![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#319 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ 1- أنه لا إكراه لأحد على الدخول في الدين، ولا ينبغي أن يكره أحد على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾. وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أرسل جيوشه إلى الأمصار أوصاهم بثلاث: أولًا: دعوتهم إلى الإسلام، فإن أبَوْا أخذوا منهم الجزية، فإن أبوا قاتلوهم[1]. فلا يُكره أحدٌ على الدخول في الدين، سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم من الكفار، وهذا هو الثابت من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في سلمه وغزواته وحروبه، يسالم من يسالمه، ويهادن من يهادنه، ويحارب من يحاربه، ولم يكره أحدًا على دينه قط، وهذا واضح جلي لمن تأمل سيرته صلى الله عليه وسلم. 2- إقامة الحجة على الخلق، وبيان المحجة لهم ببيان الرشد من الغي؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾، وليس ثمة غير هذين الطريقين، كما قال تعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [يونس: 32]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [سبأ: 24]. فمن أطاع الله رشد في دنياه وأخراه، ومن عصى الله فقد غوى في دنياه وأخراه، وقد أحسن القائل: الموتُ بابٌ وكلُّ الناس داخلُه ![]() يا ليت شعري بعد الموت ما الدار ![]() الدار جنة عدن إن عملت بما ![]() يرضي الله وإن فرطت فالنار ![]() هما محلان ما للناس غيرهما ![]() فاختر لنفسك ماذا أنت تختار[2] ![]() 3- أن الدين الإسلامي دين العقل والعلم ودين الفطرة والحكمة ودين الحق والرشد، لا يحتاج إلى إكراه لكماله وبيان آياته، ووضوح براهينه. 4- أن الدخول في دين الله يستلزم أمرين: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله. أي يستلزم نفي الشرك، وإخلاص العبودية لله تعالى وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾، وذلك معنى: «لا إله إلا الله». 5- أن النجاة كل النجاة بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى، فلا نجاة إلا بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾. 6- أن التخلية قبل التحلية؛ لتقديم الكفر بالطاغوت في الآية على الإيمان بالله. 7- الإغراء بالتمسك بعروة الدين والإيمان والإسلام؛ لأنها العروة التي لا تنفصم وفيها الضمان والأمان والسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة. 8- أن من آمن بالطاغوت وكفر بالله، أو كفر بالله وإن لم يؤمن بالطاغوت فهو هالك خاسر، لمفهوم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ الآية. 9- إثبات صفة السمع لله عز وجل الذي وسع جميع الأصوات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾. 10- إثبات صفة العلم الواسع لله عز وجل الذي وسع كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلِيمٌ ﴾. 11- إثبات ولاية الله تعالى الخاصة بالمؤمنين، ولاية التوفيق والحفظ والتسديد والنصر؛ لقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. وهناك النوع الثاني من الولاية، وهي ولايته عز وجل لجميع الخلق بما فيهم الكفار، كما قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [يونس: 30]. فهو عز وجل ولي جميع الخلق خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم. 12- براءة الله عز وجل من الذين كفروا وحرمانهم ولايته الخاصة؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 11]. 13- فضل الإيمان والترغيب فيه؛ لأن به تحصل ولاية الله تعالى الخاصة للعبد. 14- أن أعظم ثمرات ولاية الله عز وجل للمؤمنين إخراجهم بالإيمان من الظلمات إلى النور؛ لأن الله أعقب ذكر ولايته لهم بقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾. 15- الإشارة إلى أن طرق الباطل كثيرة متعددة، وأن طريق الحق واحد؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ بجمع الظلمات وإفراد النور. 16- أن الكافرين أولياؤهم الطاغوت؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾، وبئست الولاية. 17- سوء عاقبة ولاية الشيطان للذين كفروا لإخراجه لهم بالكفر من النور إلى الظلمات؛ لقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾؛ أي: من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر والجهل. 18- تفرُّده عز وجل وحده بولاية المؤمنين، وكثرة أولياء الكافرين وتعددهم؛ لقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالإفراد، بينما قال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ بالجمع. 19- إثبات وجود النار؛ لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]، وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131]. وقد رآها النبي صلى الله عليه وسلم حين عرج به إلى السماء، كما عرضت عليه في صلاة الكسوف، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُريت النار فإذا أكثر أهلها النساء»[3]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر بن لحي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب»[4]. 20- ملازمة الكفار للنار وخلودهم فيها خلودًا أبديًا؛ لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. 21- أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، للحصر في قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، وعلى هذا فمن دخل النار من أهل المعاصي من المؤمنين فإنه لا يخلد فيها، بل يعذب بقدر ذنبه ثم يخرج منها، وقد يعفو الله عز وجل عنه فلا يدخلها. [1] كما جاء في حديث بريدة رضي الله عنه، أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1731)، وأبو داود في الجهاد (2612)، والترمذي في السير (1617)، وابن ماجه في الجهاد (2858). [2] الأبيات لأبي العتاهية؛ انظر: «ديوانه» (ص 141). [3] أخرجه البخاري في الإيمان (29)، ومسلم في الكسوف (907)، والنسائي في الكسوف (1493). [4] أخرجه البخاري في المناقب، قصة خزاعة (3521)، ومسلم في الجنة، النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (3856). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#320 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ 1- أنه لا إكراه لأحد على الدخول في الدين، ولا ينبغي أن يكره أحد على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾. وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أرسل جيوشه إلى الأمصار أوصاهم بثلاث: أولًا: دعوتهم إلى الإسلام، فإن أبَوْا أخذوا منهم الجزية، فإن أبوا قاتلوهم[1]. فلا يُكره أحدٌ على الدخول في الدين، سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم من الكفار، وهذا هو الثابت من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في سلمه وغزواته وحروبه، يسالم من يسالمه، ويهادن من يهادنه، ويحارب من يحاربه، ولم يكره أحدًا على دينه قط، وهذا واضح جلي لمن تأمل سيرته صلى الله عليه وسلم. 2- إقامة الحجة على الخلق، وبيان المحجة لهم ببيان الرشد من الغي؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾، وليس ثمة غير هذين الطريقين، كما قال تعالى: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [يونس: 32]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [سبأ: 24]. فمن أطاع الله رشد في دنياه وأخراه، ومن عصى الله فقد غوى في دنياه وأخراه، وقد أحسن القائل: الموتُ بابٌ وكلُّ الناس داخلُه ![]() يا ليت شعري بعد الموت ما الدار ![]() الدار جنة عدن إن عملت بما ![]() يرضي الله وإن فرطت فالنار ![]() هما محلان ما للناس غيرهما ![]() فاختر لنفسك ماذا أنت تختار[2] ![]() 3- أن الدين الإسلامي دين العقل والعلم ودين الفطرة والحكمة ودين الحق والرشد، لا يحتاج إلى إكراه لكماله وبيان آياته، ووضوح براهينه. 4- أن الدخول في دين الله يستلزم أمرين: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله. أي يستلزم نفي الشرك، وإخلاص العبودية لله تعالى وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾، وذلك معنى: «لا إله إلا الله». 5- أن النجاة كل النجاة بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى، فلا نجاة إلا بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾. 6- أن التخلية قبل التحلية؛ لتقديم الكفر بالطاغوت في الآية على الإيمان بالله. 7- الإغراء بالتمسك بعروة الدين والإيمان والإسلام؛ لأنها العروة التي لا تنفصم وفيها الضمان والأمان والسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة. 8- أن من آمن بالطاغوت وكفر بالله، أو كفر بالله وإن لم يؤمن بالطاغوت فهو هالك خاسر، لمفهوم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ الآية. 9- إثبات صفة السمع لله عز وجل الذي وسع جميع الأصوات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾. 10- إثبات صفة العلم الواسع لله عز وجل الذي وسع كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلِيمٌ ﴾. 11- إثبات ولاية الله تعالى الخاصة بالمؤمنين، ولاية التوفيق والحفظ والتسديد والنصر؛ لقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. وهناك النوع الثاني من الولاية، وهي ولايته عز وجل لجميع الخلق بما فيهم الكفار، كما قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [يونس: 30]. فهو عز وجل ولي جميع الخلق خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم. 12- براءة الله عز وجل من الذين كفروا وحرمانهم ولايته الخاصة؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 11]. 13- فضل الإيمان والترغيب فيه؛ لأن به تحصل ولاية الله تعالى الخاصة للعبد. 14- أن أعظم ثمرات ولاية الله عز وجل للمؤمنين إخراجهم بالإيمان من الظلمات إلى النور؛ لأن الله أعقب ذكر ولايته لهم بقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾. 15- الإشارة إلى أن طرق الباطل كثيرة متعددة، وأن طريق الحق واحد؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ بجمع الظلمات وإفراد النور. 16- أن الكافرين أولياؤهم الطاغوت؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾، وبئست الولاية. 17- سوء عاقبة ولاية الشيطان للذين كفروا لإخراجه لهم بالكفر من النور إلى الظلمات؛ لقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾؛ أي: من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر والجهل. 18- تفرُّده عز وجل وحده بولاية المؤمنين، وكثرة أولياء الكافرين وتعددهم؛ لقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالإفراد، بينما قال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ بالجمع. 19- إثبات وجود النار؛ لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]، وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131]. وقد رآها النبي صلى الله عليه وسلم حين عرج به إلى السماء، كما عرضت عليه في صلاة الكسوف، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُريت النار فإذا أكثر أهلها النساء»[3]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر بن لحي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب»[4]. 20- ملازمة الكفار للنار وخلودهم فيها خلودًا أبديًا؛ لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. 21- أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، للحصر في قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، وعلى هذا فمن دخل النار من أهل المعاصي من المؤمنين فإنه لا يخلد فيها، بل يعذب بقدر ذنبه ثم يخرج منها، وقد يعفو الله عز وجل عنه فلا يدخلها. [1] كما جاء في حديث بريدة رضي الله عنه، أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1731)، وأبو داود في الجهاد (2612)، والترمذي في السير (1617)، وابن ماجه في الجهاد (2858). [2] الأبيات لأبي العتاهية؛ انظر: «ديوانه» (ص 141). [3] أخرجه البخاري في الإيمان (29)، ومسلم في الكسوف (907)، والنسائي في الكسوف (1493). [4] أخرجه البخاري في المناقب، قصة خزاعة (3521)، ومسلم في الجنة، النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (3856). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#321 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 258، 260]. قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. في هذه الآية إثبات ربوبية الله تعالى وألوهيته ووحدانيته وإبطال ألوهية غيره. قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ الهمزة: للاستفهام، والاستفهام إذا دخل على النفي صار معناه التقرير، أو التقرير والتعجب كما في هذه الآية، والمعنى: ألم تر بقلبك، أي: ألم تعلم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو له ولكل من يصلح له الخطاب. ﴿ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ ضمير الهاء في «ربه» يعود إلى إبراهيم، وقيل: يعود إلى «الذي حاج إبراهيم» قيل: هو ملك بابل النمروذ، وقيل غير ذلك. والمحاجة: المخاصمة والمجادلة بين اثنين أو طائفتين بحيث يورد كل منهما ما لديه من حجج وبراهين وأدلة على ما يقول. أي: ألم تر يا محمد إلى الذي خاصم وجادل إبراهيم، ﴿ في ربه ﴾ أي: في وجود ربه وألوهيته، فإبراهيم عليه السلام يؤمن بالله، أي يؤمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته، ويدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا المحاج لإبراهيم ينكر وجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته. ﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ «أن أتاه الله»: مفعول لأجله، أي: لأن آتاه، أي: بسبب أن أعطاه الله الملك التام الذي لا ينازعه فيه أحد. فبدل أن يشكر الله تعالى على ذلك كفر وطغى وتكبر وعلا وتجبر وأنكر وجود الرب المعبود جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7]. وقد قيل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ![]() ويبتلي الله بعض القوم بالنعم[1] ![]() ![]() ![]() ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ هذا وما بعده بيان للمحاجة. ﴿ إذ ﴾: ظرف بمعنى «حين»، أي: حين ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾، ويظهر من السياق- والله أعلم- أن هذا المحاج سأل إبراهيم: من ربك الذي تدين له وتدعونا إليه؟ فقال: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾. كما قال فرعون لموسى عليه السلام: ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 23]، فأجاب موسى بقوله: ﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ [الشعراء: 24]. ومعنى: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: الذي يحيى من يشاء بعد موته وعدمه، ويميت من يشاء بعد إحيائه، أي: المتفرد بالخلق والتدبير والموت والحياة، الفاعل المختار. قال تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 9]، وقال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ [النجم: 44]، وقال تعالى: ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴾ [عبس: 19 - 22]. ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ هذا بيان لقوله: (حاج)؛ أي: قال هذا المعاند: ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾؛ أي: إن كان ربك يا إبراهيم يحيى ويميت فأنا أحيي وأميت. فادعى الربوبية والألوهية، كما قال فرعون: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]. قيل: إن هذا المحاج أتى برجلين فقتل أحدهما، وقال: أنا أمَتُّ هذا، وأبقى الآخر، وقال: أنا أحييت هذا تمويهًا منه ومغالطة، والحقيقة أنه ما أحيا ولا أمات، فاستبقاؤه لأحدهما ليس إحياءً له، وقتله للآخر إنما هو فعل ما يكون به الموت. وقيل: إنه قال هذا مكابرة منه، فإنه يعلم أنه لا يحيى ولا يميت ولو اجتمع معه جميع الخلق. كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: 73]. ﴿ قَالَ ﴾؛ أي: قال إبراهيم عليه السلام متحديًا هذا المعاند بما لا يقبل التمويه والتزوير والمغالطة: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ﴾. الفاء في قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ ﴾ جواب شرط مقدر، أي: قال إبراهيم: فإن زعمت أو موهت بأنك تحيي وتميت ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ﴾. قال ابن القيم[2]: «فهو جعل نفسه ندًّا لله يحيى ويميت- بزعمه- كما يحيى الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا». وقال أيضًا: «فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيى ويميت، أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد، ويستبقي من يريد، فقد أحيا هذا وأمات هذا؛ فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقًا فليتصرف في الشمس تصرفًا تصح به دعواه، وليس هذا انتقالًا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كان صحيحة». ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ أظهر في مقام الإضمار فلم يقل: «فبهت»، أو «فبهت هذا المحاج»، بل قال: ﴿ الَّذِي كَفَرَ ﴾ للدلالة على أن كل من أنكر وجحد وجود الرب فهو كافر، أي: فتحير واندهش الذي كفر، فلم يجد جوابًا، وانقطع وبطلت حجته، فغلبه إبراهيم عليه السلام، وأفحمه وأسكته. ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾؛ أي: والله لا يوفق القوم الظالمين، بسبب ظلمهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الصف: 5]. قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. قرر عز وجل في الآية السابقة تفرده بالربوبية والألوهية، ثم أتبع ذلك بتقرير إثبات تمام قدرته على البعث في هذه الآية والتي بعدها، والذي لا ينكره إلا مشرك. قوله: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ «أو»: عاطفة تفيد التنويع أو التخيير في التشبيه، والعطف على «الذي» في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ ﴾، و«الكاف» للتشبيه، فهي اسم معنى «مثل»، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى مثل الذي مر على قرية. ويحتمل كون «الكاف» زائدة من حيث الإعراب مؤكدة من حيث المعنى، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر على قرية. ويجوز أن تكون «الكاف» في محل نصب لفعل محذوف تقديره: أرأيت مثل الذي مر على قرية. والقرية اسم للبلد الذي يجمع أناسًا كثيرين، مأخوذ من «القري» وهو الجمع، ومنه سمي «القرو» مجمع الماء. وقد سمى الله عز وجل بذلك مكة، وهي أم القرى وأكثرها ساكنًا وقت نزول القرآن، فقال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ [محمد: 13]. وقد اختلف في تعيين هذا المار، فقيل: هو عزير، وقيل غير ذلك، كما اختلف في تعيين القرية، فقيل: هي بيت المقدس بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها وقيل غير ذلك، ولا دليل على شيء من هذه الأقوال ولا فائدة من ذكرها؛ لأن المقصود من القصة وأخذ العبرة منها لا يتوقف على ذلك. ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ الواو: حالية، أي: حال كونها خاوية على عروشها، ومعنى ﴿ خَاوِيَةٌ ﴾ أي: خالية من السكان، ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ العروش: جمع عرش، وهو السقف، أي: ساقطة سقفها وجدرانها على عرصاتها. ﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ «أنى»: في محل نصب على الحال، وهي اسم استفهام للاستبعاد، أي: كيف يحيى الله هذه الأرض بعد موتها؟ فاستبعد حسب تصوره ونظره القاصر أن يحيى الله هذه القرية، وأكّد هذا الاستبعاد بتقديم المفعول «هذه» على الفاعل عز وجل «الله». وقيل: ﴿ أَنَّى﴾: ظرف بمعنى «متى» للاستعجال والتمني، أي: متى يحيى هذه الله بعد موتها؟ أي: متى يعيد الله هذه إلى ما كانت عليه قبل موتها؟ ﴿ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ أي: بعد أن ماتت وخوت وخربت. ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ الفاء: استئنافية، و«أماته» أي: قبض روحه مائة عام، أي: مائة سنة. ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ أي: ثم أحياه، ولم يقل: «ثم أحياه» ليقابل «أماته»، لما في التعبير بقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ من الدلالة على سرعة واكتمال حياته وانبعاثه، كما ينبعث البعير بفك عقاله. ﴿ قَالَ ﴾ أي: قال الله له بعد أن بعثه: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾، «كم» اسم استفهام، وهذا استفهام يراد به الاختبار، لا الاستعلام؛ لأنه تعالى يعلم كم لبث، ولا يخفى عليه شيء، والمعنى: كم مدة، أو كم وقتًا لبثت؟ ﴿ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا ﴾ أي: يومًا واحدًا ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ «أو» بمعنى «بل» للإضراب الإبطالي، أي: بل بعض يوم. وإنما قال: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾؛ لأن الله تعالى أماته في أول النهار وأحياه في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم، فقال: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾. وقيل: إن «أو» للشك. (قال) الله له: ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾: «بل» للإضراب الإبطال، أي: لم تلبث يومًا أو بعض يوم، ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾. ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ قرأ حمزة والكسائي: «يتسنَّ» بحذف الهاء من ﴿ يَتَسَنَّهْ ﴾ في حال الوصل، وقرأ الباقون بإثباتها وصلًا ووقفًا. ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ ﴾ أي: فانظر بعينك وبصرك إلى طعامك الذي تأكل منه، وشرابك الذي تشرب منه. والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل، والشراب: اسم لكل ما يشرب، ولا دليل على ما قيل في تحديد نوع طعامه وشرابه. ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ أي: لم يتغير بمرور السنين الكثيرة عليه. ﴿ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾، أي: وانظر بعينك وبصرك إلى حمارك، فنظر إلى حماره تلوح عظامه ليس عليها لحم ولا عصب ولا جلد. فطعامه وشرابه لم يتغير مع مكثه مائة عام، وهذا أمر خارق للعادة خارج عن السنن الكونية المعتادة، وحماره قد صار عظامًا تلوح لا لحم عليها لمرور مائة عام عليه بعد موته، وفقًا للسنن الكونية، فسبحان من جمع بين الأضداد والمتناقضات! وقد أحسن القائل: من ظاهر النعم الكبرى وباطنها ![]() هذا السحاب به ماء به نار ![]() لا ينكر الله إلا جاهلٌ نزق ![]() غر بليد سفيه الرأي ختار[3] ![]() ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ الواو: عاطفة. والمعطوف عليه محذوف دل عليه السياق، والتقدير: لتعلم قدرة الله ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾، واللام في ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ﴾: للتعليل، أي: ولأجل أن نجعلك ﴿ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾. و«جعل» هنا بمعنى «صير» تنصب مفعولين؛ الأول: «كاف المخاطب»، والثاني قوله: «آية للناس»، والجعل هنا كوني، أي: ولنجعلك علامة كونية للناس على قدرتنا التامة على بعث الموتى. ﴿ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ﴾، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «ننشرها» بالراء، أي: نحييها بعد ما يبست ونخرت وصارت رميمًا، وقرأ الباقون: ﴿ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، أي: نركب بعضها على بعض، ونربط بعضها ببعض بالعصب. ﴿ ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ﴾ أي: ثم نسترها باللحم تقوية ووقاية لها. ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ أي: فلما اتضح وظهر له قدرة الله تعالى التامة على إحياء الموتى، وعلى كل شيء، بعد أن عرَّفَهُ الله بما جرى له، ونظر إلى طعامه وشرابه لم يتغير مع طول المكث، ونظر إلى حماره وقد صار عظامًا، ثم أحياه الله تعالى، فاجتمع عنده آيتان: إبقاء ما يتغير وهو طعامه وشرابه، وإحياء ما كان ميتًا وهو حماره، ولهذا قال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قرأ حمزة والكسائي بهمزة الوصل على أنه فعل أمر «اعلمْ» فالجملة إنشائية طلبية، أي: قال الله له: «اعلمْ أن الله على كل شيء قدير»، أي: اعلم أيها المخاطب علمًا جازمًا ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. وقرأ الباقون بفتح الهمزة على أنه فعل مضارع: ﴿ أَعْلَمُ ﴾، فالجملة خبرية، أي: قال هذا الرجل الذي أماته الله مائة عام: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، أي: أعلم علمًا جازمًا ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. ويستفاد من القراءتين أنه أُمر أن يعلم، فَعِلم وأقر بالعلم. ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قدّم المتعلِّق؛ لتأكيد شمول قدرته عز وجل لكل شيء، و﴿ قَدِيرٌ ﴾ على وزن «فعيل» صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة يدل على أنه عز وجل ذو القدرة التامة على كل شيء، يفعل ما يريد. كما قال تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ [هود: 107]، ولا يعجزه شيء لكمال علمه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44]، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]. ولهذا قال تعالى مثنيًا على نفسه: ﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴾ [المرسلات: 23]. قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. قرر الله عز وجل في الآية السابقة قدرته تعالى التامة على إحياء الموتى، ثم ذكر في هذه الآية كيفية إحيائه للموتى؛ تأكيدًا لكمال قدرته على ذلك. قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴾ الواو: عاطفة، و«إذا»: ظرف بمعنى «حين» متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ﴿ رَبِّ أَرِنِي ﴾، قرأ ابن كثير ويعقوب بإسكان الراء: «أرْني»، وقرأ الباقون بكسرها: ﴿ أَرِنِي ﴾ أي: يا رب أرني، وحذف حرف النداء؛ لأنه معلوم، وللبداءة باسم «الرب» سبحانه والتبرك والتيمن به. والرؤية هنا بصرية تنصب مفعولًا واحدًا، لكن لما دخلت عليه همزة التعدية نصب مفعولين؛ الأول: «الياء»، والثاني: جملة: ﴿ كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾. «كيف»: اسم استفهام، وهذا استفهام من إبراهيم معناه: الاستعلام من ربه عن كيفية إحيائه عز وجل الموتى، أي: اجعلني أنظر وأشاهد بعيني كيف تحيى الموتى، وليس سؤالًا عن إمكانية الإحياء ولا عن معناه؛ لأن إبراهيم عليه السلام لم يشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، كما أن معنى الإحياء معلوم عنده، وإنما أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين؛ لأن الخبر ليس كالعيان، بل العيان أقوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة»[4]. ﴿ قال ﴾ أي: قال الله عز وجل لإبراهيم: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾، الهمزة: للاستفهام، والواو: عاطفة، وقدمت الهمزة؛ لأن لها الصدارة، ومحلها في الأصل بعد الواو، والتقدير: «وألم تؤمن»، وقيل: هي داخلة على مقدر عطف عليها قوله: «ولم تؤمن»، والأول أولى وأقرب. والاستفهام إذا دخل على النفي كان معناه التقرير والإثبات، فمعنى ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ أي: ألست قد آمنت، ففي الآية تقرير إيمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإزالة الشبهة عنه. ﴿ قَالَ بَلَى ﴾ أي: قال إبراهيم: بلى، أي: قد آمنت، و«بلى»: حرف يجاب بها النفي المقرون بالاستفهام لإثباته، كما يجاب عن الاستفهام المجرد عن النفي بـ«نعم». فمثلًا: قدم عليك ضيف فقيل لك: ألم يقدم الضيف؟ فتجيب بقولك: «بلى»، وإن قيل لك: هل قدم الضيف؟ فتجيب بقولك: «نعم». ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾، اللام: للتعليل، أي: ولكن لأجل أن يطمئن قلبي، والطمأنينة هي السكون والاستقرار، وفي الحديث: «.. ثم اركع حتى تطمئن راكعًا.. ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا»[5]. أي: حتى تستقر وتسكن. والمعنى: ولكن لأجل أن يزداد قلبي طمأنينة، فأترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك لأن اليقين ثلاث درجات: الأولى: علم اليقين، وهو العلم اليقيني القطعي المتواتر، وأعلى ذلك ما دل عليه القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ [التكاثر: 5، 6]. والثانية: عين اليقين، وهو أن الإنسان يرى الشيء بعينه، وهو أقوى من علم اليقين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة»، ومن هذا قول تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾ [التكاثر: 7]، ومن هذا سؤال إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. والدرجة الثالثة: حق اليقين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ [الواقعة: 95]. ﴿ قَالَ ﴾، أي: قال الله إجابة لدعوة إبراهيم: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قرأ أبو جعفر وحمزة وخلف ورويس عن يعقوب: «فصِرهن» بكسر الصاد، وقرأ الباقون بضمها: ﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾. وقد اختلف في جنس هذه الطيور، فقيل: ديك، وطاووس، وغراب، وحمام، وقيل غير ذلك، ولا دليل عل شيء منها، ولا فائدة تتعلق بمعرفته. وتعدادها أدل على كمال قدرة الله تعالى من لو كانت طيرًا واحدًا، وجعلها أربعة لحكمة يعلمها الله تعالى. ومعنى: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾؛ أي: أمسكهن واضممهن إليك وأوثقهن واذبحهن وقطِّعهن، ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ ﴾؛ أي: ثم صير وألق على كل جبل من الجبال حولك، ولم يذكر عدد هذه الجبال وأسماءها، إذ لا فائدة من ذلك. ﴿ منهنَّ ﴾ أي: من مجموع أجزائهن بعد خلطهن. ﴿ جُزْءًا ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم بضم الزاي: «جُزُءًا»، وقرأ الباقون بإسكانها: ﴿ جزءًا ﴾، والجزء: البعض والقطعة من الشيء. وتوزيع أجزائهن على أكثر من جبل يكون أظهر وأدل على كمال قدرة الله تعالى. ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ ﴾، أي: ثم نادهن، ﴿ يَأْتِينَكَ ﴾ جواب الأمر: «ادعهن». «سعيًا»: مصدر في موضع الحال، أي: ساعيات سعيًا، وقيل: مصدر لفعل محذوف، أي: يسعين سعيًا. والمعنى: ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾، أي: طيرانًا؛ لأن سعي الطيور هو الطيران. وقيل المراد بالسعي المشي بسرعة على الأرجل، والأول أولى؛ لأنه أدل على حياتهن حياة كاملة بجميع جوارحهن، وهذا أدل وأظهر على كمال قدرة الله تعالى. ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ الخطاب لإبراهيم عليه السلام، أي: واعلم أن الله ذو العزة التامة، عزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وعزة القوة. ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: ذو الحكم التام: الكوني والشرعي والجزائي، وذو الحكمة البالغة: الغائية والصورية. [1] البيت لأبي تمام؛ انظر: «ديوانه» (ص577). [2] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 415- 416). [3] هذان البيتان للشاعر العراقي وليد الأعظمي في ديوانه: «الزوابع»، انظر: «المجموعة الكاملة» (ص135). [4] أخرجه أحمد (1/ 215)، والحاكم في التفسير (2/ 380)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي. [5] أخرجه البخاري في الآذان، وجوب القراءة للإمام والمأموم (757)، ومسلم في الصلاة، وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (397)، وأبو داود في الصلاة (856)، والنسائي في الافتتاح (884)، والترمذي في الصلاة (303)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1060)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#322 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 258، 260]. 1- تقرير وإثبات ما جرى من المحاجة لإبراهيم- عليه الصلاة والسلام- في ربه والتعجيب من ذلك. وفي ذلك تقرير وإثبات ربوبية الله عز وجل، ووحدانيته، وألوهيته؛ لقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ الآية. 2- التنويه بفضل إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- ودعوته. 3- إثبات ربوبية الله عز وجل الخاصة لإبراهيم وتشريفه بإضافة اسم «الرب» عز وجل إلى ضميره؛ لقوله تعالى: ﴿ فِي رَبِّهِ ﴾. 4- أن الملك كله لله عز وجل، يؤتيه من ما يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]. 5- أن الملك والمال والجاه والمنصب ونحو ذلك قد يكون سببًا للكفر والطغيان؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [التوبة: 75]. 6- جواز المجادلة والمناظرة لإثبات العقائد، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، بل قد يندب ذلك، وقد يجب؛ لأن إبراهيم عليه السلام ناظر هذا المحاج، فهذا من مقامات الرسل عليهم الصلاة والسلام. 7- اعتزاز إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- بأعظم ما يعتز به المخلوق وهو ربوبية الله عز وجل له؛ لقوله تعالى: ﴿ قال إبراهيم ربي ﴾. 8- إثبات صفتي الإحياء والإماتة لله عز وجل، وأن ذلك بيده عز وجل وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾، وقوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾، وقوله: ﴿ كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾. كما قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [آل عمران: 156]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [يونس: 56]. وفي هذا إثبات صفات الأفعال الاختيارية لله عز وجل والرد على منكريها من أهل البدع. 9- أن الإحياء والإماتة من أعظم صفات الربوبية، لهذا خصها إبراهيم عليه السلام بالذكر، وذلك لما في ذلك من الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، وما يحمل على قوة التعلق بالله وخوفه ورجائه، والتوكل عليه وحده عز وجل. 10- شدة مكابرة هذا المحاج لإبراهيم، وجرأته في إنكار الحق، وادعاء الباطل، مما يدل على أن الإنسان قد يرتكس بسبب الكفر والغرور، ويصل إلى غاية لا تتصور من الطغيان، حيث بلغ الحال بهذا المحاج أن يقول: ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ وهو يعلم أنه كاذب. 11- قوة إبراهيم عليه السلام في المناظرة وحكمته، حيث فرع على الحجة السابقة ما هو أقطع لحجة هذا المغالط المعاند بعد أن زعم أنه يحيى ويميت، فجعل نفسه ندًا لله تعالى، ولهذا ألزمه إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾. 12- قدرة الله عز وجل التامة على تصريف هذا الكون وتدبير الشمس وغيرها من الأفلاك. 13- إثبات حركة الشمس وجريانها في فلكها، خلافًا لمن زعم أنها ثابتة. 14- حيرة هذا المحاج وانبهاته وانقطاعه أمام حجة إبراهيم الدامغة، لما قال له: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾. 15- أن الباطل لا يثبت أمام الحق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، وقال تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 18]. 16- أن من أنكر وجحد وجود الرب الخالق الملك المدبر، أو ادعى أنه يقدر على ما لا يقدر عليه إلا الرب تعالى، كالإحياء والإماتة، فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾. 17- حرمان الظالمين من هداية الله تعالى الخاصة، وهي هداية التوفيق بسبب ظلمهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. 18- التحذير من الظلم، وأن من أعظم الظلم المحاجة بالباطل، وجحود الرب والكفر به تعالى. 19- إثبات هداية التوفيق لله تعالى وأنه يهدي من أقر بربوبيته وآمن واتبع الحق؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. 20- إثبات قدرة الله عز وجل التامة على إحياء الموتى والبعث والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ الآية. 21- عناية القرآن الكريم في تقرير وبيان وإثبات قدرة الله عز وجل التامة على إحياء الموتى بتعداد وتنويع الأدلة والبراهين عليها، كما في هذه الآية، والتي بعدها. 22- جهل الإنسان، وأنه قد يستبعد بسبب ذلك ما ليس بمستبعد على الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾. 23- حكمة الله تعالى ورحمته في جعله لهذا الرجل دليلًا في نفسه؛ ليتبين له تمام قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، حيث أماته عز وجل مائة عام، ثم بعثه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾. 24- إثبات القول والكلام لله عز وجل بحروف وأصوات مسموعة؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾، وقوله تعالى في الآية الأخرى لإبراهيم: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْر ﴾ الآية. 25- في سؤال الله عز وجل هذا الرجل بعد بعثه: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ﴾ امتحان له وتقرير وبيان لجهله مدة لبثه. 26- جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه، وأنه إذا خالف الواقع لا يعد مخطئًا؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾. 27- عدم تعنيف الجاهل، وتعليمه برفق؛ لقوله تعالى: ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾، ولم يقل له: «أخطأت». 28- التوجيه إلى النظر والتأمل في آيات الله تعالى الكونية، مما يزيد العبد إيمانًا ويقينًا؛ لقوله تعالى: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾. 29- إثبات الملكية للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾، فأضاف إليه هذه الأشياء إضافة تملك. 30- إثبات الكرامات وخوارق العادات، لبيان كمال قدرة الله تعالى، وتكريمه عز وجل لمن وقعت له هذه الكرامة وتأييد الحق. حيث بقي هذا الرجل وشرابه مائة عام لم يتغير، وفي هذا دلالة على قدرة الله تعالى على إجراء ما يخالف بعض السنن الكونية المعتادة، لكن هذا لا يبرر الدعاء بما يخالف السنن الكونية؛ كقول بعضهم في الدعاء على الأعداء من الكفار: «اللهم جمِّد الدماء في عروقهم»، ونحو ذلك مما لم تجر به سنن الله الكونية، فهذا من الاعتداء في الدعاء، وإن كان الله عز وجل لا يعجزه شيء. 31- تأكيد قدرة الله تعالى التامة الكاملة لهذا الرجل حيث جمع الله له في هذه الآيات الكونية بين الشيء وضده، فطعامه وشرابه لم يتغير مدة مائة عام، وحماره قد صار رفاتًا وعظامًا. 32- جواز الانتفاع بالحُمُرِ، وامتلاكها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾. 33- جعل الله عز وجل هذا الرجل وما حصل له آية للناس على قدرة الله تعالى التامة على إحياء الموتى، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾. كما قال تعالى في مريم وابنها عيسى عليهما السلام: ﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 91]. 34- الحث على التدقيق في النظر والتأمل في آيات الله على وجه التفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ﴾. 35- حكمة الله تعالى في كسو العظام باللحم تقوية ووقاية لها؛ لأن الضرر في العظام أشد من الضرر في اللحم؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾ [المؤمنون: 14]. 36- فضل التدبر والنظر في آيات الله وعظيم ثمرته، إذ به يتبين الحق، ويحصل العلم واليقين، وتنجلي غشاوة الغفلة والجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذا بعد النظر والتدبر. 37- عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ولهذا قدم المتعلِّق تأكيدًا لعموم وشمول قدرته عز وجل لكل شيء. وفي هذا رد على المعتزلة القدرية الذين يعتقدون أن الخلق يستقلون بخلق أفعالهم، وأنها خارجة عن قدرة الله تعالى، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. 38- وجوب العلم بأن الله على كل شيء قدير؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، على قراءة من قرأ «اعلم» على أنها فعل أمر. 39- تذكير هذه الأمة بسؤال إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيى الموتى ليطمئن قلبه، وبيان الله عز وجل له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ الآية. 40- فضل إبراهيم وشرفه وعظم مكانته عند الله تعالى، حيث كلم ربه، ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾، وكلمه ربه بقوله: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾. فأجاب إبراهيم بقوله: ﴿ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾، فأجابه ربه بقوله: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ الآية. 41- أن من أعظم ما يدعى ويتوسل به إلى الله عز وجل ربوبيته، والتي معناها الخلق والملك والتدبير؛ ولهذا كان أكثر دعاء الأنبياء عليهم السلام باسم «الرب» وصفة «الربوبية»؛ وذلك؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية. 42- رغبة إبراهيم عليه السلام أن يجمع الله له مع «علم اليقين» في إحياء الله عز وجل الموتى «عين اليقين»، فيرى كيفية إحيائه عز وجل للموتى؛ لأن «عين اليقين» أقوى، ولهذا قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. 43- تقرير وإثبات إيمان إبراهيم عليه السلام بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى؛ لقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»[1]. أي: أن إبراهيم عليه السلام لم يشك في قدرة الله على إحياء الموتى، ولو شك لكنا أحق وأولى بالشك منه، مع أننا لم نشك في ذلك، فإذا انتفى الشك في حقنا، فانتفاؤه في حق إبراهيم أحق وأولى. وليس في هذا دلالة على أن إيمان إبراهيم أكمل من إيمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا على سبيل التواضع، وللتأكيد على نفي الشك من إبراهيم- عليه الصلاة والسلام. 44- إثبات زيادة الإيمان في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [الفتح: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾ [المدثر: 31]، وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [التوبة: 124]. 45- استجابة الله عز وجل لسؤال إبراهيم عليه السلام كرامة له ورحمة بالعباد، حيث أراه كيف يحيى الموتى؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾، وبهذا جمع الله لإبراهيم عليه السلام بين علم اليقين وعين اليقين. 46- تمام قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. 47- عناية القرآن الكريم بذكر مضمون القصص والمقصود منها دون ذكر أصحاب القصة ومكان وقوعها وزمانه وغير ذلك من التفاصيل التي لا فائدة في ذكرها. فلم يذكر في القصة الأولى اسم الذي حاج إبراهيم في ربه، ولم يذكر في القصة الثانية اسم الذي مر على القرية، ولا اسم القرية، ولا نوع طعامه وشرابه، ونحو ذلك. ولم يذكر في القصة الثالثة أسماء الطيور التي أحياها لإبراهيم، ولا أسماء الجبال التي وضع عليها أجزاءهن. وكل هذا يدل على أن المقصود التأمل في القصص وأخذ العظة والعبرة منها، دون الانشغال بما سوى ذلك مما طوي ذكره. 48- وجوب العلم بأن الله عزيز حكيم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. 49- إثبات صفة العزة التامة لله تعالى؛ عزة الامتناع، وعزة القوة، وعزة القهر والغلبة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾. 50- إثبات صفة الحكم التام لله تعالى: الحكم الكوني، والشرعي، والجزائي، والحكمة البالغة: الغائية والصورية؛ لقوله تعالى: ﴿ حَكِيمٌ﴾. [1] أخرجه البخاري في الأنبياء (3372)، ومسلم في الإيمان (151)، وابن ماجه في الفتن (4026) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#323 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 264، 266]. قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾. هذه الآية أشبه بالتفسير والبيان للمضاعفة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]، وفيها مع الآيات بعدها عود على الحض على الإنفاق في سبيل الله، كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 254]. قوله: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾، «المثل» يطلق على «الشبه» ويطلق على «الصفة»، فإن ذُكر المماثِل فالمراد به الشبه، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: 17]، وقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِر ﴾ [آل عمران: 117]. وإن لم يذكر المماثِل فالمراد به الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ [محمد: 15]. وفي قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ الآية، تقدير إما في المبتدأ وهو المشبه، فيكون التقدير: مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة. وإما في الخبر وهو المشبه به، فيكون التقدير: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل باذر حبة؛ ليطابق الممثَّلُ الممثَّل به، وفي هذا الطيِّ دليل على بلاغة القرآن الكريم ليكون المثل صالحًا للتمثيل بالمنفق وبالنفقة. ومعنى ﴿ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾، أي: يبذلونها ويخرجونها، والأموال جمع مال، وهو كل ما يتمول من النقود والأعيان والمنافع. ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ «سبيل الله»: شرعه وصراطه وطريقه المؤدي إليه وإلى مرضاته، كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوه ﴾ [الأنعام: 153]، وقال تعالى: ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الحجر: 41]. والمعنى: مثل الذين ينفقون أموالهم طاعة لله تعالى، خالصة لوجهه، وفقًا لشرعه، بكونها من الطيب الحلال، وفي مواضعها التي شرع الله تعالى الإنفاق فيها كالجهاد في سبيل الله وغير ذلك من سبل الخير، من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]. ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ الكاف للتشبيه، والمثل: الشبه، أي: كشبه حبة، و«الحبة» واحدة الحَبِّ، وهو ما يزرع للاقتيات كالبر ونحوه. ﴿ أَنْبَتَتْ ﴾؛ أي: بذرت فأنبتت وأخرجت ﴿ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾، أي: تشعب منها سبعة سيقان في كل ساق سنبلة، فصارت سبع سنابل. و«سنابل» جمع «سُنْبلة» وجمعت على «سنابل» جمع كثرة؛ لأن المقام مقام تكثير وتضعيف، بينما جمعت جمع قلة في قوله تعالى: ﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْر ﴾ [يوسف: 43]؛ لأن السبعة قليلة، ولا مقتضى للتكثير. ﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾؛ أي: في كل سنبلة من هذه السنابل مائة حبة، فيكون مجموع حبوب هذه السنابل السبع سبعمائة حبة، وهكذا ثواب الإنفاق في سبيل الله ينميه اللهُ عز وجل ويضاعفه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به..». وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة»[1]. ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالتشديد مع حذف الألف هنا وفي جميع القرآن: «يُضَعِّفُ»، وقرأ الباقون بالإثبات والتخفيف ﴿ يُضَاعِفُ ﴾. والمضاعفة الزيادة، أي: والله يضاعف لمن يشاء هذه المضاعفة إلى سبعمائة، وما هو فوق ذلك، إلى أضعاف كثيرة، حسب حكمته عز وجل، وحسب إخلاص المنفق في عمله وغير ذلك. ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، واسع في جميع صفاته. ﴿ عَلِيمٌ﴾؛ أي: ذو علم واسع محيط بكل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]. ومن سعة علمه أنه يعلم من يستحق هذه المضاعفة، وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها. قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾. بيَّن عز وجل في الآية السابقة مضاعفة أجر المنفقين في سبيله إلى سبعمائة ضعف، ثم أتبع ذلك بالتعريض بمن يُتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى مؤكدًا ما للمنفقين من الأجر عند ربهم وانتفاء الخوف والحزن عنهم. قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، كرر هذا تأكيدًا لوجوب الإخلاص في الإنفاق في سبيل الله، وأن تكون النفقة مما شرع الله تعالى، وفيما شرع عز وجل. وأيضًا ليبني عليه ما بعده، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ﴾. «ثم»: للتراخي تدل على أن «المنّ» والأذى له أثره في إبطال الصدقة حتى ولو تراخى عن الصدقة، و«ما»: موصولة، أو مصدرية، أي: ثم لا يتبعون الذي أنفقوه، أو ثم لا يتبعون إنفاقهم. ﴿ مَنًّا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم كل مَنٍّ، أي: لا يتبعون ما أنفقوا، أي شيء من المن قل أو كثر على من أنفقوا عليه. و«المن» الاعتداد بالإحسان، وإظهار الترفع على المنفَق عليه، كأن يقول له: أما أعطيتك كذا وكذا، أو يعدد عليه أياديه. وقد يكون المنُّ بالقلب بأن يعتقد المنفِق بأن له فضلًا على المنفَق عليه دون أن يصرح بذلك. فكل هذا لا يجوز والفضل لله عز وجل، وما يخرجه الإنسان من ماله من نفقة واجبة أو مستحبة، فهو من حقوق المنفَق عليه، لا منة فيها للمنفِق ولا فضل، بل الفضل والمنة في ذلك لله وحده. ﴿ وَلَا أَذًى ﴾؛ أي: ولا أذى لمن أنفقوا عليه كأن يذكر المنفِق ذلك عند الناس، فيقول مثلًا: أنفقت على فلان كذا، وأعطيته كذا، أو يريد من المنفَق عليه أن يكافئه كأنه عمل إليه معروفًا، ونحو ذلك، أو يفعل معه مكروهًا يحبط ما سلف منه من إحسان، وقدَّم «المن»؛ لأنه أكثر. ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ الأجر: ما يُعطاه العامل مقابل عمله، والمعنى هنا: لهم ثواب إنفاقهم وعملهم. وقدم الخبر «لهم»: وسمى ثوابهم أجرًا؛ لضمانه عز وجل له وتكفله به، وأنه لا يضيع عنده. كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، وقال تعالى: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 171]. وجرد الخبر «لهم» من الفاء؛ لبيان أنهم المستحقون لهذا الأجر، دون غيرهم ممن ينفقون رياءً أو يتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى. ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أي: عند ربهم في الجنة، وفي كون هذا الأجر عند ربهم، خالقهم ومالكهم ومدبرهم، دليل على عنايته عز وجل بهم، وأنهم بجواره، ودليل على عظمة هذا الأجر؛ لأنه من ربهم العظيم، والأجر والعطاء على قدر المعطي، وكما قيل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ![]() وتأتي على قدر الكرام المكارم ![]() ![]() ![]() ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة. ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما خلفوا ولا على ما مضى وما فاتهم من الدنيا؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير من ذلك. فاجتمع للمنفقين في سبيل الله تعالى المضاعفة إلى سبعمائة ضعف، والثواب العظيم عند ربهم، مع انتفاء الخوف مما يستقبلهم والحزن على ما مضى وفاتهم، نسأل الله تعالى من فضله. قوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾، عرَّض عز وجل في الآية السابقة بمن يُتبعون ما أنفقوا بالمَن والأذى، ثم أتبع ذلك ببيان أن القول المعروف والمغفرة خير من صدقة يتبعها أذى. قوله: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ قول: مبتدأ، وجاز الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه وصف بقوله: ﴿ مَعْرُوفٌ ﴾ أي: قول طيب، ووعد حسن واعتذار جميل، أو دعاء لمن سأل النفقة بقوله: «الله يرزقك وييسر أمرك»، ونحو ذلك مما يجبر خاطر السائل. ونكر ﴿ قَوْلٌ ﴾ للتقليل، أي: قول معروف وإن قل. ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ لمن أساء بالستر عليه والتجاوز عنه، سواء كان سائلًا أو غيره ﴿ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126]. و﴿ خَيْرٌ ﴾: خبر المبتدأ ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾، أي: خير مطلقًا للمسؤول وللسائل ﴿ مِنْ صَدَقَةٍ ﴾: الصدقة: ما يبذل تقربًا إلى الله تعالى من مال وغيره، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة»[2]. والمراد بالصدقة في الآية - والله أعلم - الصدقة بإنفاق المال بدلالة السياق. والمعنى أن القول الطيب المعروف شرعًا وعرفًا من الاعتذار للمحتاج وتطييب خاطره ونحو ذلك ﴿ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾. وقوله: ﴿ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾ في محل جر صفة لـ«صدقة»، أي: يتبعها أذى من المتصدِّق للمتصدق عليه؛ لأن ذلك يحبطها ويبطل أجرها، ويصير الإحسان إساءة. ولم يذكر «المنّ»؛ لأن الأذى يشمله، فإذا لم تحصل الصدقة إلا مع الأذى، فالقول المعروف الطيب الحسن، والمغفرة بالستر لذنب من أساء والتجاوز عنه خير من تلك الصدقة. بل إن القول المعروف يقوم مقام الصدقة عند عدم القدرة عليها، كما قيل: لا خيل عندك تهديها ولا مال ![]() فليسعد النطق إن لم تسعد الحال[3] ![]() ![]() ![]() قال ابن القيم: «فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة، فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى، حسنة مقرونة بما يبطلها، ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة»[4]. ﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ أي: والله غني بذاته غنًى مطلقًا، من جميع الوجوه عن جميع خلقه، لا يحتاج إلى أحد منهم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 6]. والصدقة لا تناله ولا تنفعه، وإنما ينتفع بها صاحبها، كما قال تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 37]. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#324 |
![]() ![]() ![]()
|
وقال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها»[5]. ﴿ حَلِيمٌ ﴾ أي: لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يمهله ولا يهمله، ويفسح له لعله يتوب، قال ابن القيم[6]: وهو الحليم فلا يعاجل عبده ![]() بعقوبة ليتوب من عصيان ![]() ![]() ![]() ومن حلمه عز وجل ألا يعاجل من عصاه بإتباع الإنفاق بالمن والأذى ونحو ذلك بالعقوبة، فهو عز وجل غني عن خلقه، ويغني من أنفق وتصدق، وهو سبحانه حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة بمنع النفقة أو المن فيها أو الأذى، ويحب الحلم من عباده بالمغفرة والعفو عمن أساء. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾. عرَّض عز وجل في الآية السابقة بالذين يتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى، ثم أتبع ذلك بالتصريح بنهي المؤمنين عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى، وتشبيه من يفعل ذلك بمن ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، وتشبيه هذا بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾. قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾. الإبطال للشيء إزالته وإذهابه بعد وجوده، قال تعالى: ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 118]. قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ![]() وكل نعيم لا محالة زائل ![]() ![]() ![]() و(الصدقات) جمع صدقة، وهي ما يبذله الإنسان من النفقات الواجبة والمستحبة، قيل: سميت صدقات؛ لدلالتها على صدق إيمان باذلها، وفي الحديث: «والصدقة برهان»[7]، أي: برهان على صدق صاحبها وإيمانه. ﴿ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ الباء للسببية، أي: بسبب المن على من تصدقوا عليه بالترفع والتعالي عليه، وإظهار أن لهم المنة والفضل عليه، علمًا أن الفضل لله عز وجل وحده، ولو كان هناك شيء من الفضل لأحدهما لكان للمتصدَّق عليه لقبوله الصدقة. ﴿ وَالْأَذَى ﴾ معطوف على «المن» أي: وبسبب الأذى للمتصدَّق عليه بذكر ذلك للناس، أو إلحاق مكروه به ونحو ذلك، فكل واحد من المنَّ والأذى مبطل للصدقة. ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ الكاف للتشبيه، أي كإبطال الذي ينفقه ماله، فشبه الإبطال بالإبطال، أو لا تكونوا كالذي ينفق له، فشبه المنفق بالمنفق. ﴿ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ «رئاء»: مفعول لأجله، وهو مصدر راءى يرائي مرآءة ورياءً. أي: كالذي ينفق ماله لرئاء الناس، أي: لأجل أن يراه الناس فيمدحوه على ذلك، ويصفوه بالكرم والصلاح، ونحو ذلك، وليس ذلك لوجه الله، ورجاء ثوابه وخوف عقابه. والرياء مبطل للعمل، كما قال تعالى في الحديث القدسي: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»[8]. ﴿ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ يُنْفِقُ ﴾، أي: ولا يؤمن بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وشرعه. ﴿ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾؛ أي: ولا يؤمن باليوم الآخر يوم القيامة الذي هو آخر الأيام وما فيه من البعث والمعاد والحساب والجزاء. وكثيرًا ما يقرن الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله تعالى؛ لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يحمل ويحفز على العمل؛ لما فيه من الحساب والجزاء. فشبه عز وجل المبطل لصدقته بالمن والأذى بالمنافق الذي ينفق ماله ليراه الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو ينفق وهو كاره ولا تنفعه نفقته، قال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 54]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142]. ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾؛ أي: كمثل هذا المنفق ماله رئاء الناس مع عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾، أي: كمثل حجر أملس ﴿ عَلَيْهِ تُرَابٌ ﴾ يؤمل أن ينبت ﴿ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾؛ أي: مطر غزير، شديد الوقع، سريع التتابع. ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾، أي: فترك الوابل هذا الصفوان «صلدًا»، أي: أجرد أملسًا لا شيء عليه من تراب ولا نبات ولا غير ذلك. فشبه عز وجل الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، في بطلان عمله وزواله وذهابه بحجر أملس، ﴿ عَلَيْهِ تُرَابٌ ﴾، فأصابه مطر شديد فأزال هذا التراب، فلم يُنبت شيئًا بل ذهب بذره ضائعًا لعدم إيمانه وإخلاصه. وقد أحسن القائل: ثوب الرياء يشف عما تحته ![]() فإذا اكتسيت به فإنك عاري[9] ![]() ![]() ![]() ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ واو الجماعة في «يقدرون» تعود على «الذي»؛ لأنه اسم موصول يفيد العموم، فلفظه مفرد ومعناه الجمع. و«شيء»: نكرة في سياق النفي، فيعم أيّ شيء، مهما قل أو كثر صغر أو كبر. و«ما» في قوله: ﴿ مما ﴾: موصولة أو مصدرية، أي: من الذي كسبوه وعملوه، أو من كسبهم وعملهم، أي: من ثوابه لبطلانه وزواله. فشبه الله عز وجل المبطل صدقته بالمن والأذى بالمنافق المنفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، في عدم انتفاعه بما أنفق، ومثَّله بصفوان عليه تراب فأصابه مطر شديد، فتركه صلدًا أملسَ لا شيء عليه. ووجه الشبه في هذا هو عدم قدرة المُتْبع صدقته بالمن والأذى والمنفق رياء مع عدم الإيمان بالله واليوم الآخر على شيء من ثواب ما عملوه؛ لبطلانه، كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]. وقال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ [إبراهيم: 18]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور: 39]. ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258]، أي: لا يوفق الله تعالى الكافرين بسبب كفرهم، كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: 96، 97]. قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. ذكر عز وجل في الآية السابقة مثل الذي ينفق ماله رئاء الناس مع عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، ثم أتبعه بذكر مثل الذين ينفقون أموالهم بالإخلاص والصدق. قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ هذه الآية كقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. قوله: ﴿ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ «ابتغاء»: مفعول لأجله، أي: طلب مرضاة الله تعالى، وإخلاصًا لله، أو حال، أي: طالبين بذلك مرضاة الله ومخلصين له. ﴿ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ معطوف على «ابتغاء»، أي: تصديقًا وتيقنًا من أنفسهم بأن الله تعالى شرع ذلك ويجازي عليه، ودليلًا على صدق إيمانهم. كما في الحديث: «الصدقة برهان»، أي: برهان على إيمان وصدق مخرجها. وأيضًا: احتسابًا من أنفسهم ذلك عند الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»[10]. قال ابن القيم[11]: «فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان، إن نجا منهما كان مثله ما ذكر في هذه الآية، أحدهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضًا من أغراضه الدنيوية، وهذا حال أكثر المنفقين، الآفة الثانية: ضعف نفسه وتقاعسها وترددها، هل يفعل أم لا؟ فالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة الله تعالى، والآفة الثانية تزول بالتثبيت، فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل، وهذا هو صدقها». ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا ﴾، أي: كمثل بستان كثير الأشجار، ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾. قرأ عاصم وابن عامر بفتح الراء: ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾، وقرأ الباقون بضمها: «برُبوة». أي: بمكان مرتفع تأخذ نصيبها من الشمس والهواء الطلق، و«الربوة»: المكان المرتفع، يقال ربا الشيء إذا زاد، كما قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5]. ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ أي: أصاب هذه الجنة وابل، و«الوابل»: المطر الغزير الكثير. ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «أُكْلَها» بضم الهمزة وسكون الكاف، وقرأ الباقون بضمهما معًا: ﴿ أُكُلَهَا ﴾. أي: أعطت وأنتجت ﴿ أُكُلَهَا ﴾: ثمرها، قال تعالى: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ﴾ [الرعد: 35]؛ أي: ثمرها الذي يؤكل. ﴿ ضِعْفَيْنِ﴾؛ أي: ضعفي ما كان يؤتي غيرها، أو ضعفي ما كانت تثمر بسبب ارتفاعها ونزول الوابل عليها، والمعنى: فآتت أكلها مثلين؛ كما قال تعالى: ﴿ نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ [الأحزاب: 31]. والمعنى: ومثل الذين ينفقون أموالهم طلب مرضاة الله تعالى وتثبيتًا من أنفسهم في مضاعفة ثواب نفقاتهم كمثل جنة بمكان مرتفع من الأرض بارزة للشمس والهواء نزل عليها مطر غزير كثير فجاء أكلها وثمرها ضعفين. قال ابن القيم[12]: «فهذا حال السابقين المقربين»، فعمل هؤلاء المنفقين ضوعف بسبب صدقهم في طلب مرضاة الله تعالى والتثبيت، وأُكُل تلك الجنة وثمرها جاء مضاعفًا؛ لكونها في مكان مرتفع تأخذ كفايتها من الشمس والهواء، مع نزول المطر الغزير عليها». ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ أي: فإن لم يصب هذه الجنة وينزل عليها ﴿ وَابِلٌ ﴾ أي: مطر كثير غزير ﴿ فَطَلٌّ ﴾: جواب الشرط «إن»، و«الطل»: المطر الخفيف. والمعنى ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾؛ أي: فطل يصيبها أو فيصيبها طل، ويكفيها عن الوابل الكثير في إخراج بركتها. لارتفاع مكانها وكرم منبتها وطيب مغرسها، وهكذا نفقات الذين ينفقون إخلاصًا لله تعالى وصدقًا يضاعفها الله تعالى لهم حتى وإن قلت. قال ابن القيم: «وهذا حال الأبرار والمقتصدين في النفقة». ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ «ما»: موصولة أو مصدرية، أي: والله بالذي تعملون، أو بعملكم بصير، أي: مطلع عليه لا تخفى عليه منه خافية؛ لأنه عز وجل مطلع على كل شيء لا تخفى عليه منه خافية، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [آل عمران: 5]. فهو عز وجل يعلم المنفق المتبع نفقته بالمن والأذى، والمنفق ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من نفسه، وسيحصي ذلك ويحاسبهم ويجازيهم عليه. قوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾. شبه عز وجل حال من يبطل صدقته بالمن والأذى بمن ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، ثم شبهه ثانيًا بحال صاحب جنة من نخيل وأعناب له فيها من كل الثمرات وقد أدركه الكبر وله ذرية ضعفاء، فأصاب هذه الجنة إعصار فيه نار فاحترقت مع شدة حاجته وذريته إليها، فماذا يكون حاله؟ تكون الدنيا عليه أضيق ما يكون ويتحسر على جنته أشد الحسرة، وفي هذا من التنفير من إتباع الصدقة بالمن والأذى ما لا يخفى. قوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ الاستفهام للإنكار والنفي، و«يود» يحب، والمعنى: لا يود أحدكم هذا. ﴿ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾؛ أي: بستان كثير الأشجار والثمار، وجاء ﴿ أَيَوَدُّ ﴾ بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار والنفي العام، كما تقول: أيفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ في الإنكار من لو قال: «أتودون». و﴿ أَيَوَدُّ ﴾ أبلغ في الإنكار والنفي من لو قيل: «أيريد»؛ لأن محبة هذه الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها. ﴿ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾: النخيل والأعناب من أفضل وأنفع الأشجار، وثمرها من أنفع الثمار، قوتًا وغذاءً، وفاكهةً وحلوى وشرابًا ودواءً، يؤكل رطبًا ويابسًا. قيل: النخيل أنفع وأفضل ولهذا قدَّمه، وقيل: العنب، وقيل: كل منهما في أرضه وموضعه أفضل من الآخر. ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾؛ أي: تجري من تحت أشجارها الأنهار العذبة، وهذا أكمل لها وأعظم في قدرها. ﴿ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾؛ أي: من جودة هذه الجنة ونخيلها وأعنابها إنتاجها لصاحبها من كل الثمرات المتنوعة الأشكال والألوان والطعوم من النخيل والأعناب وغيرها، كما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 32، 33]. قوله تعالى: ﴿ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ﴾ الواو: حالية، أو عاطفة، أي: وأصاب صاحب هذه الجنة الكبر، فعجز عن القيام عليها مع شدة حاجته إليها وتعلق قلبه بها. ﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾ لا يستطيعون القيام عليها لصغرهم وعجزهم. والذرية: هم أولاد الرجل وأولاد بنيه وإن نزلوا بمحض الذكور. وإنما جعل الله عز وجل «عيسى ابن مريم» من ذرية إبراهيم في قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الأنعام: 84، 85]، وهو ابن بنت؛ لأنه لا أب له، وأمه بمنزلة أبيه. قال ابن القيم[13]: «وأصابه الكبر» هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته، وتعلق قلبه بها من وجوه: أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها، الثاني: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه، الثالث: أن له ذرية، فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته، الرابع: أنهم ضعفاء، فهم كل عليه، لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم، الخامس: أن نفقتهم عليه؛ لضعفهم وعجزهم. وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة؛ لخطرها في نفسها، وشدة حاجته وذريته لها، فإذا تصورت هذا الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار». قوله: ﴿ فَأَصَابَهَا﴾ أي: فأصاب هذه الجنة ﴿ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ ﴾، وهو الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود وفيها نار، وقيل: هي الريح الشديدة السموم. ﴿ فاحترقت ﴾؛ أي: فاحترقت هذه الجنة، وتساقطت أوراقها وثمارها وصارت رمادًا، كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 117]، وقال تعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴾ [الكهف: 42، 43]. عن عبيد بن عمير قال: قال عمر رضي الله عنه يومًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا ابن أخي، قل، ولا تحقر بنفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله»[14]. وعن الحسن قال: «هذا مثل قل والله من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا»[15]. ﴿ كَذَلِكَ ﴾؛ أي: مثل ذلك البيان ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات ﴾؛ أي: يوضح ويفصل لكم الآيات الكونية والشرعية، ﴿ لعلكم تتفكرون ﴾ «لعل»: للتعليل، أي: لأجل أن تتفكروا، والتفكر: إعمال الفكر والعقل والنظر في آيات الله الكونية والشرعية، والحذر من مبطلات الأعمال، ومن إبطال الصدقات بالمن والأذى، فيخسرها المنفق أحوج ما يكون إليها كصاحب هذه الجنة. [1] أخرجه مسلم في الإمارة (1892)، والنسائي في الجهاد (3187). [2] أخرجه البخاري في الأذان- من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (660)، ومسلم في الزكاة- فضل إخفاء الصدقة (1031)، وأبو داود في آداب القضاة (5380)، والترمذي في الزهد (2391). [3] البيت للمتنبي؛ انظر: «ديوانه» بشرح العكبري» (2/ 276). [4] انظر: «بدائع الفوائد» (1/ 420). [5]أخرجه مسلم في الزكاة (1006)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه. [6]«النونية» (ص148). [7] أخرجه مسلم في الطهارة (223)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. [8] سبق تخريجه. [9] البيت للتهامي؛ انظر «ديوانه» (ص47). [10] أخرجه البخاري في الإيمان (38)، ومسلم في صلاة المسافرين (760)، وأبو داود في الصلاة (1372)، والنسائي في الصيام (2203)، والترمذي في الصوم (683) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [11]انظر: «بدائع التفسير» (1/ 423). [12] انظر: بدائع التفسير (1/ 423- 424). [13] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 427). [14] أخرجه البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ (4538)، والطبري في «جامع البيان» (4/ 183 – 184)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 522). [15]انظر: «بدائع التفسير» (1/ 425). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 1889 | 07-19-2026 11:54 PM |
| منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 42 | 07-13-2026 02:47 PM |
| تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 3 | 12-26-2025 02:48 PM |
| كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن | أبوالنور | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 07-24-2024 04:32 PM |
|
|