![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#25 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
فمع اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وخالِقُ العِبادِ وأفعالِهم؛ فإنهم يعتَقِدون أنَّ للعبادِ قُدرةً ومشيئةً على أعمالِهم، ويُفَرِّقون بين ما يفعله العبدُ اضطِرارًا وما يفعَلُه اختيارًا.
فللعبدِ قُدرةٌ ومشيئةٌ على فِعْلِه، واللهُ عزَّ وجَلَّ هو الذي خلق في العبدِ قُدرتَه ومشيئتَه. ومن الأدِلَّةِ على ذلك: قَولُ اللهِ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر: 37] . وقَولُ اللهِ سُبحانَه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: 29] . وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل: 19] . وقَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا [النبأ: 39] . وقَولُ اللهِ سُبحانَه: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [عبس: 11، 12]. وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29]. قال ابنُ قُتيبةَ: (عَدلُ القَولِ في القَدَرِ أن تعلَمَ أنَّ اللهَ عَدلٌ لا يجورُ، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنَّه لا يخرجُ من قُدرتِه شَيءٌ، ولا يكونُ في مَلَكوتِه من السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا ما أراد، وأنَّه لا دَيْنَ لأحَدٍ عليه، ولا حَقَّ لأحدٍ قِبَلَه، فإن أعطى فبفَضلٍ، وإن منع فبعَدلٍ، وأنَّ العبادَ يستطيعون ويعمَلون، ويُجَزون بما يَكسِبون)( . وقال الخطابي: (اللهُ سُبحانَه وتعالى خالِقُ الخيرِ والشَّرِّ جميعًا، لا يكونُ شيءٌ منهما إلَّا بمشيئتِه، فهما مضافان إليه سُبحانَه وتعالى خَلْقًا وإيجادًا، وإلى الفاعِلينَ لهما من عبادِه فِعلًا واكتِسابًا)( . وقال نجمُ الدِّينِ النَّسفيُّ: (للعبادِ أفعالٌ اختياريَّةٌ يُثابون بها ويُعاقبون عليها)( . وقال يحيى بن أبي الخيرِ العمرانيُّ: (على هذا القَصدِ والاختيارِ وقع المدحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ، إلَّا أنَّ اللهَ هو الخالِقُ لقَصْدِنا ومشيئتِنا؛ لأنَّه شيءٌ، وقد قال اللهُ تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ومَشيئَتُنا وقعت بمشيئةِ اللهِ. قال اللهُ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)( . وقال القرطبيُّ: (إنَّ المهتَدِينَ من المؤمنين إنما هداهم اللهُ تعالى إلى الإيمانِ والطَّاعةِ على طريقِ الاختيارِ، حتى يصِحَّ التكليفُ، فمن شاء آمن وأطاع اختيارًا لا جبرًا، قال اللهُ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28] ، وقال: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الإنسان: 29] ، ثمَّ عقَّب هاتين الآيتينِ بقَولِه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] فوقع إيمانُ المؤمنين بمشيئتِهم، ونفى أن يشاؤوا إلَّا أن يشاءَ اللهُ؛ ولهذا فَرَّطَت المُجْبِرةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ اللهِ تعالى، فقالوا: الخَلْقُ مجبورون في طاعتِهم كُلِّها، التفاتًا إلى قَولِه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وفَرَّطت القَدَريَّةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ العِبادِ، فقالوا: الخَلْقُ خالِقون لأفعالِهم، التفاتًا منهم إلى قَولِه تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28] ، ومَذهَبُنا هو الاقتصادُ في الاعتقادِ، وهو مَذهَبٌ بين مَذهَبيِ المُجْبِرة والقَدَريَّةِ، وخيرُ الأمورِ أوساطُها، وذلك أنَّ أهلَ الحَقِّ قالوا: نحن نُفَرِّقُ بين ما اضطُرِرْنا إليه وبين ما اختَرْناه، وهو أنَّا نُدرِكُ تَفرِقةً بين حركةِ الارتعاشِ الواقعةِ في يَدِ الإنسانِ بغيرِ محاولتِه وإرادتِه، ولا مقرونةٌ بقُدرتِه، وبين حركةِ الاختيارِ إذا حرَّك يدَه حركةً مماثِلةً لحركةِ الارتعاشِ، ومن لا يُفَرِّقُ بين الحركتينِ: حَرَكةِ الارتعاشِ وحَركةِ الاختيارِ، وهما موجودتان في ذاتِه، ومحسوستان في يدِه بمشاهَدتِه وإدراكِ حاسَّتِه، فهو معتوهٌ في عَقلِه، ومختلٌّ في حِسِّه، وخارجٌ مِن حزبِ العُقَلاءِ، وهذا هو الحَقُّ المُبِينُ، وهو طريقٌ بين طريقَيِ الإفراطِ والتفريطِ، وكِلا طَرَفيْ قَصدِ الأمورِ ذَميمٌ)( . وقال ابنُ حمدان الحنبليُّ: (فِعلُ العَبدِ مختارٌ مُيَسَّرٌ في كَسبِ الطاعةِ واكتسابِ المعصيةِ، غيرُ مُكرَهٍ ولا مجبَرٍ ولا مُضطَرٍّ، واللهُ الخالِقُ ما كسبه العبدُ واكتسبه وفعَلَه)( . وقال ابنُ تيميَّةَ: (وممَّا اتَّفَق عليه سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مع إيمانهم بالقَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ: أنَّ العِبادَ لهم مشيئةٌ وقُدرةٌ يفعلون بمشيئتِهم وقُدرتِهم ما أقدَرَهم اللهُ عليه مع قَولهم: إنَّ العبادَ لا يشاؤونَ إلَّا أن يشاءَ اللهُ. كما قال اللهُ تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 54 - 56] الآية. وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 29، 30]، وقال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29]، والقرآنُ قد أخبر بأنَّ العبادَ يُؤمِنون ويَكفُرون ويفعلون ويَعمَلون ويَكسِبون ويُطيعون ويَعصُون ويُقيمون الصَّلاةَ ويُؤتون الزكاةَ ويحُجُّون ويعتَمِرون ويقتُلون ويَزنون ويَسرِقون ويَصدُقون ويَكذِبون ويأكُلون ويَشرَبون ويقاتِلون ويحارِبون، فلم يكُنْ من السَّلَفِ والأئمَّةِ من يقولُ: إنَّ العبدَ ليس بفاعلٍ ولا مختارٍ ولا مُريدٍ ولا قادرٍ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّه فاعِلٌ مجازًا، بل من تكلَّم منهم بلفظِ الحقيقةِ والمجازِ مُتَّفِقون على أنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً، واللهُ تعالى خالِقُ ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه. وأوَّلُ من ظَهَر عنه إنكارُ ذلك هو الجَهمُ بنُ صَفوانَ وأتباعُه، فحُكِيَ عنهم أنهم قالوا: إنَّ العبدَ مجبورٌ وإنَّه لا فِعْلَ له أصلًا وليس بقادرٍ أصلًا)( . وقال أيضًا: (إنَّ أهلَ السُّنَّةِ يقولون: إنَّ العبدَ له مشيئةٌ وقُدرةٌ وإرادةٌ، وهو فاعِلٌ لفِعلِه حقيقةً، وينهَون عن إطلاقِ "الجَبْرِ"؛ فإنَّ لَفظَ "الجبرِ" يُشعِرُ أنَّ اللهَ أجبر العبدَ على خلافِ مُرادِ العبدِ كما تُجبَرُ المرأةُ على النِّكاحِ، وليس كذلك، بل العبدُ مختارٌ يفعَلُ باختيارِه ومشيئتِه ورِضاه ومحبَّتِه، ليس مجبورًا عديمَ الإرادةِ، واللهُ خالِقُ هذا كُلِّه)( . وقال أيضًا: (إنَّ المشهورَ إطلاقُ لفظِ الجبرِ والإجبارِ على ما يُفعَلُ بدونِ إرادةِ المجبورِ، بل مع كراهتِه، كما يجبرُ الأبُ ابنَتَه على النِّكاحِ، وهذا المعنى منتَفٍ في حقِّ اللهِ تعالى؛ فإنَّه سُبحانَه لا يخلُقُ فِعْلَ العبدِ الاختياريِّ بدونِ اختيارِه، بل هو الذي جعله مُريدًا مختارًا، وهذا لا يَقدِرُ عليه أحَدٌ إلَّا اللهُ. ولهذا قال من قال من السَّلَف: اللهُ أعظَمُ وأجَلُّ مِن أن يُجبِرَ، إنما يجبِرُ غَيرُه من لا يَقدِرُ على جَعْلِه مختارًا، واللهُ تعالى يجعَلُ العَبْدَ مُختارًا، فلا يحتاجُ إلى إجبارِه)( . وقال ابنُ القَيِّمِ في تفسيرِ قَولِ اللهِ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 26] : (الذي دلَّت عليه الآيةُ مع سائرِ أدِلَّةِ التوحيدِ، وأدِلَّةِ العَقلِ الصريحِ: أنَّ مشيئةَ العِبادِ من جملةِ الكائناتِ التي لا تُوجَدُ إلَّا بمشيئةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى، فما لم يشَأْ لم يكُنِ البتَّةَ، كما أنَّ ما شاء كان ولا بدَّ. |
|
|
|
|
|
|
#26 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
ولكِنْ هاهنا أمرٌ يجِبُ التنبيهُ عليه، وهو أنَّ مشيئةَ اللهِ سُبحانَه تارةً تتعَلَّقُ بفِعلِه، وتارةً تتعَلَّقُ بفِعلِ العَبدِ.
فتعَلُّقُها بفِعْلِه سُبحانَه هو أن يشاءَ مِن نَفْسِه إعانةَ عَبدِه وتوفيقَه وتهيئتَه للفِعْلِ، فهذه المشيئةُ تستلزِمُ فِعْلَ العَبدِ ومَشيئَتَه، ولا يكفي في وقوعِ الفِعلِ مَشيئةُ اللهِ لِمشيئةِ عَبْدِه، دون أن يشاءَ فِعْلَه، فإنَّه سُبحانَه قد يشاءُ من عَبدِه المشيئةَ وَحدَها، فيشاءُ العبدُ الفِعلَ ويُريدُه ولا يفعَلُه؛ لأنَّه لم يشَأْ من نفسِه سُبحانَه إعانتَه عليه، وتوفيقَه له. وقد دلَّ على هذا وهذا قَولُه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] ، وقَولُه تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 56] . وهاتان الآيتان متضَمِّنتانِ: إثباتَ الشَّرعِ والقَدَرِ، والأسبابِ والمُسَبَّباتِ، وفِعْلِ العَبدِ واستِنادِه إلى فِعلِ الرَّبِّ. ولكلٍّ منهما عُبوديةٌ تختصُّ بها: فعُبوديةُ الآيةِ الأولى: الاجتهادُ، واستفراغُ الوُسعِ، والاختيارُ والسَّعيُ. وعُبوديةُ الثانيةِ: الاستعانةُ باللهِ، والتوكُّلُ عليه، واللَّجَأُ إليه، واستنزالُ التوفيقِ والعونِ منه، والعِلْمُ بأنَّ العبدَ لا يمكِنُه أن يشاءَ ولا يفعَلَ حتى يجعَلَه اللهُ كذلك. وقَولُه: رَبُّ الْعَالَمِينَ ينتَظِمُ ذلك كُلَّه ويتضَمَّنُه، فمن عطَّل أحدَ الأمرينِ فقد جحد كمالَ الرُّبوبيةِ وعَطَّلها. وباللهِ التوفيقُ)( . وقال الكرمانيُّ في شَرحِ ترجمةِ البخاريِّ (بابُ قَولِ اللهِ تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: 22] (الترجمةُ مُشعِرةٌ بأنَّ المقصودَ من البابِ إثباتُ نَفيِ الشَّريكِ عن اللهِ تعالى، فكان المناسِبُ ذِكْرَه في أوائِلِ كتابِ التوحيدِ. قلتُ: ليس المقصودُ ذلك، بل هو بيانُ أفعالِ العِبادِ بخَلقِ اللهِ تعالى؛ إذ لو كانت أفعالهم بخَلقِهم لكانوا شُرَكاءَ للهِ تعالى وأندادًا له في الخَلْقِ؛ ولهذا عُطِف وما ذُكِر عليه، وفيه الرَّدُّ على الجَهميَّةِ؛ حيث قالوا: لا قُدرةَ للعَبدِ أصلًا، وعلى المعتَزِلةِ؛ حيث قالوا: لا دَخْلَ لقُدرةِ اللهِ تعالى فيها؛ إذ المَذهَبُ الحَقُّ أنْ لا جَبْرَ ولا قَدَرَ، ولكِنْ أمرٌ بين الأمرينِ، أي: بخَلقِ اللهِ، وكَسْبِ العَبدِ)( . وقال ابنُ أبي العزِّ: (اختلف النَّاسُ في أفعالِ العِبادِ الاختياريَّةِ... وقال أهلُ الحَقِّ: أفعالُ العِبادِ بها صاروا مطيعين وعُصاةً، وهي مخلوقةٌ للهِ تعالى، والحَقُّ سُبحانَه وتعالى منفَرِدٌ بخَلقِ المخلوقاتِ، لا خالِقَ لها سواه)( . وقال جمال الدين القاسميُّ: (معنا قضيتانِ قطعِيَّتَا الثُّبوتِ: إحداهما: كونُ الإنسانِ يَعمَلُ بقُدرةٍ وإرادةٍ يَبعَثُها عِلْمُه على الفِعلِ أو التركِ والكَفِّ، وهي بديهيَّةٌ. والثانية: هي أنَّ اللهَ هو الخالِقُ الذي بيَدِه ملَكوتُ كُلِّ شَيءٍ، وهي نظريَّةٌ. .... القَضاءُ عِبارةٌ عن تعَلُّقِ عِلمِ اللهِ تعالى أو إرادتِه في الأزَلِ بأنَّ الشَّيءَ يكونُ على الوَجهِ المخصوصِ مِنَ الوُجوهِ المُمكِنةِ، والقَدَرُ وُقوعُ الأشياءِ فيما لا يزالُ على وَفقِ ما سبق في الأزَلِ. ومن الأشياءِ التي يتعَلَّقُ بها القَضاءُ والقَدَرُ أفعالُ العِبادِ الاختياريَّةُ، فإذا كان قد سبق القَضاءُ المبرَمُ بأنَّ زيدًا يعيشُ كافرًا ويموتُ كافرًا، فما معنى مطالبتِه بالإيمانِ وهو ليس في طاقتِه، ولا يمكِنُ في الواقِعِ ونَفسِ الأمرِ أن يَصدُرَ منه؛ لأنَّه في الحقيقةِ مجبورٌ على الكُفرِ في صورةِ مُختارٍ له، كما قال بعضُهم؟! والجوابُ عن هذا: أنَّ تعَلُّقَ العِلْمِ والإرادةِ بأنَّ فُلانًا يفعَلُ كذا لا ينافي أن يفعَلَه باختيارٍ، إلَّا إذا تعلَّق العِلْمُ بأن يفعَلَه مُضطرًّا كحركةِ المُرتَعِشِ مثلًا، ولكِنَّ أفعالَ العِبادِ الاختياريَّةَ قد سبق في القَضاءِ بأنها تقَعُ اختياريَّةً، أي: بإرادةِ فاعليها لا رغمًا عنهم، وبهذا صَحَّ التكليفُ، ولم يكُنْ التشريعُ عَبَثًا ولا لَغْوًا)( . وقال السَّعديُّ: (من أصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ:... أنَّ أعمالَ العِبادِ كُلَّها خَيْرَها وشَرَّها داخلةٌ في قضائِه وقُدرتِه تعالى، مع وقوعِها طِبْقَ إرادتهم وقدرتهم، ولم يجبِرْهم عليها؛ فإنَّه خلق لهم جميعَ القُوى الظَّاهِرةِ والباطنةِ، ومنها القُدْرةُ والإرادةُ التي بها يختارونَ وبها يفعلونَ)( . وقال أيضًا: (ومن جملةِ الأشياءِ: أفعالُ العِبادِ طاعتُهم ومعاصيهم، فهو تعالى يَعلَمُها إجمالًا وتفصيلًا قبل أن يَعمَلوها. وأعمالهم وأفعالهم داخلةٌ تحت مشيئةِ اللهِ وإرادتِه؛ فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبِرْهم لا على الطَّاعاتِ، ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارِهم، كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28، 29]. فهذه الآيةُ فيها: رَدٌّ على القَدَريَّةِ النُّفاةِ، وعلى القَدَريَّةِ المُجْبِرةِ، وإثباتٌ للحَقِّ الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، فقَولُه: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أثبتت أنَّه لهم مشيئةً حقيقيَّةً وفِعلًا حقيقيًّا، وهو الاستقامةُ باختيارِهم. فهذا ردٌّ على الجَبْريَّةِ. وقَولُه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أخبر أنَّ مشيئتَهم تابِعةٌ لمشيئةِ اللهِ، وأنها لا توجَدُ بدونِها. فما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ. ففيها ردٌّ على القَدَريةِ القائلين: إنَّ مشيئةَ العِبادِ مستقِلَّةٌ، وليست تابعةً لِمشيئةِ اللهِ. بل عندهم: يشاءُ العِبادُ ويفعلون ما لا يشاؤه اللهُ ولا يُقَدِّرُه! ودلَّت الآيةُ على الحَقِ الواضِحِ، وهو: أنَّ العِبادَ هم الذين يعملون الطاعاتِ والمعاصيَ حقيقةً، وليسوا مجبورين عليها، وأنها مع ذلك تابعةٌ لِمشيئةِ اللهِ، كما تقدَّم كيفيَّةُ وَجهِ ذلك، والآياتُ الدَّالَّاتُ على هذا كثيرةٌ جِدًّا)( . وقال أيضًا في حديثِ: ((اعمَلوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له ))( : (توضيحُ ذلك: أنَّ العبدَ إذا صلَّى وصام وعَمِلَ الخيرَ، أو عمل شيئًا من المعاصي، كان هو الفاعِلَ لذلك العَمَلِ الصَّالحِ وذلك العمَلِ السَّيِّئ، وفِعلُه المذكورُ بلا ريبٍ واقِعٌ باختيارِه، وهو يحِسُّ ضَرورةً أنَّه غيرُ مجبورٍ على الفِعلِ أو التركِ، وأنَّه لو شاء لم يفعَلْ، وكما أنَّ هذا هو الواقِعُ، فهو الذي نصَّ اللهُ عليه في كتابِه ونصَّ عليه رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حيث أضاف الأعمالَ صالحَها وسيِّئَها إلى العِبادِ، وأخبر أنهم الفاعِلون لها، وأنهم محمودون عليها إن كانت صالحةً ومُثابون عليها ومذمومون إن كانت سيِّئةً ومعاقَبون عليها. فقد تبَيَّن بهذا واتَّضَح أنها واقعةٌ منهم وباختيارِهم، وأنهم إن شاؤوا فعلوا، وإن شاؤوا تركوا، وأنَّ هذا الأمرَ ثابِتٌ عَقلًا وحِسًّا وشرعًا ومشاهَدةً. ... اللهُ هو الذي خلق قُدرَتَهم وإرادتَهم، وهو الذي خلق ما به تقعُ الأفعالُ، كما أنَّه الخالِقُ للأفعالِ، وهذا هو الذي يحُلُّ الإشكالَ، ويتمكَّنُ العَبدُ أن يعقِلَ بقَلْبِه اجتماعَ القَدَرِ والقَضاءِ والاختيارِ. ومع ذلك فهو تعالى أمدَّ المؤمنين بأسبابٍ وألطافٍ وإعاناتٍ مُتنوِّعةٍ، وصرف عنهم الموانِعَ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أمَّا من كان من أهلِ السَّعادةِ فيُيَسَّرُ لعمَلِ أهلِ السَّعادةِ ))( ، وكذلك خَذَل الفاسقين ووكَلَهم إلى أنفُسِهم ولم يُعِنْهم؛ لأنهم لم يؤمِنوا به، ولم يتوكَّلوا عليه، فوَلَّاهم ما توَلَّوه لأنفُسِهم)( . وقال حافِظٌ الحَكَميُّ: (للعبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم، ولهم مشيئةٌ وإرادةٌ، وأفعالُهم تضافُ إليهم حقيقةً وبحَسَبِها كُلِّفوا، وعليها يُثابون ويُعاقبون، ولم يُكَلِّفْهم اللهُ إلَّا وُسْعَهم، وقد أثبت لهم ذلك في الكِتابِ والسُّنَّةِ، ووصفهم به، ولكِنَّهم لا يَقدِرون إلَّا على ما أقدرهم اللهُ عليه، ولا يشاؤون إلَّا أن يشاءَ اللهُ، ولا يفعلون إلَّا بجَعْلِه إيَّاهم فاعلين، كما تقدَّم في نصوصِ المشيئةِ والإرادةِ والخَلْقِ، فكما لم يُوجِدوا أنفُسَهم لم يُوجِدوا أفعالَهم، فقُدرتُهم ومشيئتُهم وإرادتُهم وأفعالُهم تابعةٌ لقدرتِه ومشيئتِه وإرادتِه وفِعْلِه؛ إذ هو خالِقُهم وخالِقُ قُدرتِهم وإرادتِهم ومشيئتِهم وأفعالِهم، وليس مشيئَتُهم وإرادتُهم وقدرتُهم وأفعالُهم هي عَينَ مَشيئةِ اللهِ وإرادتِه وقُدرتِه وأفعالِه، كما ليس هم إيَّاه، تعالى اللهُ عن ذلك، بل أفعالُهم المخلوقةُ للهِ قائمةٌ بهم لائقةٌ بهم مضافةٌ إليهم حقيقةً، وهي من آثارِ أفعالِ اللهِ القائمةِ به اللائِقةِ المضافةِ إليه حقيقةً؛ فاللهُ فاعِلٌ حقيقةً، والعبدُ مُنفَعِلٌ حقيقةً، واللهُ هادٍ حقيقةً، والعبدُ مُهتَدٍ حقيقةً؛ ولهذا أضاف كُلًّا من الفعلينِ إلى من قام به، فقال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ [الأعراف: 178] فإضافةُ الهدايةِ إلى اللهِ حقيقةٌ، وإضافةُ الاهتداءِ إلى العَبدِ حقيقةٌ، فكما ليس الهادي هو عَينَ المُهتَدِي، فكذلك ليس الهدايةُ هي عينَ الاهتداءِ، وكذلك يُضِلُّ اللهُ من يشاءُ حقيقةً، وذلك العَبدُ يكونُ ضالًّا حقيقةً، وهكذا جميعُ تصَرُّفِ اللهِ في عبادِه، فمن أضاف الفِعْلَ والانفعالَ إلى العبدِ كَفَر، ومن أضافه إلى اللهِ كَفَر، ومن أضاف الفِعلَ إلى الخالِقِ والانفعالَ إلى المخلوقِ كلاهما حقيقةً، فهو المؤمِنُ حقيقةً)( . |
|
|
|
|
|
|
#27 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقال الشنقيطيُّ: (حاصِلُ هذا أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قدَّر مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ الخَلْقَ، وعَلِم أنَّ قومًا صائرون إلى الشَّقاءِ وقومًا صائرون إلى السَّعادةِ، فريقٌ في الجنَّةِ وفريقٌ في السعيرِ. وأقام الحُجَّةَ على الجميعِ ببَعْثِ الرُّسُلِ وتأييدِهم بالمُعجِزاتِ التي لا تَتركُ في الحَقِّ لَبْسًا، فقامت عليهم حُجَّةُ اللهِ في أرْضِه بذلك.
ثمَّ إنَّه تعالى وفَّق من شاء توفيقَه، ولم يوفِّقْ من سبق لهم في عِلْمِه الشَّقاءُ الأزليُّ، وخَلَق لكُلِّ واحدٍ منهم قدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على تحصيلِ الخيرِ والشَّرِّ، وصَرَف قدرتَهم وإراداتِهم بقدرتِه وإرادتِه إلى ما سبق لهم في عِلمِه من أعمالِ الخيرِ المُستوجِبةِ للسعادةِ، وأعمالِ الشَّرِّ المستوجِبةِ للشقاءِ؛ فأَتَوا كُلَّ ما أَتَوا، وفعلوا كُلَّ ما فعلوا، طائعينَ مختارينَ غيرَ مجبورينَ ولا مقهورينَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، وادِّعاءُ أنَّ العبدَ مجبوٌر لا إرادةَ له ضروريُّ السُّقوطِ عند عامَّةِ العُقَلاءِ، ومن أعظَمِ الضرورياتِ الدَّالَّةِ عليه: أنَّ كُلَّ عاقلٍ يَعلَمُ أنَّ بين الحركةِ الاختياريةِ والحركةِ الاضطراريَّةِ كحَركةِ المرتَعِشِ فَرقًا ضروريًّا، لا ينكِرُه عاقِلٌ... ومِن أعظَمِ الأدِلَّةِ القَطعيَّةِ الدَّالَّةِ على بطلانِ مَذهَبِ القَدَريةِ، وأنَّ العبدَ لا يَستقِلُّ بأفعالِه دون قُدرةِ اللهِ ومشيئتِه: أنَّه لا يمكِنُ أحدًا أن ينكِرَ عِلمَ اللهِ بكُلِّ شيءٍ قبل وقوعِه، والآياتُ والأحاديثُ الدَّالَّةُ على هذا لا يُنكِرُها إلَّا مكابِرٌ، وسبْقُ علمِ اللهِ بما يقعُ من العبدِ قبل وقوعِه بُرهانٌ قاطعٌ على بطلانِ تلك الدعوى... ولا إشكالَ البتَّةَ في أنَّ اللهَ يخلُقُ للعَبدِ قُدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على الفِعلِ والتركِ، ثمَّ يَصرِفُ اللهُ بقدرتِه وإرادتِه قدرةَ العبدِ وإرادتَه إلى ما سبق به عِلْمُه، فيأتيه العبدُ طائعًا مختارًا غيرَ مقهورٍ ولا مجبورٍ، وغيرَ مُستَقِلٍّ به دونَ قُدرةِ اللهِ وإرادتِه، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] )( . وقال ابنُ عثيمين: (قال المؤلِّفُ يعني: ابنَ تيميَّةَ: «وهم وسَطٌ في بابِ أفعالِ اللهِ بين الجَبْريَّةِ والقَدَريَّةِ». الشَّرحُ: * في بابِ القَدَرِ انقسم النَّاسُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:... والقِسمُ الثَّالِثُ: أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، قالوا: نحن نأخذُ بالحَقِّ الذي مع الجانبينِ، فنقولُ: إنَّ فِعلَ العبدِ واقِعٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِ اللهِ، ولا يمكِنُ أن يكونَ في مُلكِ اللهِ ما لا يشاؤه أبدًا، والإنسانُ له اختيارٌ وإرادةٌ، ويُفَرِّقُ بين الفعلِ الذي يُضطَرُّ إليه والفِعلِ الذي يختارُه؛ فأفعالُ العِبادِ باختيارِهم وإرادتِهم، ومع ذلك فهي واقعةٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِه. لكنْ سيبقى عندنا إشكالٌ: كيف تكونُ خَلقًا للهِ وهي فِعلُ الإنسانِ؟! والجوابُ: أنَّ أفعالَ العَبدِ صدَرَت بإرادةٍ وقدرةٍ، والذي خلق فيه الإرادةَ والقُدْرةَ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ. لو شاء اللهُ تعالى لسلبك القُدْرةَ؛ فلم تستَطِعْ، ولو أنَّ أحدًا قادِرًا لم يُرِدْ فِعلًا لم يقَعِ الفِعلُ منه، كُلُّ إنسانٍ قادِرٌ يفعَلُ الفِعلَ؛ فإنَّه بإرادتِه، اللَّهُمَّ إلَّا من أُكرِهَ. فنحن نفعلُ باختيارِنا وقُدرتِنا، والذي خلق فينا الاختيارَ والقُدْرةَ هو اللهُ)( |
|
|
|
|
|
|
#28 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ
المَبحَثُ الأوَّلُ: مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: أنَّه طريقُ الخَلاصِ مِنَ الشِّركِ زعم كثيرٌ من الفلاسِفةِ أنَّ الخيرَ من اللهِ، والشَّرَّ مِن صُنعِ آلهةٍ مِن دُونِه! وإنما قالوا هذا القولَ فرارًا من نسبةِ الشَّرِّ إلى اللهِ تعالى. والمجوسُ زعموا أنَّ النُّورَ خالِقُ الخيرِ، والظُّلمةَ خالِقةُ الشَّرِّ. والذين زعموا من هذه الأُمَّةِ أنَّ اللهَ لم يخلُقْ أفعالَ العِبادِ، أو لم يخلُقِ الضَّالَّ منها أثبتوا خالقَيْنِ من دونِ اللهِ. ولا يتِمُّ توحيدُ اللهِ إلَّا لمن أقرَّ أنَّ اللهَ وَحْدَه الخالِقُ لكُلِّ شَيءٍ في الكونِ، وأنَّ إرادتَه ماضيةٌ في خَلقِه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فكُلُّ المكَذِّبين بالقَدَرِ لم يوحِّدوا ربَّهم، ولم يَعرِفوه حقَّ معرفتِه، فالإيمانُ بالقَدَرِ إذًا مَفرِقُ طريقٍ بين التوحيدِ والشِّركِ. المَبحَثُ الثَّاني: مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الاستقامةُ على مَنهَجٍ سواءٍ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ العِبادُ بما فيهم من قُصورٍ وضَعفٍ لا يستقيمون على مَنهجٍ سَواءٍ. قال اللهُ تعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ... [المعارج: 19-22] . قال السَّعديُّ: (هذا الوَصفُ للإنسانِ من حيثُ هو وَصفُ طبيعتِه الأصليَّةِ؛ أنَّه هَلوعٌ. وفُسِّر الهَلُوعُ بأنَّه: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا فيَجزَعُ إن أصابه فقرٌ أو مرَضٌ، أو ذَهابُ محبوبٍ له من مالٍ أو أهلٍ أو ولَدٍ، ولا يَستعمِلُ في ذلك الصَّبرَ والرِّضا بما قضى اللهُ. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا فلا يُنفِقُ مما آتاه اللهُ، ولا يَشكُرُ اللهَ على نِعَمِه وبِرِّه، فيجزَعُ في الضَّرَّاءِ، ويمنعُ في السَّرَّاءِ. إِلَّا الْمُصَلِّينَ الموصوفين بتلك الأوصافِ؛ فإنهم إذا مسَّهم الخيرُ شكروا اللهَ، وأنفقوا مما خوَّلهم اللهُ، وإذا مسَّهم الشَّرُّ صبروا واحتسبوا...)( . فالإيمانُ بالقَدَرِ يجعَلُ الإنسانَ يمضي في حياتِه على منهَجٍ سواءٍ، لا تُبطِرُه النِّعمةُ، ولا تُيئِسُه المصيبةُ، فهو يَعلَمُ أنَّ كُلَّ ما أصابه من نِعَمٍ وحَسَناتٍ مِنَ اللهِ، لا بذكائِه وحُسنِ تدبيرِه وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53] . وإذا أصاب العبدَ الضَّرَّاءُ والبلاءُ عَلِم أنَّ هذا بتقديرِ اللهِ ابتلاءً منه، فلا يجزَعُ ولا ييأَسُ، بل يحتَسِبُ ويَصبِرُ، فيُورِثُ ذلك في قَلبِ العبدِ المؤمِنِ الرِّضا والطُّمَأنينةَ. قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22-23] . وقال اللهُ سُبحانَه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: 11] . وقد امتدح اللهُ عِبادَه، فقال: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 156-157] . قال الشَّوكاني: (من فوائِدِ رُسوخِ الإيمانِ بهذه الخَصلةِ أي: الإيمانِ بالقَدَرِ أنَّه يَعلَمُ أنَّه ما وصل إليه من الخيرِ على أيِّ صِفةٍ كان، وبيَدِ مَن اتَّفَق، فهو منه عزَّ وجَلَّ، فيحصُلُ له بذلك من الحُبُورِ والسُّرُورِ ما لا يقادَرُ قَدْرُه؛ لِما له سُبحانَه من العظَمةِ التي تضيقُ أذهانُ العِبادِ عن تصَوُّرِها، وتَقصُرُ عقولُهم عن إدراكِ أدنى منازلها... وما أحسَنَ ما قاله الحربيُّ رحمه اللهُ: «من لم يؤمِنْ بالقَدَرِ لم يتهَنَّ بعَيْشِه»، وهذا صحيحٌ؛ فما تعاظَمَت القُلوبُ بالمصائِبِ، وضاقت بها الأنفُسُ وحَرِجَت بها الصُّدورُ، إلَّا من ضَعفِ الإيمانِ بالقَدَرِ)( . عن صُهَيبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((عجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمْرَه كُلَّه خَيرٌ، وليس ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر، فكان خيرًا له ))( . قال أبو العباس القرطبيُّ: (المؤمِنُ هنا هو العالِمُ باللهِ، الرَّاضي بأحكامِه، العامِلُ على تصديقِ موعودِه، وذلك أنَّ المؤمِنَ المذكورَ إمَّا أن يُبتلى بما يضُرُّه، أو بما يَسُرُّه، فإن كان الأوَّلَ صَبَر واحتسَبَ ورَضِيَ، فحصل على خيرِ الدُّنيا والآخِرةِ وراحتِهما، وإن كان الثَّاني عرف نِعمةَ اللهِ عليه ومِنَّتَه فيها، فشكرها وعَمِل بها، فحصل على نعيمِ الدُّنيا ونعيمِ الآخِرةِ. و«قَولُه: وليس ذلك إلَّا للمؤمِنِ» أي: المؤمِنِ الموصوفِ بما ذكَرْتُه؛ لأنَّه إن لم يكُنْ كذلك لم يصبرْ على المصيبةِ ولم يحتَسِبْها، بل يتضجَّرُ ويتسَخَّطُ، فينضافُ إلى مصيبتِه الدُّنيويةِ مُصيبتُه في دينِه، وكذلك لا يَعرِفُ النِّعمةَ ولا يقومُ بحَقِّها ولا يشكُرُها، فتنقَلِبُ النِّعمةُ نِقمةً والحَسَنةُ سَيِّئةً. نعوذُ باللهِ من ذلك)( . وقال ابنُ القَيِّمِ: (اللهُ سُبحانَه وتعالى المسؤولُ المرجُوُّ الإجابةِ أن يتولَّاكم في الدُّنيا والآخِرةِ، وأن يُسبِغَ عليكم نِعَمَه ظاهِرةً وباطِنةً، وأن يجعَلَكم ممَّن إذا أُنعِمَ عليه شَكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استغفَرَ؛ فإنَّ هذه الأُمورَ الثَّلاثةَ عُنوانُ سَعادةِ العَبدِ، وعلامةُ فَلاحِه في دُنياه وأُخراه، ولا ينفَكُّ عبدٌ عنها أبدًا؛ فإنَّ العَبْدَ دائِمُ التقَلُّبِ بين هذه الأطباقِ الثَّلاثةِ)( . |
|
|
|
|
|
|
#29 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
المَبحَثُ الثَّالِثُ: مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: أنَّه يدعو إلى العَمَلِ الصَّالِحِ والسَّعيِ إلى مرضاةِ اللهِ تعالى
الإيمانُ بالقَدَرِ من أكبرِ الدَّواعي التي تدعو إلى النَّشاطِ وبَذْلِ الجُهدِ، وهو من أقوى الحوافِزِ للمؤمِنِ؛ كي يعمَلَ ويُقْدِمَ على عظائمِ الأمورِ بثباتٍ وعزمٍ ويقينٍ. فالإيمانُ بالقَضاءِ والقَدَرِ لا يعني مُطلقًا التسليمَ لِما يُقَدِّرُه اللهُ بالقُعودِ عن تغييرِ ما أصاب الإنسانَ من فقرٍ أو مرَضٍ أو جَهلٍ، وتَرْكَ مقاومةِ ذلك، ولا يعني الإيمانُ بالقَدَرِ أنَّه لا حاجةَ إلى السَّعيِ في طَلَبِ الرِّزقِ. إنَّ المؤمنين مأمورون بالأخذِ بالأسبابِ مع التوكُّلِ على اللهِ تعالى، فالأسبابُ لا تعطي النتائجَ إلَّا بإذنِ اللهِ الذي خلق الأسبابَ، وخلق النتائِجَ، ويَحرُمُ على المسلِمِ تَرْكُ الأخذِ بالأسبابِ. قال ابنُ تيميَّةَ: (كُلُّ داعٍ شافِعٍ دعا اللهَ سُبحانَه وتعالى وشَفَع، فلا يكونُ دعاؤه وشفاعتُه إلَّا بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه ومشيئتِه، وهو الذي يجيبُ الدُّعاءَ ويَقبَلُ الشَّفاعةَ، فهو الذي خلق السَّبَبَ والمسَبَّبَ، والدعاءُ من جملةِ الأسبابِ التي قدَّرها اللهُ سُبحانَه وتعالى. وإذا كان كذلك فالالتفاتُ إلى الأسبابِ شِركٌ في التوحيدِ، ومحوُ الأسبابِ أن تكونَ أسبابًا نَقْصٌ في العَقلِ، والإعراضُ عن الأسبابِ بالكُليَّةِ قَدحٌ في الشَّرعِ، بل العبدُ يجِبُ أن يكونَ توكُّلُه ودعاؤه وسؤالُه ورغبتُه إلى اللهِ سُبحانَه وتعالى، واللهُ يُقَدِّرُ له من الأسبابِ مِن دُعاءِ الخَلْقِ وغيرِهم)( . وقال أيضًا: (من ظَنَّ أنَّ التوكُّلَ يُغني عن الأسبابِ المأمورِ بها فهو ضالٌّ، وهذا كمن ظَنَّ أنَّه يتوكَّلُ على ما قُدِّرَ عليه من السعادةِ والشقاوةِ بدون أن يفعَلَ ما أمره اللهُ)( . وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((المؤمِنُ القَوِيُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفَعُك، واستَعِنْ باللهِ ولا تَعْجَز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقُلْ: لو أنِّي فعَلْتُ كان كذا وكذا، ولكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وما شاء فَعَلَ، فإنَّ لَوْ تفتَحُ عَمَلَ الشَّيطانِ ))( . قال ابنُ أبي العزِّ: (ظَنَّ بعضُ النَّاسِ أنَّ التوكُّلَ ينافي الاكتسابَ وتعاطي الأسبابِ، وأنَّ الأمورَ إذا كانت مُقَدَّرةً فلا حاجةَ إلى الأسبابِ، وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ الاكتسابَ: منه فَرضٌ، ومنه مُستحَبٌّ، ومنه مباحٌ، ومنه مكروهٌ، ومنه حرامٌ، كما قد عُرِف في موضِعِه. وقد كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضَلُ المتوكِّلين يَلبَسُ لَأْمَةَ الحَربِ، ويمشي في الأسواقِ للاكتِسابِ)( . وقد قال عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه لأبي عُبَيدةَ لَمَّا جاء الخبرُ بانتشارِ الوَباءِ في الشَّامِ، ورأى عُمَرُ الرُّجوعَ، فقال له أبو عُبَيدةَ: (أفِرارًا من قَدَرِ اللهِ؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عُبَيدةَ! نعم نَفِرُّ من قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ، أرأيتَ لو كان لك إبلٌ هبَطَت واديًا له عُدْوَتانِ؛ إحداهما خِصبةٌ، والأُخرى جَدْبةٌ، أليس إن رعيتَ الخِصبةَ رعَيتَها بقَدَرِ اللهِ، وإن رعَيتَ الجَدْبةَ رَعَيتَها بقَدَرِ اللهِ؟ )( . فالأخذُ بالأسبابِ داخِلٌ في معنى الإيمانِ بالقَدَرِ ولا ينافيه. |
|
|
|
|
|
|
#30 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
المَبحَثُ الرَّابعُ: مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: مُواجَهةُ الصِّعابِ والأخطارِ بقَلبٍ ثابتٍ
إذا آمن العبدُ بأنَّ كُلَّ ما يصيبُه مكتوبٌ، وآمَنَ أنَّ الأرزاقَ والآجالَ بيَدِ اللهِ؛ فإنَّه يقتَحِمُ الصِّعابَ والأهوالَ بقَلبٍ ثابتٍ وعزيمةٍ قَويَّةٍ، وقد كان هذا الإيمانُ من أعظَمِ ما دفع المجاهدين إلى الإقدامِ في ميدانِ النِّزالِ غيرَ هيَّابينَ ولا وَجِلين؛ لإيقانهم بأنَّ الآجالَ محَدَّدةٌ لا تتقَدَّمُ ولا تتأخَّرُ لحظةً واحِدةً. ولما وُجد من المثَبِّطين من المنافقين وغيرِهم من يتخَلَّفُ عن الجهادِ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُدَّعيًا أنَّ السَّلامةَ في تخلُّفِه، ومتربصًا بالمؤمِنين الدوائِرَ، كان الرَّدُّ عليهم يأتي من اللهِ تعالى مبيِّنًا أنَّ المؤمنين يقومون بما أوجبه اللهُ عليهم طاعةً للهِ ورسولِه، وهم يعتَقِدون أنَّ كُلَّ ما يصيبُهم قد جرت به المقاديرُ. قال اللهُ تعالى: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ [التوبة: 51-52] . وقال اللهُ سُبحانَه: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: 154] . وكان هذا الإيمانُ من أعظَمِ ما ثبَّت قلوبَ الصَّالحين في مواجَهةِ الظَّلَمةِ والطُّغاةِ، ولا يخافون في اللهِ لومةَ لائمٍ؛ لأنهم يَعلَمُون أنَّ الأمرَ بيدِ اللهِ، وما قُدِّرَ لهم سيأتيهم. وكانوا لا يخافون من قولِ كَلِمةِ الحَقِّ خَشيةَ انقِطاعِ الرِّزقِ؛ فالرِّزقُ بيَدِ اللهِ، وما كتبه اللهُ من رِزقٍ لا يستطيعُ أحدٌ منْعَه، وما منعه اللهُ لعبدٍ من عبيدِه لا يستطيعُ أحدٌ إيصالَه إليه. عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: كنتُ خَلْفَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا فقال: ((يا غُلامُ، إنِّي أعلِّمُك كَلِماتٍ: احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تَجِدْه تُجاهَك، إذا سألْتَ فاسأَلِ اللهَ، وإذا استعَنْتَ فاستَعِنْ باللهِ، واعلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمَعَت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، واعلَمْ أنَّ الأُمَّة لو اجتمعت على أن يضُرُّوك بشَيءٍ لم يضرُّوك إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك، رُفِعَت الأقلامُ وجَفَّت الصُّحُفُ ))( ، وفي روايةٍ أخرى: ((...احفَظِ اللهَ تجِدْه أمامكَ، تعَرَّفْ إليه في الرَّخاءِ يَعرِفْك في الشِّدَّةِ.. فلو أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم جميعًا أرادوا أن يَنفَعوك بشَيءٍ لم يَكتُبْه اللهُ عليك، لم يَقدِروا عليه، وإن أرادوا أن يَضُرُّوك بشَيءٍ لم يكتُبْه اللهُ عليك، لم يَقدِروا عليه، واعلَمْ أنَّ في الصَّبرِ على ما تَكرَهُ خيرًا كثيرًا، وأنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأنَّ مع العُسْرِ يُسرًا ))( ، وهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ يبعَثُ على الشجاعةِ والاتجاهِ إلى اللهِ وَحْدَه في وقتِ الشَّدائِدِ، فيبقى المؤمنُ عزيزًا لا يَذِلُّ إلَّا للهِ وَحدَه. |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الإيمانُ بالقَدَرِ خيرِهِ وشرِّه | ابو الوليد المسلم | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 0 | 05-11-2026 11:34 PM |
|
|