الموضوعات: حديث ابن عمر المرفوع: «ما بين منبري وقبري و(اصطوانة) (٢) التوبة روضة من رياض الجنة» (٣).
إذا تقرر ذلك، فالصحيح في الرواية: «بيتي» وروي مكانه: «قبري»، وجعله بعضهم تفسيرًا و«بيتي»، قاله زيد بن أسلم، والظاهر بيت سكناه، والتأويل الآخر جائز؛ لأنه دفن في بيت سكناه. وروي: «ما بين حجرتي ومنبري» (٤) والقولان متفقان؛ لأن قبره في حجرته، وهي بيته.
وقام الإجماع على أن قبره أفضل بقاع الأرض كلها، والروضة في كلام العرب: المكان المطمئن من الأرض فيه النبت والعشب (٥). وحمل كثير من العلماء الحديث على ظاهره فقالوا: ينقل ذلك الموضِع بعينه إلى الجنة، قَالَ تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] دلت أن الجنة تكون في الأرض يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به أن العمل الصالح في ذلك الموضع يؤدي بصاحبه إلى الجنة كما قَالَ - ﷺ -: «ارتعوا في رياض الجنة» (٦) يعني: حلق الذكر والعلم لما كانت مؤدية

----------
(١) «التمهيد» ١٧/ ١٨١.
(٢) كذا بالأصل، والتصحيح من «اللسان» و«القاموس».
(٣) رواه الإسماعيلي في «مسند عمر بن الخطاب» كما في «لسان الميزان» ٤/ ٦٤ في ترجمة عبد الملك بن زيد الطائي، من حديث عمر لا ابنه.
(٤) رواه أحمد ٢/ ٥٣٤.
(٥) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٧٧٥.
(٦) رواه الترمذي برقم (٣٥٠٩) كتاب: الدعوات، قال: هذا حديث حسن غريب. عن أبي هريرة.
وله شاهد رواه الترمذي برقم (٣٥١٠) كتاب: الدعوات. قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس.
وأحمد ٣/ ١٥٠، وأبو يعلى ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٦٤٣ - ١٦٤٤ (١٨٩٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٣٩٨ (٥٢٩) باب: =



إلى الجنة، فيكون معناه التحريض على زيارة قبره - رضي الله عنه -، والصلاة في مسجده، وكذا: «الجنة تحت ظلال السيوف» (١) واستبعده ابن التين، وقال: يؤدي إلى السفسطة والشك في العلوم الضرورية. وقال: إنها من رياض الجنة الآن، حكاه ابن التين، وأنكره. قَالَ: والعمل على التأويل الثاني يحتمل وجهين:
أحدهما: أن اتباع ما يتلى فيه من القرآن والسنة يؤدي إلى رياض الجنة، فلا يكون فيها للبقعة فضيلة إلا لمعنى اختصاص هذِه المعاني دون غيرها.
والثاني: أن يريد أن ملازمة ذلك الموضع بالطاعة يؤدي إليها؛ لفضيلة الصلاة فيه على غيره. قَالَ: وهو أبين؛ لأن الكلام إنما خرج على تفضيل ذلك الموضع، وذلك أن مالكًا في «موطئه» أدخله في فضل الصلاة في مسجده على سائر المساجد (٢)، ويشبه أن يكون تأول هذا الوجه، وإنما خصت الروضة بهذا؛ لأنها ممره بينه وبين منبره، ولصلاته فيها.
وقال الخطابي: معنى الحديث تفضيل المدينة، وخصوصًا البقعة

--------
= في محبة الله -عز وجل-. من حديث أنس.
وله شاهد رواه أبو يعلى في «مسنده» ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١ (١٨٦٥ - ١٨٦٦)، والحاكم ١/ ٤٩٤ - ٤٩٥ كتاب: الدعاء. وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: عمر ضعيف.
والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (٥٢٨) باب: في محبه الله -عز وجل-. من
حديث جابر
وضعف الألباني الأول في «ضعيف الترمذي».
وحسَّن الثاني في «صحيح الترمذي».
(١) سيأتي برقم (٢٨١٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجنة تحت بارقة السيوف.
(٢) «الموطأ» ١/ ٢٠١ - ٢٠٢ في الجمعة، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد.



التي بين البيت والمنبر، يقول: من لزم الطاعة فيها آلت به إلى روضة من رياض الجنة، ومن لزم العبادة عند المنبر سقي في الجنة من الحوض (١).
وقال أبو عمر: كأنهم يعنون أنه لما كان جلوسه، وجلوس الناس إليه يتعلمون القرآن والدين والإيمان هناك شبه ذلك الموضع بروضة لكريم ما يجتبى فيه، وإضافتها للجنة؛ لأنها تقود إليها كما قَالَ: «الجنة تحت ظلال السيوف»، يعني أنه عمل يوصل بذلك إلى الجنة، وكما يقال: الأم باب من أبواب الجنة. يريد أن برها يوصل المسلم إلى الجنة (٢). مع أداء فرائضه، وهذا جائز شائع مستعمل في لسان العرب تسمية الشيء بما يئول إليه ويتولد عنه.
قَالَ: وقد استدل أصحابنا على أن المدينة أفضل من مكة بهذا الحديث، وركّبوا عليه قوله - ﷺ -: «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٣). ولا دليل فيه، وقد سلف. وقوله - ﷺ -: («ومنبري على حوضي») أي: بجانبه، قاله الداودي. قَالَ ابن التين: وفيه نظر. وفي رواية أخرى سلفت: «على ترعة من ترع الجنة» (٤) والترعة: الدرجة (٥).
والأظهر: أن المراد به منبره الذي كان يقوم في الدنيا عليه، يعيده الله بعينه، ويرفعه، ويكون في الحوض، ونقله القاضي عن أكثر العلماء (٦).
وقيل: إن له هناك منبرًا على حوضه يدعو الناس إليه. وإن كان ابن

-------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٤٩.
(٢) «الاستذكار» ٧/ ٢٣٤.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٥٠) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. وانظر: «الاستذكار» ٧/ ٢٣٥.
(٤) سلف تخريجه في حديث (١١٩٦).
(٥) انظر: «لسان العرب» ١/ ٤٢٨.
(٦) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٩.



التين قَالَ: إنه ليس بالبين، إذ ليس في الخبر ما يقتضيه. وقد قدمنا عنه استبعاد تأويل ما سلف، وقال: إنه سفسطة، فكيف تأول هنا بأن لزومه الطاعة يؤدي إلى ورود حوضه؟ بل يمره على ظاهره، ولا مانع من ذلك (١). وقيل: معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة فيه يورد صاحبه الحوض، ويقتضي شربه منه. وسيأتي الكلام على حوضه في بابه إن شاء الله.
وللباطنية في هذا الحديث من الغلو والتحريف ما لا ينبغي أن يلتفت إليه، كما نبه عليه القرطبي، ففي الصحيح: أن في أرض المحشر أقوامًا على منابر؛ تشريفًا لهم وتعظيمًا كما قَالَ: «إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة» (٢)، وإذا كان ذلك في أئمة العدل، فأحرى الأنبياء، وإذا كان ذلك للأنبياء فأولى بذلك سيدهم، فيكون منبره بعينه، ويزاد فيه ويعظم ويرفع وينور على قدر منزلته، حَتَّى لا يكون لأحد في ذلك اليوم منبر أرفع منه (٣) لسيادته وسؤدده.
والإيمان بالحوض عند جماعة علماء المسلمين واجب الإقرار به، وقد نفاه أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فإنهم لا يصدقون لا بالشفاعة ولا بالحوض ولا بالدجال. ثم ذكر أحاديث الحوض من طرق.
والحوض هو: الكوثر. حافتاه قباب اللؤلؤ وتربته المسك، وفيه آنية لا يعلم عددها إلا الله، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا، وفيما أورده البخاري دلالة واضحة على ما ترجم له، وهو فضل ما بين القبر والمنبر، وتفسير القبر بالبيت.

---------------
(١) ورد في الأصل عبارة: والأظهر أن المراد به منبره وعليها علامة (زائد من … إلى).
(٢) رواه مسلم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل.
(٣) «المفهم» ٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤.



٦ - باب مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ
١١٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، سَمِعْتُ قَزَعَةَ -مَوْلَى زِيَادٍ -قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَعْجَبْنَنِي وَانَقْنَنِي، قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلاَّ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي». [انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٣/ ٧٠]
ذكر فيه حديث قزعة مولى زياد: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَعْجَبْنَيي وَانَقْنَنِي .. الحديث.
سلف في أول باب فضل الصلاة في مسجد مكة (١)، والآنق -بالفتح-: الفرح والسرور. وكذا ضبطه الدُّمياطي وشرحه بذلك، وحذف الكلام عليه ابن بطال (٢) رأسًا لتقدمه في الباب المذكور. وقال ابن التين: آنقنني، أي: فرحني. قَالَ: وفي رواية أخرى: وآثقنني. بالثاء المثلثة، وفي رواية بالمثناة، قَالَ: ولا وجه لها في اللغة.
وقولى: («ولا صلاة بعد الصبح حَتَّى تطلع الشمس»). قَالَ ابن التين: فيه دليل لنا على الشافعي أن من صلى الصبح لا يركع ركعتي الفجر إذا لم يكن ركعهما، وقد سلف ذكره.
وقوله: («ولا صلاة بعد العصر حَتَّى تغرب الشمس») (٣) أي: بعد فعلها. ويحتمل أن المراد: بعد الفراغ منها وإن لم يفعل هو، كما في

----------
(١) برقم (١١٨٨) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.
(٢) انظر «شرح ابن بطال» ٣/ ١٨٥ انتقل من الباب السابق إلى التالي دون إشارة.
(٣) سلف برقم (٥٨٦) في المواقيت، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس.



حديث أبي سعيد الآخر (١).
ولا خلاف بين الأمة في جواز فعل صلاة اليوم عند الطلوع والغروب لمن فاتته، إلا ما يروى عن أبي طلحة ولا يثبت.
وفي «رءوس المسائل» عن أبي حنيفة: لا يصلي حينئذ صبح يومه، ويصلي عصر يومه. قَالَ عنه: ولو افتتح الصبح فطلعت الشمس بعد أن صلى ركعة بطلت صلاته وإن كان صبح يومه. وانفرد أبو حنيفة فقال: لا يجوز فعل الفائته وقت النهي (٢).
واحتج بهذا الحديث، وهو عندنا مقصور على النافلة، ويرد عليه بحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (٣) وهو عام في سائر الأوقات ويخص خبره السالف، فيكون معناه: إلا الفوائت، بدلالة هذا الخبر.
وصلاة الجنازة إذا خرج الوقت المختار للصبح والعصر فيها قولان للمالكية: أشهرهما: لا تفعل (٤). وسجود التلاوة يجري مجرى ذلك. وفي الخسوف أربع روايات عندهم.

---------------
(١) سيأتي برقم (١٨٦٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٢٧.
(٣) سبق برقم (٥٩٧) في مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة.
(٤) انظر: «المدونة» ١/ ١٧١ - ١٧٢.



٢١

كتاب العمل في الصلاة


[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٢١ - كتاب العمل في الصلاة] (١)
١ - باب اسْتِعَانَةِ اليَدِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ. وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ قَلَنْسُوَتَهُ فِي الصَّلَاةِ وَرَفَعَهَا. وَوَضَعَ عَلِيٌّ كَفَّهُ عَلَى رُصْغِهِ الأَيْسَرِ، إِلاَّ أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا.

١١٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنهاوَهْىَ: خَالَتُهُ - قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَجَلَسَ، فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَي

--------------
(١) غير موجود بالأصل، والمثبت من مطبوع «البخاري».


شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٣/ ٧١]
ثم ذكر حديث ابن عباس ومبيته عند ميمونة بطوله.
الشرح:
قوله في أثر أبي إسحاق: (ورفعها) كذا في الأصول، وفي بعضها: أو رفعها. بالألف، وحكاه صاحب «المطالع» خلافًا في الرواية وقال: حذفها هو الصواب.
وقوله: (على رصغه). قال ابن التين: وقع في البخاري بالصاد، وهو لغة في الرسغ بالسين، قاله الخليل، قال: وقال غيره: صوابه بالسين وهو مفصل الكف في الذراع، والقدم في الساق.
وقوله: (إلا أن يحك ..) إلى آخره هو من قول البخاري.
وحديث ابن عباس في مبيته سلف من أول البخاري إلى هنا في اثني عشر موضعًا (١)، ويستثنى من الاستعانة في الصلاة الاختصار، فإنه مكروه، وهو وضع اليد على الخاصرة، والنهي إما لأنه فعل الجبابرة، أو اليهود في صلاتهم كما سيأتي (٢).
ووضع الكف على الرسغ كرهه مالك في الفريضة، وأجازه في

----------------
(١) سلف أول موضع برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.
(٢) برقم (٣٤٥٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.



النافلة لطول القيام (١)، وقد سلف، وروي أنه - ﷺ - أغلق بابًا بين يديه وهو في الصلاة (٢).
ورأى ابن عمر ريشة في الليل فظنها عقربًا فضربها برجله (٣)، وقد كره ذلك مالك، إلا أن يؤذيه في رواية ابن القاسم، وفي رواية عنه: لا بأس به، وفيها الفعل (٤).
وكان - ﷺ - يغمز عائشة بيده إذ سجد فتقبض رجليها (٥).
وهذا كله دليل على أن الفعل اليسير الذي لا يقع معه كبير شغل لا يؤثر في إبطال الصلاة، ويكره لغير عذر، ثم العمل في الصلاة القليل عندنا مغتفر دون الكثير، وقسمه المالكية ثلاثة أقسام: يسير جدًّا، كالغمز وحك الجسد والإشارة فمغتفر عمده وسهوه، وكذا التخطي إلى الفرجة القريبة، وأكثر من هذا يبطل عمده دون سهوه كالانصراف من الصلاة والمشي الكثير، والخروج من المسجد يبطل عمده وسهوه.

---------------
(١) «المدونة» ١/ ٧٦.
(٢) رواه أبو داود برقم (٩٢٢) كتاب: الصلاة، باب: العمل في الصلاة. والترمذي برقم (٦٠١) كتاب: الصلاة، باب: ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع. والنسائي ٣/ ١١ كتاب: السهو، باب: المشي أمام القبلة خطى يسيرة. وأحمد ٦/ ٣١. وابن حبان في «صحيحه» ٦/ ١١٩ (٢٣٥٥) كتاب: الصلاة، باب: ما يكره للمصلي. والبيهقي ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦ كتاب: الصلاة، باب: من تقدم أو تأخر في صلاته من موضع إلى موضع. من حديث عائشة قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (٨٥٥). وقال الذهبي في «المهذب» ٢/ ٧٠٤ (٣٠٤٨): برد وثقوه وضعفه ابن المديني.
(٣) روى عنه ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٢ (٤٩٧١) كتاب: الصلوات، باب: في قتل العقرب في الصلاة.
(٤) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣٧.
(٥) سيأتي هنا برقم (١٢٠٩) باب: ما يجوز من العمل في الصلاة.



واختلف في الأكل والشرب في السهو، قَالَ ابن القاسم: يبطل كالعمد. وقال ابن حبيب: لا، إلا أن يطول جدًا كسائر الأفعال. وهذا الباب هو من باب العمل اليسير في الصلاة، وهو معفو عنه عند
العلماء.
والاستعانة باليد في الصلاة في هذا الحديث: هو وضع الشارع يده على رأس ابن عباس، وفتله أذنه.
واستنبط البخاري منه: أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يخص به غيره على الصلاة ويعينه عليها وينشط لها كان استعانته في أمر نفسه؛ ليقوى بذلك على صلاته وينشط لها إذا احتاج إلى ذلك أولى.
وقد اختلف السلف في الاعتماد في الصلاة والتوكؤ على الشيء، فذكر البخاري عن ابن عباس وعليًّ ما سلف، وقالت طائفة: لا بأس أن يستعين في صلاته بما شاء من جسده وغيره.
ذكره ابن أبي شيبة. قَالَ: كان أبو سعيد الخدري يتوكأ على عصاه.
وعن أبي ذر مثله، وعن عطاء: كان أصحاب محمد يتوكئون على العصا في الصلاة. وأوتد عمرو بن ميمون وتدًا إلى حائط، فكان إذا سئم القيام في الصلاة أو شق عليه أمسك بالوتد يعتمد عليه (١).
وقال الشعبي: لا بأس أن يعتمد على الحائط. وكرهت ذلك طائفة، فروى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كره أن يعتمد على الحائط في المكتوبة إلا من علة، ولم ير به بأسًا في النافلة (٢). ونحوه قَالَ مالك

--------------
(١) «المصنف» ١/ ٢٩٧ (٣٤٠٥ - ٣٤٠٧) كتاب: الصلوات، باب: من كان يتوكأ.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٢٤ (٤٨٧٧ - ٤٨٧٨) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يعتمد على الحائط وهو يصلي.



في «المدونة» (١). وكرهه ابن سيرين في الفريضة والتطوع (٢).
وقال مجاهد: إذا توكأ على الحائط ينقص من صلاته بقدر ذلك (٣).
وقد سلف في باب: ما يكره من التشديد في العبادة. زيادة في هذا المعنى.
وقول البخاري: (إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبُا) يريد: فإنه لا حرج عليه فيه؛ لأنه أمر عام لا يمكن الاحتراز منه.

----------------
(١) «المدونة» ١/ ٧٥.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٤ (٤٨٧٨).
(٣) «المصنف» ١/ ٤٢٤ (٤٨٧٦).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2026, 11:25 PM   #252

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 261 الى صـــ 280
الحلقة (252)






٢ - باب مَا يُنْهَى [عَنْهُ] (١) مِنَ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ
١١٩٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا».
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ. [١٢١٦ - ٣٨٧٥ - مسلم: ٥٣٨ - فتح: ٣/ ٧٢]

١٢٠٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى -[هُوَ ابْنُ يُونُسَ]- عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآيَةَ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. [٤٥٣٤ - مسلم: ٥٣٩ - فتح: ٣/ ٧٢]
ذكر فيه حديث عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: كُنَا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُو فِي الصَّلاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا» (٢).
وعَنْ عَبْدِ الله نَحْوَهُ.
وحديث أبي عمرو الشيباني: قَالَ لِي زيدُ بْنُ أَرْقَمَ: إِنْ كُنَّا لنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآيَةَ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.

------------
(١) ليست في الأصول، والمثبت من «الصحيح».
(٢) ورد بهامش الأصل ما يدل أنه في نسخة: لشغلا.



الشرح:
حديث ابن مسعود أخرجه هنا وفي باب: لا يرد السلام في الصلاة كما سيأتي، وفي هجرة الحبشة (١). وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
وفي رواية: ونأمر بحاجتنا، وفيه: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وأن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» (٣).
وحديث زيد بن أرقم أخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي (٤).
وللبخاري: ويسلم بعضنا على بعض، ويأتي قريبًا (٥). ولفظ

------------
(١) سيأتي برقم (١٢١٦) كتاب: العمل في الصلاة، باب: لا يرد السلام في الصلاة، وبرقم (٣٨٧٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: حجرة الحبشة.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٥٣٨) كتاب: المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته. ورمز فوقها في الأصل (د. س) [أبو داود (٩٢٣، ٩٢٤) والنسائي ٣/ ١٩].
(٣) رواها أبو داود برقم (٩٢٤) كتاب: الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة. والنسائي ٣/ ١٩ كتاب: السهو، باب: الكلام في الصلاة. والحميدي ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦ (٩٤). وأحمد ١/ ٣٧٧. وأبو يعلى ٨/ ٣٨٤ (٤٩٧١). وابن حبان في «صحيحه» ٦/ ١٥ - ١٦ (٢٢٤٣) كتاب: الصلاة، باب: ما يكره للمصلى وما لا يكره. والبيهقي ٢/ ٢٤٨ كتاب: الصلاة، باب: ما لا يجوز من الكلام في الصلاة. وأيضًا ٢/ ٢٦٠ كتاب: الصلاة، باب: من رأى أن يرد بعد الفراغ من الصلاة. كلهم من حديث ابن مسعود. قال الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (٨٥٧): إسناده حسن صحيح، وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أنهما أخرجا لعاصم -وهو ابن أبي النجود- مقرونًا بغيره.
(٤) «صحيح مسلم» برقم (٥٣٩): كتاب: المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، أبو داود (٩٤٩)، الترمذي (٤٠٥، ٢٩٨٦)، النسائي ٣/ ١٨.
(٥) برقم (١٢٠٢) كتاب: العمل في الصلاة، باب: من سمى قومًا أو سلم في الصلاة.



الترمذي: كنا نتكلم خلف رسول الله - ﷺ - في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حَتَّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (١).
وليس لأبي عمرو الشيباني عن زيد في «الصحيحين» غير هذا الحديث الواحد.
وعيسى في إسناده: هو ابن يونس. وذكر الترمذي عقب حديث زيد أن في الباب: عن ابن مسعود ومعاوية بن الحكم (٢).
إذا تقرر ذلك: فالمصلي مناج لربه ﷻ، فواجب عليه أن لا يقطع مناجاته بكلام مخلوق، وأن يقبل على ربه ويلتزم بالخشوع، ويعرض عما سوى ذلك، ألا ترى قوله - ﷺ -: «إن في الصلاة لشغلًا» وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت في هذِه الآية، كما قَالَ ابن بطال: الطاعة والخشوع لله تعالى (٣).
ولفظ الراوي يشعر أن المراد به: السكوت؛ لقوله: (حَتَّى). التي هي للغاية، والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق، وقيل فيها غير ذلك، والأرجح حمله على ما أشعر به كلام الراوي، فإن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون سبب النزول والقرائن المحتفة به، وقول الصحابي في الآية: نزلت في كذا، يتنزل منزلة المسند.

-----------
(١) «سنن الترمذي» برقم (٤٠٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة.
(٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٤٠٥). ورمز في الأصل فوق معاوية بن الحكم (م. د. س) [مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠) والنسائي ٣/ ١٥].
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٨٧.



وقوله: (وأمرنا بالسكوت). وفي رواية: ونهينا عن الكلام (١)، فكل ما يسمى كلامًا منهي عنه وما لا يسمى كلامًا، وأراد إلحاقه به فهو بطريق القياس، فليراع شرطه في مراعاة الفرع للأصل، واعتبر أصحابنا ظهور حرفين وإن لم يفهما فإنه أقل الكلام، وقام الإجماع على أن الكلام فيها عامدًا عالمًا بتحريمه لغير مصلحتها ولغير إنقاذ هالك وشبهه تبطل الصلاة، وأما الكلام لمصلحتها فقال الأربعة والجمهور: تبطل أيضًا (٢).
وجوزه الأوزاعي وبعض أصحاب مالك، وطائفة قليلة؛ لأنه في تصحيح ما فيه من أمرها (٣).
واعلم أن حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم صريحان في أن الكلام كان مباحًا في الصلاة ثم حرم.
واختلفوا: متى حرم؟ فقال قوم: بمكة. واستدلوا بحديث ابن مسعود ورجوعه من عند النجاشي إلى مكة. وقال آخرون: بالمدينة. بدليل حديث زيد بن أرقم، فإنه من الأنصار أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، خصوصًا هذِه الآية، وقالوا: ابن مسعود لما عاد إلى مكة من الحبشة رجع إلى النجاشي إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم ورد على رسول الله - ﷺ - بالمدينة وهو يتجهز لبدر.
وقَالَ الخطابي: إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة (٤).

-------------
(١) رواه مسلم (٥٣٩).
(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٣/ ٢١٥، «فتح الباري» لابن رجب ٩/ ٤٢٠، «الأوسط» ٣/ ٢٣٤، «المغني» ٢/ ٤٥٤.
(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٣/ ٢١٥ - ٧/ ٣٩٠، «التمهيد» ٣/ ٢٤٧.
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٤١٣.



وأجاب الأولون بأن الظاهر تجدد هذا الحال في غيبة ابن مسعود الأولى، فإنه قَالَ: فلما رجعنا من عند النجاشي. ولم يقل: في المرة الثانية.
وحملوا حديث زيد على أنه إخبار عن الصحابة المتقدمين، كما يقول القائل: قتلناكم وهزمناكم. يعنون: الآباء والأجداد.
وقول الخطابي يحتاج إلى تأريخ، والتأريخ بعيد كما نبه عليه ابن الجوزي، وأبدى ابن حبان فيه شيئًا حسنًا، فإنه قَالَ: قد توهم من لم يحكم صناعة العلم أن نسخ الكلام في الصلاة بالمدينة؛ لحديث زيد بن أرقم، وليس كذلك؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا إلى أن رجع ابن مسعود وأصحابه من عند النجاشي فوجدوا إباحة الكلام قد نسخت، وكان بالمدينة مصعب بن عمير يقرِّئ المسلمين ويفقههم، وكان الكلام بالمدينة مباحًا كما كان بمكة، فلما نسخ ذلك بمكة تركه الناس بالمدينة، فحكى زيد ذلك الفعل، لا أن نسخ الكلام كان بالمدينة (١).
وقال ابن بطال: زعم الكوفيون أن حديث ابن مسعود وزيد ناسخ لقصة ذي اليدين (٢)، وسيأتي ما فيه في موضعه قريبًا، والآثار متواترة على أن قدوم ابن مسعود من الحبشة على رسول الله - ﷺ - حين لم يرد السلام كان بمكة، وإسلام أبي هريرة كان بالمدينة عام خيبر فلا نسخ إذن، لا يقال: إن حديث زيد ناسخ لحديث ذي اليدين لانتفاء التأريخ، غير أن زيدا أقدم إسلاما من أبي هريرة، ويحتمل أن يكون معنى حديث زيد: فأمرنا بالسكوت. يعني: إلا بما كان من الكلام في

-------
(١) «صحيح ابن حبان» ٦/ ١٩ - ٢١.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٢٠.



مصلحة الصلاة، فهو غير داخل في النهي عن الكلام فيها ليوافق حديث أبي هريرة، فلا تعارض إذن.
ودل حديث زيد على النوع المنهي عنه من الكلام في الصلاة، وهو قوله: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا صاحبه لحاجته.
والأمة مجمعة على تحريم هذا النوع من الكلام في الصلاة على مثل ذلك.
دل حديث ابن مسعود أنهم كانوا يسلمون بعض على بعض في الصلاة، الحديث. فبان في الحديثين النوع المنهي عنه من الكلام في الصلاة لمصلحتها، وهذا تأويل أولى؛ لئلا تتضاد الأحاديث. وقال ابن التين: الكلام نوعان: سهو، ومحمد، فالعمد مبطل إذا لم يكن لإصلاحها، والسهو لا يبطلها ويسجد له، وهو قول الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته بالكلام سهوًا إلا لفظ السلام، دليلنا خبر ذي اليدين، فإنه - ﷺ - تكلم، وعنده أنه فرغ منها فلما تبين له بني، فإن قلتَ: هذا عند إباحة الكلام، بدليل أن ذا اليدين تكلم عامدًا، وكذلك أبو بكر وعمر ولم يستأنفوا (٢). فالجواب أن تحريم الكلام مكي، وقصة ذي اليدين مدنية. فإن قلتَ لي: إنما هو التحريم الأول. قلتُ: لا يُعرف التحريم إلا مرة.
وحديث زيد بن أرقم محمول على الجهر بالقراءة، وفيه بعد، وكلام ذي اليدين بناه على أنها قصرت وأن فعله لم يقع سهوًا، وإنما وقع استظهارًا، ولو ثبت الكلام فهو لمصلحة الصلاة وإجابة الشارع.

------------
(١) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٣٧، «المجموع» ٤/ ١٧.
(٢) سبق برقم (٤٨٢) كتاب: الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره.



ولنختم الكلام بفوائد ملخصة:
فحديث ابن مسعود، وزيد، وكذا جابر (١) كما سيأتي قريبًا (٢) دالة على تحريم الكلام في الصلاة سواء كان لمصلحتها أم لا، وقد سلف. وتحريم رد السلام فيها باللفظ، وهو إجماع وأنه لا تضر الإشارة، بل يستحب رده بالإشارة، وبهذه الجملة قَالَ الشافعي والأكثرون، منهم مالك وأحمد وأبو ثور.
وقال جماعة من العلماء: يرد نطقًا، منهم أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق (٣).
وقيل: يرد في نفسه. وقال عطاء والنخعي والثوري ومحمد: يرد بعد السلام، وهو قول أبي ذر وأبي العالية (٤).
وقال أبو حنيفة: لا يرد لفظًا ولا إشارة بكل حال (٥). وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وجماعة: يرد إشارة لا نطقًا (٦)، ومن قَالَ: يرد نطقا لم تبلغه الأحاديث.

---------------
(١) رمز فوقها في الأصل (م. و) [مسلم (٥٤٠) وأبو داود (٩٢٦)، والترمذي (٣٥١) مختصرًا، والنسائي ٣/ ٦، وابن ماجه (١٠١٨)].
(٢) برقم (١٢١٧) كتاب: العمل في الصلاة، باب: لا يرد السلام في الصلاة.
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة عن أبي هريرة وجابر ١/ ٤١٩ (٤٨١٤ - ٤٨١٥) كتاب: الصلوات: باب: من كان يرد ويشير بيده أو برأسه.
وذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٥١ - ٢٥٢.
(٤) رواها ابن أبي شيبة عن إبراهيم وأبي العالية ١/ ٤١٨ - ٤١٩ (٤٨٠٨، ٤٨١٨، ٤٨٢٢) عن ابن أبي ذر وإبراهيم وأبي العالية. وانظر: «الأوسط» ٣/ ٢٥٣.
(٥) انظر: «شرح السنة» ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧، «المجموع» ٤/ ٣٧، «الشرح الكبير» ٤/ ٤٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤١٩ (٤٨١١، ٤٨١٦ - ٤٨١٧، ٤٨٢٠) عن ابن عمرو وأبي مجلز وابن عباس. وانظر: «الأوسط» ٣/ ٢٥٢.



وأما ابتداء السلام عليه، فمذهبنا أنه لا يسلم عليه، فإن سلم لم يستحق جوابًا (١). وعن مالك روايتان: الكراهة والجواز (٢).
وعن أبي حنيفة: يرده في نفسه. وعند أبي يوسف: لا يرد في الحال، ولا بعد الفراغ.
وقوله: («إن في الصلاة شغلًا») يعني: إن المصلي يشتغل بصلاته، ولا يعرج على سلام ولا غيره. واكتفي بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه قَالَ: شغلًا كافيًا أو مانعًا من الكلام وغيره.
واعلم أن شيخنا علاء الدين ذكر هنا في شرحه الكلام على الصلاة الوسطي في أوراق عدة، وليس محل الكلام فيها، ولا تعلق له بالباب وإن وقع في الآية، وقد أفرده بالتأليف الحافظ شرف الدين الدمياطي فكفى، وقد لخصته في أوراق، وأشرت إليه في موضعه (٣).

------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٢٩٢.
(٢) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ١٣١.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في المائة. كتبه مؤلفه.



٣ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ لِلرِّجَالِ
١٢٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ - رضي الله عنه - قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنهما فَقَالَ: حُبِسَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَتَؤُمُّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنْ شِئْتُمْ. فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَصَلَّى، فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ -قَالَ سَهْلٌ: هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ- وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا التَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الصَّفِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَصَلَّى. [انظر: ٦٨٤ - مسلم: ٤٢١ - فتح: ٣/ ٧٥]
ذكر فيه حديث سَهْلٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ .. الحديث. سلف في باب: من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول (١). ويأتي أيضًا (٢).
وفيه: أن غير الإمام إذا أراد الصلاة يستأذن القوم؛ لقول أبي بكر: إن شئتم. وهو بعلمهم أنه أفضلهم بعد رسول الله، وجواز إمامة المفضول الفاضل إذا سبق في الدخول في الصلاة، والرغبة في الصف الأول، ورفع اليدين بحمد الله.
والتصفيح -بالحاء- هو: التصفيق بصفحتي الكف. وبالقاف: أن يضرب اليمنى على اليسرى. وقيل غير ذلك بما سلف هناك.

-----------
(١) برقم (٦٨٤) كتاب: الأذان.
(٢) برقم (١٢٠٤) كتاب: العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء.



وحمد الصديق لما أهله النبي - ﷺ - من تقدمه بين يديه. وعن ابن القاسم فيمن أخبر في الصلاة بما يسره فحمد الله، أو بمصيبة فاسترجع، أو أخبر بشيء فقال: الحمد لله على كل حال، أو الذي بنعمته تتم الصالحات: لا يعجبني، وصلاته تجزئه. قَالَ أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة. قَالَ: ولو قرأ الإمام ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ فقال المأموم: كذلك الله. لم تفسد صلاته.
وفيه أيضًا من الفقه: أن الإمام لا يجب له تأخيرها عن وقتها المختار وإن غاب الإمام الفاضل.
وفيه: أن الإقامة إلى المؤذن، وهو أولى بها، وقد اختلف في ذلك، فقال بعضهم: من أذن فهو يقيم. وقال مالك والكوفيون: لا بأس بأذان المؤذن وإقامة غيره (١).
وفيه: أن التسبيح جائز للرجال والنساء عندما ينزل بهم من حاجة تنوبهم، ألا ترى أن الناس أكثروا بالتصفيق لأبي بكر ليتأخر للنبي - ﷺ -، وبهذا قَالَ مالك والشافعي: إن من سبح في صلاته لشيء ينوبه، أو أشار إلى إنسان، فإنه لا يقطع صلاته (٢).
وخالف في ذلك أبو حنيفة كما أسلفناه هناك فقال: إن سبح أو حمد الله جوابًا لإنسان فهو كلام، وإن كان منه ابتداء لم يقطع، وإن وطئ على حصاة أو لسعه عقرب فقال: بسم الله. أراد بذلك الوجع فهو كلام.
وقال أبو يوسف في الأمرين: ليس بكلام. وقول أبي حنيفة مخالف للحديث؛ لأنه - ﷺ - قَالَ: «إذا سبح التفت إليه» وفهم الصحابة من هذا

-------------
(١) «المدونة» ١/ ٦٣، «المبسوط» ١/ ١٣٢.
(٢) «المدونة» ١/ ٩٨، «روضة الطالبين» ١/ ٢٩١.



أنهم إذا سبحوا بالإمام ولم يفهم عنهم أن يكثروا ذلك حَتَّى يفهم، ألا ترى أنهم أكثروا التصفيق حَتَّى التفت أبو بكر، ولو لم يكن التسبيح على نية إعلام الساهي ما رددوه حَتَّى فهم (١).
وقد بين الشارع أن الالتفات في الصلاة إنما يكون من أجل التسبيح، فهو مقصود بذلك.
وفيه: أن الالتفات في الصلاة لا يقطعها.
وفيه: أنه لا بأس بتخلل الصفوف والمشي إلى الصف الأول بمن يليق به الصلاة فيه؛ لأن شأن الصف الأول أن يقوم فيه أفضل الناس علمًا ودينًا؛ لقوله - ﷺ -: «ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى» (٢) يعني -والله أعلم-: ليحفظوا عنه ويعوا ما كان منه في صلاته - ﷺ -، وكذلك يصلح أن يقوم في الصف الأول من يصلح أن يلقن ما تعايا عليه من القراءة، ومن يصلح للاستخلاف للصلاة.
وفيه: دليل على جواز الفتح على الإمام وتلقينه إذا أخطأ. وقد اختلف العلماء فيه، فأجازه الأكثرون، وممن أجازه عثمان وعلي وابن عمر، وروي عن عطاء والحسن وابن سيرين (٣)، وهو قول مالك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق (٤).

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٠٩، «الأصل» ١/ ٢٠٥، ٢٠٦.
(٢) روى هذا الحديث مسلم (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها والازدحام على الصف الأول ....
(٣) رواها عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤١٧ - ٤١٨ (٤٧٩٣، ٤٧٩٤، ٤٧٩٦ - ٤٧٩٧، ٤٨٠٠، ٤٨٠٢) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في الفتح على الإمام.
(٤) انظر: «مختصراختلاف العلماء» ١/ ٢٩٩، «المدونة» ١/ ١٠٣، «الأوسط» ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥، «المغني» ٢/ ٤٥٧.



وكرهته طائفة، روي ذلك عن ابن مسعود والشعبي والنخعي، وكانوا يرونه بمنزلة الكلام (١)، وهو قول الثوري والكوفيين (٢).
وروي عن أبي حنيفة: إن كان التسبيح جوابًا قطع الصلاة، وإن كان مرور إنسان بين يديه لم يقطع. وقال أبو يوسف: لا يقطع وإن كان جوابًا.
واعتل من كرهه بأن قَالَ: التلقين كلام لا قراءة. والأول أولى؛ لأنه إذا جاز التسبيح جازت التلاوة؛ لأنه لو قرأ شيئًا من القرآن غير قاصد التلقين لم تفسد صلاته عند الجميع، فإذا كان كذلك لم يغير ذلك معناه، قصد به تلقين إمامه أو غيره، كما لو قرأ ما أمر بقراءته في صلاته وعمد بها إسماع من بحضرته؛ ليتعلمه لم تفسد بذلك صلاته.
وقال الطحاوي: لما كان التسبيح لما ينوبه في صلاته مباحًا، ففتحه على الإمام أحرى أن يكون مباحًا (٣).

---------------
(١) رواه ابن أبي شيبة عن النخعي وابن مسعود ١/ ٤١٧ (٤٧٨٧ - ٤٧٨٨) كتاب: الصلوات، باب: من كره الفتح على الإمام.
(٢) انظر: «الأوسط» ٤/ ٢٢٤.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٠٠.



٤ - باب مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ
مُوَاجَهَةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ

١٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نَقُولُ: التَّحِيَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَنُسَمِّي، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ». [انظر: ٨٣١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح: ٣/ ٧٦]
ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود: كُنَّا نَقُولُ: التَّحِيَّةُ فِي الصَّلاةِ وَنُسَمِّي، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله ..» الحديث.
وقد سلف في التشهد (١)، وفيه هنا زيادة، وهي قوله: (ويسلم بعضنا على بعض) أي: يقول: السلام على فلان. ليس أنه يخاطبه، فإن خاطبه بطلت. ذكره الداودي وابن أبي زيد في «نوادره». وقال ابن التين: لم أره لغيره.
وقوله: (من سمَّى قومًا). يريد: ما كانوا يفعلونه أولًا من مواجهة بعضهم بعضا ومخاطبتهم، قبل أن يأمرهم الشارع بهذا التشهد، فأراد البخاري؛ ليعرفك أنه لما لم يأمر بإعادة تلك الصلاة التي سمَّى فيها

-----------
(١) برقم (٨٣١) كتاب: الأذان.


بعضهم بعضًا عُلم أنه من فعل هذا جاهلًا أنه لا تفسد صلاته، وقال مالك والشافعي: إنه من تكلم في صلاته ساهيًا لم تفسد صلاته (١).
وقوله: (أو سلم على غيره وهولا يعلم). يعني: لا يعلم المسلم عليه، ولا يسمع السلام عليه. وأمره - ﷺ - بمخاطبته في التحيات بقوله: «السلام عليك أيها النبي» وهو أيضًا خطاب في الصلاة لغير المصلي، لكن لما كان خطابه - ﷺ - حيًّا وميتًا من باب الخشوع ومن أسباب الصلاة المرجو بركتها، لم يكن كخطاب المصلي لغيره.
وفي هذا دليل على أن ما كان من الكلام عامدًا في أسباب الصلاة أنه جائز سائغ، بخلاف قول أبي حنيفة والشافعي، وإنما أنكر تسميتهم للناس بأسمائهم؛ لأن ذلك يطول على المصلي ويخرجه بما هو فيه من مناجاة الرب إلى مناجاة الناس شخصًا شخصًا، فجمع لهم هذا المعنى في قوله: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فهو وإن خاطب نفسه فقد خاطب أيضًا غيره معه، لكنه بما يرجا بركته فيها، فكأنه منها.
وقوله: (كُنَّا نَقُولُ: التَّحِيَّةُ فِي الصَّلَاةِ). صح عنه: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد (٢)، وفي ذلك دلالتان على فرضه: قوله: (قبل أن يفرض). والثاني: (أمره - ﷺ -).
وأجاب ابن التين بما لا يظهر، فقال: قوله: (قبل أن يفرض علينا) إخبار عن اعتقاده أن التشهد فرض وليس بحجة. قلتُ: اعتقاد الصحابي مقدم على اعتقادك.

-----
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٧٥، «روضة الطالبين» ١/ ٢٩٠.
(٢) رواه البيهقي عن ابن مسعود ٢/ ١٣٨ كتاب: الصلاة، باب: مبتدأ فرض التشهد.
وقال الذهبي في «المهذب» ٢/ ٥٨٤ (٢٥٢٢): إسناده صحيح.



قَالَ: وعلى أنه محمول على التقدير، كأنه قَالَ قبل أن تقدر ألفاظه، وكذلك قوله: «قولوا: التحيات» معناه: التقدير. قلت: مجاز.
قَالَ: وعلى أنه لو سلم أن ظاهره الوجوب لحملناه على الندب.
بدليل قوله: إذا جلست قدر التشهد، فقد تمت صلاتك. قلتُ: مدرج، والأصل حمله على الوجوب.
وقوله: («التحيات لله، والصلوات والطيبات») أخذ به أبو حنيفة وأحمد، وأخذ الشافعي بتشهد ابن عباس (١) ومالك بتشهد عمر (٢)، وكله واسع، وقد سلف ذلك.

-------------
(١) رواه مسلم برقم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة.
(٢) رواه مالك ١/ ١٩٣ (٤٩٩) كتاب: الجمعة، باب: التشهد في الصلاة.



٥ - باب التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ
١٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». [مسلم: ٤٢٢ - فتح: ٣/ ٧٧]

١٢٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ». [انظر: ٦٨٤ - مسلم: ٤٢١ - فتح: ٣/ ٧٧]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنَّسَاءِ».
وحديث سهل بن سعد مثله، وفي نسخة: «والتصفيح» بالحاء، وهذا الحديث سلف قريبًا (١) ونبهنا على تقدمه وحكمه.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (٢).
وسفيان في إسناده هو ابن عيينة، وقد قام الإجماع على أن سنة الرجل إذا نابه شيء في صلاته التسبيح، وإنما اختلفوا في النساء، فذهبت طائفة إلى أنها تصفق، وهو ظاهر الحديث، قاله النخعي والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ورواية عن مالك حكاها ابن شعبان (٣).

------------
(١) برقم (١٢٠١) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال.
(٢) «صحيح مسلم» (٤٢٢) كتاب: الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٠، «حلية إلعلماء» ٢/ ١٣٠، «المغني» ٢/ ٤٥٤.



وذهب آخرون إلى أنها تسبح، وهو قول مالك (١)، وتأول أصحابه قوله: «إنما التصفيق للنساء» أنه من شأنهن في غير الصلاة، فهو على وجه الذم لذلك، فلا يفعله في الصلاة امرأة ولا رجل (٢).
ويؤيده حديث حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل في هذا الحديث: «وليصفح النساء» (٣).
وإنما كره لها التسبيح؛ لأن صوتها فتنة، ولهذا منعت من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة. وترجم له البخاري قريبًا باب: من صفق جاهلًا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته، وقال: فيه سهل بن سعد عن النبي - ﷺ - (٤).
ووجه ذلك؛ لأنه - ﷺ - لم يأمر من صفق بالإعادة، ففيه جواز العمل اليسير في الصلاة. وادعى شيخنا قطب الدين: أنه لم يذكر في هذا الباب -أعني: من صفق جاهلًا- وقد علمت أنه فيه، وكذا هو في أصل الدمياطي، وفي بعض النسخ حذف هذا الباب.

--------------
(١) «المدونة» ١/ ٩٨.
(٢) «الاستذكار» ٢/ ٣١٢.
(٣) سيأتي برقم (٧١٩٠) كتاب: الأحكام، باب: الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم.
(٤) قبل حديث (١٢١٥).



٦ - باب مَنْ رَجَعَ القَهْقَرَى فِي صَلَاتِهِ، أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ.
رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٢٠٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: قَالَ يُونُسُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ المُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الفَجْرِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يُصَلِّي بِهِمْ، فَفَجَأَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - عَلَى عَقِبَيْهِ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَي الصَّلَاةِ، وَهَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ رَأَوْهُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا، ثُمَّ دَخَلَ الحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّيَ ذَلِكَ اليَوْمَ. [انظر: ٦٨٠ - مسلم: ٤١٩ - فتح: ٣/ ٧٧]
وعن أنس أَنَّ المُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الفَجْرِ، يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِهِمْ .. الحديث.
أما حديث سهل فسلف قريبًا، وفيه: لما جاء النبي - ﷺ - واتصل بالصف رجع أبو بكر القهقرى، وتقدم رسول الله - ﷺ -. وهذا إن كان حين وصل إلى الصف دخل في الصلاة، ثم تقدم إلى موضع أبي بكر، فهو فعل في الصلاة.
وحديث أنس: أن الصديق لما أحس بمجيء رسول الله - ﷺ - نكص على عقبيه. واعتراض شيخنا قطب الدين هنا ليس بطائل. وحديث أنس من أفراده. وزاد أحمد بن جميل المروزي مع يونس معمرًا، أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم.
وعبد الله فيه هو ابن المبارك. وشيخ البخاري بشر بن محمد المروزي، سلف في باب الوحي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.


وهذِه الصلاة هي الفجر كما صرح به في الحديث. والتي غلب عليها وقال: «مروا أبا بكر» (١) هي العشاء، والصلاة التي خرج يهادى بين رجلين هي الظهر (٢).
وقوله: (ففجأهم). قَالَ ابن التين: كذا هو في الكتب بالألف، وحقيقته أن يكتب بالياء؛ لأنه مكسور العين، فهو مثل: وطئهم، وكذا هو بخط الدمياطي.
وفيه: أن المتقدم والتأخر لما ينزل بالمصلي جائز.
وفيه: تفسير لحديث أبي بكرة: «زادك الله حرصا ولا تعد» (٣) أن ذلك لم يرد بقوله: «لا تعد» أن صلاتك لا تجزئك؛ لأنه لم يأمره بالإعادة، إذ لا فرق بين مشي القائم -كما هو في هذا الحديث- وبين مشي الراكع كما في حديث أبي بكرة، فلما لم تنتقض صلاة الصديق لتأخره وتقدمه علم أن الراكع أيضًا إذا تقدم أو تأخر لا تبطل صلاته.
وفيه: جواز مخاطبة من ليس في صلاة لمن هو في صلاة، وجواز استماع المصلي إلى ما يخبره به من ليس في صلاة، ألا ترى أنه - ﷺ - لما أشار إليهم بيده: «أن أتموا صلاتكم». سمعوا منه وأكملوا صلاتهم ولم يضرهم ذلك.

----------------
(١) سلف برقم (٦٨٢) كتاب: الأذان، باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة.
ورواه مسلم برقم (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(٢) سلف برقم (٦٨٧) ورواه مسلم (٤١٨).
(٣) سلف برقم (٧٨٣) كتاب: الأذان، باب: إذا ركع دون الصف.



قال ابن بطال: وهو قول مالك (١).
وقوله: (كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ). كذا في أصل الدمياطي بخطه.
وقال الشيخ قطب الدين: في سماعنا إسقاط لفظ: (حجرة). وفي الإسماعيلي وأبي نعيم إثباتها.

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٩٤.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009