![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#349 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 349 الى صـــ 360 الحلقة (349) وقالت طائفة: لحم الصيد محرم على المحرمين على كل حال، ولا يجوز لمحرم أكله على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، قال ابن عباس: هي مبهمة (٢). وهو مذهب علي وابن عمر، وبه قال الثوري، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وبه قال إسحاق، واحتجوا بحديث الصعب بن جثامة الآتي بعد، وفيه: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» (٣) فلم يعتل بغير الإحرام، واعتل من أجاز أكله بأنه - عليه السلام - إنما رده؛ لأنه كان حيًّا ولا يحل للمحرم قتل الصيد ولو كان لحمًا لم يرده؛ لقوله في حديث أبي قتادة. وستأتي رواية من روى أن الحمار كان مذبوحًا، في باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا لم يقبل (٤)، وإنما لم يجعل - عليه السلام - ضحك المحرمين بعضهم إلى ----------- (١) انظر: «مسائل الإمام أحمد» برواية الكوسج (١٥١٨)، و«المسائل برواية صالح» (١٠١، ٥٨٠)، و«المسائل برواية عبد الله» (٧٦٧: ٧٧٢)، «المغني» ٥/ ١٣٧). (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٨ (٨٣٣٠) كتاب: الحج، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد، وسعيد بن منصور في «سننه» ٤/ ١٦٣٣ (٨٣٨)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧٥) كتاب: الحج، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٢٧١ عن مجاهد عن ابن عباس. (٣) سيأتي برقم (١٨٢٥). (٤) لم أقف على هذِه الرواية بهذا اللفظ في الباب الذي أشار إليه المصنف ولا في غيره قط، وقد ذكر هذا الكلام ابن بطال في «شرحه» ٤/ ٤٨٥، ويبدو أن المصنف قد نقله عنه، قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣١: قوله: باب إذا أهدى -أي الحلال- للمحرم حمارًا وحشيا حيا لم يقبل، كذا قيده في الترجمة بكونه حيًا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهومة اهـ. وتعقب العيني في «عمدة القاري» ٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦ الحافظ قائلًا: قال بعضهم -قلت: يقصد الحافظ- كذا قيده في الترجمة بكونه حيًا، وفيه إشارة إلى أن الرواية = بعض دلالة على الصيد وأباح لهم أكله؛ لأن ضحك المحرم إلى المحرم مثله ممن لا يحل له الصيد لا حرج فيه، وإن كان قد آل إلى أن تنبه عليه أبو قتادة فلم يكن أبو قتادة عندهم ممن يقتنص صيدًا، فلذلك لم يجب عليهم جزاء ولا حرم عليهم أكله، وأما إذا أشار المحرم على قانص بصيد أو طالب له أو أغراه به أو أعطاه سلاحًا أو أعانه برأي فيكره له أكله لقوله - عليه السلام -: «أمنكم أحد أمران يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا. قال: «كلوا ما بقي من لحمها». وفي ذَلِكَ دليل على أنه لا يحرم عليهم بما سوى ذَلِكَ، ودل ذَلِكَ على أن معنى قوله في الحديث السالف «أو يصاد لكم» (١) أنه على ما صيد لهم بأمرهم، وهو يدل على أن المحرم إذا أعان على الصيد ------------- = التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهومة. انتهى، قلت -أي العيني: لم يذكر هذا القيد في حديث الباب صريحًا، ولكن قوله: أهدى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وحشيًا، يحتمل أن يكون هذا الحمار حيًا، ويحتمل أن يكون مذبوحًا، ولكن مسلمًا صرح في إحدى رواياته عن الزهري: من لحم حمار وحش، وفي رواية منصور عن الحكم: أهدى رجل حمار وحش، وفي رواية شعبة عن الحكم: عجز حمار وحش يقطر دمًا، وفي رواية زيد بن أرقم: أهدي له عضو من لحم صيد، وهذِه الروايات كلها تدل على أنه كان مذبوحًا موهومة؟ قوله: (لم يقبل) بمعنى لا يقبل اهـ. وتعقبه الحافظ في «انتقاض الاعتراض» ٢/ ٢١ بعدما أورد كلام نفسه في «الفتح» ورد العيني عليه في «العمدة» فقال: ليس بينها سابقة جمع وإنما عليه أن يبين كونها موهومة؟، ولكن اعترف المعاند بالحجة ولو أقيمت (…) ولكن التعصب يغطي عن البصيرة اهـ. بتصرف. قلت: هذا البياض كذا في المطبوع من «الانتقاض». وهذا اللفظ قد رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧٠ وأبو بكر الإسماعيلي في «المعجم» ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٤٤٩ - ٤٥٠، جميعًا من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، به. (١) تقدم تخريجه قريبًا مستوفًى، وهو حديث ضعيف. بما قل أو كثر فقد فعل ما لا يجوز، واختلفوا في ذَلِكَ، فقالت طائفة: إنْ دل محرم حلالًا على صيد أو أشار إليه أو ناوله سيفًا أو شبهه حَتَّى قتله فعلى المحرم الدال أو المعين له الجزاء، روي ذَلِكَ عن علي وابن عباس (١)، وقال به عطاء والكوفيون وأحمد وإسحاق، واحتجوا بقوله: «هل أشرتم أو أعنتم؟» قالوا: لا. فدل ذَلِكَ أنه إنما يحرم عليهم إذا فعلوا شيئًا من هذا، ولا يحرم عليهم بما سوى ذَلِكَ، فجعل الإشارة والمعاونة كالقتل؛ لأن الدلالة سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد، فوجب الجزاء، دليله من نصب شبكة حَتَّى وقع فيها صيد فمات، وقال مالك وابن الماجشون والشافعي وأبو ثور: لا جزاء على الدال، وهو قول أصبغ، واحتجوا فقالوا: الدال ليس بمباشر للقتل، وقد اتفقنا على أنه لو دل حلال حلالًا على قتل صيد في الحرم لم يكن على الدال جزاء؛ لأنه لم يحصل منه قتل الصيد، فكذلك ها هنا، وقد تقرر أنه لو دل على رجل مسلم فقتله المدلول لم يجب على الدال ضمان، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الصيد، ولا حجة للكوفيين في حديث أبي قتادة؛ لأنه إنما سألهم عن الإشارة والمعاونة؛ لأجل أنه يكره لهم أكلُه، ولم يتعرض لذكر الجزاء، فمن أثبت الجزاء فعليه الدليل، وأيضًا فإن القاتل انفرد بقتله بعد الدلالة بإرادته واختياره مع كون الدال منفصلًا عنه فلا يلزمه ضمان، وهذا كمن دل محرمًا أو صائمًا على امرأة فوطئها، ومحظورات الإحرام لا تجب فيها الكفارات بالدلالة كمن دل على طيب أو لباس (٢). -------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٠٠ (١٥٥١٥). وقول عطاء فيه: (١٥٥١٣). (٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ٧٩ - ٨٠، «المنتقى» ٢/ ٢٤١، «الأم» ٢/ ١٧٦، «المجموع» ٧/ ٣٥١ - ٣٥٢، «المغني» ٥/ ١٣٣، «الفروع» ٣/ ٤١١. تنبيهات: أحدها: فيه أنه لا يعان المحرم على الصيد بقول ولا فعل. ثانيها: مجاوزة أبي قتادة المواقيت يحتمل أن يكون لم يقصد نسكًا وإنما جاء لكثرة الجمع، ويجوز أن تكون المواقيت لم توقت إذ ذاك. قال الأثرم: كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات غير محرم، ولا يدرون ما وجهه حَتَّى رأيته مفسرًا. وفي رواية عياض بن عبد الله عن أبي سعيد -أي: في «الصحيح»- قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فأحرمنا، فلما كنا مكان كذا وكذا إذا نحن بأبي قتادة، كان النبي - ﷺ - قد بعثه في شيء سماه، فذكر حديث الحمار الوحشي (١). وعند الطحاوي: بعث النبي - ﷺ - أبا قتادة على الصدقة. قال أبو سعيد: وخرج هو - عليه السلام - وأصحابه محرمون حَتَّى نزلوا عسفان. وفي «الإكليل» للحاكم من حديث الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: سلكنا في عمرة القضية على الفرع، وقد أحرم أصحابي غيري فرأيت حمارًا، الحديث. فزعم المنذري أن أهل المدينة أرسلوه إلى رسول الله - ﷺ - يعلمونه أن بعض العرب ينوي غزو المدينة، والثابت في «الصحيح»: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فمنا المحرم، ومنا غير المحرم، وفي لفظ: أحرم الصحابة ولم يحرم هو (٢). ------------- (١) رواه البزار كما في «الكشف» (١١٠١)، والطحاوي في «المعاني» ٢/ ١٧٣، وابن حبان ٩/ ٢٧٩ (٣٩٧٦)، وقال الهيثمي ٣/ ٢٣٠: رواه البزار ورجاله ثقات. (٢) سلف برقم (١٨٢١ - ١٨٢٢)، ورواه مسلم (١١٩٦/ ٥٦). ثالثها: قوله: (يضحك بعضهم إلى بعض). ووقع في رواية: فضحك بعضهم إليّ، بتشديد الياء وهو خطأ وتصحيف كما قال القاضي (١)، والصواب: يضحك إلى بعض، فأسقط لفظة (بعض) والصواب إثباتها؛ لأنهم لو ضحكوا إليه كانت إشارة منهم، وقد صرح في الحديث أنهم لم يشيروا إليه. قال النووي: لا يمكن رد هذِه الرواية فقد صحت هي والرواية الأخرى وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة إلى الصيد، وأن مجرد الضحك ليس فيه إشارة منهم، وإنما تعجبوا من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه، ومنعهم منه (٢). وكذا قال ابن التين: يريد أنهم لم يخبروه بمكان الصيد حَتَّى رآه بنفسه ولا أشاروا إليه. وفي الحديث ما يقتضي أن ضحكهم ليس بدلالة ولا إشارة، بين ذَلِكَ في حديث عثمان بن موهب فقال: «أمنكم أحد أشار إليه؟». فقالوا: لا. رابعها: معنى: (أرفع فرسي شأوًا) أي: أرفعه في سيره وأجريه، والشأو: الطلق والغاية، ومعناه: أركضه ركضًا شديدًا وقتًا، وأسهل سيره وقتًا، وقال ابن التين: الرفع دون الحضر والشأو: الرفعة، وهو أشبه بالحديث، وقيل: الشأو: الغاية، وقال ابن فارس: السبق، قال: ومرفوع الناقة في السير خلاف موضوعها (٣). خامسها: قوله: (وهو قائل السقيا). قال ابن التين: هي سقيا بني غفار. قلت: وهي بضم السين المهملة وسكون القاف ثم مثناة تحت ثم ألف مقصورة. قال عياض: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة من ----------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٠٠. (٢) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١١. (٣) «مجمل اللغة» ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢. عمل الفرع (١). قال أبو عبيد: قال كثير: إنما سميت بذلك لما سقيت من الماء العذب، وهي كثيرة الآبار والعيون والبرك، وكثير فيها صدقات للحسين بن زيد. وقال ياقوت: هي من البحر على سبعة فراسخ (٢)، وفي «الأماكن». للزمخشري السقيا: السيل الذي تفرع في عرفة بمسجد إبراهيم. وفي قوله: قائل السقيا وجهان: أصحهما وأشهرهما، كما قال النووي من القيلولة يعني: تركته بتعهن (٣). وفي عزمه أن يقيل بالسقيا. والثاني بالباء الموحدة، وهو ضعيف غريب، وكأنه تصحيف وإن صح فمعناه: أن تعهن موضع مقابل السقيا. سادسها: (تعهن) بالتاء المثناة فوق، قال أبو عبيد: صح أنها موضع بين القاحة (٤) والسقيا، وقال صاحب «المطالع»: تعهن: عين ماء وهي على ثلاثة أميال من السقيا، وهي بكسر الأول والثالث، كذا ضبطناه عن شيوخنا، وكذا قيده البكري (٥)، وضبطناه عن بعضهم بفتح أوله وكسر ثالثه، وإسكان العين في كلا الضبطين، وعن أبي ذر: تعهن. قال عياض: بلغني عن أبي ذر أنه قال: سمعت العرب تقوله بضم التاء وفتح العين وكسر الهاء، قال: وهذا ضعيف (٦). سابعها: قوله: (إنهم خشوا أن يقتطعوا دونك)، وقع في رواية أبي الحسن بالهمز ولا وجه له. كما قال ابن التين. وقوله: (وعندي ---------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٩. (٢) «معجم البلدان» ٣/ ٢٢٨. (٣) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١٢. (٤) ورد بهامش «م»: القحاة بين الجحفة وقدير، وري بالفاء وهو وهم، ووقع في «مغازي ابن إسحاق» بالفاء والجيم، ورد عليه بن هشام. (٥) «معجم ما استعجم» ١/ ٣١٥. (٦) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٩. منه فاضلة) (١) أي: قطعة فضلت وهيئت، وروى بعضهم: فاضله بضم اللام وهاء ضمير بعدها. وقوله للقوم: «كلوا» وهم محرمون، فيه جواز أكل المحرم من الصيد إذا لم يصد من أجله، ولم يعن عليه ولا أشار كما سلف، وهو قول كافة الفقهاء. وغيقة في الحديث الثاني بفتح الغين المعجمة ثم ياء مثناة تحت ثم قاف ثم هاء (٢)، قال أبو عبيد: هو موضع رسم رضوى لبني غفار بن مليل وهو بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: غيقة: قليب لبني ثعلبة حذاء النواشر، والنواشر قارات بأعالي وادي المياه لهم ولأشجع. قال أبو عبيد: وغيقة لبني غفار صحيح. وفي «شرح شعر كثير» ليعقوب: غديقة .. على شاطئ البحر فوق العذيبة، قال: وغيقة أيضًا سرة واد لبني ثعلبة، وقال مرة: غيقة موضع عند حرة النار لبني ثعلبة بن سعد بن ذبيان. والقاحة: بقاف ثم ألف ثم حاء مهملة خفيفة على ثلاث مراحل من المدينة قبل السقيا بنحو ميل، قال عياض: كذا قيدوه، ورواه بعضهم عن البخاري بالفاء، وهو وهم والصواب بالقاف (٣)، وزعم ابن إسحاق في «مغازيه» أنها بفاء وجيم، ورد ذَلِكَ عليه ابن هشام، وقال الحازمي: هي موضع بين الجحفة وقديد. --------- (١) سبق برقم (١٨٢١). (٢) سلف برقم (١٨٢١)، وانظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠١٠ - ١٠١١، و«معجم البلدان» ٤/ ٢٢١ - ٢٢٢. (٣) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٩. ثامنها: قوله: (فأثبته) أي: تركته في مكانه لا يفارقه، وكانت فرسه يقال لها: الجرادة. وقوله: (وخشينا أن نقتطع)، ضبط بالتاء والنون وبالمثناة تحت (١). قال ابن قرقول: أي يحوزنا العدو عنك، ومن حملتك وكذلك تقتطع دوننا أي: يؤخذ وينفرد به. وقال القرطبي: أي خفنا أن يحال بيننا وبينهم ويقتطعوا بنا عنهم (٢). وقوله: (إنا اصَّدْنا حمار وحش) كذا هو مضبوط بتشديد الصاد، وفي نسخة: (صدنا) قال ابن التين في الأول: كذا وقع واللغة على صدنا من صاد يصيد، وكذا وقع عند الأصيلي صدنا، وقال بعضهم: من أدغم فعلى لغة من يقول مصَّبر في مصطبر، وقراءة بعضهم: (أن يصَّلحا بينهما صلحًا) [النساء: ١٢٨] (٣). وقوله: (بالقاحة) من المدينة على ثلاث مراحل (٤). وقد سلف، والأكمة: التل، وسلف في الاستسقاء ويجمع أكم ثم أكام، والأتان أنثى من الحمر وجمعها أتن، ذكره ابن فارس (٥). تاسعها: قوله: (انطلقنا مع النبي - ﷺ - عام الحديبية) وفي الباب الأخير أن رسول الله - ﷺ - خرج حاجًا والحديبية لا حج فيها، وإنما كانت عمرة ولم يحج إلا حجة الوداع، فالمراد: حاجًّا أي: معتمرًا؛ ------------ (١) في هامش الأصل: التاء والنون والياء كله في أول نقتطع. (٢) «المفهم» ٣/ ٢٨١. (٣) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٣/ ١٨٣ - ١٨٤، و«الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩. (٤) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٤٠، و«معجم البلدان» ٤/ ٢٩٠. (٥) «مجمل اللغة» ١/ ٨٥ - ٨٦. لأنه القصد. وقوله: فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة. هذا على قول الكوفيين؛ لأنه استثناء من الموجب، ولم يجزه البصريون. وقوله: (فنظر أصحابي بحمار وحشٍ) أدخل الباء، وإن كان نظر متعديًا حملًا على بصر، فكأنه قال: فبصر أصحابي بحمار وحش، وكذا وقع لأبي ذر: فبصر، وجاء في رواية: أعنتم أو أصَّدتم؟ بتشديد الصاد وتخفيفها (١)، يعني: أمرتم به أو جعلتم من يصيده، وقيل معناه: أثرتم الصيد من موضعه، يقال: أصدت الصيد -مخففًا -أي: أثرته. وهو أولى من رواية أصدتم بالتشديد؛ لأنه - عليه السلام - علم أنهم لم يصيدوا، وإنما سألوه عما صاده غيرهم، نعم قال ابن درستويه: أصدتم كلام العامة، وقال اللبلي وغيره: لم نرى من قاله بالألف، وفي «المحكم» عن ابن الأعرابي: صدنا كمأة، قال: وهو من جيد كلام العرب ولم يفسره، قال ابن سيده: وعندي أنه يريد استثرنا كما يقال: استثار (٢). قلت: ولعل هذا الموقع لمن قال: أصدت أي: أثرت. العاشر: الذي في ألفاظ الصحيح أنه - عليه السلام - أكل منه (٣). وفي الدارقطني (٤) عن أبي قتادة: إني إنما اصطدته لك، فأمر أصحابه - عليه السلام - فأكلوه، ولم يأكله هو، قال أبو بكر النيسابوري: قوله: اصطدته. وقوله: ولم يأكله. لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر، --------- (١) رواها مسلم (١١٩٦/ ٦١) باب: تحريم الصيد للمحرم. (٢) «المحكم» ٨/ ٢٣٦. (٣) سيأتي هذا اللفظ برقم (٢٥٧٠) كتاب: الهبة، باب: من استوهب من أصحابه شيئًا. (٤) في هامش الأصل: هو في «سنن ابن ماجه» أيضًا. [ابن ماجه ٣٠٩٣]. وهو موافق لما روي عن عثمان بن عفان (١). وقال غيره: هذِه لفظ غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه. الحادي عشر: حاصل ما في أكل المحرم الصيد مذاهب: أحدها: أنه ممنوع مطلقًا صيد لأجله أولًا، وهذا مذكور عن بعض السلف، دليله حديث الصعب بن جثامة الآتي (٢)، وروي عن علي (٣) وابن عمر (٤) وابن عباس (٥). ثانيها: أنه ممنوع إن صاده أو صيد لأجله سواء، كان لإذنه أو بغير إذنه، وهو مذهب مالك والشافعي (٦). ثالثها: إن كان باصطياده أو بإذنه أو بدلالته حرم وإلا فلا، وإليه ذهب أبو حنيفة (٧). وقال ابن العربي: يأكل ما صيد وهو حلال، ولا يأكل ما صيد بعد (٨)، وحديث أبي قتادة هذا يدل على جواز أكله ------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩١. (٢) قريبًا برقم (١٨٢٥). (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٧ (٨٣٢٧) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧٦) كتاب: الحج، من كره أكله للمحرم، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٦٨، والبيهقي في «سننه» ٥/ ١٩٤ كتاب: الحج، باب: المحرم لا يقبل ما يهدى له من الصيد حيًا، وفي «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٤٣٠ (١٠٥٨٦) كتاب: المناسك، ما يأكله المحرم من الصيد. (٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٢٨ (٨٣٢٩)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧٥) والطحاوي ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، والبيهقي ٥/ ١٩٤. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٤ (١٤٤٧٠)، والبيهقي ٥/ ١٨٩. (٦) انظر: «التفريع» ١/ ٣٢٨، «البيان» ٤/ ١٧٩. (٧) «الهداية» ١/ ١٨٨. (٨) انظر تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ٢/ ٦٦٦. في الجملة، وهو على خلاف المذهب الأول، ويدل ظاهره أنه إذا لم يشر المحرم عليه ولا دل يجوز أكله، وقد سلف أنه لم يأكل منه في رواية (١)، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن دل عليه فعليه الجزاء (٢). فائدة: صيد البر أكثر ما يكون توالده ومثواه في البر، وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في الماء، والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة (٣). فائدة: عزا صاحب «الإمام» إلى النسائي من حديث أبي حنيفة عن هشام، عن أبيه، عن جده الزبير قال: كنا نحمل الصيد ضعيفًا، ونتزوده ونحن محرمون مع رسول الله - ﷺ -، ورواه الحافظ أبو عبد الله البلخي في «مسند أبي حنيفة» من هذا الوجه، ومن جهة إسماعيل بن يزيد عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة (٤). فائدة أخرى: روى أبو يعلى الموصلي في «مسنده» من حديث محمد بن المنكدر: ثنا شيخ لنا، عن طلحة بن عبيد الله أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن محل أصاب صيدًا أيأكله المحرم؟ قال: «نعم» (٥)، ولمسلم: أهدي لطلحة طائر وهو محرم فقال: أكلنا مع رسول الله - ﷺ - (٦)، وللدارقطني: أن رسول الله - ﷺ - أعطاه حمار وحشٍ وأمره أن يفرقه في الرفاق (٧)، قال: والصحيح أنه من رواية عمير بن --------- (١) «الهداية» ١/ ١٨٣. (٢) سلف قريبًا برقم (١٨٢١). (٣) «الهداية» ١/ ١٨٣. (٤) «مسند أبي حنيفة» (٣٢١). (٥) «مسند أبي يعلي» ٢/ ٢٣ (٦٥٦ - ٦٥٧). (٦) مسلم (١١٩٧). (٧) في هامش الأصل: رواه النسائي عن عمير بن سلمة عن رجل من بهز. وأما أحمد فإنه ترجم لعمير وذكر هذا الحديث في ترجمته. وفي «مسند بقي»: عمير بن أبي سلمة. سلمة عن رسول الله - ﷺ - (١). ولما ذكر مهنا عن أحمد أنه قال: أذهب لحديث جابر السالف، قال: ويروى عن طلحة والزبير وعمر وأبي هريرة: فيه رخصة، ثم قال: عائشة تكرهه وغير واحد، ولما ذكر له حديث عبد الرزاق (٢)، عن الثوري، عن قيس، عن الحسن بن محمد، عن عائشة: أهدي لرسول الله - ﷺ - وشيقة لحم وهو محرم فأكله (٣)، فجعل أبو عبد الله ينكره إنكارًا شديدًا، وقال: هذا سماع منكر. وللدارقطني: امتنع عثمان أن يأكل من ظبية أهديت له، فسئل عن ذَلِكَ فقال: إنما صيد لي وأصيب باسمي (٤). وفي «الموطأ»: أن أبا هريرة سئل عن لحم صيد وجده المحرمون، فأفتاهم بأكله، ثم سأل عمر فقال: لو أفتيتهم بغير ذَلِكَ لأوجعتك (٥). --------- (١) «علل الدارقطني» ٤/ ٢٠٩. (٢) ورد في هامش الأصل: وقد روى أحمد في «المسند» فقال: حدثنا سفيان، ثنا عبد الكريم، عن قيس بن مسلم الجدلي، عن الحسن بن محمد بن علي، عن عائشة: أهدي للنبي - ﷺ - وشيقة ظبي وهو محرم فردها. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٧ (٨٣٢٤) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد. (٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩١. (٥) «الموطأ» ص ٢٣١. وورد في هامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه. ٦ - باب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ ١٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ». [٢٥٧٣، ٢٥٩٦، ٣٠١٢ - مسلم: ١١٩٣ - فتح: ٤/ ٣١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ». هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أهدى الصعب (١). وكذا رواه مجاهد عند ابن أبي شيبة (٢)، جعلاه من مسند ابن عباس. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث طاوس: قدم زيد بن أرقم فقال له ابن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم أهدي لرسول الله - ﷺ - وهو حرام؟ قال: أهدي له عضد من لحم صيد فرده، فقال: «إنا لا نأكله، إنا حرم» (٣). --------- (١) مسلم (١١٩٤) باب: تحريم الصيد للمحرم. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧١) كتاب: الحج. (٣) مسلم (١١٩٥). وكذا رواه عطاء بن أبي رباح عند أبي داود وأبي عبد الرحمن (١) (٢). وعند الحاكم على شرط مسلم من حديث حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله - ﷺ - أهدي له بيضات نعام وهو حرام فردهن؟ قال: نعم (٣). قال ابن عبد البر: لم يختلف في إسناده على مالك وعلى ابن شهاب، وكل من في إسناده، فقد سمعه بعضهم من بعض سماعًا، كذلك في الإخبار عن ابن شهاب: أخبرني عبد الله قال: سمعت ابن عباس قال: أخبرني الصعب. وممن رواه عن ابن شهاب كما رواه مالك: معمر وابن جريج وعبد الرحمن بن الحارث وصالح بن كيسان وابن أخي ابن شهاب والليث ويونس ومحمد بن عمرو بن علقمة كلهم، قال فيه: أهدي لرسول الله - ﷺ - حمار وحش، كما قال مالك، وخالفهم ابن عيينة وابن إسحاق، فقال: أهدي لرسول الله - ﷺ - لحم حمار وحش، قال ابن جريج في حديثه: قلت لابن شهاب: الحمار عقير؟ قال: لا أدري، فقد بين ابن جريج أن ابن شهاب شك فلم يدر أكان عقيرًا أم لا، إلا أن في مساق حديثه: أهديت لرسول الله - ﷺ - حمار وحش، فرده علي. وروى القاضي إسماعيل عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب أنه - عليه السلام - ---------- (١) ورد في (س) أسفلها: يعني النسائي. (٢) أبو داود (١٨٥٠) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، النسائي ٥/ ١٨٤ كتاب: مناسك الحج، ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٢ كتاب: المناسك. أقبل حَتَّى إذا كان بقديد أهدي له بعض حمار وحش فرد وقال: «إنا حرم لا نأكل الصيد» كذا قال: عن صالح، عن عبيد الله، ولم يذكر ابن شهاب، وقال: بعض حمار وحش، وعند حماد بن زيد في هذا أيضًا عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن الصعب أنه أتى النبي - ﷺ - بحمار وحمش، رواه إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب كما قدمناه، وهو أولى بالصواب عند أهل العلم، وفي رواية سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاوس: لحم حمار وحش، قال سعيد: عجز حمار وحش، فرده يقطر دمًا، رواه شعبة عن الحكم عنه (١)، وقال مقسم: رجل حمار (٢)، وقال عطاء: عضد صيد (٣)، وقال طاوس: عضوًا من لحم صيد (٤). وكذا قال غيره. هكذا رواه الزهري عن عبيد الله (٥)، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه، وظاهر تبويب البخاري أنه كان حيًّا، وقال بعضهم في بعض الروايات: رجل حمار (٦). وهو دال على صحة قول ابن عمر وابن عباس أن أكل لحم الصيد حرام على المحرم (٧). قال إسماعيل القاضي: سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه (صيد) (٨) من أجل رسول الله - ﷺ -، ولولا ذَلِكَ كان أكله --------- (١) مسلم (١١٩٤/ ٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم. (٢) رواه أحمد ١/ ٢١٦. (٣) رواه أبو داود (١٨٥٠) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم. (٤) رواه مسلم (١١٩٥/ ٥٥). (٥) رواه مسلم (١١٩٣/ ٥١ - ٥٢). (٦) مسلم (١١٩٤/ ٥٤). (٧) رواهما عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٦، ٤٢٨ (٨٣٢٠، ٨٣٢٩) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد. (٨) من (ج). جائزًا، قال سليمان: ومما يدل على أنه صيد من أجله قولهم في الحديث: يقطر دمًا، كأنه صيد في ذَلِكَ الوقت، قال: وإنما تأول سليمان؛ لأنه موضع يحتاج إليه. وأما رواية مالك فلا تحتاج إلى تأويل؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدًا حيًّا ولا يزكيه، وإنما يحتاج إلى التأويل، قول من قال: بعض حمار، قال إسماعيل: وعلى تأويل سليمان تكون الأحاديث كلها المرفوعة في هذا الباب غير مختلفة (١). وفي «المبسوط» من رواية ابن القاسم ونافع، عن مالك: كان الحمار حيًّا. وقال الطبري: الأخبار عن الصعب مضطربة، والصحيح أنه حي؛ للإجماع على منع قبول المحرم هبة الصيد، وكيف يكون رجله وهو يقول: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» وهو يأكل لحمه، فرده عليه يحتمل أنه لا يصح له قبوله أو يصح فيرسله. قال الشافعي: فإن كان الصعب أهدى الحمار حيًّا، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه، وإيضاحه في حديث جابر -يعني: السالف قبل (٢) - قال الشافعي: وحديث مالك أن الصعب أهدى حمارًا أثبت من حديث أنه أهدى له لحم حمار (٣). قال البيهقي: وقد روي في حديث الصعب أنه أكل منه، ذكره ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه أن الصعب أهدى للنبي - ﷺ - عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح -------- (١) من «التمهيد» ٩/ ٥٤ - ٥٧ بتصرف. (٢) تقدم تخريجه باستيفاء. (٣) «اختلاف الحديث» بهامش «الأم» ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٣، «المعرفة» للبيهقي ٧/ ٤٣٠. فإن كان محفوظًا فكأنه رد الحي وقبل اللحم (١). ونقل الترمذي أيضًا عن الشافعي النص السالف أيضًا فقال عنه: وجه هذا عندنا إنما رده لما ظن أنه صيد من أجله وتركه على التنزه، قال الترمذي: وقد روى بعض أصحاب الزهري عن الزهري هذا الحديث، وقالوا: أهدى له لحم حمار وحش، وهو غير محفوظ (٢)، ولأبي داود من حديث علي أنه قال: أنشد الله من كان ها هنا من أشجع أن رسول الله - ﷺ - أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكل، قالوا: نعم (٣)، ولأحمد: فشهد اثنا عشر رجلًا من الصحابة ثم قال علي - عليه السلام -: أنشد الله رجلًا شهد رسول الله - ﷺ - حين أتي ببيض النعام فقال: «إنَّا قوم حرم أطعموه أهل الحل» فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر (٤)، وللنسائي من حديث مالك، عن يحيى ابن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عيسى بن طلبة، عن عمير بن سلمة، عن البهزي أن رسول الله - ﷺ - خرج يريد مكة وهو محرم حَتَّى إذا كان بالروحاء، إذا حمارُ وحشٍ عقير، فذكر ذَلِكَ لرسول الله - ﷺ -، فقال: «دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه» فجاء البهزي وهو صاحبه فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر - عليه السلام - أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حَتَّى إذا كان بالأثاية (٥) بين --------- (١) «سنن البيهقي» ٥/ ١٩٣. (٢) «سنن الترمذي» ٣/ ١٩٧ عقب ح (٨٤٩). (٣) أبو داود (١٨٤٩)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٢١). (٤) أحمد ١/ ١٠٠. (٥) ورد في هامش الأصل: الأثاية: موضع بطريق الجحفة بينه وبين المدينة سبعة وتسعون ميلًا، وهو بضم الهمزة، ورواه بعض الشيوخ بكسرها وبعضهم بثائين مثلثتين، والهمزة مكسورة الإثاثة. وبعضهم يقول: الإثانة بثاء مثلثة ونون بعد = الرويثة والعرج، إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فزعم أن رسول الله - ﷺ - أمر رجلًا أن يقف عنده فلا يريبه أحد من الناس حَتَّى يجاوزوه (١)، ثم قال: تابعه يزيد بن هارون عن يحيى به (٢)، وفي لفظ: فلم يلبث أن جاء رجل من طِّيئ فقال: يا رسول الله، هذِه رميتي فشأنك بها. وفي «الإغراب» لأبي محمد بن حزم: روى حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن رسول الله - ﷺ - رد وهو محرم حمير وحش وبيض نعام، قال: ورويناه أيضًا من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبيد الله بن الحارث، عن علي مرفوعًا. وفي «سنن أبي قرة» من حديث جبير بن محمد بن علي: قالت عائشة: أهديت لرسول الله - ﷺ - ظبية فيها وشيقة صيد وهو حرام فأبى أن يأكله. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالإهداء كان في توجهه إلى الحديبية، كما ذكره ابن سعد (٣)، والإجماع قائم أنه لا يجوز للمحرم قبول الصيد حيًا إذا وهب له بعد إحرامه، ولا يجوز له شراؤه ولا إحداث ملكه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ولحديث الصعب، وإنما رده؛ لأن مذبوحه ميتة، ثم ذكر اختلاف الروايات هل كان حيًّا أو مذبوحًا؟ فعن مالك: كان حيًا، وعن سعيد بن جبير: كان مذبوحًا يقطر دمًا. وذكر غير ذَلِكَ. --------- = الألف، وغيرهما يهمز ما قبلها والأول الصواب بالفتح والكسر، والله أعلم. (١) النسائي ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، وقال الألباني: صحيح الإسناد. (٢) لم أجد هذا التعقيب في مطبوع سنن النسائي، وذكره الحافظ المزي -طيب الله ثراه- في «تحفة الأشراف» ١١/ ١٩٧. (٣) انظر: «الطبقات الكبرى» ٤/ ٢٩٣. قال الطحاوي: فقد اتفقت الآثار في حديث الصعب عن ابن عباس أنه كان غير حي، وذلك حجة لمن كره للمحرم أكل الصيد، وإن كان الذي تولى صيده وذبحه حلالًا (١)، وقد خالف ذَلِكَ حديث جابر. قال ابن بطال: واختلاف روايات حديث الصعب تدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا: فمرة أهدي إليه الحمار كله، ومرة عضده أو رجله أو عجزه؛ لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حَتَّى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة (٢). وأول الطحاوي حديث «أو يصاد لكم» على: أو يصاد لكم بأمركم (٣). وفيه من الفقه رد الهدية إذا لم تكن تحل للمهدى له، وفيه الاعتذار لردها. تنبيهات: أحدها: قال ابن التين: الأولى في رده أنه لا يصح له قبوله، ويحتمل أن يصح إرساله فلا فائدة في قبوله إلا الإضرار بمن كان له، قال: فإن قبله وجب إرساله، ولم يكن عليه رده على قياس المذهب، وفي الملك بالقبول رأيان، وذكر الخطابي عن أبي ثور أنه إذا اشتراه محرم من محرم كان ذَلِكَ المحرم البائع ملكه قبل ذَلِكَ فلا بأس (٤). وقال ابن حبيب فيمن ابتاع صيدًا له رده على بائعه إن كان حلًا، ولو رده عليه لزمه جزاؤه (٥)، وقال أشهب في محرم اشترى عشرة من الطير فذبح منها ناسيًا لإحرامه، ثم ذكر، ثم جاء بها -يعني ليردها على بائعها-: فما ذبح أو أمر بذبحه يلزمه، وما بقى رده ويلزم البائع شاءَ أو أبى، ----------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧١. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٨٩. (٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧١، ١٧٤. (٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٢٠. (٥) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٧١. وقيل: الشراء فاسد لا يصح، ومن صححه أوجب إرساله (١). وقال ابن عبد البر: لأهل العلم قولان في المحرم يشتري الصيد: الأول: الشراء فاسد، الثاني: صحيح، وعليه أن يرسله (٢). فإن اضطر إلى أكل الميتة، أيجوز له أن يأكل الصيد أو الميتة؟ قال مالك: يأكل الميتة؛ لأن الله لم يرخص للمحرم في أكل الصيد ولا أخذه على حال من الأحوال؛ ورخص في الميتة في حال الضرورة، وهو قول عطاء والثوري، وقال أبو حنيفة: يأكل الصيد ولا يأكل الميتة (٣). وقال مالك: ما قتله المحرم أو ذبحه من الصيد فلا يحل أكله لحلال ولا لحرام؛ لأنه ليس بذكي، خطأً كان قتله أو عمدًا، وقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا رمى المحرم الصيد وسمى فقتله فعليه جزاؤه، فإن أكل منه حلال فلا شيء عليه، وإن أكل منه المحرم الذي قتله بعدما جزَاه فعليه قيمة ما أكل منه، في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: لا جزاء عليه ولا ينبغي أن يأكله حلال ولا حرام، وهو قول القاسم وسالم، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول مالك، والآخر: يأكله ولا يأكل الميتة. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه، وحلال أكل ذَلِكَ الصيد إلا أني أكرهه للذي صاده؛ لحديث جابر، وروى الثوري، عن أشعث، عن الحكم بن عتيبة أنه قال: لا بأس بأكله، يعني: ذبح المحرم الصيد، قال الثوري: وقول الحكم هذا أحب إلي (٤). وقال ابن العربي في «مسالكه»: إذا قتل صيدًا مملوكًا وجب عليه مع -------- (١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٦٩. (٢) «التمهيد» ٩/ ٥٩. (٣) «الاستذكار» ١١/ ٣٠٩، ٣١١، وانظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٦٨. (٤) «الاستذكار» ١١/ ٣٠٩ - ٣١٠. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#350 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 369 الى صـــ 380 الحلقة (350) الجزاء القيمة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال المزني: لا جزاء عليه إنما عليه القيمة، دليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١) [المائدة: ٩٥]. ثانيها: الأصل في أهدى، التعدي بإلى، وقد يتعدى باللام، ويكون بمعناه، ويحتمل أن اللام بمعنى أجل، وفيه ضعف. ثالثها: أسلفنا أن البخاري فهم منه الحياة؛ ولذلك بوب عليه كما مضى، وعلى هذا الفهم أن المحرم يرسل ما بيده من صيد؛ لأنه لم يشرع لنفسه ملكه لأجل الإحرام، والجمع بينه وبين الرواية الأخرى أنه كان مذبوحًا أنه جاء به أولًا ميتًا، فوضعه بقربه، ثم قطع منه ذَلِكَ العضو فأتاه به، أو يكون أطلق اسم الحمار وهو يريد بعضه من باب التوسع والتجوز، أو كان أولًا حيًّا فلما رده ذكاه وأتى ببعضه، ولعله ظن أنه إنما رده لمعنى يخص الحمار بجملته فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل. رابعها: في «إكمال القاضي» عن أبي حنيفة: لا يحرم على المحرم ما صيد له بغير إعانة منه (٢)، وهو مذهب الكوفيين كما أسلفناه، وفي «الاستذكار»: كان عمر وأبو هريرة والزبير وكعب ومجاهد وعطاء -في رواية- وسعيد بن جبير: يرون للمحرم أكل الصيد على كل حال إذا اصطاده الحلال صيد من أجله أو لم يصد (٣). وقد أسلفناه أيضًا. خامسها: («نرده») وكذا لم يضره الشيطان، وكذا لم تمسه النار، وأمثالها، الأوجه فيه الضم عند سيبويه، والرواية بالفتح كما قاله --------- (١) انظر: «المبسوط» ٤/ ٨١، «المنتقى» ٢/ ٢٥١، «المجموع» ٧/ ٣١١. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٨. (٣) «الاستذكار» ١١/ ٣٠٣. عياض (١)، وقال القرطبي: المحدثون يقيدونه بفتح الدال، وإن كان متصلًا بهاء المذكر المضمومة، وقيده المحققون بضمها مراعاة للواو المتولدة عن ضمة الهاء ولم يحفلوا بالهاء؛ لخفائها، وكأنهم قالوا: (رَدُّوا) كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاة للألف، وكأنهم قالوا: (وَدُّوا) (٢)، وهذا مذهب سيبويه والفارسي (٣). سادسها: قوله: («أنَّا حرم») هو بفتح الهمزة على أنه تعدى إليه الفعل بحرف التعليل، فكأنه قال: لأنا، وبكسرها لأنها ابتدائية. و(الأبواء) بالمد: قرية جامعة من عمل الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة، ثلاثة وعشرون ميلًا، سميت بذلك؛ لتبوء السيول بها، وقيل: عشرة، وبها توفيت آمنة أم رسول الله - ﷺ -، ودفنت (٤). وودان قرية جامعة من عمل الفرع أيضًا بينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال (٥). سابعها: قال أبو عبد الملك: فيه دليل أن الهبة والهدايا تقتضي القبول، ولولا ذَلِكَ لأطلق الحمار، ولم يرده إلى الصعب، وذلك خلاف أن يهب الرجل أخاه وابنه وأباه فإنه يعتق دون قبول؛ لأن الموهوب له مضار في ردها. ثامنها: قوله: (فلما رأى ما في وجهه). يريد من التغير إذ لم يقبلها منه؛ لأنه كان يقبل الهدية، فخاف الصعب أن يكون ذَلِكَ لمعنى يخصه، فأعلمه بالعلة؛ ليزيل ما في نفسه. --------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٨. (٢) كذا بالأصل، وفي «المفهم»: (ردا). (٣) «المفهم» ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨. (٤) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ١٠٢، و«معجم البلدان» ١/ ٧٩. (٥) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٦٥. قال مالك: من أحرم وعنده صيد فإن خلفه في أهله قبل إحرامه فلا يزول ملكه عنه كما لو نكح قبله، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، والخلاف في ذَلِكَ مبني على تأويل الآية ﴿صَيدُ البَرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. هل المراد به الاصطياد أو المصيد، وليس الصيد كالنكاح ولو كان الصيد بيده زال ملكه عنه على الأصح، ووجب عليه إرساله وإلا ضمن، وعندنا أنه إذا ورثه يزول ملكه فيرسل، ولو كان في بيته فأحرم فملكه باق، ولا يرسله على الأصح، فإن لم يرسله حَتَّى حل أرسله، خلافًا لأشهب كالخمر إذا تخلل، وقيل: بالفرق؛ لأن هذا حق لغيره بخلافه ولو أحرم وفي يده صيد وديعة لغائب لم يلزمه إطلاقه، ولو أخذه بعد إحرامه فقد أخطأ، ويجب عليه إطلاقه ويغرم قيمته لربه (١)، ذكره في كتاب محمد. خاتمة: الصعب (٢) هو: ابن جثامة كما سلف، واسمه يزيد بن قيس بن ربيعة الكناني الليثي، نزيل ودان (٣)، وهو أخو محلم بن جثامة الذي لفظته الأرض (٤)، نزل بأخرة حمص، ومات بها في أيام ابن الزبير، أعني محلمًا. ----------- (١) «الاستذكار» ١١/ ٢٩٣ - ٢٩٥. وانظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٢٠٦، «المبسوط» ٤/ ٩٤، «المنتقى» ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧، «المجموع» ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١. (٢) في هامش الأصل: توفي في خلافة أبي بكر، قاله النووي في «التهذيب». (٣) هو الصعب بن جثامة بن قيس بن عبد الله بن يعمر، وهو الشراخ الليثي الحجازي، وسمي يعمر الشراخ؛ لأنه شرح الدماء بين بني أسد بن خزيمة، وبين خزاعة، يعني: أهدرها. انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٢٩١ (١٢٤٦)، و«أسد الغابة» ٣/ ٢٠ (٢٥٠١)، و«الإصابة» ٢/ ١٨٤ (٤٠٦٥). (٤) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ٢٣ (٢٥٥٢)، و«أسد الغابة» ٥/ ٧٦ - ٧٧ (٤٦٩١)، و«الإصابة» ٣/ ٣٦٩ (٧٧٥٢). ٧ - باب مَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ ١٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ». وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ. [٣٣١٥ - مسلم: ١١٩٩ - فتح: ٤/ ٣٤] ١٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَقْتُلُ المُحْرِمُ». [١٨٢٨ - مسلم: ١٢٠٠ - فتح: ٤/ ٣٤] ١٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». [انظر: ١٨٢٧ - مسلم: ١٢٠٠ - فتح: ٤/ ٣٤] ١٨٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». [٣٣١٤ - مسلم: ١١٩٨ - فتح: ٤/ ٣٤] ١٨٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]. وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اقْتُلُوهَا». فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا». [٣٣١٧، ٤٩٣٠، ٤١٣١، ٤٩٣٤ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح: ٤/ ٣٥] ١٨٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِلْوَزَغِ: «فُوَيْسِقٌ». وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. [٣٣٠٦ - مسلم: ٢٢٣٩ - فتح: ٤/ ٣٥] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا بهذا أَرْوَنَا أَنَ مِنًى مِنَ الحَرَمِ، وأَنَّهْمْ لَمْ يَرَوْا بِقَتْلِ الحَيَّةِ بَأسًا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ». وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ. وعَنْ زيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَقْتُلُ المُحْرِمُ». وعَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». وعنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ» وذكر الباقي وعَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نَزَلَت عَلَينا: ﴿وَالمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]. وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّة، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «اقْتُلُوهَا». فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ - ﷺ -: «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا». وعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النبي - ﷺ - قَالَ لِلْوَزَغِ: «فُوَيْسِقٌ». وَلَمْ أَسمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا أردنا بهذا أن هذِه نزلت بمكة قبل الحج وأَنَّ مِنًى مِنَ الحَرَمِ، وأَنَّهْمْ لَمْ يروا بِقَتْلِ الحَيَّةِ بَأسًا الشرح: أما حديث ابن عمر عن حفصةَ فأخرجه مسلم بزيادة «كلهن فاسق» (١)، وحديث زيد عنه عن إحدى نسوة النبي - ﷺ - بلفظ: أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرةِ والعقربِ والحدأةِ والغرابِ والحية، قال: وفي الصلاة أيضًا (٢). وعن ابن جريج عن نافع، عن ابن عمر: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «خمسٌ من الدواب لا جناح على من قتلهن في قتلهن: الغراب والحدأةُ والعقربُ والفأرة والكلب العقور» (٣) رواه جماعة عن نافع عن ابن عمر قال: ليس في واحد منهم سمعت النبي - ﷺ -، وفي بعض ألفاظه: «خمسٌ لا جناح في قتل ما قتل منهن في الحرم ..» بمثله (٤)، وفي آخر: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح» الحديث (٥). زاد على البخاري إباحة قتل هذِه الدواب في الصلاة، وذكر الحية (٦) ولا سماع ابن عمر من رسول الله - ﷺ - لهذا، وفي بعض ألفاظه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحديا» أخرجه في كتاب: بدء الخلق (٧)، ولم يقل في حديث حفصة: كلها فاسق. ------- (١) مسلم (١١٩٨/ ٦٦). (٢) مسلم (١٢٠٠/ ٧٥). (٣) مسلم (١١٩٩/ ٧٧). (٤) مسلم (١١٩٩/ ٧٨). (٥) مسلم (١١٩/ ٧٦). (٦) في هامش الأصل: أخرج معناه البخاري. (٧) سيأتي برقم (٣٣١٥) باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم. وأما حديث عائشة أخرجه مسلم بألفاظ: «أربع كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور» (١)، «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا» (٢)، «خمس لا جناح على من قتلهن في الحل والإحرام: الفأرة والعقرب والغراب والكلب العقور في الحرم»، (خمس) (٣) وهو الصحيح في حديث عائشة وغيرها «خمس من الدواب كلها فواسق» (٤) «خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور في الحرم والإحرام» (٥) زاد على البخاري الحل والأبقع والحية وإنما قال: العقرب، وزيد في غير الصحيح «الذئب» أخرجه البيهقي من حديث الحجاج بن أرطاة عن وبرة (٦)، والدارقطني عن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الذئب والفأر والحدأة، فقيل: والحية والعقرب؟ فقال: قد كان يقال ذَلِكَ، قال يزيد بن هارون: يعني: المحرم (٧). قال البيهقي: وقد روينا ذكر الذئب من حديث ابن المسيب مرسلًا جيدًا (٨). -------- (١) مسلم (١١٩٨/ ٦٦) كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب .. (٢) مسلم (١١٩٨/ ٦٧). (٣) كذا في (س). (٤) مسلم (١١٩٨/ ٧١). (٥) مسلم (١١٩٩/ ٧٢). من حديث ابن عمر. (٦) «سنن البيهقي» ٥/ ٢١٠ كتاب: الحج، باب: ما للمحرم قتله من دواب البر في الحل والحرم. (٧) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٢. (٨) «سنن البيهقي» ٥/ ٢١٠. قلت: أخرجه ابن أبي شيبة من حديث ابن حرملة عنه (١)، ثم أخرج من حديث وبرة عن ابن عمر: يقتل المحرم الذئب (٢)، وقال سعيد بن جبير: اطرد الذئب عن رحلك وأنت محرم (٣)، وعن قبيصة: يقتل الذئب في الحرم (٤). وقال الحسن وعطاء: يقتل الذئب والأسد (٥)، وعن عمر قال: يقتل المحرم الذئب والحية (٦)، وعن عطاء: يقتلُ الذئب وكل عدو لم يذكر في الكتاب (٧). وقال إسماعيل في حديث وبرة قال: إن كان محفوظًا فإن ابن عمر جعل الذئب في هذا الموضع كلبًا عقورًا، وهذا غير ممتنع في اللغة، والمعنى. قال أبو عمر: رواية نافع عن ابن عمر مقتصرة على إباحة قتل الخمسة للمحرم في حال إحرامه في الحل والحرم جميعًا (٨). ---------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٩٥ (١٥٤٧٠ - ١٥٤٧١) كتاب: الحج، في قتل الذئب للمحرم، ورواه عبد الرزاق أيضًا في «المصنف» ٤/ ٤٤٤ (٨٣٨٤) كتاب: المناسك، باب: الصيد وذبحه والتربص به. (٢) عند ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٦) من حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري عن عمر قال: يقتل المحرم الذئب والحية، أما حديث وبرة عن ابن عمر قال: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الذئب للمحرم .. الحديث، فرواه أحمد ٢/ ٣٠، وكذا رواه الدارقطني ٢/ ٢٣٢، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢١٠. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٥ (١٥٤٧٢). (٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٤ - ٤٤٥ (٨٣٨٨)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٥ (١٥٤٧٤)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٩٨ (٢٢٩٢). (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٥). (٦) السابق ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٦). (٧) السابق ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٧). (٨) «التمهيد» ١٥/ ١٥٤. وفي رواية سالم: «لا جناح على من قتلهن في الحل والحر» (١)، وهذا أعم فدخل فيه المحرم وغيره، ومعلوم أنه ما جاز للمحرم قتله فغيره أولى وأحرى به، لكن لكل وجه منها حكم. وفي رواية أيوب: قيل لنافع: والحية؟ قال: الحية لا شك في قتلها، وفي لفظ: لا يختلف في قتلها (٢). قال أبو عمر: وليس كما قال نافع، قد اختلف العلماء في جواز قتل الحية للمحرم، ولكنه شذوذ، وليس في حديث ابن عمر عن أحد من الرواة ذكر الحية، وهو محفوظ من حديث عائشة وأبي سعيد وابن مسعود (٣). قلت: قد علمت رواية البيهقي السالفة يوضحه قول نافع: الحية لا شك في قتلها، يعني في الحديث الذي رواه عن مولاه، وفي حديث أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية ..» الحديث (٤). وللترمذي -وقال: حسن- من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «يقتل المحرم السبع العادي» (٥)، ولابن ماجه زيادة: «الحية» (٦)، وفي نسخة: «الضاري والفويسقة» فقيل له: لم ---------- (١) رواه مسلم (١١٩٩/ ٧٧). (٢) «سنن البيهقي» ٥/ ٢٠٩. (٣) «التمهيد» ١٥/ ١٥٥ - ١٥٦. (٤) رواه أبو داود (١٨٤٧) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وابن خزيمة ٤/ ١٩٠ (٢٦٦٧)، والبيهقي ٥/ ٢١٠ في الحج، باب ما للمحرم قتله من دواب البر في الحل والحرم، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ١٧٠. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٢٠)، وانظر «الإرواء» (١٠٣٦). (٥) الترمذي (٨٣٨)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٤٣٣). (٦) ابن ماجه (٣٠٨٩) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم. قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله - ﷺ - استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة، لتحرق بها البيت (١)، ولأبي داود ذكر الحية ويرمي الغراب ولا يقتله (٢). وعن ابن عمر: يقتل المحرم الأفعى والأسود، قال: والأسود الحية، وعن محمد بن الحنفية عن علي: يقتل الغراب الأبقع ويرمي الغراب تخويفًا، قال أبو عمر: حديث فيه ضعف، وحديث أبي سعيد لا يحتج به على مثل حديث ابن عمر (٣). وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد بإسناد جيد: «خمسٌ كلهن فاسقة يقتلهن المحرم ويقتلن في الحرم: الحية والفأرة …» الحديث (٤). قال الشافعي: المعنى في جواز قتل من ذكر؛ لأنهن مما لا يؤكل وكل ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول فقتله جائز للمحرم ولا فدية عليه. وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات وكل مؤذ يجوز للمحرم ----------- (١) رواه أحمد ٣/ ٧٩ - ٨٠ من حديث أبي سعيد، وكذا رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٢٣)، وابن ماجه (٣٠٨٩)، وأبو يعلى ٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦ (١١٧٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٦٦، والذهبي في «السير» ١٦/ ١٢، وفي «تذكرة الحفاظ» ٣/ ٨٨٨ وقال: حديث غريب من الأفراد الحسان، يقال: إن العسال روى في «معجمه» عن أربع مائة نفس، وقد رأيته اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١١٢: فيه: يزيد بن أبي زياد، وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١٠١٦): هذا إسناد ضعيف؛ يزيد بن أبي زياد، وإن أخرج له مسلم وإنما أخرج له مقرونًا بغيره، ومع ذلك فهو ضعيف، واختلط بأخرة اهـ. وضعفه الألباني في «الأدب المفرد» (١٢٢٣). (٢) أبو داود (١٨٤٨) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وقال الحافظ في «التلخيص الحبير» ٢/ ٢٧٤: فيه لفظة منكرة وهي قوله: ويرمي الغراب ولا يقتله. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣١٩). (٣) «التمهيد» ١٥/ ١٧٤. (٤) أحمد ١/ ٢٥٧، وصححه الألباني في «صحيح»الجامع" (٣٢٤٦). قتله، وما لا فلا (١). ولنتكلم على هذِه الحيوانات واحدًا بعد واحد فنقول: أولًا: الدابة لغة: كل ما دب ودرج، إلا أنه استعمل في عرفنا في نوع من الحيوان، وقد تستعمل على أصلها مع القرائن التي يتبين المراد منها، وقد نبه - عليه السلام - على جنسها ونوعها؛ فلذلك جاز أن يوقع عليها اسم الحيوانات، والهاء فيها للمبالغة، وفيما يركب أشهر قاله صاحب «المنتهى»، وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب تصغير بالألف الآخر فإن دوابة (تصغيره) (٢) دويبة، وهداهد: بمعنى هديهد، قال ابن سيده: والدابة تقع على المذكر والمؤنث، وحقيقته الصفة (٣). الغراب: واحد الغربان، وجمعه في القلة: أغربة، قيل: سمي غرابًا؛ لأنه نأى واغترب لمَّا بعثه نوح يستخبر أمر الطوفان، ذكره أبو المعاني، وله جموع ذكرتها في «الإشارات»، قال الجاحظ في «الحيوان»: الغراب الأبقع: غريب، وهو غراب البين، وكل غراب فقد يقال له: غراب البين إذا أرادوا به الشؤم إلا غراب البين نفسه؛ فإنه غرابٌ صغير، وإنما قيل لكل غراب: غراب البين؛ لسقوطه في مواضع منازلهم إذا باتوا، وناس يزعمون أن تسافدها على غير تسافد الطير، وأنها تذاق بالمناقير وتلقح من هنالك (٤). قلت: فيه نظر والظاهر خلافه، وقد أخبرني من عاينه كبني آدم. وفي «الحيوان» للجاحظ: ليس من الحيوان يتبطن طروقته -أي: يأتيها من جهة بطنها- غير الإنسان والتمساح (٥)، وفي «تفسير --------- (١)»شرح النووي على مسلم«٨/ ١١٤. (٢) في الأصل: تصغير، والمثبت من (ج). (٣)»المحكم«١٠/ ٧. (٤)»الحيوان" ٣/ ٤٣١. (٥) السابق ٧/ ٢٤٤. الواحدي»: والدُّب، وفي «الموعب»: الأبقع: الذي في صدره بياض، وقال ابن سيده: يخالط سواده بياض وهو أخبثها، وبه يضرب المثل لكل خبيث (١). وعند أبي عمر: هو الذي في بطنه وظهره بياض، وهو تقييد لمطلق الروايات الآخر وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع خاصة. ورووا في ذَلِكَ حديثًا عن قتادة، عن ابن المسَّيب، عن عائشة مرفوعًا (٢). قال ابن بطال: وهذا الحديث لا يعرف من حديث ابن المسيب، ولم يروه عنه غير قتادة وهو مدلس، وثقات أصحاب سعيد من أهل المدينة لا يوجد عندهم مع معارضة حديث ابن عمر وحفصة فلا حجة فيه (٣). وغير هذِه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان، ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى؛ لأنه الأغلب عندهم، وروي عن عطاء ومجاهد قالا: لا يقتل الغراب ولكن يرمى (٤). وهذا خلاف السنة وإن كان ورد كما سلف. وفي «الهداية»: المراد بالغراب: آكل الجيف وهو الأبقع، روي ذَلِكَ عن أبي يوسف، وقال ابن العربي: قيل: هو الشديد السواد؛ لأنه أكثر أذى، وذكر ابن قتيبة: أنه سمي فاسقًا فيما أرى؛ لتخلفه حين أرسله نوح يختبر الأرض، فترك أمره ووقع على جيفة (٥)، ويقع أيضًا على دبر البعير، وينقب الغرائر. -------- (١) «المحكم» ١/ ١٤٨. (٢) «التمهيد» ١٥/ ١٧٢. (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩٣. (٤) «التمهيد» ١٥/ ١٧٤. (٥) «غريب الحديث» ١/ ٣٢٧. وأما الذي يأكل الزرع فهو الذي يرمى ولا يقتل، وهو الذي استثناه مالك من جملة الغربان، وفي قتلها قولان للمالكية: المشهور: القتل؛ لعموم الحديث، ومن منع القتل؛ لانتفاء الفسق فيه، وعن أبي مصعب فيما ذكره ابن العربي: قتل الغراب والحدأ، وإن لم يبدأ بالأذى ويؤكل لحمها عند مالك، وروي عنه المنع في الحرم؛ سدًّا لذريعة الاصطياد، قال أبو بكر: وأصل المذهب أن لا يقتل من الطير إلا ما آذى بخلاف غيره فإنه يقتل ابتداء. والفأرة: واحدة الفئران، وفئرة، ذكره ابن سيده، وفي «الجامع»: أكثر العرب على همزها (١)، ولا خلاف بين العلماء في جواز قتل المحرم لها، كما حكاه ابن المنذر إلا النخعي فإنه منعه من قتلها (٢)، وهو خلاف السنة، وخلاف قول أهل العلم، سميت فويسقة؛ لخروجها على الناس واغتيالها أموالهم بالفساد، وأصل الفسق: الخروج عن الشيء ومنه ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خرج، وسمي الرجل فاسقًا؛ لانسلاخه من الخير. وقال ابن قتيبة: لا أرى الغراب سمي فاسقًا إلا لتخليه عن أمر نوح حين أرسله، ووقوعه على الجيفة وعصيانه إياه، وحكي عن الفراء: ما أحسب الفأرة سميت فويسقة إلا لخروجها من جحرها على الناس، قال الخطابي: ولا يعجبني واحدٌ من القولين، وقد بقي عليهما أن يقولا مثل ذَلِكَ في الحدأة والكلب، إذا كان هذا النعت (لجميعها) (٣)، وهذا اللقب يلزمها لزومه الغراب والفأرة، وإنما أرادوا -والله أعلم- ---------- (١) «المحكم» ١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٣ (١٤٨٢٢) كتاب: الحج، ما يقتل المحرم. (٣) كذا بالأصل وفي (ج)، وفي «غريب الحديث» للخطابي: يجمعهما. به الخروج من الحرمة، يقول؛ خمس لا حرمة لهن، ولا بقيا عليهن، ولا فدية على المحرم فيهن إذا أصابهن، وإنما أباح قتلهن دفعًا لعاديهن، وفيه وجه آخر هو أن يكون أراد بتفسيقها تحريم أكلها؛ لقوله تعالى وقد ذكر المحرمات: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، ويدل على صحة هذا: حديث عائشة مرفوعًا: «الغراب فاسق» فقال رجل من القوم: أيؤكل لحم الغراب؟ قالت: لا ومن يأكله بعد قوله: «فاسق». وروت عمرة مثله عن عائشة قالت: والله ما هو من الطيبات، تريد قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومما يدل على أن الغراب يقذر لحمه قول الشاعر: ولا سرطان أنهار البريص (١) … فما لحم الغراب لنا بزاد وقيل: إن الفأرة عمدت إلى حبال سفينة نوح فقطعتها، وإن الشارع رآها تصعد بالفتيلة على السقف، وفي تسمية الخمس بالفواسق قيل: لخروجهن عن السلامة منهن إلى الإضرار والأذى، وقيل: لخروجهن عن الحرمة. والعقرب: يكون للذكر والأنثى، قاله ابن سيده، قال: وقد يقال للأنثى: عقربة، وللذكر: عقربان (٢). وقال صاحب «المنتهى»: الأنثى عقرباء ممدود غير مصروف، وقيل: العقربان دويبة كثيرة القوائم غير العقرب، وعقربة شاذة، ومكان معقرِب: بكسر الراء، ذو عقارب، وأرض معقربة، وبعضهم يقول: مَعْقَرَةٌ كأنه رد العقرب إلى ثلاثة -------- (١) انتهى من «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٦٠٣ - ٦٠٤ وقد روى حديثي عائشة بسنده، وروى حديث عمرة عن عائشة أيضًا البيهقي في «سننه» ٩/ ٣١٧ كتاب: الضحايا، باب: ما يحرم من جهة ما لا يأكل العرب. (٢) «المحكم» ٢/ ٢٩٠. أحرف ثم بني عليه، وفي «الجامع» ذكر العقارب: عقربان، والدابة الكثيرة القوائم: عقربان بتشديد الباء، قال أبو عمر: والعقرب اللدغ، ويتبع الحس، وحكى عن حماد بن أبي سليمان والحكم أن المحرم لا يقتل الحية ولا العقرب، رواه عنهما شعبة؛ وحجتهما أنهما من هوام الأرض، وما أعجبه! فنص السنة بخلافه (١). والكلب العقور: قال ابن عيينة -فيما حكاه أبو عمر (٢) -: أنه كل سبع يعقر ولم يخص به الكلب، قال سفيان: وفسره لنا زيد بن أسلم، وكذا قال أبو عبيد، وعن أبي هريرة: الكلب العقور: الأسد (٣)، وقد قال - عليه السلام - في عتبة بن أبي لهب: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك» فعدا عليه الأسد فقتله (٤)؛ ولأنه مأخوذ من التكلب، والعقور من العقر، وعن مالك: هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد والنمر والفهد، فأمَّا ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب وشبههما فلا يقتله المحرم وإن قتله فداه، وعن ابن القاسم قال: لا بأس بأن يقتل المحرم السباع التي تعدو على الناس وتفترس --------- (١) «التمهيد» ١٥/ ١٧٠. (٢) «التمهيد» ١٥/ ١٥٧. (٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٣ (٨٣٧٨، ٨٣٧٩) والطحاوي في «شرح المعاني» ٢/ ١٦٤ (٤) رواه ابن قانع في «معجم الصحابة» ٣/ ٢٠٧ من حديث هبار بن الأسود مرفوعًا، والطبراني ٢٢/ ٤٣٥ (١٠٦٠) من حديث قتادة، مرسلًا مطولًا، وأورده الهيثمي ٦/ ١٨ - ١٩ وقال: رواه الطبراني هكذا مرسلًا، وفيه: زهير بن العلاء وهو ضعيف. وفيه: أن النبي قالها لعتبة بن أبي لهب كما ذكره المصنف. ورواه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (٥٧٢)، وكما في «إتحاف الخيرة» ٤/ ٢٣٠ (٣٤٦٧)، والحاكم ٢/ ٥٣٩ وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٨٨ - ٢٤٨٩ (٦٠٥٠)، ٥/ ٢٩٧٢ (٦٩٢٦) من حديث أبي عقرب الكناني مرفوعًا، لكن فيه أن النبي - ﷺ - قالها للهب بن أبي لهب، والثاني حسنه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٩. ابتداء، وأما صغارها التي لا تفترس ولا تعدو فلا ينبغي للمحرم قتلها، ونقل النووي اتفاق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم، قال: واختلفوا في المراد به، فقيل هو الكلب المعروف، حكاه القاضي عياض عن أبي حنيفة والأوزاعي والحسن بن حي، وألحقوا به الذئب (١). قلتُ: قد ورد منصوصًا كما سلف، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وذهب الشافعي والثوري وأحمد وجمهور العلماء إلى أن المراد كل مفترس غالبًا (٢). فائدة: قال أبو المعاني: جمع الكلب: أكلب وكلاب وكليب، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد إلا للقليل نحو عبد وعبيد، وجمع الأغلب: أكالب. وقال ابن سيده: قد قالوا في جمع كلاب: كلابات قال: أحب كلب في كلابات الناس … إليَّ نبحًا كلب أم العباس (٣) والكالب كالحامل جماعة الكلاب، والكلبة أنثى الكلاب، وجمعها: كلبات ولا تكسر. أخرى: في «الحيوان» للجاحظ تعداد معايب الكلاب ومثالبها: خبثها وجبنها وضعفها وشرهها وغدرها وبذاؤها وجهلها وقذرها وكثرة جنايتها وقلة ردها، ومن ضرب المثل في لؤمها ونذالتها وقبحها وقبح معاظلتها وسماجة نباحها، وكثرة أذاها وتقزز الناس من دنوها، وأنها ----------- (١) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١٤، «إكمال المعلم» ٤/ ٢٠٤. وليس في «الإكمال» حكايته عن أبي حنيفة والأوزاعي والحسن بن حي. (٢) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١٤ - ١١٥. (٣) انتهى من «الحيوان» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٧ بتصرف. كالخلق المركب، والحيوان الملفق، وكالبغل في الدواب، وكالراعبي في الحمام، وأنها لا سبع ولا بهيمة ولا جنية ولا إنسية، وأنها من الحن دون الجن، وأنها مطايا الجن ونوع من المسخ، وتنبش القبور، وتأكل الموتى، وأنها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس وإن جلده منتن إذا أصابه مطر، قال روح بن زنباع في أم جعفر زوجته: وريحها ريح كلب مسه مطر … ريح الكرائم معروف له أرج فالكلب يأكل العذرة، ويقال في المثل: أبخل من كلب على جيفة، ويشغر ببوله في جوف أنفه ويسدده تلقاء خيشومه (١). والحية: الأفعى كما جاء في رواية، قال عمر: هن عدو فاقتلوهن (٢)، وفي رواية: حيث وجدتموها، قاله لمعتمرٍ ولمحرم (٣)، وقال زيد بن أسلم: أي كلب أعقر منها (٤). وعن مالك: لا يقتل المحرم قردًا ولا خنزيرًا ولا الحية الصغيرة (٥). وقال ابن بطال: أجاز مالك قتل الأفعى وهي داخلة عنده في معنى الكلب العقور، قال: وأجمع العلماء على جواز قتلها في الحل والحرم (٦). وأما نهيه - عليه السلام - عن قتل حيات البيوت (٧)، فأخذ بعض السلف بظاهره، وقد قال - عليه السلام - فيما رواه ابن مسعود: «اقتلوا الحيات كلهن، ---------- (١) رواه عبد الرزاق في»المصنف«٤/ ٤٠٣ (٨٢٢١). (٢) رواه البيهقي ٥/ ٢١١ كتاب: الحج، باب: ما للمحرم قتله .. (٣)»المحكم«٧/ ٣٤. (٤)»سنن البيهقي«٥/ ٢١١. (٥)»شرح ابن بطال«٤/ ٤٩٢، ٤٩٣. (٦) سيأتي برقم (٣٣١٢ - ٣٣١٣)، ورواه مسلم (٢٢٣٣) من حديث ابن عمر. (٧) رواه أبو داود (٥٢٤٩)، والنسائي ٦/ ٥١، والطبراني ١٠/ ١٧٠ (١٠٣٥٥)، وابن عبد البر في»التمهيد«١٦/ ٢٤. وصححه الألباني في»صحيح الجامع" (١١٤٩). فمن خاف ثأرهن فليس مني» (١) وروي هذا القول عن عمر وابن مسعود (٢). وقال آخرون: لا ينبغي قتل عوامر البيوت وسكانها إلا بعد مناشدة العهد الذي أخذه عليهن، فإن ثبت بعد النشدة قتل حذار الإصابة، فيلحقه ما لحق الفتى المعرس بأهله حيث وجد حية على فراشه فقتلها قبل مناشدته إياها، واعتلَّوا بحديث أبي سعيد مرفوعًا: «إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإن رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذَلِكَ فاقتلوه» (٣) ولا تخالف بينها، وربما تمثل بعض الجن ببعض صور الحيات فيظهر لأعين بني آدم. كما روى ابن أبي مليكة عن عائشة بنت طلحة: أن عائشة أم المؤمنين: رأت في مغتسلها حية فقتلتها فأتيت في منامها، فقيل لها: إنك قتلت مسلمًا، فقالت: لو كان مسلمًا ما دخل على أمهات المؤمنين، فقيل: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك، فأصبحت فزعة ففرقت في المساكين اثني عشر ألفًا (٤)، وخص ابن نافع الإنذار --------- (١) رواه عن عمر عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٣ (٨٣٨٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٦ (١٩٨٩٦). ورواه عن ابن مسعود ٤/ ٢٦٧ (١٩٩٠٠). (٢) «المنتقى» ٢/ ٢٦٣. (٣) رواه مسلم (٢٢٣٦) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٨٢ (٣٠٥٠٥) كتاب: الرؤيا، رؤيا عائشة رضي الله عنها، وأبو الشيخ في «العظمة» (١١١٤) بإسقاط عائشة بنت طلحة، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٤٩، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ١١٨، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ١/ ٢٩، وذكره كذلك في «سير أعلام النبلاء» ٢/ ١٩٦ - ١٩٧ من طريقين: الأول: عن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو يونس -حاتم بن أبي صغيرة- عن ابن أبي مليكة .. به، الثاني: عفيف بن سالم، عن عبد الله بن المؤمل عن عبد الله بن أبي مليكة .. به، وقال: رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن عفيف، وهو ثقة، وابن المؤمل فيه ضعف، والإسناد الأول أصح. بالمدينة على ظاهر الحديث. وقال مالك: أحب إليَّ أن ينذر بالمدينة وغيرها وهو بالمدينة أوجب، ولا ينذر في الصحاري (١)، وقال غيره: بالتسوية بين المدينة وغيرها؛ لأن العلة إسلام الجن ولا يحل قتل مسلم جني ولا إنسي، ومما يؤكد قتل الحية ما ذكره البخاري في الباب عن ابن مسعود: أنه - عليه السلام - لما رأى الحية بمنى قال: «اقتلوه» وعند مسلم: أمر محرمًا بقتل حية بمنى (٢). ووقع في تفسير سورة المرسلات: قال البخاري: وقال ابن إسحاق (٣)، كذا في أكثر النسخ، وكذا ذكره أبو نعيم في «مستخرجه» وسماه محمد بن إسحاق، وفي بعض نسخ البخاري: وقال أبو إسحاق: يعني السبيعي، وقال أيضًا في التفسير: وقال أبو معاوية معلقًا (٤)، وهو عند مسلم موصولًا: حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى وغيره، عن أبي معاوية به (٥). وللدارقطني من حديث زر عن عبد الله مرفوعًا: «من قتل حية أو عقربا فقد قتل كافرًا» وقال: الموقوف أشبه بالصواب (٦). والوزغ جمع: وزغة، ويجمع أيضًا على وزغان وأزغان على البدل، قال ابن سيده: وعندي أن الوزغان إنما هو جمع وزغ الذي هو جمع وزغة (٧)، وقال الجوهري: الجمع أوزاغ (٨). وقال في «المغيث»: --------- (١) مسلم (٢٢٣٥) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها. (٢) «المنتقى» ٧/ ٣٠٠، ٣٠١. (٣) سيأتي بعد حديث (٤٩٢١) في التفسير. (٤) سيأتي بعد حديث (٤٩٣١). (٥) مسلم (٢٢٣٤) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها. (٦) «علل الدارقطني» ٥/ ٧٤ - ٧٥. (٧) «المحكم» ٦/ ٢٨. (٨) «الصحاح» ٤/ ١٣٢٨. الجمع وازع، قيل: سُمي سام أبرص وزغًا لخفته وسرعة حركته (١). قال أبو حنيفة: إن قتل المحرم غير الكلب العقور والحية والعقرب والغراب والحدأة والذئب ففيه الجزاء إلا أن يكون ابتدأته، فلا جزاء عليه فيها، ويقتل القردان عن بعيره ولا شيء عليه، وقال زفر: سواء ابتدأته السباع أم لا، عليه الجزاء فيما قتل منها (٢). وقال الطحاوي: لا يقتل المحرم الحية ولا الوزغ ولا شيئًا غير الحدأة والغراب والعقرب والكلب العقور والفأرة. وعند مالك: يقتل جميع سباع ذوات الأربع إلا أنه كره قتل الغراب والحدأة إلا أن يؤذيا، ولا يجوز له قتل الثعلب والهر الوحشي، وفيهما الجزاء إلا إن ابتدأه بالأذى، ولا يقتل الوزغ ولا البعوض ولا قردان بعيره خاصة، فإن قتله أطعم شيئًا، وإن قتل شيئًا من سباع الطير فعليه الجزاء، ويقتل القراد إذا وجده على نفسه، واختلف في صغار الفئران، ولا يقتل القمل، فإن قتلها أطعم شيئًا، وعند الشافعي: في الثعلب الجزاء (٣). قال ابن حزم: روى وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: اقتل من السباع ما عدا عليك وما لم يعد وأنت محرم (٤). ومن طريق سويد بن غفلة قال: أمرنا عمر بن الخطاب بقتل الزنبور --------- (١) «المغيث» ٣/ ٤١٠. (٢) حكاه ابن حزم عن أبي حنيفة «المحلى» ٧/ ٢٣٩. (٣) «المحلى» ٧/ ٢٣٩. (٤) «المحلى» ٧/ ٢٤٤، ورواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤٩ عن ابن جريج قال: قال عطاء: لكل عدو لك لم يذكر لك قتله فاقتله وأنت حرم، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٩٧ عن ابن جريج أيضًا. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#351 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 389 الى صـــ 400 الحلقة (351) ونحن محرمون (١). وعن حبيب المعلم عن عطاء قال: ليس في الزنبور جزاء (٢)، وعن ابن عباس: من قتل وزغًا فله صدقة (٣). وقال ابن عمر: اقتلوا الوزغ فإنه شيطان (٤)، وعن عائشة: أنها كانت تقتل الوزغ في بيت الله تعالى (٥)، وسأل إبراهيم بن نافع عطاء عن قتله في الحرم، قال: لا بأس (٦)، وفي مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا أمر بقتل الأوزاغ (٧). وفي حديث عروة عن عائشة: أن النبي - ﷺ - يأمر بقتله (٨)، قال -------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٣ (٨٣٨٠ - ٨٣٨١)، وابن أبي شيبة، ٣/ ٣٣٤ (١٤٨٣٦)، ٣/ ٤٢٠ (١٥٧٣٦)، ٣/ ٤٢٠ (١٥٧٣٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ١٠٩ - ١١٠، والذهبي في «السير» ١٠/ ٨٨. (٢) أورده ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢٤٤ من طريق حماد بن سلمة، عن حبيب. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٧ (٨٣٩٦). (٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٧ (٨٣٩٨)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٦ (١٩٨٩٣) كتاب: الصيد، ما قالوا في قتل الأوزاغ -لكنه بلفظ: أقتلوا الوزغ في الحل والحرم- والبغوي في «مسند ابن الجعد» ص: ٣٣٢ (٢٢٨٠). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٦ (١٩٨٨٧ - ١٩٨٨٨) بنحوه. (٦) السابق ٣/ ٤٣٢ (١٥٨٤٤)، وانظر: «المحلى» ٧/ ٢٤٤. (٧) مسلم (٢٢٣٨) كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ. (٨) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٦ (٨٣٩٢)، والدورقي في «مسند سعد» (١٤)، وأبو يعلى في «مسنده» ٢/ ١٤٣ - ١٤٤ (٨٣١). قلت: والذي في الصحيح عنها أنه - ﷺ - لم يأمر بقتله، كما في حديث الباب (١٨٣١) في جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وكما سيأتي برقم (٣٣٠٦) في بدء الخلق، ورواه مسلم (٢٢٣٩) كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزع، عن عروة أيضًا عن عائشة: أن النبي - ﷺ - قال للوزغ: الفويسق، ولم أبو الحسن: أخطأ الباغندي في متنه، وقال في «علله»: إنه وهم، والصواب مرسل (١). وروى مالك عن ابن شهاب عن سعد بن أبي وقاص: أنه - عليه السلام - أمر بقتله (٢)، وفيه انقطاع بين الزهري وسعد. وذكر ابن المواز عن مالك قال: سمعت أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الوزغ. وفي مسلم من حديث أبي مرفوعًا تعداد الحسنات في قتلها أولًا ثم ثانيًا ثم ثالثًا (٣)، وسيأتي ---------- أسمعه أمر بقتله، وهذا لفظ البخاري، وأكثر ما رواه عروة عنها أنه - ﷺ - لم يأمر بقتله، وقد روي الأمر بقتله من وجوه أخر عنه - ﷺ -، فسيأتي برقم (٣٣٠٧) كتاب بدء الخلق، ورواه مسلم (٢٢٣٧) كتاب السلام، باب: استحباب قتل الوزغ، عن أم شريك أن النبي - ﷺ - أمرها بقتل الأوزاغ، وهذا لفظ البخاري، وأيضًا روى مسلم (٢٢٣٨) من حديث عامر بن سعد عن أبيه أن النبي - ﷺ - أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا، وتكلم في صحته الدارقطني كما ذكر المصنف، وقد أنكر هذا على سعد كما سيأتي برقم (٣٣٠٦)، عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: «الوزغ: الفويسق» ولم أسمعه أمر بقتله، وزعم سعد بن أبي وقاص أن النبي - ﷺ - أمر بقتله. قال الحافظ: قال ابن التين: هذا لا حجة فيه، لأنه لا يلزم من عدم سماعها عدم الوقوع، وقد حفظ غيرها كما ترى، قلت: قد جاء عن عائشة من وجه آخر عند أحمد وابن ماجه أنه كان في بيتها رمح موضوع فسئلت فقالت: نقتل به الوزغ؛ فإن النبي - ﷺ - أخبرنا أن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبي - ﷺ - بقتلها، وقوله: زعم سعد، قائل ذلك يحتمل أن يكون من قول عروة فيكون متصلًا فإنه سمع من سعد، ويحتمل أن تكون عائشة، ويحتمل أن يكون من قول الزهري فيكون منقطعًا، والاحتمال الأخير أرجح. ا. هـ «فتح الباري» ٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤. بتصرف يسير. (١) «علل الدارقطني» ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١. (٢) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٣٩٣، والإسماعيلي في «المعجم» ٣/ ٧٨٥ عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص. (٣) مسلم (٢٢٤٠) كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ، وهو من حديث أبي هريرة، لا حديث أبي كما ذكر المصنف. عن أم شريك: أنه - عليه السلام - أمر بقتلها (١). قال ابن حزم (٢): وأما النمل فلا يحل قتله ولا قتل الهدهد ولا الصرد ولا النحل ولا الضفدع، لحديث ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والورد (٣)، ولأبي داود من حديث عبد الرحمن بن عثمان: النهي عن قتل الضفدع (٤)، وفي الصحيح: أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء، فحرق قريتها، فقال له الله تعالى: «هلَّا نملة واحدة» (٥). قال الترمذي في «نوادره»: ولم يعاتبه على تحريقها، إنما عاتبه كونه أخذ البريء بغيره، وذكر كلامًا يقتضي أن لا حرج في قتلها (٦). وقال ابن قدامة: كل ما كان طبعه الأذى والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى في الحال في النفس أو المال فقتله لا حرج فيه مثل سباع البهائم ------- (١) سيأتي برقم (٣٣٠٧) كتاب: بدء الخلق، ورواه مسلم (٢٢٣٧). (٢) «المحلى» ٧/ ٢٤٥. (٣) رواه أبو داود (٥٢٦٧) كتاب: الأدب، باب: في قتل الضفدع، وابن ماجه (٣٢٢٤) كتاب: الصيد، باب: ما ينهى عن قتله، وأحمد ١/ ١٣٢، وعبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٥١ (٨٤١٥) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عن قتله من الدواب، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٥٥٤ (٦٤٩)، والدارمي ٢/ ١٢٧١ (٢٠٤٢) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عن قتله من الدواب، وابن حبان ١٢/ ٤٦٢ (٥٦٤٦)، والبيهقي ٩/ ٣١٧. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٧٠). (٤) أبو داود (٣٨٧١): الطب، باب: في الأدوية المكروهة. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٧١). (٥) سيأتي برقم (٣٣١٩) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، ورواه مسلم (٢٢٤١) كتاب: السلام، باب: النهي عن قتل النمل. (٦) «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي- الأصل الثالث والثمانون ص ١٢٣. كلها المحرم أكلها، وجوارح الطير كالبازي، والعقاب، والشاهين، والصقر، ونحوها، والحشرات المؤذية، كالزنبور، والبق، والبعوض، والذباب، والبراغيث، وبه قال الشافعي (١). وذكر ابن المواز، عن مالك: بلغني أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الأوزاغ، فأما المحرم فلا يقتلها، فإن قتلها رأيت أن يتصدق، قيل له: قد أذن الرسول بقتلها، قال: وكثير ما أذن في قتله ولا يقتلها المحرم، وفي رواية ابن وهب وابن القاسم عنه قال: لا أرى أن يقتل المحرم الوزغ؛ لأنه ليس من الخمس، فإن قتلها تصدق. قال أبو عمر: الوزغ مجمع على تحريم أكله (٢). وقال ابن التين: أباح مالك قتله في الحرم وكرهه للمحرم، وروي عن عائشة أنها قالت: لما احترق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه (٣)، وقيل: إنها نفخت على نار إبراهيم من بين سائر الدواب (٤). تنبيهات توضح ما مضى وإن سلف بعضه: أحدها: أجمع العلماء على القول بجملة أحاديث الباب كما عيناه، ----------- (١) «المغني» ٥/ ١٧٦ - ١٧٧. (٢) «التمهيد» ١٥/ ١٨٦. (٣) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٩٨ (٢٢٩١)، والبيهقي ٩/ ٢١٨. (٤) رواه النسائي ٥/ ١٨٩ كتاب: مناسك الحج، قتل الوزغ، وابن ماجه (٣٢٣١) كتاب: الصيد، باب: قتل الوزغ، وأحمد ٦/ ٨٣ وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٦ (٨٣٩٢) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل في الحرم وما يكره قتله، وأبو يعلى ٧/ ٣١٧ (٤٣٥٧)، وابن حبان ١٢/ ٤٤٧ (٥٦٣١) كتاب: الحظر والإباحة، باب: قتل الحيوان، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ١٩٢ - ١٩٣ من حديث عائشة، وقال البوصيري في «زوائده» ص: ٤١٩: إسناد صحيح رجاله ثقات. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٥٨١). إلا أنهم اختلفوا في تفصيلها: فقال بظاهر حديث ابن عمر وحفصة مالكٌ والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: ولم يعن بالكلب العقور الكلاب الإنسية، وإنما عني بها كل سبع يعقر، كذلك فسره مالك وابن عيينة وأهل اللغة. وقال الخليل: كل سبع عقور كلب، وكلهم لا يرى ما ليس من السباع في طبقة العقر والعدي في الأغلب في معنى الكلب العقور في شيء، ولا يجوز عندهم للمحرم قتل الهر الوحشي ولا الثعلب كما سلف، والكلب العقور عند أبي حنيفة المعروف وليس الأسد في شيء منه، وأجازوا قتل الذئب خاصة ابتدأ به أم لا، ولا شيء عليه فيها، وأما غيرها من السباع فلا يقتلها، فإن قتلها فداها إلا أن تبتدئه فلا شيء عليه، وأسلفنا كلام الشافعي، والحجة على أبي حنيفة أن الكلب العقور اسم لكل ما يتكلب من أسد أو نمر أو فهد، فيجب أن يكون جميع ما تناوله هذا الاسم داخلًا تحت ما أبيح للمحرم قتله، وإذا أبيح قتل العقور فالأسد أولى، وسماهن فواسق كما مضى، فغيرهن أولى كما نبه على غير الحية والعقرب بهما، ونص على الفأرة ونبه على ما هو أقوى حيلة من جنسها، وعلى الغراب والحدأة؛ لخطفهما، وعلى الكلب؛ لينبه به على ما هو أعظم ضررًا منه. وأجاز مالك قتل الأفعى، وهي داخلة عنده في معنى الكلب العقور، والكلب العقور عنده صفة لا عين مسماة، وقد نقض أبو حنيفة أصله بالذئب فألحقه بالخمس، وليس بمذكور في الحديث، كذا قال ابن بطال، وقد علمت أنه مذكور في بعضها، قال: وكذلك يلزمه أن يجعل الفهد والنمر وما أشبههما في العدي بمنزلة الذئب، وأما الضبع فمأكول عندنا وإن كان له ناب، لكنه ضعيف، وهو من السباع لكنه غير داخل فيما أبيح قتله، قال الأوزاعي: كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها، وذكر ابن حبيب عن مالك قال: لا يقتل الضبع بحال، وقد جاء أن فيها شاة إلا أن تؤذيه، وكذلك قال في الغراب والحدأة (١). قال أشهب: سألت مالكًا: أيقتلهما المحرم من غير أن يضرا به؟ قال: لا، وإنما أذن في قتلهما إذا ضرا في رأي، فإذا لم يضرا فهما صيد، وليس للمحرم أن يصيد، وليسا مثل العقرب والفأرة، ولا بأس بقتلهما وإن لم يضرا، وكذلك الحية، والحجة على من قال: إنه لا يوجب الجزاء إلا فيما يؤكل لحمه خاصة عموم ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. والصيد: الاصطياد، وهو يقع على كل ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وليس المعتبر في وجوب الجزاء كون المقتول مأكولًا؛ لأن الحمار المتولد عن الوحشي والأهلي لا يؤكل، وفي قتله الجزاء على المحرم (٢). والمخالف لا يسلم ذَلِكَ. ثانيها: تسميته - عليه السلام - الوزغ فويسقًا ما يدل على عقرها كما سمى العقورات كلها فواسق، قال مالك: ولا يقتل المحرم قردًا ولا خنزيرًا ولا الحية الصغيرة ولا صغار السباع (٣)، وقال الشافعي: ما يجوز للمحرم قتله فصغاره وكباره سواء، لا شيء عليه في قتلها (٤)، وقال مالك في «الموطأ»: ولا يقتل المحرم ما ضر من الطير ----------- (١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٦٢. (٢) من «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩١ - ٤٩٣ بتصرف. (٣) «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦٤. (٤) «الأم» ٢/ ١٧٦. وهو ما نقله ابن المواز عن مالك. «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٦٢. إلا ما سمى رسول الله - ﷺ -: الغراب والحدأة، فإن قتل غيرهما من الطير فداه (١). ثالثها: اختلف المدنيون في الزنبور، كما قال إسماعيل، فشبهه بعضهم بالحية والعقرب فإن عرض لإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن عليه فيه شيء، وكان عمر يأمر بقتله، كما سلف. وقال أحمد وعطاء: لا جزاء فيه، وقال بعضهم: يطعم شيئًا (٢)، قال إسماعيل: وإنما لم يدخل أولاد الكلب العقور في حكمه؛ لأنهن لا يعقرن في صغرهن ولا فعل لهن. رابعها: الجناح: الإثم، فنفاه بقوله: («لا جناح»، «ولا حرج»). --------- (١) «موطأ مالك» ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧ (١١٨٨) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب. (٢) «المجموع» ٧/ ٣٥٧، وقول عطاء، رواه ابن حزم «المحلى» ٧/ ٢٤٤. وقال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن المحرم يقتل الزنبور؟ قال: نعم، يقتل كل شيء يؤذيه. «مسائل الإمام برواية أبي داو» (٨٤٢). ٨ - باب لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الحَرَمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ». ١٨٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ - ﷺ - وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. خَرْبَةٌ: بَلِيَّةٌ. [انظر: ١٠٤ - مسلم: ١٣٥٤ - فتح: ٤/ ٤١] ثم أسند حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الِعدوي أنه قال لعمرو بن سعيد، فذكره إلى قوله: «وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً». الشرح: تعليق ابن عباس ذكره بعد قليل مسندًا (١)، وحديث أبي شريح أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ووقع في «سيرة ابن إسحاق»: ثَنَا سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة قام إليه أبو شريح، فذكره، فرد عليه ابن الزبير: فأنا أعلم منك يا أبا شريح (٣)، ----------- (١) سيأتي برقم (١٨٣٤) باب: لا يحل القتال بمكة. (٢) مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها .. (٣) انظر: «سيرة ابن هشام» ٤/ ٣٥ وقد أورده بسند ابن اسحاق الذي ذكره المصنف. وكذا ذكره الواقدي عن رباح بن مسلم، عن أبيه قال: بُعِثَ إلى عبد الله بن الزبير (عمرو أخوه) (١)، فقام أبو شريح إليه فقال له الحديث. ولا التفات إلى رد السهيلي له بأنه وهم من ابن هشام (٢)، فهذا ابن إسحاق هو الذي ذكره، وسنده صحيح، وقد أوضحت شرحه في «شرح العمدة» فليراجع منه (٣). ونذكر هنا عيونًا أخر: أحدها: عمرو هذا هو ابن سعيد بن العاص أبو أمية المعروف بالأشدق، لطيم الشيطان الأفقم أيضًا، ليست له صحبة، وعرف بالأشدق؛ لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي - رضي الله عنه - فأصيب بلقوة، ولَّاه يزيد بن معاوية المدينة، وكان أحب الناس إلى أهل الشام، وكانوا يسمعون له ويطيعونه، وكتب إليه يزيد أن يوجه إلى عبد الله بن الزبير جيشًا فوجهه، واستعمل عليهم عمرو بن الزبير بن العوام (٤) (٥)، وأبو شريح اسمه خويلد بن عمرو، وقيل عكسه، وقيل غير ذَلِكَ، ----------- (١) في (س)، (ج): (عمرو وأخوه) ولعل المثبت هو الصحيح. (٢) «الروض الأنف» للسهيلي ٤/ ١١٥. (٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٦/ ٩٦ - ١٢٠. (٤) في هامش (س) تعليق نصه: قتل عمرو بن سعيد بن العاصي صبرًا سنة ٧٠ قاله في «الكاشف» وتوفي أبو شريح الخزاعي، والأكثر في اسمه بما صدر به المصنف كلامه وقيل (…) وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو هذا كلام الذهبي، وحكى النووي في اسمه خلافًا في التهذيب منه أنه عبد الرحمن ابن عمرو. (٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٣٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٣٨ (٢٥٧٠)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٦ (١٣٠٨)، و«تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٥ (٤٣٧٠)، و«سير أعلام النبلاء» ٣/ ٤٤٩ (٨٨). حمل لواء قومه يوم الفتح وكان من العقلاء (١)، وفي الصحابة من كنيته كذلك ثلاثة غيره (٢). ثانيها: معنى: («لا يعضد»): لا يقطع بما يعضد، وهو سيف يمتهن في قطع الشجر، وقيل: هو حديد، والعَضد بالفتح ما تكسر من الشجر أو قطع، والخربة: البلية بفتح الخاء المعجمة وضمها وبعد الراء باء موحدة، كما وقع في بعض نسخ البخاري، ويقال: العورة أو الزلة، وأصله من سرقة الإبل. --------- (١) هو أبو شريح الخزاعي العدوي الكعبي، اختلف في اسمه، فقيل: خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، والمشهور: خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن زمان بن عدي بن عمرو بن ربيعة، إخوة بني كعب بن عمرو بن ربيعة، روى عن النبي - ﷺ - وعبد الله بن مسعود. انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٢/ ٢٤٤، و«معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٠٣ (٧٠٣)، ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦٣)، و«أسد الغابة» ٢/ ١٥٢ (١٥٠٠)، ٦/ ١٦٤ (٥٩٩٧)، و«تهذيب الكمال» ٣٣/ ٤٠٠ (٧٤٢٤)، و«الإصابة» ١/ ٤٥٨ (٢٣٠٥)، ٤/ ١٠١ (٦١٣). (٢) أحدهم: أبو شريح الأنصاري، قال ابن عبد البر: له صحبة، ذكروه في الصحابة، ولا أعرفه بغير كنيته وذكره هذا اهـ. انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦٢)، «أسد الغابة» ٦/ ١٦٤ (٥٩٩٦)، «الإصابة» ٤/ ١٠٢ (٦١٥). ثانيهم: أبو شريح الحارثي، هانئ بن يزيد بن نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب، واسمه مسلمة بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب الحارثي، كان يكنى أبا الحكم، فكناه رسول الله - ﷺ - بأبي شريح. انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦١)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٨٣ (٥٣٣٣)، ٦/ ١٦٥ (٥٩٩٨)، «الإصابة» ٣/ ٥٩٦ (٨٩٢٧)، ٤/ ١٠٢ (٦١٤). ثالثهم: أبو شريح، رجل روي عن النبي - ﷺ -: «أعتى الناس على الله -عز وجل- ..» الحديث. انظر: «أسد الغابة» ٦/ ١٦٦ (٥٩٩٩). ثالثها؛ لا يجوز قطع أغصان شجر مكة التي أنشأها الله فيها مما لا صنع فيه لبني آدم، وإذا لم يجز قطع أغصانها فقطع شجرها أولى بالنهي، وقام الإجماع -كما قال ابن المنذر- على تحريم قطع شجر الحرم (١)، واختلفوا فيما يجب على قاطعها، فذهب مالك: لا شيء عليه غير الاستغفار، وهو مذهب عطاء، وبه قال أبو ثور، وذكر الطبري عن عمر مثل معناه. وقال الشافعي: عليه الجزاء في الجميع المحرم في ذَلِكَ والحلال سواء، في الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة، وفي الخشب وما أشبهه قيمته ما بلغت دمًا كان أو طعامًا، وحكى بعض أصحاب الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة فيما أنبته الآدمي، ذكره ابن القصار، وهو قول صاحبيه أيضًا، إن قطع ما أنبته الآدمي فلا شيء عليه، وإن قطع ما أنبته الله تعالى كان عليه الجزاء حلالًا كان أو محرمًا، فإن بلغ هديًا كان هديًا وإلا قُوم طعامًا فأطعم كل مسكين نصف صاع، لا جرم حكى بعضهم عن الكوفيين أن فيها قيمتها، والمحرم والحلال فيه سواء (٢). قال ابن المنذر: ليس في ذَلِكَ دلالة من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك، واحتج الموجب بالحديث: «لا يعضد بها شجرة»، وهو نهي تحريم فيجب فيه الجزاء كالصيد، ويجاب بأن النهي عن قطعه لا يدل على وجوب الجزاء كالنهي عن تنفير الصيد والإشارة والمعاونة عليه؛ فقد روي أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا يقطع من ---------- (١) «الإجماع» ص ٧٧. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «الهداية» ١/ ١٩٠، «التفريع» ١/ ٣٣١، «عيون المجالس» ٢/ ٨٨٠ - ٨٨٢، «روضة الطالبين» ٣/ ١٦٧، «المجموع» ٧/ ٤٥٠، «المقنع» ص ٧٧. شجر الحرم، فسأله لم تقطعه؟ فقال: لا نفقة معي، فأعطاه نفقة، ولم يوجب عليه (١)، ولو كان كالصيد لوجب على المحرم إذا قطعها في حل أو حرم الجزاء كما قال في الصيد، وأجمع العلماء على إباحة أخذ كل ما أنبته الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين وغيرها، فوجب أن يكون ما يغرسه الناس من النخيل والشجر يباح قطعه؛ لأن ذَلِكَ بمنزلة الزرع الذي يزرعونه فقطعه جائز، وما يجوز قطعه فمحال أن يكون فيه جزاء، فإن قيل: فأوجب الجزاء على ما أنبته الله تعالى؛ قيل: لا أجد عليه دلالة؛ فوجب استواؤهما في السقوط، واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم. فروينا عن مجاهد (٢) وعطاء (٣) وعمرو بن -------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٤٥ (٩٢٠٤) كتاب: الحج، باب: ما ينزع من الحرم، من حديث عطاء أن عمر بينما هو يخطب بمنى إذ هو برجل من أهل اليمن يعضد من شجر، فأرسل إليه فقال: ما تصنع؟ قال: أقطع علفًا لبعيري، ليس عندي علف، قال: هل تدري أين أنت؟ قال: لا، قال: فأمر عمر له بنفقة. وكذا رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٧٠ (٢٢٢٦)، ورواه الفاكهي أيضًا ٣/ ٣٧٠ (٢٢٢٥) من حديث عطاء عن عبيد الله قال: إن عمر بن الخطاب رأى رجلًا يحتش في الحرم .. الحديث. وكذا رواه البيهقي ٥/ ١٩٥ - ١٩٦، والضياء المقدسي في «المختارة» ١/ ٣٥٢، وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: هو حديث يرويه حفص بن غياث، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وغيره يرويه عن عبد الملك موقوفًا عن عمر، وكذلك رواه الحجاج بن أرطأة عن عطاء موقوفًا، الموقوف هو المحفوظ. ورواه ابن جريج، عن عطاء مرسلًا عن عمر قوله غير مرفوع إلى النبي - ﷺ - اهـ «علل الدارقطني» ٢/ ١٧٤. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٤٣ (٩١٩٩ - ٩٢٠٠) كتاب: الحج، باب: ما ينزع من الحرم. (٣) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤٤، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٦٦ (٢٢١٦). دينار (١) أنهم رخصوا في ذَلِكَ، وحكى أبو ثور ذَلِكَ عن الشافعي. وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا لا ينزع من أصله (٢)، ورخص فيه عمرو بن دينار (٣). رابعها: قوله - عليه السلام -: «فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا» اختلف العلماء فيمن أصاب حدًا في غير الحرم، من قتل أو زنًا أو سرقة ثم لجأ إلى الحرم هل تنفعه استعاذته؟ فقالت طائفة: لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم ولا يؤوى حَتَّى يخرج منه، فيؤخذ بالواجب لله تعالى، وإن أتى حدًّا في الحرم أقيم فيه. روي ذَلِكَ عن ابن عباس (٤)، وهو قول عبيد بن عمير (٥)، وعطاء (٦)، ----------- (١) رواه عبد الرزاق ٥/ ١٤٣ - ١٤٤ (٩٢٠١)، والأزرقي ٢/ ١٤٤، والفاكهي ٣/ ٣٦٧ (٢٢١٨). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٤ (١٥٤٦٢) كتاب: الحج، من رخص أن يأخذ من الحرم السواك ونحوه ومن كرهه، والأزرقي ٢/ ١٤٣ - ١٤٤، والفاكهي ٣/ ٣٦٦ (٢٢١٦). (٣) رواه عبد الرزاق ٥/ ١٤٣ - ١٤٤ (٩٢٠١)، والأزرقي ٢/ ١٤٤، والفاكهي ٣/ ٣٦٦ (٢٢١٥). (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ٣٠٤ (١٧٣٠٦ - ١٧٣٠٧) كتاب: العقول، باب: من قتل في الحرم وسرق فيه، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٣٨، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٦٠ - ٣٦٢ (٢٢٠٢ - ٢٢٠٦) -دون قوله: وإن أتى حدًّا في الحرم أقيم فيه- الطبري ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١ (٧٤٥٧، ٧٤٥٩، ٧٤٦٦ - ٧٤٦٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧١١ - ٧١٢ (٣٨٥٠)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩٧ لابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والأزرقي وعبد بن حميد. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٣) كتاب: الحدود، في إقامة الحدود والقود في الحرم، والفاكهي ٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٢٢١١)، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٦٢). (٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ٣٠٣ (١٧٣٠٣ - ١٧٣٠٤)، وابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٧)، والأزرقي ٢/ ١٣٨، والفاكهي ٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٢٢١١)، والطبري ٣/ ٣٦١ (٧٤٦٥)، وابن أبي حاتم ٣/ ٧١٢ (٣٨٥٥). والشعبي (١)، والحكم (٢)، وعلة ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: فجعل الله حرمه آمنًا لمن دخله، فداخله آمن من كل شيء وجب عليه قبل دخوله حَتَّى يخرج منه، وأما من كان فيه فأتى فيه حدًّا فالواجب على السلطان أخذه به؛ لأنه ليس ممن دخله من غيره مستجيرًا به، وإنما جعل الله أمنه لمن دخله من غيره، قاله الطبري، قال: وعلتهم أنه لا يبايع ولا يكلم حَتَّى يخرج من الحرم، فإنه لما كان غير محظور عليهم كان لهم فعله؛ ليكون سببًا إلى خروجه وأخذ الحد منه (٣). وقال آخرون: لا يخرج من لجأ إلى الحرم حَتَّى يخرج منه، فيقام عليه الحد، ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته. روي ذَلِكَ عن ابن عمر قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هيجته (٤)، وعلة ذَلِكَ أن الله تعالى جعله آمنًا لمن دخله، ومن كان خائفًا منا وقوع الاحتيال عليه فإنه غير آمن، فغير جائز إخافته بالمعاني التي تضطره إلى الخروج منه لأخذه بالعقوبة التي هرب من أجلها. وقال آخرون: من أتى في الحرم مما يجب عليه الحد فإنه يقام عليه ذَلِكَ فيه، ومن أتاه في غيره فدخله مستجيرًا به فإنه يخرج منه، ويقام عليه الحد. -------- (١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٣٠٤ (١٧٣٠٨)، وابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٢)، والفا كهي ٣٦٣/ ٣ (٢٢١٠)، والطبري ٣/ ٣٦١ (٧٤٦٤). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٩). (٣) «تفسير الطبري» ٣/ ٣٦١ - ٣٦٢. (٤) رواه الأزرقي ٢/ ١٣٩، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٦١)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩٧ لابن جرير. روي ذَلِكَ عن ابن الزبير (١) والحسن (٢) ومجاهد (٣) وعطاء (٤) وحماد (٥)؛ وعلته ما سلف من أنه أمنةً من أن يعاقب فيه، ولم يجعله أمنة من الحد الواجب عليه. وذكر الطحاوي عن أبي يوسف قال: الحرم لا يجير ظالمًا، وأن من لجأ إليه أقيم عليه الحد الواجب عليه قبل ذَلِكَ، ويشبه أن يكون هذا مذهب عمرو بن سعيد؛ لقوله: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا، فلم ينكر عليه أبو شريح، وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: كان في الجاهلية، فأما اليوم فلو سرق في الحرم قطع، ولو قتل فيه قتل، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا (٦)، ولا يمنع الحرم من إقامة الحدود عند مالك، واحتج بعض أصحابه بأنه - عليه السلام - قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ولم تعذه الكعبة من القتل (٧)، وهذا القول أولى بالصواب؛ لأن الله تعالى أمر بقطع السارق وجلد الزاني -------- (١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٣٠٥ (١٧٣٠٩)، والأزرقي ٢/ ١٣٨، والفاكهي ٣/ ٣٦٢، ٣٦٤ (٢٢٠٧، ٢٢١٣)، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٥٨)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩٧ لابن المنذر. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٤)، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٥٦). (٣) السابق ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٥ - ٢٨٩٠٦) والفاكهي ٣/ ٣٦٣ (٢٢٠٩)، والطبري ٣/ ٣٩٥ (٧٤٥٤). (٤) السابق ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٤)، والطبري ٣/ ٣٥٩ (٧٤٥٦). (٥) السابق ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٩)، والطبري ٣/ ٣٠٩ (٧٤٥٥). (٦) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٣٩، والطبري ٣/ ٣٥٩ (٧٤٥٢)، وابن أبي حاتم ٣/ ٧١٢ (٣٨٥١) وعزاه في «الدر المنثور» ٢/ ٩٦ - ٩٧ لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. (٧) سيأتي برقم (١٨٤٦) كتاب: جزاء الصيد، باب: دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ورواه مسلم (١٣٥٧) كتاب: الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. وأوجب القصاص أمرًا مطلقًا ولم يخص به مكانًا دون مكان (١). فإقامة الحدود تجب في كل مكان على ظاهر الكتاب، ومما يشهد لذلك أمر الشارع بقتل الفواسق المؤذية في الحرم؛ فقام الدليل من هذا أن كل فاسق استعاذ بالحرم أنه يقتل بجريرته ويؤخذ بقصاص جرمه. قال إسماعيل بن إسحاق: وقد أنزل الله تعالى الحدود والأحكام على العموم بين الناس، فلا يجوز أن يترك حكم الله تعالى في حرم ولا غيره؛ لأن الذي حرم الحرم هو الذي حرم معاصيه أن ترتكب وأوجب فيها من الأحكام ما أوجب، وسيكون لنا عودة إلى ذَلِكَ في الديات، وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة، وزفر، وأبي يوسف، ومحمد كقول ابن عباس إلا أنهم يجعلون ذَلِكَ أمانًا في كل حد يأتي على النفس من الحدود مثل أن يزني وهو محصن، أو يرتد، أو يقتل عمدًا، أو يقطع طريقًا فيجب عليه القتل فيلجأ إلى الحرم فيدخله، ولا يجعلون ذَلِكَ على الحدود التي لا تأتي على النفس كقطع السارق، والقود في قطع الأيدي وشبهها، والتعزير الواجب بالأقوال الموجبة للعقوبات، ثم قال: ولا وجه لتفريقهم بين الحدود التي تأتي على النفس وبين التي لا تأتي عليها؛ لأن الحرم إن كان دخوله يؤمن من العقوبات في الأنفس فيؤمن فيما دونها، وإن كان لا يؤمن فيما دونها فلا يؤمن بها في الأنفس، ولم يفرق ابن عباس بين شيء من ذَلِكَ، فقوله أولى من قول أبي حنيفة وأصحابه، لا سيما ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه في قوله. -------- (١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٣٢ - ٣٦، «المنتقى» ٣/ ٨٠، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٧٣، «المجموع» ٧/ ٤٦٥، «طرح التثريب» ٥/ ٧٢، «الفروع» ٦/ ٦٣. وقول عمرو: (أنا أعلم يا أبا شريح). كان عمرو فيه بعض التحامل، فتمادى به الطمع إلى رد قول أبي شريح، ولعمري إن أبا شريح كان أعلم بتأويل ما لو سمعه عمرو وغاب عنه أبو شريح فكيف ما سمعه أبو شريح، وقد كان ابن أبي مليكة حين حاصر الحصينُ بنُ نمير ابن الزبير يخرج إليهم فيعظهم ويقول لهم: ما استخف قوم بحرمة الحرم إلا أهلكهم الله، ويذكر لهم أن جرهم هوَّنوا بالحرم فأهلكهم الله، وأصحاب الفيل أحرقوا الكعبة فأتاهم نغف، فانصرفوا. وتمادى لعمرو أمره حَتَّى خرج عبد الملك إلى مصعب بن الزبير وجرت فتن. ٩ - باب لَا يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ ١٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ». وَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ «إِلَّا الإِذْخِرَ». وَعَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ، يَنْزِلُ مَكَانَهُ. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٤٦] ذكر فيه حديث ابن عباس: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ». إلى أن قال: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا». وعن خالد عن عكرمة قال: هل تدري ما لا ينفر صيدها؟ هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه. الشرح: حديث ابن عباس أخرجه مسلم (١). والإذخر: بالذال المعجمة نبت معروف يدخل في الطب، تقدم. والخلى مقصور يكتب بالياء وهو الرطب من الكلام، فإذا يبس كان حشيشًا، وقال ابن فارس وغيره: اليابس (٢). ووقع في رواية أبي الحسن مده. ومعنى: («لا يختلى خلاها»): لا يقطع، وقوله: «ولا تلتقط لقطته إلا لمعرَّف» وهو ظاهر للشافعي أنها لا تلتقط للتملك، وأنها تلتقط ---------- (١) مسلم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٩٨ مادة خلو. للحفظ، ويجب تعريفها قطعًا. ومشهور مذهب مالك أنها كغيرها له حفظها وتملكها بعد ذَلِكَ (١)، وسأذكر حكم تنفير الصيد في الباب الآتي بعد (٢). ------------ (١) انظر: «مختصر ابن الحاجب» ص ٢٩٤. وخالف أبو الوليد الباجي المذهب وقال: لا يتملك لقطتها للحديث. «المنتقى» ٦/ ١٣٨. (٢) في هامش الأصل: آخر ٧ من ٦ من تجزئة المصنف. ١٠ - باب لَا يَحِلُّ القِتَالُ بِمَكَّةَ (١) وَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يَسْفِكُ بِهَا دَمًا». [انظر: ١٨٣٢] ١٨٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا». قَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. قَالَ: قَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٤٦] وقال أبو شريح عن النبي - ﷺ -: «لا يُسفك بها دمًا» وهذا سلف مسندًا قريبًا (٢). وذكر حديث ابن عباس قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» إلى آخره، وقد أخرجه مسلم أيضًا (٣)، ومعنى: لا هجرة. أي: من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أولا هجرة فاضلة، قال الداودي: ذكر حديث صفوان بن المعطل أنه قيل له بعد الفتح: من لم يهاجر هلك، وإنه أتى رسول الله - ﷺ - إلى المدينة ثم قال: «انصرف الى مكة». --------- (١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له. (٢) سلف برقم (١٨٣٢). (٣) مسلم (١٣٥٣). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#352 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 401 الى صـــ 420 الحلقة (352) وقوله: «ولكن جهاد ونية». أي: إنما عليكم ذَلِكَ، لكن كلمة الله هي العليا، ثم بينه بقوله: «وإذا استنفرتم فانفروا» يريد: أن الجهاد بعد الفتح على الذين قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] فإذا استنفر الإمام الناس ليتقوى بهم فلينفروا؛ وكذلك إن خشي من يلي الكفار عليهم فيجب على من يليهم النفر إليهم. وقوله: («هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض») يعني: كما حرمت المشهور الأربعة يوم ذاك فحرم مكة يومئذٍ كما حرم المشهور، وسبق ذَلِكَ في علمه. والقين: الحداد هنا. وفيه وما قبله البيان الواضح أن صيد الحرم حرام واصطياده، وذلك لأنه - عليه السلام - نهى عن تنفيره، فاصطياده أوكد في التحريم من تنفيره، فإذا نفره وأداه إلى هلاكه فعليه الجزاء، وإلا فلا شيء عليه غير التوبة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء. وقد روي عن عطاء: أنه من أخذ طائرًا في الحرم ثم أرسله، قال: يطعم شيئًا لما نفره (١)، وقد روي عن عمر: أنه لا شيء في التنفير، وروى شعبة عن الحكم عن شيخ من أهل مكة: أن حمامًا كان على البيت فذرق على يد عمر فأشار عمر بيده، فطار فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة (٢)، فلم -------- (١) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٠ (٨٣٦٦). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٣ (١٣٢١٩) كتاب: الحج، في الرجل يصيب الطير من حمام مكة، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤ (٢٢٦١)، وقد رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤١٥ (٨٢٦٨) كتاب: الحج، باب: الحمام وغيره من الطير يقتله المحرم، من طريق معمر عن جابر عن الحكم بن عتيبة، فذكره بلفظه. ير عمر لما نفر الحمامة عليه شيئًا حَتَّى تلفت، ورأى أن تلفها كان من سبب تنفيره، وإنما استجاز عمر تنفيره من الموضع الذي كان واقفًا عليه مع علمه بأن تنفير صيده غير جائز، لأنه ذرق على يده فكان له طرده عن الموضع الذي يلحقه أذاه في كونه فيه، وكذلك كان عطاء يقول في معنى ذَلِكَ، قال ابن جريج: قلت لعطاء: كم في بيضة من بيض الحمام؟ قال: نصف درهم. ويحكم فيه، فقال له إنسان: بيضة وجدتها على فراشي أميطها عنه؟ قال: نعم. قال: وجدتها في سهوة أو في مكان من البيت، قال: لا تمطها (١)، فرأى عطاء أن المميط عن فراشه بيضة من بيض حمام الحرم غير حرج ولا لازم بإماطته إياها شيء؛ لأن في تركه إياها على فراشه عليه أذى، ولم ير جائزًا إماطتها عن الموضع الذي لا أذى عليه في كونها فيه، فكذلك كان فعل عمر في إطارته الحمامة التي ذرقت على يده في الموضع الذي كانت واقفة عليه. وقال داود: من قتل صيدًا في الحرم فلا جزاء عليه، واتفق الفقهاء كما قال الطبري: أن نهيه عن اختلاء خلاها هو مما ينبت فيه مما أنبته الله تعالى، ولم يكن للآدمي فيه صنع، فأما ما أنبته الآدميون فلا بأس باختلائه. واختلف السلف في الشرعي في خلاها: هل هو داخل في هذا النهي أم لا؟ فقال بعضهم: لا، ولا بأس به، وروي ذَلِكَ عن طاوس وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى إلا أنه لا يحبط، وحكى ابن المنذر مثله عن ---------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤١٨ (٨٢٨٦) كتاب: الحج، باب: بيض الحمام -مختصرًا- ورواه بتمامه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤٢، والفاكهي ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧ (٢٢٦٩). أبي يوسف والشافعي؛ وعلة ذَلِكَ أن النهي إنما ورد في الاختلاء دون الشرعي فيها، والراعي غير المختلي؛ لأن المختلي هو الذي يقطع الخلاء بنفسه، وقال آخرون: لا يجوز الرعي فيها؛ لأن الرعي أكثر من الاختلاء، هذا قول أبي حنيفة وصاحبيه قالوا: لو جاز ذَلِكَ جاز أن يحتمش منه إلا الإذخر خاصة. وقال مالك: لا يحتش لدابته (١)، واعتلوا بالحديث، واختلاؤه استهلاك له، وإماتة وإرعاء المواشي فيه أكثر من احتشاشه في الاستهلاك، وأما جواز اجتناء الكمأة فلا صنع فيها لبني آدم؛ لأنه لا يقع عليها اسم شجر ولا حشيش، وفي إجماع الجميع: أنه لا بأس بشرب مياه آباره، والانتفاع بترابه للدليل الواضح أن ما أحدث الله في حرمه مطلق أخذه والانتفاع به كالكمأة؛ لأنها لا تستحق اسم كلأ ولا شجر، وإنما هي كبعض ما خلق الله فيها من الشجر والمدر والمياه إذ لا أصل لها ثابت. وطلب العباس استثناء الإذخر يحتمل أن يكون تحريم مكة خاصة من تحريم الله، ويكون سائر ما ذكر في الحديث من تحريمه - عليه السلام -؛ فلذلك طلب استثناءه، ولو كان من تحريم الله ما استبيح منه إذخر ولا غيره، وقد يأتي في آية وفي حديث أشياء منها فرض، ومنها سنة، ومنها رغبة، ويكون الكلام فيها كلها واحدًا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] والعدل فرض، والإحسان والباقي سنن ورغائب، ومثله قوله - عليه السلام -: «إذا ركع فاركعوا، -------- (١) انظر:»المبسوط«٤/ ١٠٤ - ١٠٥،»المنتقى«٣/ ٨٢،»المجموع«٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦،»الفروع ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨. وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (١)، والركوع فريضة، وقوله: ربنا ولك الحمد نافلة، ويحتمل أن يكون تحريم مكة وكل ما ذكر في هذا الحديث من تحريم الله تعالى، ويكون وجه استثنائه ذَلِكَ؛ لأن الرب تعالى أعلم نبيه في كتابه بتحليل المحرمات عند الضرورات كالميتة وغيرها، ثم أحلها بالآية الأخرى، وهو حسن. وقوله: («وأنه لا يحل القتال فيه لأحد قبلي») فيه الإبانة أن مكة غير جائز لأحد استحلالها ولا نصب الحرب عليها؛ لقتال أهلها بعدما حرمها الله ورسوله إلى قيام الساعة، وذلك أنه - عليه السلام - أخبر حين فرغ من أمر المشركين بها، وأنها لله تعالى حرم، وأنها لم تحل لأحد قبله ولا أحد بعده بعد تلك الساعة التي حارب فيها المشركين وأنها قد عادت حرمتها كما كانت فكان معلومًا بقوله هذا أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذي حلت له به، وذلك محاربة أهلها وقتالهم وردهم عن دينهم. وأما قتال الحجاج وغيره لها، ونصب الحرب لها (٢)، وأن القرمطي --------- (١) سلف برقم (٦٨٩) كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، ورواه مسلم (٤١١) كتاب: الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام. من حديث أنس، وفي الباب من حديث عائشة وأبي هريرة. (٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩ مطولًا. ورواه هكذا الفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٩ (١٦٥٤)، ورواه العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٢٢٢ في ترجمة مشرح بن هاعان، بسنده إلى موسى بن داود قال: بلغني أن مشرح بن هاعان كان ممن جاء مع الحجاج، ونصب المنجنيق على الكعبة، ورواه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٥٥٧ بلفظ آخر من حديث مكحول قال: بينما أنا مع ابن عمر اذ نصب الحجاج المنجنيق على الكعبة .. الحديث. الكافر قلع الحجر الأسود منها وأمسك سبعة عشر عامًا (١)، فوجهه: أن الحجاج وكل من نصب الحرب عليها بعد رسول الله - ﷺ - لم يكن ذَلِكَ له مباحًا ولا حلالًا كما حل للشارع، وليس قوله: «قد عادت حرمتها كما كانت ولا يحل القتال بها لأحد بعدي» أن هذا لا يقع ولا يكون، وكيف يريد ذَلِكَ وقد أنذرنا أن ذا السويقتين من الحبشة يخربها حجرًا حجرًا (٢)، وإنما معناه أن قتالها ونصب الحرب عليها حرام بعده على كل أحد إلى يوم القيامة، وأن من استباح ذَلِكَ فقد ركب ذنبًا عظيمًا، واستحل محرمًا شنيعًا. فإن قلت: لو ارتد مرتد بمكة فمنع أهلها السلطان من إقامة الحد عليه أيجوز للسلطان حربهم وقتالهم حَتَّى يصل إلى من يجب عليه إقامة الحد؟ قلت: نعم، ولكن يجب على الإمام الاحتيال؛ لإخراجهم من الحرم حَتَّى يقيمه بالحصار ومنع الطعام ونحوه. --------- (١) لزيادة بيان ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي ٦/ ٢٢١ - ٢٢٥، و«الكامل» لابن الأثير ٨/ ١٤٣ - ١٤٤، و«وفيات الأعيان» لابن خلكان ٢/ ١٤٨ - ١٥٠، و«الوافي بالوفيات» للصفدي ١٥/ ٣٦٣ - ٣٦٦، و«البداية والنهاية» ١١/ ١٩٠ - ١٩٣، و«سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٢٠ - ٣٢٥. (٢) سلف برقم (١٥٩١) باب: قول الله تعالى ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعبَةَ البيَتَ الحَرَامَ قيامًا لِلنَّاسِ﴾، ورواه مسلم (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .. ١١ - باب الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ. ١٨٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا. [١٩٣٨، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح: ٤/ ٥٠] ١٨٣٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهْوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. [٥٦٩٨ - مسلم: ١٢٠٣ - فتح: ٤/ ٥٠] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا. ثم ذكر حديث ابن بُحَيْنَةَ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهْوَ مُحْرِم بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأسِهِ. الشرح: حديث ابن عباس أخرجه مسلم والأربعة (١)، زاد البخاري: واحتجم وهو صائم. ولما خرج هذِه الزيادة النسائي عن محمود بن --------- (١) مسلم (١٢٠٢)، أبو داود (٢٣٧٣)، الترمذي (٧٧٥ - ٧٧٧)، النسائي (٥/ ١٩٣)، ابن ماجه (١٦٨٢، ٣٠٨١). غيلان: ثنا قبيصة عن الثوري، عن حماد، عن سعيد، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم. قال: هذا خطأ، لا نعلم أن أحدًا رواه عن سفيان، عن قبيصة. وقبيصة كثير الخطأ، وقد رواه أبو هاشم، عن حماد مرسلًا (١)، ورواه الحميدي، عن ابن عيينة: حَدَّثَنَا بهذا الحديث عمرو بن مرة قال فيه: سمعت عطاء يقول سمعت ابن عباس، ومرة سمعته يقول: سمعت طاوسًا يحدث عن ابن عباس، فلا أدري أسمعه عمرو منهما أو كانت إحدى الروايتين وهمًا (٢). وفي لفظ ابن أبي عمر، عن سفيان فقلت لعمرو: إنما كنت تحدثناه، عن عطاء، عن ابن عباس، فقال: اسكت يا بني لم أغلط، كلاهما حَدَّثَني بهذا. وللحاكم: احتجم وهو محرم على رأسه، ثم قال: صحيح على شرطهما، وهو مخرج بإسناده فيهما بدون ذكر الرأس (٣). وحديث ابن بحينة أخرجه مسلم بلفظ: احتجم بطريق مكة وهو محرم في وسط رأسه (٤)، وفي تعليق البخاري من شقيقة كانت به (٥)، ولابن ماجه من حديث أبي الزبير عن جابر أنه - عليه السلام - احتجم وهو محرم، من وهصة أخذته (٦)، ولابن أبي شيبة من وثءٍ كان بصلبه. ------- (١) «سنن النسائي الكبرى» (٢/ ٢٣٥). (٢) «مسند الحميدي» ١/ ٤٤٣ (٥٠٨ - ٥٠٩). (٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٣. (٤) مسلم (١٢٠٣). (٥) يأتي برقم (٥٧٠١) كتاب: الطب، باب: الحجم من الشقيقة والصداع. (٦) ابن ماجه (٣٠٨٢) كتاب: المناسك، باب: الحجامة للصائم، ورواه أيضًا ابن خزيمة ٤/ ١٨٨ (٢٢٦١)، وأبو الشيخ الأنصاري في «طبقات المحدثين بأصبهان» ٣/ ٦٢٣ (٧٧٢)، وقال البوصيري في «الزوائد» ص: ٤٠٥: إسناده فيه مقال، محمد بن أبي الضيف لم أر من ضعفه، وباقي رجال الإسناد ثقات، والحديث صححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٥٠٢). وللنسائي من وثءٍ كان بظهره أو وركه (١)، وفي «سنن أبي قرة» من حديث سفيان: حَدَّثَنَا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم محرم. فائدة: الحاجم هو أبو طيبة، قال ابن سعد في «الطبقات»: حجمه أبو طيبة لثمان عشرة من رمضان نهارًا، من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس: احتجم بالقاحة وهو صائم محرم. وفي لفظ: محرم من أكلةٍ أكلها من شاة سمتها امرأة من أهل خيبر. وفي حديث بكير بن الأشج: احتجم في القمحدوة (٢). وفي حديث عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: كان سمها منفذًا (٣). وفي حديث أنس: المغيثة (٤). وفي الحاكم على شرطهما من حديث أنس أنه - عليه السلام - احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به (٥)، و(لحي جمل) بفتح اللام، وحكى صاحب «المطالع» كسرها وسكون الحاء المهملة والجيم ------------ (١) النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٣٦ (٣٢٣٤). (٢) «طبقات ابن سعد» ١/ ٤٤٣ - ٤٤٥، ٤٤٧. (٣) رواه ابن سعد ١/ ٤٤٧، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٨ (٢٣٤٩٢) وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٧٥٨). (٤) رواه ابن سعد ١/ ٤٤٧، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٧). (٥) «المستدرك» ١/ ٤٥٣ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة. عن أنس به. ورواه من هذا الطريق أبو داود (١٨٣٧) كتاب: المناسك، باب: المحرم يحتجم، والنسائي ٥/ ١٩٤، وأحمد ٣/ ١٦٤، وأبو يعلى ٥/ ٣٨١ (٣٠٤١)، وابن خزيمة ٤/ ١٨٧ (٢٦٥٩)، وابن حبان ٩/ ٢٦٧ (٣٩٥٢)، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٢٥٨ (١٩٨٦)، والضياء في «المختارة» ٧/ ١١ - ١٢ (٢٣٨١ - ٢٣٨٤). قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذِه الزيادة، وأقره الذهبي. = مفتوحة، ثم ميم، ثم لام: موضع بين المدينة ومكة، وهو إلى المدينة أقرب، احتجم به في حجة الوداع، وهو غير لحي جمل الذي بين المدينة وفيد، ذكره الحازمي وياقوت (١)، وزعم أبو عبيد أنه ما في رسم العقيق، وهو بئر جمل الذي ورد ذكرها في حديث أبي الجهيم: أقبل - عليه السلام - من نحو بئر جمل، فذكر مسح وجهه ويديه بالجدار (٢). وقال صاحب «المطالع»: هي عقيبة الجَحْفة على سبعة أميال من السقيا، قال: ورواه بعضهم لحيي جمل بالتثنية، قال في «الموطأ»: لحي جمل بطريق مكة (٣)، وجزم به ابن بطال (٤)، ولم يحكِ غيره. وقوله: (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بيان لموضعها؛ لاختلافها باختلاف مواضعها، وفي حديث «الموطأ»: احتجم فوق رأسه بلحيي جمل. وروي أنه قال: إنها شفاء من النعاس والصداع والأضراس (٥). ---------- = وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: ابن أبي عروبة أرسله، يعني: عن قتادة. قال الحافظ في «الفتح» ١٠/ ١٥٤ معقبًا: رجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر، وليست هذِه بعلة قادحة. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٦١١). (١) «معجم البلدان» ٥/ ١٥. (٢) سلف برقم (٣٣٧) كتاب: التيمم، باب: التيمم في الحضر، ورواه مسلم (٣٦٩) معلقًا. (٣) «الموطأ» ص ٢٣٠. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٠٦. (٥) روي من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن عمر وأم سلمة. حديث ابن عباس رواه الطبري في «تهذيب الآثار» ٢/ ١٣٢ (١٣٣٤)، والطبراني ١١/ ٢٩ (١٠٩٣٨) من طريق عمر بن رياح، نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا به. ومن هذا الوجه رواه ابن عدي في «الكامل» ٦/ ١٠٥، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل» المتناهية" ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ (١٤٦٩). = وقال الليث: ليست في وسط الرأس، إنما هي في فأس الرأس، وأما التي في وسط الرأس فربما أعمت، وإنما بيَّن أنها في الرأس؛ لما تحتاج إليه من حلق فربما قتلت شيئًا من الدواب. ------ = قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، عمر بن رياح، قال الفلاس: دجال، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاوس البواطيل ما لا يتابعه أحد عليه أ. هـ بتصرف، وقال الهيثمي ٥/ ٩٣: فيه: عمر بن رياح، وهو متروك. وضعفه الحافظ في «الفتح» ١٠/ ١٥٢. ورواه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ٨٣، والطبراني ١١/ ١٨٧ (١١٤٤٦)، وابن عدي ٧/ ١٧٩ من طريق قدامة بن محمد الأشجعي، ثنا إسماعيل بن شبيب الطائفي عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. قال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٣): موضوع. وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه الحاكم ٤/ ٢١٠ عن أبي موسى عيسى بن عبد الله الخياط، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: «المحجمة التي في وسط الرأس من الجنون والجزام والنعاس»، وكان يسميها منقذة. وقال: صحيح الإسناد! ورده الذهبي بقوله: عيسى في «الضعفاء» لابن حبان وابن عدي. قال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٣) وقد أورد هذا الحديث بعد حديث ابن عباس السالف، قال: عيسى بن عبد الله الخياط، قال فيه ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. ورواه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ٤٢ (٤٦٢٣) من حديث محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد مرفوعًا، بلفظ الحاكم. وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني ١٢/ ٢٩١ (١٣١٥٠)، وفي «الأوسط» ٥/ ١٦ (٤٥٤٧) عن عبد الله بن محمد العُبادي: نا مسلم بن سالم: نا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعًا. قال الهيثمي ٥/ ٩٣: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: مسلمة بن سالم الجهيني، ويقال: مسلم بن سالم، وهو ضعيف. وقال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٦): إسناده ضعيف جدًّا. وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني ٢٣ (٦٦٧) إلا أنه قال: والصداع -مكان- والضرس. وانظر «الضعيفة» (٣٥١٦). قال الداودي: لا يحلق الشعر وإنما يجعل على الشعر الخطمي وشبهه؛ لتمسك المحاجم. وقال غيره: يحلق وإن قتل الدواب، وذلك كله مباح للضرورة عند مالك. واختلف العلماء في الحجامة للمحرم، فرخص فيها عطاء ومسروق إبراهيم وطاوس والشعبي (١)، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد إسحاق؛ أخذًا بظاهر حديث الباب، وقالوا: ما لم يقطع الشعر (٢). وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، روي ذَلِكَ عن ابن عمر (٣)، وبه قال مالك (٤). وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول: إن النبي - ﷺ - احتجم؛ لضرر كان به، رواه هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - إنما احتجم وهو محرم في رأسه؛ لأذى كان به (٥)، ورواه حميد الطويل عن أنس قال: احتجم رسول الله - ﷺ - من وجع كان به (٦). ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعره حَتَّى يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله - ﷺ - على كعب بن عجرة (٧)، فإن لم يحلق المحتجم شعرًا فهو كالعرق يقطعه أو الدمل يبطه أو القرحة ينكؤها ولا يضره ذَلِكَ، ولا شيء عليه عند جماعة --------- (١) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٨٨، ١٤٥٩١ - ١٤٥٩٢). (٢) انظر: «البيان» ٤/ ٢٠٥، «المغني» ٥/ ١٢٦. (٣) رواه الشافعي في «المسند» (٨٣٤)، والبيهقي في «المعرفة» ٧/ ١٧٩ (٩٧٣٥). (٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٤٠. (٥) يأتي بهذا الإسناد برقم (٥٧٠٠). (٦) رواه أحمد ٣/ ٢٦٧، وابن خزيمة ٤/ ١٨٧ (٢٦٥٨)، والضياء في «المختارة» ٦/ ٤٤ - ٤٥ (٢٠١٢ - ٢٠١٤) (٧) سلف حديث كعب برقم (١٨١٤). العلماء، وعند الحسن البصري: عليه الفدية (١). وقال ابن التين: الحجامة ضربان، موضع يحتاج إلى حلق الشعر؛ فيفتدي من فعله، والأصل جوازه؛ لهذا الخبر، وفي الفدية قوله تعالى: ﴿فَمَن كاَنَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. وموضع يحتاج إلى حلق في غير الرأس فيفتدي. قال عبد الملك في «المبسوط»: شعر الرأس والجسد سواء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٢). وقال أهل الظاهر: لا فدية عليه إلا أن يحلق رأسه (٣). فإن كانت في موضع لا يحتاج إلى حلق، فإن كانت لضرورة جازت ولا فدية، وإن كانت لغير ضرورة فمنعه مالك، وأجازه سحنون، وروي نحوه عن عطاء، فإن قلنا: هو ممنوع ففعل لغير ضرورة. قال ابن حبيب: لا فدية عليه. وروى نافع، عن ابن عمر: يفتدي (٤). قال مالك: ويبط المحرم خُراجه، ويفقأ دُمَّله، ويقطع عرقًا إن احتاج إلى ذَلِكَ (٥). وفيه من الفقه: أن للمحرم إذا احتاج إلى إخراج دمه بالاحتجام والفصد ما لم يقطع شعرًا، وأن له العلاج بكل ما عرض له من علة في جسده بما رجي دفع مكروهها عنه من الأدوية بعد أن لا يأتي في ذَلِكَ، ما هو محظور عليه في حال إحرامه، ثم لا يلزمه بكل ما فعل من ذَلِكَ فدية، ولا كفارة، وكذلك لو بط له دملًا، وقلع ضرسًا إن اشتكاه؛ لأن النبي - ﷺ - احتجم في حال إحرامه لحاجته إلى ذَلِكَ ثم --------- (١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٤٦ (١٧٥ - ١٦٧). (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «الأشراف» لعبد الوهاب ١/ ٢٧٧، «روضة الطالبين» ٣/ ١٣٥. (٣) «المحلى» ٧/ ٢١١. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٧ (١٤٥٩٦). (٥) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٥. لم ينقل عنه ناقل أنه حظر ذَلِكَ على أحد من أمته، ولا أنه افتدى، فبان بذلك أن كل ما كان نظير الحجامة التي هي إخراج الدم من جسده فله فعله، ونظيره قلع الضرس وبط الجرح، وفصد العرق، وقطع الظفر الذي انقلع فتعلق فآذى صاحبه أن على المحرم قلعه، ولا فدية. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يزيل عن نفسه ما انكسر من أظفاره، وأجمعوا أنه ممنوع من أخذ أظفاره (١) وذكر عن الكوفيين: أن المحرم إذا أصابه في أظافيره أذى يقصها، وكفر بأي الكفارات شاء. وقال أبو ثور: فيها قولان أحدهما: قول الكوفيين، والثاني: لا شيء عليه بمنزلة الظفر ينكسر (٢). وقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وإذا أراد أن يداوي قرحة فلم يقدر على ذَلِكَ إلا أن يقلم أظفاره (٣). قال ابن عباس: إذا أوجعه ضرسه ينزعه، فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئًا (٤)، وكذلك إذا انكسر ظفره (٥)، وقاله عطاء إبراهيم وسعيد بن المسيب (٦)، وقال عطاء: ينتقش الشوكة من رجله، ويداوي جرحه. وقال الحسن؛ إن أصابته شجة فلا بأس أن يأخذ ما حولها من الشعر، ثم يداويها بما ليس فيه طيب. --------- (١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٠. (٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ٧٢ - ٧٣، «البيان» ٤/ ٢١٦، «المغني» ٥/ ٣٨٨ - ٣٨٩، «المحلى» ٧/ ٢١٣. (٣) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٥. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٣١ (١٢٧٦٩) بمعناه. (٥) السابق ٣/ ١٢٩ (١٢٧٥٢). (٦) انظر: «المصنف» ٣/ ١٣٠ - ١٣١ (١٢٧٥٦، ١٢٧٥٩، ١٢٧٦٧، ١٢٧٧١). ١٢ - باب تَزْوِيجِ المُحْرِمِ ١٨٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ الحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. [٤٢٥٨، ٤٢٥٩، ٥١١٤ - مسلم: ١٤١٠ - فتح: ٤/ ٥١] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، زاد إلبخاري في موضع آخر: وهو في عمرة القضاء، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف (٢)، وقال فيه أيضًا: زاد ابن إسحاق: حَدَّثَني ابن أبي نجيح وأبان بن صالح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس: تزوج النبي - ﷺ - وميمونة في عمرة القضاء (٣)، وهذا التعليق أسنده النسائي، عن هناد، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة إلى ابن إسحاق فذكره (٤)، وأسنده الحاكم في «إكليله» من حديث يونس، عن ابن إسحاق، وأخرجه النسائي من حديث عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - تزوج وهو محرم، قال عمرو: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت هذا علينا من الرقعة، ليس فيه عائشة. قال: دع عائشة حَتَّى أنظر فيه (٥). -------- (١) مسلم (١٤١٠) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم. (٢) سيأتي برقم (٤٢٥٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة زيد بن حارثة. (٣) يأتي برقم (٤٢٥٩). (٤) النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٣١ (٣٢٠٢). (٥) السابق ٣/ ٢٨٩ (٥٤٠٩). ورواه الطحاوي من حديث أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة: تزوج النبي - ﷺ - بعض نسائه وهو محرم (١). ثم قال: نقلة هذا الحديث كلهم ثقات يحتج برواياتهم (٢). وهو رد على قول ابن عبد البر: ما أعلم أحدًا من الصحابة روى أنه تزوج وهو محرم إلا ابن عباس (٣). ولابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن عطاء قال: تزوج النبي - ﷺ - ميمونة وهو محرم. وعن أبي الضحى، عن مسروق أن النبي - ﷺ - تزوج وهو محرم (٤). وللدارقطني من حديث أبي صالح عن أبي هريرة: تزوجها وهو محرم (٥). واختلف العلماء في تزويج رسول الله - ﷺ - بميمونة، فروى ابن عباس: أنه - ﷺ - تزوجها وهو محرم. وروي أنه تزوجها وهو حلال، أخرجاه من حديث ميمونة (٦). قال يزيد بن الأصم: وكانت خالتي --------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٩. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (٥٤٠٨)، وابن حبان ٩/ ٤٤٠ (٤١٣٢) كتاب: النكاح، باب: حرمة المناكحة، والبيهقي ٧/ ٢١٢ - ٢١٣ كتاب: النكاح، باب: نكاح المحرم، وأعله بالإرسال، قال الحافظ في «الفتح» ٩/ ١٦٦: وهذا ليس بقادح. قال الألباني في «صحيح موارد الظمآن» (١٠٦٣): صحيح لغيره دون قوله الأول: وهو محرم. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٧١. (٣) «التمهيد» ٣/ ١٥٣. (٤) «المصنف» ٣/ ١٤٨ (١٢٩٥٦، ١٢٩٦٤) كتاب: الحج، في المحرم يتزوج، من رخص في ذلك. (٥) الدارقطني ٣/ ٢٦٣، ورواه أيضًا الطحاوي ٢/ ٢٧٠، وصححه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٥٢. (٦) قلت: هذا الحديث لم يخرجه البخاري، بل انفرد به مسلم (١٤١١) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته. وخالة ابن عباس (١). ولأحمد: تزوجني حلالًا وبنى بي حلالًا، واستغربه الترمذي (٢)، وحسن حديث أبي رافع مثله بزيادة: وكنت السفير بينهما (٣)، والروايات في ذَلِكَ متواترة عن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - (٤)، وعن سليمان بن يسار وهو مولاها (٥)، وعن يزيد بن ---------- (١) مسلم (١٤١١). (٢) الترمذي (٨٤٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة في تزويج المحرم. والحديث رواه مسلم (١٤١١) بإسناد آخر، وانظر «صحيح أبي داود» (١٦١٦). (٣) الترمذي (٨٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم. (٤) رواه الترمذي (٨٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم، وأحمد ٥/ ٣٩٢ - ٣٩٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ٣٣٧ (٤٦١)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٢٨٨ (٥٤٠٢)، والروياني ٢/ ٤٦٧ (٧٠٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٢/ ٢٧٠، وابن حبان ٩/ ٤٣٨ (٤١٣٠)، ٩/ ٤٤٢ - ٤٤٣ (٤١٣٥)، والطبراني ١/ ٣١٠ (٩١٥)، والدارقطني ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٦٤، والبيهقي ٥/ ٦٦، ٧/ ٢١١، والخطيب في «الموضح» ٢/ ٧٩، وابن عبد البر في «التمهيد» ٣/ ١٥٢، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٢٥٢ (١٩٨٢) من طريق مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع، به. قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم روى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال غير مطر الوراق أ. هـ «العلل الكبير» ١/ ٣٧٨، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». (٥) رواه مالك ١/ ٥٩٢ (١٥٣٦) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في نكاح المحرم، وابن سعد ٨/ ١٣٣، والطحاوي ٢/ ٢٧٠ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع .. الحديث -هكذا مرسلًا. سئل الدارقطني عن حديث سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة حلالًا. = الأصم وهو ابن أختها (١)، وجمهور علماء المدينة يقولون: لم ينكح رسول الله - ﷺ - ميمونة إلا وهو حلال. وروى مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث، ورسول الله - ﷺ - بالمدينة قبل أن يخرج (٢). ------- = فقال يرويه ربيعة بن أبي عبد الرحمن واختلف عنه فرواه مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع متصلًا. وكذلك رواه بشر بن السري، عن مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، وخالفه أصحاب مالك فرووه عن مالك، عن ربيعة، عن سليمان أن النبي - ﷺ -، بعث أبا رافع، مرسلًا. وحديث مطر وبشر السري متصلًا، وهما ثقتان. أ. هـ «علل الدارقطني» ٧/ ١٣ - ١٤ (١١٧٥). وقال ابن عبد البر: الحديث رواه مطر الوراق عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، وذلك عندي غلط من مطر؛ لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير. وكان قتل عثمان - رضي الله عنه - في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، ومن الممكن أن يسمع سليمان بن يسار من ميمونة، لما ذكرنا من مولده؛ ولأن ميمونة مولاته، ومولاة أخوته أعتقتهم، وولاؤهم لها وتوفيت ميمونة سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس، فغير نكير أن يسمع منها، ويستحيل أن يخفى عليه أمرها، وهو مولاها، وموضعه من الفقه موضعه. أ. هـ «التمهيد»، ٣/ ١٥١. وقال الحافظ: الحديث تعقبه ابن عبد البر بالانقطاع، بأن سليمان لم يسمع من أبي رافع، ولكن وقع التصريح بسماعه منه في «تاريخ ابن أبي خيثمة» في حديث نزول الأبطح، ورجح ابن القطان اتصاله، ورجح أن مولد سليمان سنة سبع وعشرين، ووفاة أبي رافع سنة ست وثلاثين، فيكون سنه ثمان سنين أو أكثر. أ. هـ. «تلخيص الحبير» ٣/ ٥٠. وانظر: «الإرواء» (١٨٤٩). (١) رواه مسلم (١٤١١) كتاب النكاح. باب: تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته. (٢) «الموطأ» ١/ ٥٩٢ (١٥٣٦) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في نكاح المحرم. واختلف الفقهاء في ذَلِكَ من أجل اختلاف الآثار، فذهب أهل المدينة إلى أن المحرم لا ينكح ولا يُنكح غيره، فإن فعل فالنكاح باطل، وروي ذَلِكَ عن عمر وعثمان وابنه أبان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب وسالم وسليمان بن يسار (١) ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد (٢). وفي أفراد مسلم من حديث عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» (٣)، وأبعد من قال في الاعتذار عن البخاري كونه لم يخرجه (٤): راويان: نبيه وأبان بعن ولم يصرحا بالتحديث (٥)، ففي مسلم التصريح بإخبار أبان بن عثمان. نعم قال أحمد: لم يسمع منه وذهب الثوري والكوفيون؛ إلى أنه يجوز للمحرم أن ينكح وينكح غيره، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وأنس، ذكره الطحاوي (٦)، وروي عن القاسم بن محمد والنخعي (٧)، وروي عن معاذ، وحجتهم: حديث ابن عباس وقالوا: الفروج لا تحل إلا بنكاح أو شراء. والأمة ---------- (١) انظرها في: «مسند الشافعي» ٢/ ٢١٨ - ٢١٩، و«المصنف» ٣/ ١٤٩، و«سنن البيهقي» ٥/ ٦٦. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٣٨، «روضة الطالبين» ٣/ ١٤٤، «المغني» ٥/ ١٦٢. (٣) مسلم (١٤٠٩) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته. (٤) ورد بهامش الأصل: قال العلائي في «المراسيل»: ذكر ابن أبي حاتم في «المراسيل» عن أبي بكر الأثرم أنه سأل أحمد بن حنبل: أبان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه. انتهى. وفي «صحيح مسلم» التصريح بسماعه من عثمان غير مرة، وكذا صرح بالإخبار أيضا. (٥) ورد بهامش الأصل: يعني ابن وهب فإنه يرويه عن أبان وفي «صحيح مسلم» التصريح بسماعه منه في الحديث نفسه. (٦) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢، ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٨. (٧) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٨ (١٢٩٥٨ - ١٢٩٥٩). مجمعة على أن المحرم يملك ذَلِكَ بشراءٍ وهبة وميراث في حال إحرامه، ولا يبطل ملكه، فكذلك إذا ملكه بنكاح لا يبطل ملكه قياسًا على الشراء، قاله الطبري، قال: والصواب عندنا أن نكاح المحرم فاسد يجب فسخه؛ لصحة الخبر عن عثمان، عن النبي - ﷺ - بالنهي عن ذَلِكَ (١)، وخبر ابن عباس: أنه - عليه السلام - تزوجها وهو محرم، فقد عارضهم فيه غيرهم من الصحابة، وقالوا: تزوجها وهو حلال فلم يكن قول من قال تزوجها وهو محرم أولى بالقبول من الآخر. وقد قال سعيد بن المسيب: وَهِم ابن عباس -وإن كانت خالته- ما تزوجها إلا بعدما أحل (٢). قال ابن عُلية: حَدَّثَنَا أيوب قال: أنبئت أن الاختلاف إنما كان في نكاح رسول الله - ﷺ - ميمونة، أن رسول الله - ﷺ - بعث العباس بين يديه؛ لينكحها إياه فأنكحه، قال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم (٣)، وقال بعضهم: بعدما أحرم. وقد ثبت أن عمر وعليًّا وزيدًا فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته (٤)، ولا يكون هذا إلا عن صحة ويقين. وأما قياسهم النكاح على الشراء فإن الذين أفسدوا نكاح المحرم لم يفسدوه من جهة القياس والاستنباط فتلزمهم المقاييس والأشباه، وإنما أفسدوه من جهة الخبر الوارد بالنهي عنه فالذي ينبغي لمخالفيهم أن يناظروهم من جهة الخبر، فإن ثبت لزمهم التسليم له، وإن بطل ------- (١) رواه مسلم (١٤٠٩). (٢) رواه البيهقي ٧/ ٢١٢. (٣) حديث عمر رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤٦٣ (١١٧٨)، والدارقطني ٣/ ٢٦٠، والبيهقي ٧/ ٢١٣، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٠٣٨). (٤) وحديث علي وزيد رواهما البيهقي ٧/ ٢١٣. صاروا حينئذٍ إلى استخراج الحكم فيه من الأمثال والأشباه، فأما والخبر ثابت بالنهي عن ذَلِكَ فلا وجه لمقايسة فيه. وفي «طبقات ابن سعد» عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسًا عند عطاء فسأله رجل: هل يتزوج المحرم؟ فقال عطاء: ما حرم الله النكاح منذ أحله. قال ميمون: فذكرت له حديث يزيد بن الأصم: تزوجها وهو حلال -يعني:- ميمونة. فقال عطاء: ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة، وكنا نسمع أنه تزوجها وهو محرم، وعن الشعبي: أنه - عليه السلام - تزوجها وهو محرم، وعن مجاهد وأبي يزيد المديني: أنه - عليه السلام - تزوجها وهو محرم (١). قال ابن أبي شيبة: وممن كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم: إبراهيم النخعي والقاسم بن محمد والحكم وحماد وعطاء وعبد الله بن عباس وإبراهيم، عن ابن مسعود مثلهم (٢). وذكر الطحاوي عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، وقال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم فقال: ما به بأس، هل هو إلا كالبيع؟! (٣) وذكره ابن حزم أيضًا عن معاذ بن جبل وعكرمة وسفيان -وهو قول أبي حنيفة- قال: وصح عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت فسخ نكاح المحرم إذا نكح (٤). روى مالك في «الموطأ» عن أبي غطفان بن طريف أن أباه تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر نكاحه (٥)، قال: وصح عن ابن عمر من طريق حماد بن ---------- (١) «طبقات ابن سعد» ٨/ ١٣٤، ١٣٦ - ١٣٧. وقد روى الآثار المذكورة بسنده. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٤٨ (١٢٩٥٧ - ١٢٩٥٩) كتاب: الحج، في المحرم يتزوج، من رخص في ذلك. (٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٧٣ كتاب: المناسك، باب: نكاح المحرم. (٤) «المحلى» ٧/ ١٩٨. (٥) «الموطأ» ص ٢٢٩. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#353 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 421 الى صـــ 440 الحلقة (353) سلمة، عن أيوب، عن نافع عنه أنه قال: المحرم لا ينكح ولا ينكح، ولا يخطب على نفسه، ولا على سواه. وروينا عن علي: لا يجوز نكاح المحرم، وإن نكح نزعنا منه امرأته (١)، وهو قول ابن شهاب وابن المسيب (٢)، وبه يقول مالك والشافعي وأبو سليمان، وأصحابهم محتجين بحديث ميمونة (٣)، وقد سلف. قال ابن حزم: يقول من أجاز نكاح المحرم: لا يعدل يزيد بن الأصم الأعرابي بابن عباس، قالوا: وقد يخفي على ميمونة كونه - عليه السلام - محرمًا، فالمخبر بكونه كان محرمًا معه زيادة علم. وخبر ابن عباس وارد بزيادة حكم فهو أولى، وقالوا في خبر عثمان: معناه لا يوطئ غيره ولا يطؤه ليس بشيء. وأما تأويلهم في خبر عثمان فقد بينه قوله: «ولا يخطب» فصح أنه أراد النكاح الذي هو العقد، وأما ترجيحهم ابن عباس على يزيد فنعم، والله لا يقرن يزيد بعبد الله ولا كرامة، وهذا تمويه منهم؛ لأن يزيد إنما رواه عن ميمونة، وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس، فليسمعوا الآن إلى الحق، ونحن لا نقرن، ابن عباس (صغير) (٤) من الصحابة إلى ميمونة أم المؤمنين، ولكن نعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس، ولا نقطع بفضلهم (٥). قلت: إن كان يزيد رواه عن خالته، فابن عباس يجوز أن يرويه عن رسول الله - ﷺ -، أو يرويه عن أبيه الذي ولي عقدة النكاح بمشهد من -------- (١) رواه البيهقي ٥/ ٦٦، ٧/ ٢١٣. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٩ (١٢٩٧٤ - ١٢٩٧٦). (٣) «المحلى» ٧/ ١٩٩. (٤) كذا بالأصل، وفي «المحلى» (٧/ ١٩٩): صبيًّا. (٥) المصدر السابق. عبد الله ومرأى، أو رواه عن خالته المرأة العاقلة، فقدمت روايته على رواية يزيد؛ لاختصاصه وضبطه وعلمه، وقد أسلفنا لعبد الله متابعين وليس ليزيد عن خالته بمتابع. وقال المروذي: سألت أحمد عن نكاح المحرم فقال: أذهب فيه إلى حديث عثمان، قلت: إن أبا ثور قال لي: بأي شيء تدفع حديث ابن عباس. فقال: الله المستعان (١). قال (٢): وأما قولهم: قد يخفي على ابن عباس إحلال رسول الله - ﷺ - من إحرامه، فالمخبرة بكونه قد أحل زائدة علمًا. وأما قولهم: خبر ابن عباس وارد لحكم زائد، فليس كذلك، بل خبر عثمان هو الزائد الحكم، فبقي أن نرجح خبر عثمان وخبر ميمونة على خبر ابن عباس، فنقول: خبر يزيد عنها هو الحق، وقول ابن عباس وَهَمٌ لا شك فيه؛ لوجوه: أولها: أنها هي أعلم بنفسها منه. ثانيها: أنها كانت إذ ذاك امرأة كاملة، وكان ابن عباس يومئذٍ ابن عشرة أعوام وأشهر، فبين الضبطين فرق لا يخفي. ثالثها: أنه إنما تزوجها في عمرة القضاء، هذا ما لا يختلف فيه اثنان، ومكة يومئذٍ دار حرب، وإنما هادنهم على أن يدخلها معتمرًا، ويبقى فيها ثلاثة أيام فقط ثم يخرج، فأتى من المدينة محرمًا بعمرة ولم يقدم شيئًا، إذ دخل على الطواف والسعي، وتم إحرامه في الوقت، ولم يشك أحدٌ في أنه صح إنما تزوجها بمكة حاضرًا لها ---------- (١) أورد الرواية شيخ الإسلام في «شرح العمدة» ٢/ ١٩٥. وفيها: أذهب إلى حديث نبيه بن وهب. (٢) القائل هو ابن حزم. لا بالمدينة، فصح أنها بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه، لا في حال طوافه وسعيه، فارتفع الإشكال جملة، وبقي خبر عثمان وميمونة لا معارض لهما، ثم لو صح خبر ابن عباس بيقين، ولم يصح خبر ميمونة لكان خبر عثمان هذا الزائد الوارد بحكم لا يحل خلافه؛ لأن النكاح قد أباحه الله في كل حال، ثم لما أمر رسول الله - ﷺ - أن لا ينكح المحرم كان بلا شك ناسخًا للحال المتقدمة من الإباحة، لا يمكن غير ذَلِكَ أصلًا، وكان خبر ابن عباس منسوخًا بلا شك؛ لموافقته للحال المنسوخة بيقين (١). قلت: روى مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع ورجلًا من الأنصار يزوجانه ميمونة، ورسول الله - ﷺ - بالمدينة قبل أن يخرج (٢)، وهذا يبعد احتمال أنهما زوجاه إياها وهو متلبس بالإحرام في طريقه إلى مكة، ولما حل بني بها كما سبق عن أبي رافع: وكنت السفير بينهما. لأنه لم يطلع إلا على حال باشرها بنفسه؛ لأنه فارق رسول الله - ﷺ - وهما حلالان، فجاء بالزوجة إليه وهما حلالان، ولم يتعرض لما بين ذَلِكَ؛ إذ قوله بالمدينة قبل أن يخرج، صريح في خلاف ذَلِكَ، وأنه حلال؛ لأنه لم يحرم إلا بعد خروجه من المدينة. وفي «الطبقات»: أنهما أضلَّا بعيريهما إلى أن قدم رسول الله - ﷺ - فمشى إلى بيت العباس، فأنكحه إياها (٣). وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب: خرج رسول الله - ﷺ - معتمرًا في ذي القعدة، فلما بلغ موضعًا ذكره، بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه ----------- (١) «المحلى» ٧/ ٢٠٠ بتصرف. (٢) «الموطأ» ص ٢٢٩. (٣) «الطبقات الكبرى» ٨/ ١٣٢. إلى ميمونة يخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجها منه (١)، وقد أوضح ذَلِكَ أبو عبيدة في كتاب «الزوجات»: توجه رسول الله - ﷺ - إلي مكة معتمرًا سنة سبعٍ، وقدم جعفرًا يخطب عليه ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها رسول الله - ﷺ - وهو محرم، وبنى بها بسرف وهو حلال. وأجاب بعض أصحابنا فقال: المراد وهو محرم، أي: في الحرم وهو حلال؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم: محرم، وإن كان حلالًا، وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا (٢) وعورض بأن كسرى قتل بالمدائن من بلاد فارس. وقد قال الشاعر: قتلوا كسرى بليل محرمًا (٣) أو أراد بمحرم: في الأشهر الحرم. وأجيب أيضًا: بأنه تعارض معنى قوله وفعله، وفيها الخلاف المشهور في الأصول، والراجح القول؛ لتعديه والفعل قد يكون مقصورًا عليه. وثم جواب آخر وهو: أن ذَلِكَ من خصائصه على الأصح، وقد روى الدارقطني من حديث أبي الأسود ومطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه - عليه السلام - تزوجها وهو حلال، لكن قال: تفرد به محمد بن عثمان بن مخلد، عن أبيه، عن سلام أبي المنذر، وهو --------- (١) انظر: «التمهيد» ٣/ ١٥٩. (٢) «البداية والنهاية» ٤/ ٦٢٤. (٣) «البداية والنهاية» ٤/ ٦٦٣. غريب عن مطر (١) وضعيف. وأجاب بعضهم عن حديث ابن عباس بأنه قد يكون أخذ في ذَلِكَ بمذهبه أنه من قلد هديه صار محرمًا بالتقليد، فلعله علم بحاله بعد أن قلد الشارع هديه. فرع: خطبته مكروهة كراهة تنزيه؛ للحديث السالف. فرع: يجوز له رجعتها على الأصح، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وخالف أحمد فيه (٢). --------- (١) سنن الدارقطني ٣/ ٢٦٣. ورواه الطبراني ١١/ ٣٣٤ (١١٩٢٢)، والخطيب ٤/ ٣٣٤ من طريق مطر الوراق عن عكرمة، به. (٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الثلاثين. كتبه مؤلفه. ١٣ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ. ١٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ». تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ. فِي النِّقَابِ وَالقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلَا وَرْسٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ. [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤/ ٥٢] ١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٤/ ٥٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ». تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ. فِي النِّقَابِ وَالقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلَا وَرْسٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ. ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ في الذي وقصته ناقته. وفيه: «وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ». الشرح: أما تعليق عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير، ثَنَا مغيرة، عن إبراهيم، عنها أنها قالت: يكره للمحرم الثوب المصبوغ بالزعفران والمشبع بالعصفر للرجال والنساء إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا (١). وحَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنها قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا المهرود بالعصفر (٢). وقد سلف في باب: ما يلبس المحرم من الثياب (٣)، ورواه البيهقي من حديث معاذة عنها، قالت: المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران (٤). وأما حديث ابن عمر فسلف في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب وغيره (٥)، وأصل حديث موسى بن عقبة سلف هناك، وقد رواها النسائي ------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٦٤ (١٣١٢٦) كتاب: الحج، الثوب المصبوع بالورس والزعفران. (٢) السابق ٣/ ١٤٠ (١٢٨٧٤) من رخص في المعصفر للمحرمة. (٣) قبل حديث (١٥٤٥). (٤) البيهقي ٥/ ٤٧. (٥) سلف برقم (١٥٤٢). عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن موسى (١)، وقال أبو داود: روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى مرفوعًا، ورواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب وأبو قرة موقوفًا، ورواه إبراهيم بن سعيد المدني، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: «المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين» (٢)، قال أبو عمر: ورفعه صحيح (٣). ومتابعة جويرية أخرجها أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن أسماء، نا عمي جويرية بن أسماء، ثَنَا نافع، فذكره (٤). ومتابعة ابن إسحاق أخرجها الحاكم من حديث يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حَدَّثَني نافع به، مرفوعًا (٥)، وكذا ذكره ابن حزم بلفظ: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب .. الحديث بطوله (٦). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٧). وهو في أبي داود لكن بعنعنة ابن إسحاق (٨)، وقد صرح هنا بالتحديث فانتفت تهمة تدليسه. وقول الضياء المقدسي: كأنه لم يسمعه منه، يرده ما ذكرناه، ------- (١) النسائي ٥/ ١٣٥ - ١٣٦. (٢) «سنن أبي داود» ٢/ ٤١١ - ٤١٢ (١٨٢٥) كتاب: المناسك، باب: ما يلبس المحرم. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٦٠١ - ١٦٠٢). (٣) «التمهيد» ١٥/ ١٠٦. (٤) «مسند أبي يعلى» ١٠/ ١٨٩ - ١٩٠ (٥٨١٨). (٥) «المستدرك» ١/ ٤٨٦. (٦) «المحلى» ٧/ ٧٩. (٧) «المستدرك» ١/ ٤٨٦. (٨) أبو داود (١٨٢٣). وقد وقع مصرحًا بالتحديث في بعض نسخ أبي داود من طريق ابن الأعرابي وغيره. وقوله: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلَا وَرْسٌ)، وصله الحسن بن سفيان: أخبرنا العباس بن الوليد، ثنا يحيى القطان: ثَنَا عبيد الله بن عمر، عن نافع، فذكره. وأثر نافع عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة، سلف في كلام أبي داود، وأخرجه الترمذي من حديث الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين» ثم قال: حسن صحيح (١). وروى ابن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كره البرقع والقفاز للمحرمة. وحَدَّثَنَا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، وعبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا بأس بالقفازين (٢). وذكر ليثًا هنا في المتابعة، وحديث ابن عباس سلف في الجنائز (٣). والقفاز شيء يعمل لليدين؛ ليقيهما من البرد يحشى بقطن ويكون له أزرار على الساعدين، قاله الجوهري وغيره (٤)، ويتخذه الصائد أيضًا، وهو أيضًا ضربٌ من الحلي، قاله ابن سيده وغيره، وتقفزت المرأة: نقشت يديها ورجليها بالحناء (٥). ---------- (١) «سنن الترمذي» (٨٣٣) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيما لا يجوز للمحرم لبسه. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٧٢. (٣) سلف برقم (١٢٦٥) باب: الكفن في ثوبين. (٤) «الصحاح» ٣/ ٨٩٢ مادة [قفز]. (٥) «المحكم» ٦/ ١٥٩. والورس: نبت يصبغ به، قال أبو حنيفة الدينوري: يزرع باليمن زرعًا، ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون شيءٌ منه بريًا، ونباته مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه تفتق فينفض منه الورس، ويزرع سنة فيجلس عشر سنين. أي: يقيم في الأرض ينبت ويثمر، وفيه جنس يسمى الحبشي وفيه سواد، وهو أكبر الورس، والعرعر: ورس، والرمث ورس. قال أبو حنيفة: لست أعرفه بغير أرض العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن. قال الأصمعي: ثلاثة أشياء لا تكون إلا باليمن، وقد ملأت الأرض؛ الورس، واللبان، والعصب. وقال ابن البيطار في «جامعه»: يؤتى بالورس من الصين والهند واليمن، وليس بنبات يزرع كما زعم من زعم، وهو يشبه زهر العصفر، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه. وقال الفضل بن سلمة في كتاب «الطب»: يقال: إن الكركم عروق الزعفران، والزعفران قال أبو حنيفة: لا أعلم ينبت بشيء من أرض العرب، وقد كثر مجيئه في كلامهم وأشعارهم، وقد زعم قوم أنه اسم أعجمي، وقد صرفته العرب. فقالوا: ثوب مزعفر، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً، والعبير عند العرب: الزعفران والخلوق، وقال مؤرج: يقال لورق الزعفران: الفيد. وبه سمي مؤرج أبا فيد. وفي «المحكم»: جمعه بعضهم وإن كان جنسًا: زعافر (١). وقال الجوهري: كترجمان وتراجم (٢). وقد سبق فقه الباب: في باب ما لا يلبس المحرم من الثياب. ------------- (١) «المحكم» (٢/ ٣١٨). (٢) «الصحاح» ٢/ ٦٧٠ مادة (زعفر). قال الطحاوي: ذهب قوم إلى هذِه الآثار فقالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران فلا يحل لبسه في الإحرام وإن غسل؛ لأن النبي - ﷺ - لم يبين في هذِه الآثار ما غسل من ذَلِكَ مما لم يغسل، فنهيه عام، وخالفهم في ذَلِكَ آخرون فقالوا: ما غسل من ذَلِكَ حَتَّى لا ينفض فلا بأس بلبسه في الإحرام؛ ولأن الثوب الذي صبغ إنما نهي عن لبسه في حال الإحرام، لما كان دخله مما هو (حرام) (١) على المحرم، فإذا غسل وذهب ذلك المعنى منه عاد الثوب إلى أصله الأول، كالثوب الذي تصيبه النجاسة، فإذا غسل طهر وحلت الصلاة فيه (٢). قال ابن المنذر: وممن رخص في ذَلِكَ سعيد بن المسيب والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس، وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور، وكان مالك يكره ذَلِكَ إلا أن يكون قد غسل وذهب لونه. قال الطحاوي: وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه استثنى مما حرمه على المحرم من ذَلِكَ فقال: «إلا أن يكون غسيلًا» ثم قال: حدثناه فهد، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو معاوية، ثنا ابن أبي عمران، ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺبمثل حديثه الذي في الباب- قال: فثبت بهذا استثناء الغسيل مما قد مسه ورس أو زعفران. قال ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن معين يتعجب من الحماني إذ حدث بهذا الحديث، وقال عبد الرحمن بن صالح: هذا عندي، فوثب ------- (١) في (م): حلال. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٧. من فوره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية، كما ذكره الحماني فكتبه عنه يحيى بن معين (١). قال الميموني: قال أبو عبد الله: إن كان قاله النبي - ﷺ -. ثم قال: كان -يعني: أبا معاوية- مضطرب في أحاديث عبيد الله، ولم يجئ بها أحد غيره «إلا أن يكون غسيلًا» (٢). وقال ابن حزم: إن صح وجب الوقوف عنده ولا نعلمه صحيحًا (٣)، والحديث دال على أن المرأة لا تلبس القفازين؛ ولأن اليد عضو لا يجب على المرأة ستره في الصلاة فلا يجوز لها ستره في الإحرام كالوجه، فإحرامها في وجهها ويديها؛ لأن ما عداهما عورة، والوجه مختص بالنقاب، والكفان بالقفازين، وللشافعي قول آخر: أنه يجوز؛ لأن سعد بن أبي وقاص كان يأمر بناته بلبسهما في الإحرام، رواه في «الأم» (٤). ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٧. (٢) ومذهب الإمام أحمد: أن المحرم لا يلبس شيئًا فيه طيب، أو مسه ورس أو زعفران. انظر: «مسائل أبي داود لأحمد» (٧٢١)، و«مسائل ابن هانئ لأحمد» (٧٦٨، ٧٨٢، ٧٨٣)، «شرح العمدة» لشيخ الإسلام ٢/ ٨٣. (٣) «المحلى» ٧/ ٨٠. (٤) «الأم» ٢/ ٢٠٣. ١٤ - باب الاِغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ بِالحَكِّ بَأْسًا. ١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ العَبَّاسِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ - ﷺ - يَفْعَلُ. [مسلم: ١٢٠٥ - فتح: ٤/ ٥٥] ثم ذكر حديث زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ حُنَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأسَهُ .. الحديث. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١). و(الأبواء) بالمد سلف قريبًا، و(المسور) صحابي ابن صحابي، واختلافهما هو في الغسل، والاختلاف في مذاكرة العلم، والظاهر من إرسال ابن عباس إلى أبي أيوب يسأله عن غسل رسول الله - ﷺ - رأسه وهو محرم، أن ابن عباس علم أن عند أبي أيوب من ذَلِكَ --------- (١) مسلم (١٢٠٥) كتاب: الحج، باب: جواز غسل المحرم رأسه. علمًا، وفي إرساله عبد الله بن حنين أن الصاحب ينقل عن التابعي. و(القرنان): العمودان بجنب البئر عليهما البكرة يستقى عليهما، فإن كانا من خشب فهما زرنوقان. وفيه: ستر المغتسل بثوب ونحوه، والبداءة بالسلام عليه وإن كان في حالة تجتنب مكالمته، ويغض البصر عنه، وأرسله للعلم بالغسل فسأل عن الكيفية؛ لأنه ناشئ عن الغسل، ولعل اختلافهما كان في غسل التطوع أو فيما زاد على الفرض من إمرار اليد، ولعل المسور إنما أنكره، خشية من قتل الدواب في الرأس وإزالة الشعث، وليس في إمرار اليد على الرأس قتل لها ولا إزالتها عن موضعها إلا في مثل الصب عليها. وفيه: أن الصحابة إذا اختلفوا لم تكن الحجة في قول أحد منهم إلا بدليل يجب التسليم له من كتاب أو سنة، كما نزع أبو أيوب بالسنة، ففلج (١) ابن عباس المسور. وفيه: التناظر في المسائل والتحاكم فيها إلى الشيوخ العالمين بها. وقوله في الترجمة: (ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا) يعني: حك جلده إذا أكله، وقال عطاء: يحك الجنب في جسده وإن أدماه. وقد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه، فذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك (٢)، ورويت الرخصة في ذَلِكَ عن عمر بن الخطاب وابن عباس -------- (١) في «المعجم الوسيط» (٢/ ٧٠٦): يقال: فلج بحاجته وبحجته: أحسن الإدلاء بها، فغلب خصمه. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١١٢، «البيان» ٤/ ٢٠٤، «المغني» ٥/ ١١٧. وجابر (١)، وعليه الجمهور وحجتهم حديث الباب، وكان مالك يكره ذَلِكَ للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من الاحتلام (٢)، قال مالك: فإذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل وحلق الشعر وإلقاء التفث، وهذا الذي سمعت من أهل العلم (٣). وروي عن سعد بن عبادة مثل قول مالك، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان في الماء وهما محرمان مخالفة لابن القاسم، وكان ابن القاسم يقول: إن غمس رأسه في الماء أطعم شيئًا من طعام خوفًا من قتل الدواب، ولا يجب الفداء إلا بيقين، وغير ذَلِكَ استحباب. ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحر يجده (٤). قال أشهب: لا أكره غمس المحرم رأسه في الماء، وما يخاف في الغمس ينبغي أن يخاف مثله في صب الماء على الرأس من الحر، وقد قال عمر بن الخطاب ليعلى بن (أمية) (٥) -حين كان عمر يغسل رأسه ويعلى يصب عليه-: أصبب فلن يزيده الماء إلا شعثًا (٦)، يعني: إذا --------- (١) عن عمر رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤٠٩ (١٠٣٤)، وعن ابن عباس هو حديث الباب، وعن جابر رواه البيهقي ٥/ ٥٤. (٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤١٠ (١٠٣٦). (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٩٥. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٢٦. (٥) في الأصل: منيه، والصواب ما أثبتناه. (٦) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢١٥ عن عطاء بن أبي رباح أن عمر بن الخطاب قال ليعلى بن أمية .. الحديث. قال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٢١١: رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنه منقطع بين عطاء وعمر أ. هـ = لم يغسل بغير الماء. ألا ترى فعل أبي أيوب حين صب على رأسه الماء حركه بيديه، ولم ير ذَلِكَ مما يذهب الشعث، ومثله قوله - عليه السلام - لعائشة: «انقضي رأسك في غسلك وامتشطي» (١) أي: أمشطيه بأصابعك وخلليه بها فإن ذَلِكَ لا يذهب الشعث، وإن شعثه لا يمنعك من المبالغة في غسل رأسك؛ لأن الماء لا يزيده إلا شعثًا. وابن عباس أفقه من المسور؛ لموافقة النبي - ﷺ - وأصحابه، قاله ابن أبي صفرة، ونقل ابن التين عن مالك أن انغماس المحرم فيه محظور. وروي عن ابن عمر وابن عباس إجازته، وأما إن غسل رأسه بالخطمي والسدر فإن الفقهاء يكرهونه، هذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية. وقال الشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه (٢)، وقد رخص عطاء وطاوس ومجاهد لمن لبَّد رأسه فشق عليه الحلق أن يغسل بالخطمي حَتَّى يلين (٣)، وكان ابن عمر يفعل ذَلِكَ (٤). قال ابن المنذر: وذلك جائز؛ لأنه - عليه السلام - أمرهم أن يغسلوا الميت --------- = ووصله الشافعي ٢/ ٢١٥ (٨٦١)، وكذا البيهقي ٥/ ٦٣ من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريج: أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره عن أبيه يعلى بن أمية أنه قال: بينما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يغتسل إلى بعير .. الحديث. قال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٢١١: هذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن سالم، قال الحافظ في «التقريب»: صدوق يهم، رمي بالإرجاء، وكان فقيها. أ. هـ وصححه بمجموع طريقيه: انظر: «الإرواء» (١٠٢٠). (١) سلف برقم (١٥٥٦) كتاب: الحج، باب: كيف تهل الحائض. (٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٤، «المدونة» ١/ ٣٠٩، «البيان» ٤/ ٢٠٤. (٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٠ (١٤٩٠٣). (٤) ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤١ (١٤٩٠٦). المحرم بماء وسدر، وأمرهم أن يجنبوه ما يجنب المحرم الحي، فدل ذَلِكَ على إباحة غسل رأس المحرم بالسدر والخطمي، وما في معناه، وأجاز الكوفيون والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق للمحرم دخول الحمام (١). وقال مالك: إن دخله فتدلك وأنقى الوسخ فعليه الفدية (٢). -------- (١) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٤، «روضة الطالبين» ٣/ ١٣٣. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٢٦. ١٥ - باب لُبْسِ الخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ١٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ». لِلْمُحْرِمِ. [انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٧] ١٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه -: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤/ ٥٧] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ السَرَاوِيلَ». لِلْمُحْرِمِ. وحديث عَبْدِ اللهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ .. الحديث. وقد سبقا (١). ------------ (١) حديث ابن عباس الأول سلف برقم (١٧٤٠) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. وحديث ابن عمر الثاني سلف برقم (١٣٤) كتاب: الوضوء، باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله. ١٦ - باب إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ ١٨٤٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ». [انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٨] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ المذكور. وقد اختلف العلماء إذا احتاج إلى لبس الخفين عند عدم النعلين، وقطعهما فقال مالك والشافعي: لا فدية عليه، وأخذا بحديث ابن عمر. وقال أبو حنيفة: عليه الفدية (١). وهو خلاف الحديث، واحتج أصحابه: بأنه - عليه السلام - أباح له لبس السراويل عند عدم الإزار، وذلك يوجب فيه الفدية، فيقال: أمرنا بالقطع كما سلف؛ ليصير في معنى النعلين التي لا فدية في لبسهما، ولم نؤمر بفتق السراويل؛ لئلا تنكشف العورة فبقي في حكم القميص المخيط، ولو أمر بفتقه لصار في معنى الخف إذا قطع. والحجة للمانع الأمر بقطعهما حَتَّى يكونا أسفل من الكعبين فلو وجبت مع قطعهما، وتركهما لم يكن لقطعهما فائدة؛ لأنه إتلاف من غير فائدة، وإنما قطعهما؛ ليصيرا في معنى النعلين حَتَّى لا تجب فدية، ولا يدخل فيجبر بهما، ولو وجبت بلبسه بعد القطع كما تجب بلبسه قبله لم يأمره - عليه السلام - بالقطع؛ لأن لبسه بعد القطع كلبسه قبله، فلما جوز له لبسه بعد القطع، ولم يجوزه قبله علم أنه إذا لبسه بعد -------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٥، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٥، «البيان» ٤/ ١٥٣. القطع كان مخالفًا لحكمه إذا لبسه قبل القطع في الفدية. واعلم أن حديث ابن عمر وكذا جابر مطلق، وحديث ابن عباس مقيد (١)، ورجع ابن حزم وغيره إلى رواية ابن عمر. قال ابن حزم: حديث ابن عمر فيه زيادة لا يحل خلافها (٢). وقال ابن عبد البر: المصير إلى روايته أولى (٣)، والمشهور عن أحمد أنه لا يلزمه القطع، ونقله ابن قدامة عن علي، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح (٤). احتج أحمد بحديث ابن عباس في الكتاب، وحديث جابر مثله (٥)، مع قول علي: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. مع موافقة القياس فأشبه الملبوس الذي أبيح لعدم غيره، فأشبه السراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع محرم مع الفدية على النعلين كلبس الصحيح، وفي إتلاف ماليته، وقد نهى عن إضاعته، وقد أسلفنا في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب، أن بعضهم وهم فجعل قوله: «فليقطعهما» من قول نافع (٦). قال ابن قدامة: وروى ابن أبي موسى، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة أنه - عليه السلام - رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، -------------- (١) حديث ابن عمر وابن عباس هما حديثا الباب، وأما حديث جابر فرواه مسلم (١١٧٩). (٢) «المحلى» ٧/ ٨١. (٣) «التمهيد» ١٥/ ١١٤. (٤) «المغني» ٥/ ١٢٠ - ١٢١. (٥) رواه مسلم (١١٧٩). (٦) سلف برقم (١٥٤٢). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#354 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 441 الى صـــ 460 الحلقة (354) وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع (١). أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان: أن ابن عمر كان يصنع ذَلِكَ -يعني: يفتي بقطعهما للمرأة المحرمة- ثم حدثته صفية أن عائشة حدثتها أن رسول الله - ﷺ - قد كان رخص للنساء في الخفين، ترك ذَلِكَ (٢). قال: وروى أبو حفص في «شرحه» بسند إلى عبد الرحمن بن عوف (٣) أنه طاف وعليه خفان، فقال له عمر: والخفان مع الغنى؟ قال: قد لبستهما مع من هو خير منك، يعني رسول الله - ﷺ - (٤). وذكره الطحاوي فقال: روي عن عامر بن ربيعة قال: خرجت مع ابن عمر فرأى ابن عوف .. الحديث. وفيه: فعلته مع من هو خير منك، مع رسول الله - ﷺ -، فلم يعبه علي. وهو ظاهر أنه رآه ولم ينكره. قال ابن قدامة: ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ، فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعًا، وقال: انظروا أيهما كان قبل. ----------- (١) «المغني» ٥/ ١٢١ - ١٢٢. (٢) أبو داود (١٨٣١) كتاب: المناسك، باب: ما يلبس المحرم، ابن خزيمة ٤/ ٢٠١ (٢٦٨٦). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٩، ٦/ ٣٥، والدارقطني ٢/ ٢٧٢، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٠٧). (٣) ورد بهامش الأصل: قلت: الحديث في «مسند أحمد» [١/ ١٩٢] إلى شريك، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: سمع عمر بن الخطاب، إلى قوله: ثم أبصر على عبد الرحمن خفين قال: وخفان؟! فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك أو مع رسول الله عمرو فقال عمر: عزمت عليك ألا تنزعها، فإني أخاف أن ينظر الناس إليك فيقتدون بك .. الثاني: قد لبستهما مع رسول الله - ﷺ -. (٤) انظر: «مسند أحمد» (١/ ١٩٢). قال الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قد جاء في بعض رواياته: نادى رجل رسول الله - ﷺ - في المسجد -يعني بالمدينة (١) - فكأنه كان قبل الإحرام، وحديث ابن عباس يقول: سمعته يخطب بعرفات، الحديث، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر، فيكون ناسخًا؛ لأنه لو كان القطع واجبًا لبينه للناس، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه (٢). قال ابن الجوزي: روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر (٣)، وحديث ابن عباس سالم من الوقف مع ما عضده من حديث جابر، وقد أخذ بحديثنا عمر وعلي وسعد وابن عباس وعائشة، ثم إنا نحمل قوله: «وليقطعهما» على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام، وينهى عن ذَلِكَ في غير الإحرام؛ لما فيه من الفساد، فأما إذا لبس الخف المقطوع من أسفل الكتب مع وجود النعل، فعندنا أنه لا يجوز وتجب عليه الفدية خلافًا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. قال ابن قدامة: والأولى قطعهما؛ عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط (٤). وذكر الميموني عن أحمد أنه ذكر حديث ابن عمر وأنه مرفوع فيه ذكر القطع وقال: ليس تجد أحدًا يرفعه غير زهير، قال: وكان زهير من معادن الصدق. وقول الخطابي: العجب من أحمد، فإنه لا يخالف سنة تبلغه. وقلت: سنة --------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٠. (٢) «المغني» ٥/ ١٢٢. (٣) «التحقيق» ٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠. (٤) «المغني» ٥/ ١٢٥. لم تبلغه عجيب؛ لأن هذِه السنة بلغته كما علمته، قال: وقول من قال: قطعهما فساد يشبه أن حديث ابن عمر لم يبلغه، إنما الفساد فعل ما نهى عنه (١)، وفي بعض نسخ النسائي في حديث ابن عباس من رواية عمرو بن دينار زيادة: «وليقطعهما أسفل من الكعبين» (٢). كحديث ابن عمر، ويعكر عليه رواية أحمد في «مسنده» عن عمرو، أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس بالحديث، وفيه قال: فقلت له: ولم يقل ليقطعهما (٣). قال: لا، ودعوى أن حديث ابن عباس بعرفات، وحديث ابن عمر بالمدينة، يخدشه ما ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» عن ابن عباس: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يخطب ويقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار» الحديث (٤). وحَدَّثَنَا أحمد بن المقدام، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وهو بذلك المكان فقال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم؟ .. الحديث (٥). كأنه يشير به إلى عرفات، فتنبه له. وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارًا لم يجز له لبس السراويل. واختلفوا إذا لم يجد إزارًا (٦)، فقال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يلبسه ولا شيء عليه. وأخذوا بحديث ابن عباس. ----------- (١) «معالم السنن» للخطابي ٢/ ١٥٢. (٢) النسائي ٥/ ١٣٥. (٣) «مسند أحمد» ١/ ٢٢٨. (٤) ابن خزيمة ٤/ ١٩٩ (٢٦٨١). (٥) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٢٠٠ (٢٦٨٢). (٦) حكاه الحافظ ابن عبد البر في «الاستذكار» ١١/ ٣١ (١٥٢٨) وعنه نقله ابن القطان الفاسي في «الإقناع» (١٤٤٧). وقال أبو حنيفة ومالك: عليه الفدية سواء وجد إزارًا أم لا، إلا أن يشقه ويتزر به. خالفا ظاهر الحديث، وقال الطحاوي: لا يجوز له لبسه حَتَّى يفتقه. وقال الرازي: يجوز ويفدي، وهو قول أصحاب مالك (١). ----------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٥، «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «عيون المجالس» ٢/ ٨٠٠، «البيان» ٤/ ١٥١، «المغني» ٥/ ١٢٠. ١٧ - باب لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا خَشِيَ العَدُوَّ لَبِسَ السِّلَاحَ وَافْتَدَى. وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الفِدْيَةِ. ١٨٤٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ - رضي الله عنه -: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحًا إِلَّا فِي القِرَابِ. [انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٤/ ٥٨] وذكر حديث البَرَاءِ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ بسِلَاح إِلَّا فِي القِرَابِ. كان هذا في عام القضية (١) كما ستعلمه في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيه: جواز حمل المحرم السلاح للحج والعمرة إذا كان خوف، واحتيج إليه، وأجاز ذَلِكَ عطاء ومالك والشافعي، وكرهه الحسن البصري، وهذا الحديث حجة عليه وعلى عكرمة في إيجاب الفدية فيه (٢) (٣). ---------- (١) ورد بهامش الأصل: إنما كان الاعتمار في ذي القعدة، ومنعهم له - عليه السلام - أن يدخل في الحديبية لا في القضية، نعم دخوله مكة بالسلاح في القراب كان في القضية. والله أعلم. (٢) ورد بالهامش: ثم بلغ في الأربعين كتبه مؤلفه. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٧، «المجموع» ٧/ ٤٦٧، «المغني» ٥/ ١٢٨. ١٨ - باب دُخُولِ الحَرَمِ وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ حلالًا. وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالإِهْلَالِ لِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْحَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ. ١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. [انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٤/ ٥٩] ١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». [٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨ - مسلم: ١٣٥٧ - فتح: ٤/ ٥٩] ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ: وَقَّتَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ .. الحديث وتقدم أوائل الحج (١). وحديث مَالِكْ، عَنِ ابن شِهَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْح، وَعَلَى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابن خَطَلِ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». الشرح: أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله، وبلغه بقديد أن جيشًا من جيوش الفتنة دخلوا ------- (١) برقم (١٥٢٤) باب: مهل أهل مكة للحج والعمرة. المدينة، فكره أن يدخل عليهم، فرجع إلى مكة فدخلها بغير إحرام (١). ورواه البيهقي من حديث مالك، عن نافع (٢). وحديث أنس أخرجه مسلم والأربعة (٣)، وعد من أفراد مالك، تفرد بقوله: وعلى رأسه المغفر (٤). كما تفرد بحديث: «الراكب شيطان» (٥)، وبحديث: «السفر قطعة من العذاب» (٦). قال الدارقطني: قد أوردت أحاديث من رواه عن مالك في جزء مفرد وهو نحو من مائة وعشرين رجلًا أو أكثر، منهم: السفيانان، وابن جريج والأوزاعي. وقال ابن عبد البر: هذا حديث تفرد به مالك، ولا يحفظ عن غيره، ولم يروه عن ابن شهاب سواه -من طريق صحيح- واحتاج إليه فيه جماعة من الأئمة يطول ذكرهم، وقد روي عن ابن أخي ابن شهاب ------------ (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٤) كتاب: الحج، من رخص أن يدخل مكة بغير إحرام. (٢) «سنن البيهقي» ٥/ ١٧٨ كتاب: الحج، باب: من رخص في دخولها بغير إحرام. (٣) مسلم (١٣٥٧)، أبو داود (٢٦٨٥)، الترمذي (١٦٩٣)، النسائي ٥/ ٢٠٠ - ٢٠١، ابن ماجه (٢٨٠٥). (٤) «الموطأ» ص ٢٧٣. (٥) «الموطأ» ص ٦٠٥. ورواه أيضًا أبو داود (٢٦٠٧) كتاب: الجهاد، باب: في الرجل يسافر وحده، والترمذي (١٦٧٤) كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٢٦٦ (٨٨٤٩)، وأحمد ٢/ ١٨٦، والحاكم ٢/ ١٠٢. جميعًا من طريق مالك. وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه، وقال الحافظ في «الفتح» ٦/ ٥٣: إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٣٤٦). (٦) «الموطأ» ص ٦٠٦. ومن طريقه سلف برقم (١٨٠٤) كتاب: العمرة، باب: السفر قطعة من العذاب، ورواه مسلم (١٩٢٧) كتاب: الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب. عن عمه، عن أنس (١)، ولا يكاد يصح، وروي من غير هذا الوجه، ولا يثبت أهل العلم فيه إسناد غير حديث مالك (٢)، ورواه أيضًا أبو أويس والأوزاعي عن الزهري، وروى محمد بن سليم بن الوليد العسقلاني، عن محمد بن أبي السري، عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس: دخل النبي - ﷺ - يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. ومحمد بن سليم لم يكن ممن يعتمد عليه، وتابعه على ذَلِكَ بهذا الإسناد الوليد بن مسلم ويحيى الوحاظي، ومع هذا فإنه لا يحفظ عن مالك في هذا إلا المغفر. قال أبو عمر: قد روي من طريق أحمد بن إسماعيل، عن مالك، عن أبي الزبير عن جابر أنه - عليه السلام - دخل مكة. وعليه عمامة سوداء، ولم يقل: عام الفتح. وهو محفوظ من حديث جابر (٣)، زاد مسلم في «صحيحه»: بغير إحرام (٤). قال: وروى جماعة منهم بشر بن عمر الزهراني ومنصور بن سلمة الخزاعي حديث المغفر فقالا: مغفر من حديد. ومنصور وبشر ثقتان، وتابعهما على ذَلِكَ جماعة ليسوا هناك، وكذا رواه أبو عبيد بن سلام عن ابن بكير، عن مالك، ورواه روح بن عبادة عن مالك بإسناده هذا، وفيه زيادة: وطاف وعليه المغفر. ولم يقله غيره. ------------ (١) رواه البزار في «البحر الزخار» ١٢/ ٣٦٤ (٦٢٩١). وقال: لا نعلم رواه عن الزهري إلا مالك وابن أخي الزهري، ولا نعلم رواه عن ابن أخي الزهري إلا يحيى بن هانئ. (٢) «التمهيد» ٦/ ١٥٩. (٣) «التمهيد» ٦/ ١٧٢. (٤) مسلم (١٣٥٧). ورواه عبد الله بن جعفر (المديني) (١) عن مالك، عن الزهري، عن أنس قال: دخل رسول الله - ﷺ - يوم الفتح مكة وعلى رأسه مغفر واستلم الحجر بمحجن. وهذا لم يقله عن مالك غير عبد الله هذا (٢). وروى داود بن الزبرقان عن معمر ومالك جميعًا، عن ابن شهاب، عن أنس أنه - عليه السلام - دخل عام الفتح في رمضان وليس بصائم. وهذا اللفظ ليس بمحفوظ بهذا الإسناد لمالك إلا من هذا الوجه. وقد روى سويد بن سعيد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس أنه - عليه السلام - دخل مكة عام الفتح غير محرم. وتابعه على ذَلِكَ عن مالك، إبراهيم بن علي المعتزلي (٣). وهذا لا يعرف هكذا إلا بهما، وإنما هو في «الموطأ» عند جماعة الرواة من قول ابن شهاب لم يرفعه إلى أنس (٤). وقال الحاكم في «إكليله»: اختلفت الروايات في لبسه - عليه السلام - العمامة أو المغفر يوم الفتح، ولم يختلفوا أنه دخلها وهو حلال، قال: وقال بعض الناس: العمامة والمغفر على الرأس، ويؤيد ذَلِكَ حديث جابر. يعني السالف. قال: وهو وإن صححه مسلم (٥) وحده، فالأول -يعني حديث أنس- مجمع على صحته، والدليل على أن المغفر غير العمامة قوله: من حديد. فبان بهذا أن حديث: من حديد. أثبت من العمامة السوداء؛ لأن راويها أبو الزبير. ----------- (١) كذا بالأصل، وهو موافق لما في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٣٢٠٦)، وفي «التمهيد»: المدني. (٢) «التمهيد» ٦/ ١٥٨ - ١٥٩. (٣) «التمهيد» ٦/ ١٧٣. (٤) «الموطأ» ص ٢٧٣. وانظر: «التمهيد» (٦/ ١٧٣). (٥) مسلم (١٣٥٨) كتاب: الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. وقال عمرو بن دينار: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة، وقد روي عن عمرو بن حريث ومزيدة وعنبسة -صاحب الألواح- عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن رسول الله - ﷺ - لبس العمامة السوداء، ولا يصح منها وإنما لبس البياض، وأمر به. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: المغفر بكسر الميم، وكذا المغفرة والغفارة زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس تلبس تحت القلنسوة، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنع به المتسلح. وقال ابن عبد البر: هو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره (١)، وذكر ابن طاهر الداني في «أطراف الموطأ»: لعل المغفر كان تحت العمامة (٢)، وكذا قاله ابن عبد البر. ثانيها: نزعه المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة، ويؤيد هذا خطبته والعمامة عليه؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح. ثالثها: ابن خطل اسمه: هلال -أو عبد الله وهلال أخوه ويقال لهما: الخطلان- أو عبد العزى أو غالب بن عبد الله بن عبد مناف. وقال الدمياطي: اسمه هلال، وخطل لقب جده عبد مناف (٣). وقال الزبير بن ----------- (١) «التمهيد» (٦/ ١٥٨). (٢) «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ» ٢/ ٥١. (٣) في هامش (م): وكان يقال لابن خطل ذا القلبين، وفيه نزل ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. بكار: اسمه هلال بن عبد الله بن عبد مناف، وعبد الله هو الذي يقال له خطل، ويقال ذَلِكَ لأخيه عبد العزى بن عبد مناف، وهما الخطلان كما سلف، ومن بني تيم الأدرم بن غالب، وقيل له ذَلِكَ لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر. وقال ابن قتيبة: بنو تيم الأدرم من أعراب قريش، وليس بمكة منهم أحد (١)، وعبد العزى عم ابن خطل يقال له أيضًا: خطل، وكان يقال لابن خطل: ذا القلبين (٢)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال أبو عمر: لأنه كان أسلم، وبعثه رسول الله - ﷺ - مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وأمَّر عليه الأنصاري، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله، وذهب بماله. وعن ابن إسحاق: كان له مولى يخدمه، وكان أيضًا المولى مسلمًا فنزل ابن خطل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا، واتخذ قينتين يغنيان بهجاء سيدنا رسول الله - ﷺ - (٣). وفي «مجالس الجوهري» أنه كان يكتب الوحي للنبي - ﷺ -، فكان إذا ---------- (١) «المعارف» لابن قتيبة ص ٦٨. (٢) بهامش الأصل: قال ابن بشكوال: قال قتادة: كان رجل على عهد رسول الله يسمي ذا القلبين، فأنزل الله ما تسمعون، ذكره عن مجاهد، وكذا في تفسير محمد بن جرير، عن ابن عباس: الرجل المذكور أبو معمر جميل بن أسد الفهري. وساق له شاهدًا في الآية، بل قيل: هو زيد بن حارثة، والشاهد له في «تفسير عبد الرزاق». [قلت: انظر: «غوامض الأسماء المبهمة» لابن بشكوال ٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥]. (٣) «التمهيد» ٦/ ١٦٩ - ١٧٠. وفيه روى حديث ابن إسحاق المذكور بسنده. نزل ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، كتب: رحيم غفور، وإذا نزل ﴿سَمِيع عَلِيمٌ﴾، كتب: عليم سميع، أخرجه من طريق الضحاك عن النزال بن سبرة، عن علي، قتله أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي، أو سعيد بن حريث المخزومي، أو الزبير بن العوام. قال أبو عمر: وذكر أنه استبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارًا فقتل بين المقام وزمزم (١). وفي رواية يونس عن ابن إسحاق: لما قتل قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا» (٢) قلت: هذا في غيره، وهو الأكثر. رابعها: فيه كما نبه عليه السهيلي: دلالة أن الكعبة المشرفة لا تعيذ عاصيًا، ولا تمنع من إقامة حد واجب، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] إنما معناه: الخبر عن تعظيم حرمتها في الجاهلية نعمة من الله على أهل مكة، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٩٧]، فكان ذَلِكَ قوام الناس، ومصلحة لذرية إسماعيل قطان الحرم، وإجابة لدعوة إبراهيم حيث يقول: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (٣). خامسها: فيه كما قال ابن عبد البر: دخول مكة بغير إحرام وبالسلاح الظاهر ---------- (١) السابق ٦/ ١٧٥. (٢) رواه مسلم (١٧٨٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يقتل قرشي صبرا بعد الفتح. من طريق زكريا، عن الشعبي قال: أخبرني عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول، يوم فتح مكة .. الحديث. (٣) «الروض الأنف» للسهيلي ٤/ ١٠٣. فيها، ولكنه عند جمهور العلماء منسوخ ومخصوص بقوله: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» (١). فهذا إخبار أن الله تعالى حرمها. وقال في كتاب «الأجوبة الموعبة عن المسائل المستغربة على صحيح البخاري»: وما حرم الله فلا سبيل إلى استحلاله إلا بإذن الله، يمحو الله ما يشاء ويثبت، يحل ويحرم ابتلاء واختبارًا لا بداءً. كما قالته اليهود، ولكن لمصالح العباد، واختبارهم ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وأيهم ألزم لما أمر به ونهي عنه؛ لتقع المجازاة على الأعمال، وقد أذن لرسوله في استحلالها، ثم أخبر على لسانه أنها عادت إلى حالها، وقد روى ابن عمر وابن عباس وأبو بكرة وعمرو بن الأحوص وجابر وغيرهم بألفاظ متقاربة ومعنى واحد أن رسول الله - ﷺ - خطبهم في حجة الوداع فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» (٢). ----------- (١) يأتي برقم (٤٣١٣) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح، ورواه مسلم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها. وانظر: «التمهيد» (٦/ ١٦٠). (٢) حديث ابن عمر سلف برقم (١٧٤٢) باب: الخطبة أيام منى. وحديث ابن عباس رواه ابن خزيمة ٤/ ٢٨٩ (٢٩٢٧)، والطبراني ١١/ ١٧٣ (١١٣٩٩)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧١: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال الألباني في تعليقه على «صحيح ابن خزيمة»: إسناده حسن. وحديث أبي بكرة يأتي برقم (٤٤٠٦) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع، ورواه مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليط تحريم الدماء. وحديث عمرو بن الأحوص رواه الترمذي (٣٠٨٧) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وابن ماجه (٣٠٥٥) كتاب: المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، وابن خزيمة ٤/ ٢٥٠ (٢٨٠٨)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٧٩). وحديث جابر رواه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -. مطولًا، وأحمد ٣/ ٣٢٠. = وفي قوله: «ولم يحرمها الناس» (١) أيضًا دليل واضح على أن قوله: «إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتبها» (٢) يعني: المدينة، ليس على ظاهره، وهو حديث رواه مالك، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس (٣)، وعمرو ليس بالقوي عند بعضهم (٤)، قال: ومعناه عندي ----------- = وفي الباب عن أبي سعيد الخدري. رواه ابن ماجه (٣٩٣١) كتاب: الفتن، باب: حرمة دم المؤمن وماله، والطحاوي ٤/ ١٥٩، وقال البوصيري في «زوائده» ص: ٥١٧: صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣١٧٦). (١) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها. (٢) رواه مسلم (١٣٦١/ ٤٥٦) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها، بهذا اللفظ من حديث رافع بن خديج. (٣) «الموطأ» ص ٥٥٤. قلت: وسيأتي من هذا الطريق برقم (٥٤٢٥) كتاب: الأطعمة، باب: الحيس، وكذا رواه مسلم (١٣٦٥) كتاب: الحج. (٤) قال الحافظ في «هدي الساري مقدمة فتح الباري» ص: ٤٣٢: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب أبو عثمان المدني، من صغار التابعين، وثقة أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي، وضعفه ابن معين والنسائي وعثمان الدارمي لروايته عن عكرمة حديث البهيمة، وقال العجلي أنكروا حديث البهيمة يعني: حديثه عن عكرمة عن ابن عباس من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة، وقال البخاري لا أدري سمعه من عكرمة أم لا، وقال أبو داود: ليس هو بذاك؛ حدث بحديث البهيمة، وقد روى عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: ليس على من أتى بهيمة حد، وقال الساجي صدوق إلا أنه يهم. قلت: لم يخرج له البخاري من روايته، عن عكرمة شيئًا بل أخرج له من روايته عن أنس أربعة أحاديث، ومن روايته عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حديثا واحدًا، ومن روايته عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة حديثا واحدًا واحتج به الباقون. اهـ. وقال في «التقريب» (٥٠٨٣): ثقة ربما وهم. وانظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٥٩ (٢٦٣٣)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥٢ (١٣٩٨)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٦٨ (٤٤١٨). -والله أعلم- أن إبراهيم أعلن حرمتها، وعلم أنها حرام بإخباره، فكأنه حرمها؛ إذ لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه، كما أضاف الله تعالى توفي الأنفس مرة إليه (١)، ومرة إلى ملك الموت بقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] ومرة إلى أعوانه بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨] وجائز أن يضاف الشيء إلى من له فيه سبب، ويحتمل أن يكون إبراهيم منع من الصيد بمكة والقتال فيها وشبه ذَلِكَ، وإني أمنع مثل ذَلِكَ بالمدينة، والتحريم في كلام العرب: المنع، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أي: منعناه قبول المراضع، وحديث مالك عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه: «اللهم إن إبراهيَم دعاك لمكة» (٢)، وهذا أولى من رواية: «حرم مكة» (٣)، وقوله: «أحلت لي ساعة من نهار» (٤)، لم يرد الساعة المعروفة والمراد: القليل من الوقت والزمان، وأنه كان بعض النهار ولم تكن يومًا تامًا وليلة، «وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» (٥)، يدل على أن الساعة التي أحل له فيها القتال لم تكن أكثر من يوم (٦). وكان ابن شهاب يقول: لا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام (٧)، ---------- (١) بقوله جل وعلا في سورة الزمر: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ آية: ٤٢، وقد ذكرها ابن عبد البر في «الأجوبة» ص ٩٩، وأسقطها المصنف -رحمه الله- هنا. (٢) «الموطأ» ص: ٥٥٢. والحديث رواه مسلم (١٣٧٣). (٣) رواه مسلم (١٣٦١). (٤) قطعة من حديث سلف برقم (١١٢) كتاب: العلم، باب: كتابة العلم. (٥) سلف برقم (١٨٣٢)، ورواه مسلم (١٣٥٤). (٦) «الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري» ص ٩٤ - ١٠٤ بتصرف بالغ. (٧) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٧٣. وخالفه في ذَلِكَ أكثر العلماء، ولم يتابعه على ذَلِكَ إلا الحسن البصري. قلت: وأبو مصعب، وإليه ذهب داود وأصحابه، وروي عن الشافعي مثل ذَلِكَ، والمشهور عنه كقول الجماعة أبي حنيفة وأصحابه، قالوا: فإن دخلها غير محرم فعليه حجة أو عمرة، وهو قول عطاء وابن حي. وقتل ابن خطل لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون ذَلِكَ كان في الوقت الذي أحلت له فيه مكة، أو يكون -كما قاله جماعة من العلماء- أن الحرم لا يجير من وقع عليه الفتل، وهو قول مالك والشافعي، وأبي يوسف. وقال أبو حنيفة: إذا وجب عليه قصاص أو حد فدخل الحرم لم يقتص منه في النفس، ويقام عليه فيما دونه مما سوى ذَلِكَ حَتَّى يخرج من الحرم، وقال زفر: فإن قتل في الحرم أو زنا فيه رجم. وقد سلف ذَلِكَ، وعن أبي يوسف؛ يخرج من الحرم فيقتل، وكذا في الرجم. واختلفوا في تغليظ الدية على من قتل في الحرم، وأكثرهم على أنه في الحل والحرم سواء، وعن سالم: من قتل خطأ في الحرم زيد عليه في الدية ثلث الدية، وهو قول عثمان بن عفان (١)، وخالفه في ذَلِكَ علي (٢). وقال ابن القصار: اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة ----------- (١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٢٩٨ (١٧٢٨٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ٤٢١ (٢٧٦٠٠)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٥٥ (٢١٨٦ - ٢١٨٧)، والبيهقي ٨/ ٧١. (٢) من قوله: واختلفوا في تغليظ الدية، إلى هذا الحد، هو من كلام الحافظ ابن عبد البر في «الأجوبة» ص ١١٠. بغير إحرام لمن لم يرد الحج والعمرة، فقالا مرة: لا يجوز دخولها إلا به؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان إلا للحطابين ومن قرب منها مثل جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة ترددهم إليها، وبه قال أبو حنيفة والليث، وعلى هذا فلا دم عليه. نص عليه في «المدونة» (١)، ووافقه القاضي في «المعونة»، وخالف في تلقينه والخلاف في مذهبنا أيضًا، وقالا مرة أخرى: دخولها به استحباب لا واجب. قال ابن بطال: وإليه ذهب البخاري محتجًّا بقوله: (ممَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) فدل إن لم يردهما فليس ميقاتًا له، واستدل بحديث الباب: وهو غير محرم. وبه احتج ابن شهاب، ولم يره خصوصًا به - عليه السلام -، وأجاز دخولها بغير إحرام، وهو قول أهل الظاهر، وقال الطحاوي: قول أبي حنيفة وأصحابه في أن من كان منزله في بعض المواقيت أو دونها إلى مكة، فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ومن كان منزله قبل المواقيت لم يدخل مكة إلا بإحرام (٢)، وأخذوا في ذَلِكَ بما روي عن ابن عمر أنه خرج من مكة وهو يريد المدينة، فلما كان قريبًا من قديد بلغه خبر من المدينة رجع فدخل حلالًا (٣)، وقال آخرون: حكم المواقيت حكم ما قبلها (٤). قال الطحاوي: ووجدنا الآثار تدل على أن ذَلِكَ من خواصه بقوله: «فلا تحل لأحد بعدي» وقد عادت حرامًا إلى يوم القيامة فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بإحرام، وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن ---------- (١) «المدونة الكبرى» ٢/ ٣٧٨. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٩. (٣) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٧٣، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٤)، والطحاوي ٢/ ٢٦٣، والبيهقي ٥/ ١٧٨. (٤) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٥١٧ - ٥١٨. بتصرف. البصري (١). وقال ابن بطال: الصحيح في معنى قوله: «لا تحل لأحد بعدي» يريد مثل المعنى الذي حل لرسول الله - ﷺ -، وهو محاربة أهلها وقتالهم، وردهم عن دينهم على ما تقدم في باب: لا يحل القتال بمكة، عن الطبري، وهو أحسن من قول الطحاوي أنه خاص به. واحتج من أجاز دخولها بغير إحرام أن فرض الحج مرة في الدهر وكذا العمرة، فمن أوجب على الداخل إحرامًا فقد أوجب عليه غير ما أوجب الله (٢). سادسها: قال ابن بطال: في قتله - عليه السلام - لابن خطل يوم الفتح حجة لمن قال: إن مكة فتحت عَنْوة، وهو قول مالك وأبي حنيفة وجماعة المتقدمين والمتأخرين، وقال الشافعي وحده: فتحت صلحًا. وفائدة الخلاف في هذِه المسأله ما ذهب إليه مالك والكوفيون أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكًا مستقرًّا بنفس الغنيمة، وأنه يجوز للإمام أن يمن ويعفو عن جملة الغنائم، ولا خلاف بينهم أنه - عليه السلام - مَنَّ على أهل مكة وعفا عن أموالهم كلها (٣). سابعها: استدل به المالكيون، أن من سب الشارع يقتل ولا يستتاب كما فعل بابن خطل، فإنه كان يسبه ويهجوه، وقد عفا عن غيره ذَلِكَ اليوم ممن كان يسبه، فلم ينتفع باستعاذته بالبيت، ولا بالتعلق بأستار الكعبة، -------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٢. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥١٩. (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥١٩. فدل ذَلِكَ على العنوة، وعلى أن الحدود تقام بمكة على من وجبت عليهم، ولا يعارضه قوله - عليه السلام -: «من أغلق بابه فهو آمن» (١) إلى آخره؛ لأنه - عليه السلام - أمَّنَ في ذَلِكَ اليوم الناس إلا أربعة نفر، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وقينتين كانتا تغنيان بهجائه، فسأل عثمان في عبد الله (٢)، وسيأتي في: الجهاد في باب: قتل الأسير والصبر زيادة في ذَلِكَ -إن شاء الله تعالى (٣) - وكذا في فتح مكة، عند الكلام على حديث حاطب في الظعينة (٤). --------- (١) رواه مسلم (١٧٨٠) في الجهاد والسير، فتح مكة. من حديث أبي هريرة مطولًا. (٢) رواه أبو داود (٢٦٨٣) كتاب: الجهاد، باب: قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، و(٤٣٥٩) كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد، والنسائي ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، وابن أبي شيبة ٧/ ٤٠٥ (٣٦٩٠٢) كتاب: المغازي، حديث فتح مكة، والبزار في «البحر الزخار» ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١ (١١٥١)، وأبو يعلى ٢/ ١٠٠ - ١٠٢ (٧٥٧)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٣/ ٣٣٠، والشاشي ١/ ١٣٥ - ١٣٦ (٧٣)، والدارقطني ٣/ ٥٩، ٤/ ١٦٧ - ١٦٨، والبيهقي ٨/ ٢٠٥ كتاب: المرتد، باب: من قال في المرتد يستتاب مكانه فإن تاب وإلا قتل، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ١٧٤ - ١٧٦، والضياء في «المختارة» ٣/ ٢٤٨ - ٢٥١ (١٠٥٤ - ١٠٥٥) من طريق أحمد بن المفضل عن أسباط بن نصر قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة .. الحديث. والحديث صححه المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٩/ ١٥٣، وكذا الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٤٠٥)، وانظر: «الصحيحة» (١٧٢٣). (٣) سيأتي برقم (٣٠٤٤) باب: قتل الأسير وقتل الصبر. (٤) سيأتي حديث حاطب هذا برقم (٤٢٧٤) كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح. ١٩ - باب إِذَا أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. ١٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ [فِيهِ] أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ، [وَ] كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي: تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ». [انظر: ١٥٣٦ - مسلم: ١١٨٠ - فتح: ٤/ ٦٣] ١٨٤٨ - وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ -يَعْنِي: فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ- فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. [٢٢٦٥، ٢٩٧٣، ٤٤١٧، ٦٨٩٣ - مسلم: ١٦٧٤ - فتح: ٤/ ٦٣] ثم ذكر فيه حديث يعلى في قصة الجبة. وقد سلف في باب: غسل الخلوق ثلاث مرات (١)، وذكر هنا زيادة في آخره وهي: عض رجل يد رجل -يعني: فانتزع ثنيتيه- فأبطله النبي - ﷺ -. وقول عطاء في الناسي والجاهل، خالف فيه مالك، وقد سلف هناك ما فيه. وقول ابن التين: إنه إنما لم يأمره بها لأنه لم يكن وقت لباسه نزل فيه شرع، وإنما نزل فيه بعدما سئل، غريب. وقال ابن بطال: فيه رد على الكوفيين والمزني في قولهم: إنه من لبس أو تطيب ناسيًا فعليه الفدية على كل حال، فإنه على خلاف الحديث؛ لأنه لم يأمر الرجل بالكفارة عن لباسه وتطييبه قبل علمه ----------- (١) برقم (١٥٣٦) كتاب: الحج. ورد بهامش الأصل: وفي باب: ما يفعل في الحج، وفي: فضائل القرآن، وفي: المغازي. كذا عزاه الشيخ في الباب المشار إليه في الأصل. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|