استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية
ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية فتاوى وأحكام و تشريعات وفقاً لمنهج أهل السنة والجماعة
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-08-2026, 11:34 AM   #37

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (37)
صـ497 إلى صـ 511



المسألة السادسة

حيث قيل بالتخيير بين الأخذ بالعزيمة ، والأخذ بالرخصة ; فللترجيح [ ص: 497 ] بينهما مجال رحب ، وهو محل نظر ، فلنذكر جملا مما يتعلق بكل طرف من الأدلة .

فأما الأخذ بالعزيمة ; فقد يقال إنه أولى لأمور :

أحدها : أن العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه المقطوع به ، وورود الرخصة عليه ، وإن كان مقطوعا به أيضا ; فلا بد أن يكون سببها مقطوعا به في الوقوع ، وهذا المقدار بالنسبة إلى كل مترخص غير متحقق إلا في القسم المتقدم ، وما سواه لا تحقق فيه ، وهو موضع اجتهاد ; فإن مقدار المشقة المباح من أجلها الترخص غير منضبط ، ألا ترى أن السفر قد اعتبر في مسافته ثلاثة أميال فأكثر كما اعتبر أيضا ثلاثة أيام بلياليهن ، وعلة القصر المشقة ، وقد اعتبر فيها أقل ما ينطلق عليه اسم المشقة ، واعتبر في المرض أيضا أقل ما ينطلق عليه الاسم ; فكان منهم من أفطر لوجع أصبعه ، كما كان منهم من قصر في ثلاثة أميال ، واعتبر آخرون ما فوق ذلك ، وكل مجال الظنون لا موضع فيه للقطع ، وتتعارض فيه الظنون ، وهو محل الترجح والاحتياط ; فكان من مقتضى هذا كله أن لا يقدم على الرخصة مع بقاء احتمال في السبب .

[ ص: 498 ] والثاني : إن العزيمة راجعة إلى أصل في التكليف كلي ; لأنه مطلق عام على الأصالة في جميع المكلفين ، والرخصة راجعة إلى جزئي بحسب بعض المكلفين ممن له عذر ، وبحسب بعض الأحوال وبعض الأوقات في أهل الأعذار لا في كل حالة ولا في كل وقت ، ولا لكل أحد ، فهو كالعارض الطارئ على الكلي ، والقاعدة المقررة في موضعها أنه إذا تعارض أمر كلي وأمر جزئي ; فالكلي مقدم لأن الجزئي يقتضي مصلحة جزئية ، والكلي يقتضي مصلحة كلية ، ولا ينخرم نظام في العالم بانخرام المصلحة الجزئية ، بخلاف ما إذا قدم اعتبار المصلحة الجزئية ; فإن المصلحة الكلية ينخرم نظام كليتها فمسألتنا كذلك ; إذ قد علم أن العزيمة بالنسبة إلى كل مكلف أمر كلي ثابت عليه ، والرخصة إنما مشروعيتها أن تكون جزئية ، وحيث يتحقق الموجب ، وما فرضنا الكلام فيه لا يتحقق في كل صورة تفرض إلا والمعارض الكلي ينازعه ; فلا ينجي من طلب الخروج عن العهدة إلا الرجوع إلى الكلي ; وهو العزيمة .

والثالث : ما جاء في الشريعة من الأمر بالوقوف مع مقتضى الأمر والنهي مجردا ، والصبر على حلوه ومره ، وإن انتهض موجب الرخصة ، وأدلة ذلك لا تكاد تنحصر ، من ذلك قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم [ آل عمران : 173 ] ; فهذا مظنة التخفيف ، فأقدموا على الصبر والرجوع إلى الله ; فكان عاقبة ذلك ما أخبر الله به .

[ ص: 499 ] وقال تعالى إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر إلى آخر القصة حيث قال : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [ الأحزاب : 10 - 23 ] ; فمدحهم بالصدق مع حصول الزلزال الشديد والأحوال الشاقة التي بلغت القلوب فيها الحناجر ، وقد عرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أصحابه أن يعطوا الأحزاب من ثمار المدينة ; لينصرفوا عنهم فيخف عليهم الأمر ; فأبوا من ذلك ، وتعززوا بالله وبالإسلام ; فكان ذلك سببا لمدحهم والثناء عليهم .

وارتدت العرب عند وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان الرأي من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ أو من بعضهم غير أبي بكر ـ استئلافهم بترك أخذ الزكاة ممن منعها منهم ; حتى يستقيم أمر الأمة ، ثم يكون ما يكون ; فأبى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ; [ ص: 500 ] فقال : " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي " ، والقصة مشهورة .

[ ص: 501 ] وأيضا ; قال الله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره الآية [ النحل : 106 ] ; فأباح التكلم بكلمة الكفر ، مع أن ترك ذلك أفضل عند جميع الأمة أو عند الجمهور ، وهذا جار في قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; أن الأمر مستحب والأصل مستتب ، وإن أدى إلى الإضرار بالمال والنفس ، لكن يزول الانحتام ، ويبقى ترتب الأجر على الصبر على ذلك .

ومن الأدلة قوله عليه الصلاة والسلام : إن خيرا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئا فحمله الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على عمومه ، ولا بد أن يلحق من التزم هذا العقد مشقات كثيرة فادحة ، ولم يأخذوه إلا على عمومه حتى اقتدى [ ص: 502 ] بهم الأولياء ، منهم أبو حمزة الخراساني ; فاتفق له ما ذكره القشيري وغيره من وقوعه في البئر ، وقد كان هذا النمط مما يناسب استثناؤه من ذلك الأصل .

وقصة الثلاثة الذين خلفوا حتى أتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصدقوه ، ولم يعتذروا له في موطن كان مظنة للاعتذار ، فمدحوا لذلك ، وأنزل الله توبتهم ، ومدحهم في القرآن بعد ما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، ولكن ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، ففتح لهم باب القبول ، وسماهم صادقين ; لأخذهم بالعزيمة دون الترخص .

[ ص: 503 ] وقصة عثمان بن مظعون وغيره ممن كان في أول الإسلام لا يقدر على دخول مكة إلا بجوار ، ثم تركوا الجوار رضى بجوار الله مع ما نالهم من المكروه ، ولكن هانت عليهم أنفسهم في الله فصبروا إيمانا بقوله : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : 10 ] .

وقال تعالى : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ آل عمران : 186 ] .

وقال لنبيه عليه [ الصلاة و ] السلام : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ الأحقاف : 35 ] .

وقال : ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [ الشورى : 41 ] .

ثم قال : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ الشورى : 43 ] .

ولما نزلت هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية [ البقرة : 284 ] ; شق ذلك على الصحابة فقيل لهم : قولوا : سمعنا وأطعنا . فقالوها ; فألقى الله الإيمان في قلوبهم ; [ ص: 504 ] فنزلت : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه الآية [ البقرة : 285 ] .

وجهز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسامة في جيش إلى الشام قبيل موته فتوقف خروجه بمرضه عليه السلام ، ثم جاء موته ; فقال الناس لأبي بكر : احبس أسامة بجيشه تستعين به على من حاربك من المجاورين لك ، فقال : لو لعب الكلاب بخلاخيل نساء أهل المدينة ; ما رددت جيشا أنفذه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولكن سأل [ ص: 505 ] أسامة أن يترك له عمر ; ففعل ، وخرج فبلغ الشام ، ونكأ في العدو بها ; فقالت الروم : إنهم لم يضعفوا بموت نبيهم ، وصارت تلك الحالة هيبة في قلوبهم لهم .

وأمثال هذا كثيرة مما يقتضي الوقوف مع العزائم ، وترك الترخص ; لأن القوم عرفوا أنهم مبتلون ، وهو : الوجه الرابع : وذلك أن هذه العوارض الطارئة وأشباهها مما يقع للمكلفين من أنواع المشاق ، هي مما يقصدها الشارع في أصل التشريع أعني أن المقصود في التشريع إنما هو جار على توسط مجاري العادات ، وكونه شاقا على بعض الناس أو في بعض الأحوال مما هو على غير المعتاد لا يخرجه عن أن يكون مقصودا له ; لأن الأمور الجزئية لا تخرم الأصول الكلية ، وإنما تستثنى حيث تستثنى نظرا إلى أصل الحاجيات بحسب الاجتهاد ، والبقاء على الأصل من العزيمة هو المعتمد الأول للمجتهد ، والخروج عنه لا يكون إلا بسبب قوي ، ولذلك لم يعمل العلماء مقتضى الرخصة الخاصة بالسفر في غيره ; كالصنائع الشاقة في الحضر مع وجود المشقة التي هي العلة في مشروعية الرخصة ، فإذا لا ينبغي الخروج عن حكم العزيمة مع عوارض المشقات التي لا تطرد ولا تدوم ; لأن ذلك جار أيضا في العوائد الدنيوية ، ولم يخرجها ذلك عن أن تكون عادية ، فصار عارض المشقة ـ إذا لم يكن كثيرا أو دائما ـ مع أصل عدم المشقة ، كالأمر المعتاد أيضا ; فلا يخرج عن ذلك بالأصل .

[ ص: 506 ] لا يقال : كيف يكون اجتهاديا وفيه نصوص كثيرة ; كقوله : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه [ البقرة : 173 ] .

وقوله : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر الآية [ البقرة : 184 ] .

و إن الله يحب أن تؤتى رخصه .

إلى غير ذلك مما تقدم وسواه مما في معناه .

لأنا نقول : حالة الاضطرار قد تبين أنه الذي يخاف معه فوت الروح ، وذلك لا يكون إلا بعد العجز عن العبادات والعادات ، وهو في نفسه عذر أيضا ; وما سوى ذلك فمحمول على تحقق المشقة التي يعجز معها عن القيام بالوظائف الدينية أو الدنيوية ، بحيث ترجع العزيمة إلى نوع من تكليف ما لا يطاق ، وهو منتف سمعا ، وما سوى ذلك من المشاق مفتقر إلى دليل يدل على دخوله تحت تلك النصوص ، وفيه تضطرب أنظار النظار كما تقدم ، فلا معارضة بين النصوص المتقدمة وبين ما نحن فيه ، وسبب ذلك ـ وهو روح هذا الدليل ـ هو أن هذه العوارض الطارئة تقع للعباد ابتلاء ، واختبارا لإيمان المؤمنين وتردد المترددين ، حتى يظهر للعيان من آمن بربه على بينة ممن هو في شك ، ولو كانت التكاليف كلها يخرم كلياتها كل مشقة عرضت لانخرمت الكليات كما تقدم ، ولم يظهر لنا شيء من ذلك ، ولم يتميز الخبيث من الطيب ، فالابتلاء في [ ص: 507 ] التكاليف واقع ، ولا يكون إلا مع بقاء أصل العزيمة ، فيبتلى المرء على قدر دينه ، قال تعالى : ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ الملك : 2 ] .

الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم الآية [ العنكبوت : 1 - 3 ] .

لتبلون في أموالكم وأنفسكم ، ثم قال : وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ آل عمران : 186 ] .

ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [ محمد : 31 ] .

وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين [ آل عمران : 141 ] .

ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [ البقرة : 155 ] إلى آخرها .

فأثنى عليهم بأنهم صبروا لها ، ولم يخرجوا بها عن أصل ما حملوه إلى غيره ، وقوله : ولنبلونكم بشيء يدل على أن هذه البلوى قليلة الوقوع بالنسبة إلى جمهور الأحوال كما تقدم في أحوال التكليف ; فإذا كان المعلوم من الشرع في مثل هذه الأمور طلب الاصطبار عليها والتثبت فيها حتى يجري التكليف على مجراه الأصلي ، كان الترخص على الإطلاق كالمضاد لما قصده الشارع من تكميل العمل على أصالته لتكميل الأجر .

والخامس : أن الترخص إذا أخذ به في موارده على الإطلاق ، كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد على الإطلاق ، فإذا أخذ بالعزيمة ; كان حريا بالثبات في التعبد ، والأخذ بالحزم فيه .

[ ص: 508 ] بيان الأول " أن الخير عادة والشر لجاجة " ، وهذا مشاهد محسوس لا يحتاج إلى إقامة دليل ، والمتعود لأمر يسهل عليه ذلك الأمر ما لا يسهل على غيره ; كان خفيفا في نفسه أو شديدا ، فإذا اعتاد الترخص ; صارت كل عزيمة في يده كالشاقة الحرجة ، وإذا صارت كذلك ; لم يقم بها حق قيامها ، وطلب الطريق إلى الخروج منها ، وهذا ظاهر ، وقد وقع هذا المتوقع في أصول كلية وفروع جزئية ; كمسألة الأخذ بالهوى في اختلاف أقوال العلماء ، ومسألة إطلاق القول بالجواز عند اختلافهم بالمنع والجواز ، وغير ذلك مما نبه عليه في أثناء الكتاب أو لم ينبه عليه .

وبيان الثاني ظاهر أيضا مما تقدم ; فإنه ضده .

وسبب هذا كله أن أسباب الرخص أكثر ما تكون مقدرة ومتوهمة لا محققة ، فربما عدها شديدة وهي خفيفة في نفسها ، فأدى ذلك إلى عدم صحة التعبد ، وصار عمله ضائعا وغير مبني على أصل ، وكثيرا ما يشاهد الإنسان ذلك ، فقد يتوهم الإنسان الأمور صعبة ، وليست كذلك إلا بمحض التوهم ; ألا ترى أن المتيمم لخوف لصوص أو سباع ، إذا وجد الماء في الوقت أعاد عند مالك ; لأنه عده مقصرا ; لأن هذا يعتري في أمثاله مصادمة الوهم المجرد الذي لا دليل عليه ، بخلاف ما لو رأى اللصوص أو السباع ، وقد منعته من الماء ; فلا إعادة هنا ، ولا يعد هذا مقصرا ، ولو تتبع الإنسان الوهم لرمى به في مهاو [ ص: 509 ] بعيدة ، ولأبطل عليه أعمالا كثيرة ، وهذا مطرد في العادات والعبادات وسائر التصرفات .

وقد تكون شديدة ، ولكن الإنسان مطلوب بالصبر في ذات الله والعمل على مرضاته ، وفي الصحيح : من يصبر يصبره الله ، وجاء في آية الأنفال في وقوف الواحد للاثنين بعد ما نسخ وقوفه للعشرة والله مع الصابرين [ الأنفال : 66 ] ، قال بعض الصحابة لما نزلت : " نقص من الصبر بمقدار ما نقص من العدد " هذا بمعنى الخبر ، وهو موافق للحديث والآية .

[ ص: 510 ] والسادس : إن مراسم الشريعة مضادة للهوى من كل وجه ; كما تقرر في كتاب المقاصد من هذا الكتاب ، وكثيرا ما تدخل المشقات ، وتتزايد من جهة مخالفة الهوى ، واتباع الهوى ضد اتباع الشريعة ; فالمتبع لهواه يشق عليه كل شيء ، سواء أكان في نفسه شاقا أم لم يكن ; لأنه يصده عن مراده ، ويحول بينه وبين مقصوده ، فإذا كان المكلف قد ألقى هواه ونهى نفسه عنه ، وتوجه إلى العمل بما كلف به خف عليه ، ولا يزال بحكم الاعتياد يداخله حبه ، ويحلو له مره حتى يصير ضده ثقيلا عليه ، بعد ما كان الأمر بخلاف ذلك ، فصارت المشقة وعدمها إضافية تابعة لغرض المكلف ; فرب صعب يسهل لموافقة الغرض ، وسهل يصعب لمخالفته .

فالشاق على الإطلاق في هذا المقام وهو ما لا يطيقه من حيث هو مكلف ; كان مطيقا له بحكم البشرية ، أم لا ، هذا لا كلام فيه ، إنما الكلام في غيره مما هو إضافي ، لا يقال فيه : [ إنه ] مشقة على الإطلاق ، ولا إنه ليس بمشقة على الإطلاق ، وإذا كان دائرا بين الأمرين ، وأصل العزيمة حقيقي ثابت ; فالرجوع إلى أصل العزيمة حق ، والرجوع إلى الرخصة ينظر فيه بحسب كل شخص ، وبحسب كل عارض ; فإذا لم يكن في ذلك بيان قطعي ، وكان أعلى ذلك الظن الذي لا يخلو عن معارض ; كان الوجه الرجوع إلى الأصل ، [ ص: 511 ] حتى يثبت أن المشقة المعتبرة في حق هذا الشخص حق ، ولا تكون حقا على الإطلاق ; حتى تكون بحيث لا يستطيعها ، فتلحق حينئذ بالقسم الأول الذي لا كلام فيه ، هذا إذا لم يأت دليل من خارج يدل على اعتبار الرخصة والتخفيف مطلقا ; كفطره عليه [ الصلاة و ] السلام في السفر حين أبى الناس من الفطر ، وقد شق الصوم عليهم ; فهذا ونحوه أمر آخر إلى ما تقدم من الأقسام ، وإنما الكلام في غيره .

فثبت أن الوقوف مع العزائم أولى ، والأخذ بها في محال الترخص أحرى .

فإن قيل : فهل الوقوف مع أصل العزيمة من قبيل الواجب أو المندوب على الإطلاق أم ثم انقسام ؟

فالجواب : إن ذلك يتبين بتفصيل أحوال المشقات ، وهي :



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* الدعوة في الطائف
* الدعوة أيام الحج وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
* بيعة العقبة الأولى
* نصوص أوروبية عن فتح الأندلس
* نكبات أصابت الأمة الإسلامية وبشائر العودة: نكبة القدس سنة 626 هـ
* قائمة بكتب علم التاريخ (pdf)
* بستان السالك في مناقب أنس بن مالك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2026, 11:36 AM   #38

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (38)
صـ512 إلى صـ 518



المسألة السابعة

فالمشقات التي هي مظان التخفيفات في نظر الناظر على ضربين :

أحدهما : أن تكون حقيقية ، وهو معظم ما وقع فيه الترخص كوجود المشقة المرضية والسفرية ، وشبه ذلك مما له سبب معين واقع .

والثاني : أن تكون توهمية مجردة ، بحيث لم يوجد السبب المرخص [ ص: 512 ] لأجله ، ولا وجدت حكمته ، وهي المشقة ، وإن وجد منها شيء ، لكن غير خارج عن مجاري العادات .

فأما الضرب الأول ; فإما أن يكون بقاؤه على العزيمة يدخل عليه فسادا لا يطيقه طبعا أو شرعا ، ويكون ذلك محققا لا مظنونا ولا متوهما أو لا ; فإن كان الأول ; فرجوعه إلى الرخصة مطلوب ، ورجع إلى القسم الذي لم يقع الكلام فيه ; لأن الرخصة هنا حق لله ، وإن كان الثاني ـ وهو أن يكون مظنونا ـ ; فالظنون تختلف ، والأصل البقاء على أصل العزيمة ، ومتى قوي الظن ضعف مقتضى العزيمة ، ومتى ضعف الظن قوي ; كالظان أنه غير قادر على الصوم مع وجود المرض الذي مثله يفطر فيه ، ولكن إما أن يكون ذلك الظن مستندا إلى سبب معين ، وهو أنه دخل في الصوم مثلا فلم يطق الإتمام أو الصلاة مثلا فلم يقدر على القيام فقعد فهذا هو الأول ; إذ ليس عليه ما لا يقدر عليه ، وإما [ ص: 513 ] أن يكون مستندا إلى سبب مأخوذ من الكثرة ، والسبب موجود عينا بمعنى أن المرض حاضر ، ومثله لا يقدر معه على الصيام ، ولا على الصلاة قائما أو على استعمال الماء عادة من غير أن يجرب نفسه في شيء من ذلك ، فهذا قد يلحق بما قبله ، ولا يقوى قوته ، أما لحوقه به فمن جهة وجود السبب ، وأما مفارقته له فمن جهة أن عدم القدرة لم يوجد عنده ; لأنه إنما يظهر عند التلبس بالعبادة ، وهو لم يتلبس بها على الوجه المطلوب في العزيمة حتى يتبين له قدرته عليها وعدم قدرته ; فيكون الأولى هنا الأخذ بالعزيمة إلى أن يظهر بعد ما يبتنى عليه .

وأما الضرب الثاني ، وهو أن تكون توهمية ، بحيث لم يوجد السبب ولا الحكمة ، فلا يخلو أن يكون للسبب عادة مطردة في أنه يوجد بعد أو لا ، فإن كان الأول ; فلا يخلو أن يوجد أو لا ; فإن وجد فوقعت الرخصة موقعها ففيه خلاف ، أعني في إجزاء العمل بالرخصة لا في جواز الإقدام ابتداء ; إذ لا يصح أن يبنى حكم على سبب لم يوجد بعد ، بل لا يصح البناء على سبب لم يوجد شرطه ، وإن وجد السبب ، وهو المقتضي للحكم ; فكيف إذا لم يوجد نفس السبب ، وإنما الكلام في نحو الظان أنه تأتيه الحمى غدا بناء على عادته في أدوارها فيفطر قبل مجيئها ، وكذلك الطاهر إذا بنت على الفطر ظنا أن حيضتها ستأتي ذلك اليوم ، وهذا كله أمر ضعيف جدا ، وقد استدل بعض العلماء على [ ص: 514 ] صحة هذا الاعتبار في إسقاط الكفارة عنها بقوله تعالى : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم [ الأنفال : 68 ] .

فإن هذا إسقاط للعقوبة للعلم بأن الغنائم ستباح لهم ، وهذا غير ما نحن فيه ; لأن كلامنا فيما يترتب على المكلف من الأحكام الشرعية ، وترتب العذاب هنا ليس براجع إلى ترتب شرعي ، بل هو أمر إلهي كسائر العقوبات اللاحقة للإنسان من الله تعالى بسبب ذنوبه من قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [ الشورى : 30 ] .

وأما إن لم يكن للسبب عادة مطردة فلا إشكال هنا .

والحاصل من هذا التقسيم أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات ، وهي مختلفة ، وكذلك أهواء النفوس ; فإنها تقدر أشياء لا حقيقة لها ، فالصواب الوقوف مع أصل العزيمة إلا في المشقة المخلة الفادحة ; فإن الصبر أولى ما لم يؤد ذلك إلى دخل في عقل الإنسان أو دينه ، وحقيقة ذلك أن لا يقدر على الصبر ; لأنه لا يؤمر بالصبر إلا من يطيقه ، فأنت ترى بالاستقراء أن المشقة الفادحة لا يلحق بها توهمها ، بل حكمها أضعف ، بناء على أن التوهم غير صادق في كثير من الأحوال ، فإذا ليست المشقة بحقيقية ، والمشقة الحقيقية هي العلة الموضوعة للرخصة ، فإذا لم توجد كان الحكم غير لازم إلا إذا قامت المظنة ـ وهي السبب ـ مقام الحكمة ; فحينئذ يكون [ ص: 515 ] السبب منتهضا على الجواز لا على اللزوم ; لأن المظنة لا تستلزم الحكمة التي هي العلة على كمالها ، فالأحرى البقاء مع الأصل ، وأيضا ; فالمشقة التوهمية راجعة إلى الاحتياط على المشقة الحقيقية ، والحقيقية ليست في الوقوع على وزان واحد ، فلم يكن بناء الحكم عليها متمكنا .

وأما الراجعة إلى أهواء النفوس خصوصا ; فإنها ضد الأولى ; إذ قد تقرر أن قصد الشارع من وضع الشرائع إخراج النفوس عن أهوائها وعوائدها ، فلا تعتبر في شرعية الرخصة بالنسبة إلى كل من هويت نفسه أمرا ، ألا ترى كيف ذم الله تعالى من اعتذر بما يتعلق بأهواء النفوس ليترخص ؟ كقوله تعالى : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الآية [ التوبة : 49 ] ; لأن الجد بن قيس قال : ائذن لي في التخلف عن الغزو ، ولا تفتني ببنات الأصفر ; فإني لا أقدر على الصبر عنهن ، وقوله تعالى : وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا الآية [ التوبة : 81 ] ، ثم بين العذر الصحيح في قوله تعالى : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله الآيات [ التوبة : 91 ] ; فبين أهل الأعذار هنا وهم الذين لا يطيقون الجهاد ، وهم الزمنى ، والصبيان ، والشيوخ ، والمجانين ، والعميان ، ونحوهم ، وكذلك من لم يجد نفقة أصلا ، ولا وجد من يحمله ، وقال فيه : إذا نصحوا لله ورسوله ، ومن جملة النصيحة لله ورسوله أن لا يبقوا من أنفسهم بقية في طاعة الله ، ألا ترى إلى قوله تعالى : انفروا خفافا وثقالا [ التوبة : 41 ] ، وقال : إلا تنفروا يعذبكم الآية [ التوبة : 39 ] ; فما ظنك بمن كان [ ص: 516 ] عذره هوى نفسه ؟ !

نعم ، وضع الشريعة على أن تكون أهواء النفوس تابعة لمقصود الشارع فيها ، وقد وسع الله تعالى على العباد في شهواتهم ، وأحوالهم ، وتنعماتهم على وجه لا يفضي إلى مفسدة ، ولا يحصل بها المكلف على مشقة ، ولا ينقطع بها عنه التمتع إذا أخذه على الوجه المحدود له ; فلذلك شرع له ابتداء رخصة السلم ، والقراض ، والمساقاة ، وغير ذلك مما هو توسعة عليه ، وإن كان فيه مانع في قاعدة أخرى ، وأحل له من متاع الدنيا أشياء كثيرة ، فمتى جمحت نفسه إلى هوى قد جعل الشرع له منه مخرجا ، وإليه سبيلا ، فلم يأته من بابه ; كان هذا هوى شيطانيا واجبا عليه الانفكاك عنه ; كالمولع بمعصية من المعاصي فلا رخصة له ألبتة ; لأن الرخصة هنا هي عين مخالفة الشرع بخلاف الرخص المتقدمة ; فإن لها في الشرع موافقة إذا وزنت بميزانها .

فقد تبين من هذا أن مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها ألبتة ، والمشقة الحقيقية فيها الرخصة بشرطها ، وإذا لم يوجد شرطها ، فالأحرى بمن يريد براءة ذمته وخلاص نفسه الرجوع إلى أصل العزيمة ، إلا أن هذه الأحروية تارة تكون من باب الندب ، وتارة تكون من باب الوجوب ، والله أعلم .
[ ص: 517 ] فصل

ومن الفوائد في هذه الطريقة الاحتياط في اجتناب الرخص في القسم المتكلم فيه ، والحذر من الدخول فيه ; فإنه موضع التباس ، وفيه تنشأ خدع الشيطان ومحاولات النفس ، والذهاب في اتباع الهوى على غير مهيع ، ولأجل هذا أوصى شيوخ الصوفية تلامذتهم بترك اتباع الرخص جملة ، وجعلوا من أصولهم الأخذ بعزائم العلم ، وهو أصل صحيح مليح ، مما أظهروا من فوائدهم ـ رحمهم الله ـ ، وإنما يرتكب من الرخص ما كان مقطوعا به أو صار شرعا مطلوبا كالتعبدات أو كان ابتدائيا كالمساقاة ، والقرض ; لأنه حاجي ، وما سوى ذلك ; فاللجأ إلى العزيمة .

- ومنها : أن يفهم معنى الأدلة في رفع الحرج على مراتبها ; فقوله عليه الصلاة والسلام : إن الله يحب أن تؤتى رخصه فالرخص التي هي محبوبة ما ثبت الطلب فيها ; فإنا إذا حملناها على المشقة الفادحة التي قال في مثلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ : ليس من البر الصيام في السفر ، كان موافقا لقوله [ ص: 518 ] تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

وقوله تعالى : يريد الله أن يخفف عنكم [ النساء : 28 ] .

بعد ما قال في الأولى : وأن تصوموا خير لكم [ البقرة : 184 ] .

وفي الثانية : وأن تصبروا خير لكم [ النساء : 25 ] .

فليتفطن الناظر في الشريعة إلى هذه الدقائق ; ليكون على بينة في المجاري الشرعيات ، ومن تتبع الأدلة الشرعية في هذا المقام تبين له ما ذكر أتم بيان ، وبالله التوفيق ، هذا تقرير وجه النظر في هذا الطرف .



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* الدعوة في الطائف
* الدعوة أيام الحج وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
* بيعة العقبة الأولى
* نصوص أوروبية عن فتح الأندلس
* نكبات أصابت الأمة الإسلامية وبشائر العودة: نكبة القدس سنة 626 هـ
* قائمة بكتب علم التاريخ (pdf)
* بستان السالك في مناقب أنس بن مالك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2026, 11:38 AM   #39

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (39)
صـ519 إلى صـ 530



فصل

وقد يقال : إن الأخذ بالعزيمة ليس بأولى من أوجه : أحدها : إن أصل العزيمة ، وإن كان قطعيا ; فأصل الترخص قطعي [ ص: 519 ] أيضا ; فإذا وجدنا المظنة اعتبرناها كانت قطعية أو ظنية ; فإن الشارع قد أجرى الظن في ترتب الأحكام مجرى القطع ، فمتى ظن وجود سبب الحكم استحق السبب للاعتبار ، فقد قام الدليل القطعي على أن الدلائل الظنية تجري في فروع الشريعة مجرى الدلائل القطعية .

ولا يقال : إن القاطع إذا عارض الظن سقط اعتبار الظن ; لأنا نقول : إنما ذلك في باب تعارض الأدلة بحيث يكون أحدهما رافعا لحكم الآخر جملة ، أما إذا كانا جاريين مجرى العام مع الخاص أو المطلق مع المقيد فلا ، ومسألتنا من هذا الثاني لا من الأول ; لأن العزائم واقعة على المكلف بشرط أن لا حرج ، فإن كان الحرج صح اعتباره ، واقتضى العمل بالرخصة .

وأيضا ; فإن غلبة الظن قد تنسخ حكم القطع السابق ، كما إذا كان الأصل التحريم في الشيء ، ثم طرأ سبب محلل ظني ، فإذا غلب على ظن الصائد أن موت الصيد بسبب ضرب الصائد ، وإن أمكن أن يكون بغيره أو يعين على موته غيره ; فالعمل على مقتضى الظن صحيح ، وإنما كان هذا ; لأن الأصل وإن كان قطعيا ، فاستصحابه مع هذا المعارض الظني لا يمكن ; إذ لا يصح بقاء القطع بالتحريم مع ، وجود الظن هنا ، بل مع الشك ; فكذلك ما نحن فيه ، وحقيقة الأمر أن غلبة الظن لا تبقي للقطع المتقدم حكما ، وغلبات الظنون معتبرة فلتكن معتبرة في الترخص .

والثاني : إن أصل الرخصة وإن كان جزئيا بالإضافة إلى عزيمتها ; [ ص: 520 ] فذلك غير مؤثر ، وإلا لزم أن تقدح فيما أمر به بالترخص ، بل الجزئي إذا كان مستثنى من كلي ، فهو معتبر في نفسه ; لأنه من باب التخصيص للعموم أو من باب التقييد للإطلاق ، وقد مر في الأصول الفقهية صحة تخصيص القطعي بالظني ; فهذا أولى ، وأيضا ;إذا كان الحكم الرجوع إلى التخصيص وهو بظني ، دون أصل العموم وهو قطعي ; فكذلك هنا ، وكما لا ينخرم الكلي بانخرام بعض جزئياته كما هو مقرر في موضعه من هذا الكتاب ، فكذلك هنا ، وإلا لزم أن ينخرم بالرخص المأمور بها ، وذلك فاسد ; فكذلك ما أدى إليه .

والثالث : إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع كقوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] .

وسائر ما يدل على هذا المعنى ; كقوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [ النساء : 28 ] .

ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له [ الأحزاب : 38 ] .

[ ص: 521 ] ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : 157 ] .

وقد سمي هذا الدين " الحنيفية السمحة " لما فيها من التسهيل والتيسير ، وأيضا ; قد تقدم في المسائل قبل هذا أدلة إباحة الرخص ، وكلها وأمثالها جارية هنا ، والتخصيص ببعض الرخص دون بعض تحكم من غير دليل .

ولا يقال : إن المشقة إذا كانت قطعية فهي المعتبرة دون الظنية .

فإن القطع مع الظن مستويان في الحكم ، وإنما يقع الفرق في التعارض ، ولا تعارض في اعتبارهما معا هاهنا ، وإذ ذاك لا يكون الأخذ بالعزيمة دون الرخصة أولى ، بل قد يقال : الأولى الأخذ بالرخصة لأنها تضمنت حق الله وحق العبد معا ; فإن العبادة المأمور بها واقعة ، لكن على مقتضى الرخصة لا أنها ساقطة رأسا ، بخلاف العزيمة ; فإنها تضمنت حق الله مجردا ، والله تعالى غني عن العالمين ، وإنما العبادة راجعة إلى حظ العبد في الدنيا والآخرة ، فالرخصة أحرى لاجتماع الأمرين فيها .

والرابع : إن مقصود الشارع من مشروعية الرخصة الرفق بالمكلف عن تحمل المشاق ، فالأخذ بها مطلقا موافقة لقصده بخلاف الطرف الآخر ; فإنه [ ص: 522 ] مظنة التشديد ، والتكلف والتعمق المنهي عنه في الآيات [ والأحاديث ] ; كقوله تعالى : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ ص : 86 ] .

وقوله : ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

وفي التزام المشاق تكليف وعسر ، وفيها روي عن ابن عباس في قصة بقرة بني إسرائيل : " لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم ، ولكن شددوا فشدد الله عليهم " ، وفي الحديث : هلك المتنطعون .

ونهى - صلى الله عليه وسلم ـ عن التبتل ، وقال : من رغب عن سنتي فليس مني بسبب من عزم على صيام النهار ، وقيام الليل ، واعتزال النساء إلى أنواع الشدة التي كانت في الأمم ، فخففها الله عليهم بقوله : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : 157 ] .

[ ص: 523 ] وقد ترخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ بأنواع من الترخص خاليا وبمرأى من الناس كالقصر ، والفطر في السفر ، والصلاة جالسا حين شقه ، وكان ـ حين بدن ـ يصلي بالليل في بيته قاعدا حتى إذا أراد أن يركع ; قام فقرأ شيئا ثم ركع ، وجرى أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ذلك المجرى من غير عتب ولا لوم ، [ ص: 524 ] كما قال : " ولا يعيب بعضنا على بعض " ، والأدلة في هذا المعنى كثيرة .

والخامس : أن ترك الترخص مع ظن سببه قد يؤدي إلى الانقطاع عن الاستباق إلى الخير ، والسآمة والملل ، والتنفير عن الدخول في العبادة ، وكراهية العمل ، وترك الدوام ، وذلك مدلول عليه في الشريعة بأدلة كثيرة ; فإن الإنسان إذا توهم التشديد أو طلب [ به ] أو قيل له فيه كره ذلك ومله ، وربما عجز عنه في بعض الأوقات ; فإنه قد يصبر أحيانا وفي بعض الأحوال ، ولا يصبر في بعض ، والتكليف دائم ، فإذا لم ينفتح له من باب الترخص إلا ما يرجع إلى مسألة تكليف ما لا يطاق ، وسد عنه ما سوى ذلك ; عد الشريعة شاقة ، وربما ساء ظنه بما تدل عليه دلائل رفع الحرج أو انقطع أو عرض له بعض ما يكره شرعا ، وقد قال تعالى واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم [ الحجرات : 7 ] .

وقال : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا [ المائدة : 87 ] .

قيل : إنها نزلت بسبب تحريم ما أحل الله تشديدا على النفس فسمي [ ص: 525 ] اعتداء لذلك .

وفي الحديث : خذوا من العمل ما تطيقون ; فإن الله لن يمل حتى [ ص: 526 ] تملوا ، وما خير عليه [ الصلاة و ] السلام بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما الحديث .

ونهى عن الوصال ، فلما لم ينتهوا ; واصل بهم يوما ثم يوما ، ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر الشهر لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا ، [ ص: 527 ] وقال : لو مد لنا في الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ، وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص حين كبر : يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ ، وفي الحديث : هذه الحولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل ; فقال عليه الصلاة والسلام : لا تنام الليل ؟ خذوا من العمل ما تطيقون الحديث ; [ ص: 528 ] فأنكر فعلها كما ترى .

وحديث إمامة معاذ حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم ـ أفتان أنت يا معاذ ، وقال رجل : والله يا رسول الله ; إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان ، مما يطيل بنا . قال : فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ، ثم قال : إن منكم منفرين الحديث .

وحديث الحبل المربوط بين ساريتين ، سأل عنه عليه [ الصلاة و ] السلام قالوا : حبل لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت ; أمسكت به ، فقال : حلوه ، ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا كسل أو فتر ; قعد .

[ ص: 529 ] وأشباه هذا كثير ; فترك الرخصة من هذا القبيل ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ليس من البر الصيام في السفر فإذا كان كذلك ; ثبت أن الأخذ بالرخصة أولى ، وإن سلم أنه ليس بأولى فالعزيمة ليست بأولى .

والسادس : إن مراسم الشريعة إن كانت مخالفة للهوى كما تبين في موضعه من هذا الكتاب ; فإنها أيضا إنما أتت لمصالح العباد في دنياهم ودينهم ، والهوى ليس بمذموم إلا إذا كان مخالفا لمراسم الشريعة ، وليس كلامنا فيه ، فإن كان موافقا فليس بمذموم ، ومسألتنا من هذا ; فإنه إذا نصب لنا الشرع سببا لرخصة ، وغلب على الظن ذلك فأعملنا مقتضاه وعملنا بالرخصة ، فأين اتباع الهوى في هذا ؟ وكما أن اتباع الرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر والنهي ، كذلك اتباع التشديدات وترك الأخذ بالرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر والنهي ، وليس أحدهما بأولى من الآخر ، والمتبع للأسباب المشروعة في الرخص والعزائم سواء ، فإن كانت غلبة الظن في العزائم [ ص: 530 ] معتبرة ; كذلك في الرخص ، وليس أحدهما أحرى من الآخر ، ومن فرق بينهما فقد خالف الإجماع ، هذا تقرير هذا الطرف .
فصل

وينبني عليه أن الأولوية في ترك الترخص إذا تعين سببه بغلبة ظن أو قطع ، وقد يكون الترخص أولى في بعض المواضع ، وقد يستويان ، وأما إذا لم يكن ثم غلبة ظن فلا إشكال في منع الترخص .

[ وأيضا ] ; فتكون الأدلة الدالة على الأخذ بالتخفيف محمولة على عمومها وإطلاقها من غير تخصيص ببعض الموارد دون بعض ، ومجال النظر بين الفريقين أن صاحب الطريق الأول إنما جعل المعتبر العلة التي هي المشقة من غير اعتبار بالسبب الذي هو المظنة ، وصاحب الطريق الثاني إنما جعل المعتبر المظنة التي هي السبب كالسفر والمرض ، فعلى هذا إذا كانت العلة غير منضبطة ، ولم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه ، وكثيرا ما يرجع هنا إلى أصل الاحتياط ; فإنه ثابت معتبر حسبما هو مبين في موضعه .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* الدعوة في الطائف
* الدعوة أيام الحج وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
* بيعة العقبة الأولى
* نصوص أوروبية عن فتح الأندلس
* نكبات أصابت الأمة الإسلامية وبشائر العودة: نكبة القدس سنة 626 هـ
* قائمة بكتب علم التاريخ (pdf)
* بستان السالك في مناقب أنس بن مالك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2026, 11:41 AM   #40

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (40)
صـ531 إلى صـ 538


فصل

فإن قيل : الحاصل مما تقدم إيراد أدلة متعارضة ، وذلك وضع إشكال في المسألة ; فهل له مخلص أم لا ؟ قيل : نعم من وجهين :

أحدهما : أن يوكل ذلك إلى نظر المجتهد ; فإنما أورد هنا استدلال كل فريق من غير أن يقع بين الطرفين ترجيح فيبقى موقوفا على المجتهد حتى يترجح له أحدهما مطلقا أو يترجح له أحدهما في بعض المواضع ، والآخر في بعض المواضع ، أو بحسب الأحوال .

والثاني : أن يجمع بين هذا الكلام ، وما ذكر في كتاب " المقاصد " في تقرير أنواع المشاق وأحكامها ; فإنه إذا تؤمل الموضعان ظهر فيما بينهما وجه الصواب إن شاء الله ، وبالله التوفيق .
المسألة الثامنة

كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجا ، فقصد الشارع بذلك المخرج أن يتحراه المكلف إن شاء ; كما جاء في الرخص شرعية المخرج من المشاق ، فإذا توخى المكلف الخروج من ذلك على الوجه الذي شرع له ; كان ممتثلا لأمر الشارع آخذا بالحزم في أمره ، وإن لم يفعل ذلك ; وقع في [ ص: 532 ] محظورين : أحدهما : مخالفته لقصد الشارع ، كانت تلك المخالفة في واجب أو مندوب أو مباح .

والثاني : سد أبواب التيسير عليه ، وفقد المخرج عن ذلك الأمر الشاق ، الذي طلب الخروج عنه بما لم يشرع له ، وبيان ذلك من أوجه : أحدها : إن الشارع لما تقرر أنه جاء بالشريعة لمصالح العباد ، وكانت الأمور المشروعة ابتداء قد يعوق عنها عوائق من الأمراض والمشاق الخارجة عن المعتاد ، شرع له أيضا توابع وتكميلات ومخارج بها ينزاح عن المكلف تلك المشقات حتى يصير التكليف بالنسبة إليه عاديا ومتيسرا ، ولولا أنها كذلك ; لم يكن في شرعها زيادة على الأمور الابتدائية ، ومن نظر في التكليفات أدرك هذا بأيسر تأمل ، فإذا كان كذلك ; فالمكلف في طلب التخفيف مأمور أن يطلبه من وجهه المشروع ; لأن ما يطلب من التخفيف حاصل فيه حالا ومآلا على القطع في الجملة ; فلو طلب ذلك من غير هذا الطريق ; لم يكن ما طلب من التخفيف مقطوعا به ولا مظنونا لا حالا ولا مآلا لا على الجملة ولا على التفصيل ; إذ لو كان كذلك ; لكان مشروعا أيضا ، والفرض أنه ليس بمشروع ; فثبت أن طالب التخفيف من غير طريق الشرع لا مخرج له .

والثاني : إن هذا الطالب إذا طلب التخفيف من الوجه المشروع ; فيكفيه في حصول التخفيف طلبه من وجهه ، والقصد إلى ذلك يمن وبركة كما أن من طلبه من غير وجهه المشروع يكفيه في عدم حصول مقصوده شؤم قصده ، ويدل على هذا من الكتاب قوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [ الطلاق : 2 - 3 ] ، ومفهوم الشرط أن من لا يتقي الله لا يجعل له مخرجا .

[ ص: 533 ] خرج إسماعيل القاضي عن سالم بن أبي الجعد ; قال جاء رجل من أشجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ـ فذكر الجهد فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اذهب فاصبر ، وكان ابنه أسيرا في أيدي المشركين فأفلت من أيديهم فأتاه بغنيمة فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ـ طيبة فنزلت الآية ، ومن يتق الله الآية [ الطلاق : 2 ] .

وعن ابن عباس ; أنه جاءه رجل فقال له : إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال : " إن عمك عصى الله ; فأندمه ، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا " فقال : أرأيت إن أحلها له رجل فقال : " من يخادع يخدعه الله " .

وعن الربيع بن خثيم في قوله : ومن يتق الله يجعل له مخرجا [ الطلاق : 2 ] ، قال : " من كل شيء ضاق على الناس " .

[ ص: 534 ] وعن ابن عباس : من يتق الله ; ينجه من كل كرب في الدنيا والآخرة . وقيل : من يتق الله والمعصية يجعل له مخرجا إلى الحلال .

وخرج الطحاوي عن أبي موسى ; قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل أعطى ماله سفيها ، وقد قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم [ النساء : 5 ] ، ورجل داين بدين ولم يشهد ، ورجل له امرأة سيئة الخلق فلا يطلقها ، ومعنى هذا أن الله لما أمر بالإشهاد على البيع ، وأن [ ص: 535 ] لا نؤتي السفهاء أموالنا حفظا لها ، وعلمنا أن الطلاق شرع عند الحاجة إليه ; كان التارك لما أرشده الله إليه قد يقع فيما يكره ، ولم يجب دعاؤه لأنه لم يأت الأمر من بابه .

والآثار في هذا كثيرة تدل بظواهرها ومفهوماتها على هذا المعنى ، وقد روي عن ابن عباس ; أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا ; فتلا : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن حتى بلغ : يجعل له مخرجا [ الطلاق : 1 - 2 ] ، وأنت لم تتق الله ، لم أجد لك مخرجا .

وخرج مالك في البلاغات في هذا المعنى أن رجلا أتى إلى عبد الله بن مسعود ; فقال : إني طلقت امرأتي ثمان تطليقات . فقال ابن مسعود : فماذا قيل لك ؟ قال : قيل لي إنها قد بانت مني . فقال ابن مسعود : صدقوا ، من طلق كما أمره الله ; فقد بين الله له ، ومن لبس على نفسه لبسا جعلنا لبسه به ، لا تلبسوا على أنفسكم ، ونتحمله عنكم ، هو كما تقولون .

[ ص: 536 ] وتأمل حكاية أبي يزيد البسطامي حين أراد أن يدعو الله أن يرفع عنه شهوة النساء ، ثم تذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ لم يفعل ذلك فأمسك عنه ; فرفع عنه ذلك حتى كان لا يفرق بين المرأة والحجر .

والثالث : أن طالب المخرج من وجهه طالب لما ضمن له الشارع النجح فيه ، وطالبه من غير وجهه قاصد لتعدي طريق المخرج ; فكان قاصدا لضد ما طلب من حيث صد عن سبيله ، ولا يتأتى من قبل ضد المقصود إلا ضد المقصود ; فهو إذا طالب لعدم المخرج ، وهذا مقتضى ما دلت عليه الآيات المذكور فيها الاستهزاء والمكر والخداع ; كقوله : ومكروا ومكر الله [ آل عمران : 54 ] .

[ ص: 537 ] وقوله : الله يستهزئ بهم [ البقرة : 15 ] .

وقوله : يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [ البقرة : 9 ] .

ومنه قوله تعالى : ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه [ الطلاق : 1 ] .

وقوله : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [ الفتح : 10 ] .

من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [ فصلت : 46 ] .

إلى سوى ذلك مما في هذا المعنى ، وجميعه محقق كما تقدم ، من أن المتعدي على طريق المصلحة المشروع ساع في ضد تلك المصلحة ، وهو المطلوب .

والرابع : إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها ، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه ، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له ، فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها مفسدة تربي في الموازنة على المصلحة ; فلا يقوم خيرها بشرها ، وكم من مدبر أمرا لا يتم له على كماله أصلا ، ولا يجني منه ثمرة أصلا ، وهو معلوم مشاهد بين العقلاء ، فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، فإذا كان كذلك ; [ ص: 538 ] فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة ، والتخفيف على الكمال بخلاف الرجوع إلى ما خالفه ، وهذه المسألة بالجملة فرع من فروع موافقة قصد الشارع أو مخالفته ، ولكن سيق لتعلقه بالموضع في طلب الترخص من وجه لم يؤذن فيه أو طلبه في غير موضعه ; فإن من الأحكام الثابتة عزيمة ما لا تخفيف فيه ولا ترخيص ، وقد تقدم منه في أثناء الكتاب في هذا النوع مسائل كثيرة ، ومنها ما فيه ترخيص ، وكل موضع له ترخيص يختص به لا يتعدى .

وأيضا ; فمن الأحوال اللاحقة للعبد ما يعده مشقة ، ولا يكون في الشرع كذلك ; فربما ترخص بغير سبب شرعي ، ولهذا الأصل فوائد كثيرة في الفقهيات كقاعدة المعاملة بنقيض المقصود ، وغيرها من مسائل الحيل ، وما كان نحوها .



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* الدعوة في الطائف
* الدعوة أيام الحج وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
* بيعة العقبة الأولى
* نصوص أوروبية عن فتح الأندلس
* نكبات أصابت الأمة الإسلامية وبشائر العودة: نكبة القدس سنة 626 هـ
* قائمة بكتب علم التاريخ (pdf)
* بستان السالك في مناقب أنس بن مالك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2026, 11:43 AM   #41

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (41)
صـ539 إلى صـ 550


المسألة التاسعة

أسباب الرخص ليست بمقصودة التحصيل للشارع ، ومقصوده الرفع ; لأن تلك الأسباب راجعة إلى منع انحتام العزائم التحريمية أو الوجوبية ، فهي : إما موانع للتحريم أو التأثيم ، وإما أسباب لرفع الجناح أو إباحة ما ليس بمباح ، فعلى كل تقدير إنما هي موانع لترتب أحكام العزائم مطلقا ، وقد تبين في الموانع أنها غير مقصودة الحصول ولا الزوال للشارع ، وأن من قصد إيقاعها رفعا لحكم السبب المحرم أو الموجب ; ففعله غير صحيح ، ويجري فيه [ ص: 539 ] التفصيل المذكور في الشروط ; فكذلك الحكم بالنسبة إلى أسباب الرخص ، من غير فرق .
المسألة العاشرة

إذا فرعنا على أن الرخصة مباحة بمعنى التخيير بينها وبين العزيمة ، صارت العزيمة معها من الواجب المخير ; إذ صار هذا المترخص يقال له : إن شئت فافعل العزيمة ، وإن شئت فاعمل بمقتضى الرخصة ، وما عمل منهما فهو الذي واقع واجبا في حقه ، على وزان خصال الكفارة ; فتخرج العزيمة في حقه عن أن تكون عزيمة .

وأما إذا فرعنا على أن الإباحة فيها بمعنى رفع الحرج ، فليست الرخصة معها من ذلك الباب ; لأن رفع الحرج لا يستلزم التخيير ; ألا ترى أن رفع الحرج موجود مع الواجب ، وإذا كان كذلك ; تبينا أن العزيمة على أصلها من الوجوب المعين المقصود للشارع ، فإذا فعل العزيمة لم يكن بينه وبين من لا عذر له فرق ، لكن العذر رفع الحرج عن التارك لها إن اختار لنفسه الانتقال إلى الرخصة ، وقد تقرر قبل أن الشارع إن كان قاصدا لوقوع الرخصة ; فذلك بالقصد الثاني ، والمقصود بالقصد الأول هو وقوع العزيمة .

والذي يشبه هذه المسألة الحاكم إذا تعينت له في إنفاذ الحكم بينتان ، إحداهما في نفس الأمر عادلة ، والأخرى غير عادلة ; فإن العزيمة عليه أن يحكم بما أمر به من أهل العدالة في قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم [ الطلاق : 2 ] .

[ ص: 540 ] وقال : ممن ترضون من الشهداء .

فإن حكم بأهل العدالة ; أصاب أصل العزيمة وأجر أجرين ، وإن حكم بالأخرى فلا إثم عليه لعذره بعدم العلم بما في نفس الأمر ، وله أجر في اجتهاده ، وينفذ ذلك الحكم على المتحاكمين كما ينفذ مقتضى الرخصة على المترخصين ، فكما لا يقال في الحاكم : إنه مخير بين الحكم بالعدل ، والحكم بمن ليس بعدل ; كذلك لا يقال هنا : إنه مخير مطلقا بين العزيمة والرخصة .

فإن قيل : كيف يقال إن شرع الرخص بالقصد الثاني ؟ وقد ثبتت قاعدة رفع الحرج مطلقا بالقصد الأول ; كقوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] .

وجاء بعد تقرير الرخصة : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

قيل : كما يقال : إن المقصود بالنكاح التناسل وهو القصد الأول ، وما سواه من اتخاذ السكن ونحوه بالقصد الثاني ، مع قوله تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها [ الروم : 21 ] .

وقوله : وجعل منها زوجها ليسكن إليها [ الأعراف : 189 ] .

وأيضا ; فإن رفع الجناح نفسه عن المترخص تسهيل وتيسير عليه ، مع [ ص: 541 ] كون الصوم أياما معدودات ليست بكثيرة ; فهو تيسير أيضا ورفع حرج .

وأيضا ; فإن رفع الحرج مقصود للشارع في الكليات ; فلا تجد كلية شرعية مكلفا بها وفيها حرج كلي أو أكثري ألبتة ، وهو مقتضى قوله : وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] .

ونحن نجد في بعض الجزئيات النوادر حرجا ومشقة ; ، ولم يشرع فيه رخصة تعريفا بأن اعتناء الشارع إنما هو منصرف إلى الكليات ; فكذلك نقول في محال الرخص : إنها ليست بكليات ، وإنما هي جزئيات كما تقدم التنبيه عليه في مسألة الأخذ بالعزيمة أو الرخصة .

فإذا العزيمة من حيث كانت كلية هي مقصودة للشارع بالقصد الأول ، والحرج من حيث هو جزئي عارض لتلك الكلية ; إن قصده الشارع بالرخصة ; فمن جهة القصد الثاني ، والله أعلم .
المسألة الحادية عشرة

إذا اعتبرنا العزائم مع الرخص ; وجدنا العزائم مطردة مع العادات الجارية ، والرخص جارية عند انخراق تلك العوائد .

أما الأول ; فظاهر ، فإنا وجدنا الأمر بالصلاة على تمامها في أوقاتها ، [ ص: 542 ] وبالصيام في وقته المحدود له أولا ، وبالطهارة المائية ، على [ حسب ] ما جرت به العادة : من الصحة ، ووجود العقل ، والإقامة في الحضر ، ووجود الماء ، وما أشبه ذلك ، وكذلك سائر العادات والعبادات ; كالأمر بستر العورة مطلقا أو للصلاة ، والنهي عن أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها ، إنما أمر بذلك كله ونهي عنه عند وجود ما يتأتى به امتثال الأمر واجتناب النهي ، ووجود ذلك هو المعتاد على العموم التام أو الأكثر ولا إشكال فيه .

وأما الثاني : فمعلوم أيضا من حيث علم الأول ، فالمرض والسفر وعدم الماء أو الثوب أو المأكول ، مرخص لترك ما أمر بفعله أو فعل ما أمر بتركه ، وقد مر تفصيل ذلك فيما مر من المسائل ، ولمعناه تقرير آخر مذكور في موضعه من كتاب " المقاصد " بحمد الله .

إلا أن انخراق العوائد على ضربين :

عام ، وخاص ; فالعام ما تقدم ، والخاص كانخراق العوائد للأولياء إذا عملوا بمقتضاها ; فذلك إنما يكون في الأكثر على حكم الرخصة ; كانقلاب الماء لبنا ، والرمل سويقا ، والحجر ذهبا ، وإنزال الطعام من السماء أو إخراجه من الأرض ; فيتناول المفعول له ذلك [ ص: 543 ] ويستعمله ; فإن استعماله له رخصة لا عزيمة ، والرخصة كما تقدم لما كان الأخذ بها مشروطا بأن لا يقصدها ولا يتسبب فيها لينال تخفيفها ; كان الأمر فيها كذلك ; إذ كان مخالفة هذا الشرط مخالفة لقصد الشارع ; إذ ليس من شأنه أن يترخص ابتداء ، وإنما قصده في التشريع أن سبب الرخصة إن وقع توجه الإذن في مسببه كما مر ; فهاهنا أولى ; لأن خوارق العادات لم توضع لرفع أحكام العبودية ، وإنما وضعت لأمر آخر ، فكان القصد إلى التخفيف من جهتها قصدا إليها لا إلى ربها ، وهذا مناف لوضع المقاصد في التعبد لله تعالى .

وأيضا ; فقد ذكر في كتاب " المقاصد " أن أحكام الشريعة عامة لا خاصة ، بمعنى أنها عامة في كل مكلف ، لا خاصة ببعض المكلفين دون بعض ، والحمد لله .

ولا يعترض على هذا الشرط بقصد النبي - صلى الله عليه وسلم ـ لإظهار الخارق كرامة ومعجزة ; لأنه عليه الصلاة والسلام إنما قصد بذلك معنى شرعيا مبرأ من طلبه حظ النفس ، وكذلك نقول : إن للولي أن يقصد إظهار الكرامة الخارقة لمعنى شرعي لا لحظ نفسه ، ويكون هذا القسم خارجا عن حكم الرخصة بأن يكون بحسب القصد ، وعلى هذا المعنى ظهرت كرامات الأولياء الراقين عن الأحوال ، حسبما دل عليه الاستقراء ، فأما إذا لم يكن هذا ; فالشرط معتبر بلا إشكال ، وليس بمختص بالعموم ، بل هو في الخصوص أولى .

فإن قيل : الولي إذا انخرقت له العادة فلا فرق بينه وبين صاحب العادة على الجملة ; فإن الذي هيئ له الطعام أو الشراب أو غيره من غير سبب عادي مساو لمن حصل له ذلك بالتكسب العادي ، فكما لا يقال في صاحب التكسب العادي : إنه في التناول مترخص ، كذلك لا يقال في صاحب انخراق العادة ; [ ص: 544 ] إذ لا فرق بينهما ، وهكذا سائر ما يدخل تحت هذا النمط .

فالجواب من وجهين :

أحدهما : إن الأدلة المنقولة دلت على ترك أمثال هذه الأشياء لا إيجابا ، ولكن على غير ذلك ; فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير بين الملك والعبودية ; فاختار العبودية ، وخير في أن تتبعه جبال تهامة ذهبا وفضة ; فلم يختر ذلك ، وكان [ ص: 545 ] عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة فلو شاء [ له ] لدعا بما يحب فيكون ، فلم يفعل ، بل اختار الحمل على مجاري العادات : يجوع يوما فيتضرع إلى ربه ، ويشبع يوما فيحمده ، ويثني عليه ; حتى يكون في الأحكام البشرية العادية كغيره من البشر ، وكثيرا ما كان عليه الصلاة والسلام يري أصحابه من ذلك في مواطن ما فيه شفاء في تقوية اليقين وكفاية من أزمات الأوقات ، وكان عليه الصلاة والسلام يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ، ومع ذلك لم يترك التكسب لمعاشه ومعاش أهله ، فإذا كانت الخوارق في حقه متأتية ، والطلبات محضرة له ; حتى قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ ما أرى الله إلا يسارع في هواك ، وكان ـ لما أعطاه الله من شرف المنزلة - متمكنا منها فلم يعول إلا على مجاري العادات في الخلق ، كان ذلك أصلا لأهل الخوارق والكرامات عظيما في أن لا يعملوا على ما اقتضته الخوارق ، ولكن لما لم يكن ذلك حتما على الأنبياء ; لم يكن [ ص: 546 ] حتما على الأولياء ; لأنهم الورثة في هذا النوع .

والثاني : [ إن ] فائدة الخوارق عندهم تقوية اليقين ، ويصحبها الابتلاء الذي هو لازم للتكاليف كلها ، وللمكلفين أجمعين في مراتب التعبد ; فكانت كالمقوي لهم على ما هم عليه ; لأنها آيات من آيات الله تعالى ، برزت على عموم العادات ، حتى يكون لها خصوص في الطمأنينة ; كما قال إبراهيم عليه السلام : رب أرني كيف تحي الموتى الآية [ البقرة : 260 ] ، وكما قال نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما حكى الله تعالى فراق موسى للخضر : يرحم الله أخي موسى ، وددنا لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما فإذا كانت هذه [ ص: 547 ] فائدتها ; كان ما ينشأ عنها مما يرجع إلى حظوظ النفس كالصدقة الواردة على المحتاج ; فهو في التناول والاستعمال بحكم الخيرة ; فإن تكسب وطلب حاجته من الوجه المعتاد ; صار كمن ترك التصدق عليه وتكسب فرجع إلى العزيمة العامة ، وإن قبل الصدقة ; فلا ضرر عليه لأنها وقعت موقعها .

وأيضا ; فإن القوم علموا أن الله وضع الأسباب والمسببات ، وأجرى العوائد فيها تكليفا وابتلاء ، وإدخالا للمكلف تحت قهر الحاجة إليها ، كما وضع له العبادات تكليفا وابتلاء أيضا ; فإذا جاءت الخارقة لفائدتها التي وضعت لها كان في ضمنها رفع لمشقة التكليف بالكسب وتخفيف عنه ، فصار قبوله لها من باب قبول الرخص من حيث كانت رفعا لمشقة التكليف [ بالكسب وتخفيفا عنه ] فمن هنا صار حكمها حكم الرخص ومن حيث كانت ابتلاء أيضا فيها شيء آخر ، وهو أن تناول مقتضاها ميل ما إلى جهتها ، ومن شأن أهل العزائم في السلوك عزوب أنفسهم عن غير الله ، كما كانت النعم العادية الاكتسابية ابتلاء أيضا ، وقد تقرر أن جهة التوسعة على الإطلاق إنما أخذوها مآخذ [ ص: 548 ] الرخص كما تبين وجهه ، فهذا من ذلك القبيل ; فتأمل كيف صار قبول مقتضى الخوارق رخصة من وجهين ! فلأجل هذا لم يستندوا إليها ، ولم يعولوا عليها من هذه الجهة ، بل قبلوها واقتبسوا منها ما فيها من الفوائد المعينة لهم على ما هم بسبيله ، وتركوا منها ما سوى ذلك ; إذ كانت مع أنها كرامة وتحفة ; تضمنت تكليفا وابتلاء .

وقد حكى القشيري من هذا المعنى : فروى عن أبي الخير البصري أنه كان بعبادان رجل أسود فقير يأوي إلى الخرابات ; قال : فحملت معي شيئا وطلبته ، فلما وقعت عينه علي تبسم ، وأشار بيده إلى الأرض ، فرأيت الأرض كلها ذهبا تلمع ، ثم قال : هات ما معك ، فناولته ، وهالني أمره وهربت .

وحكي عن النوري أنه خرج ليلة إلى شاطئ دجلة ; فوجدها وقد التزق الشطان ، فانصرف وقال : وعزتك لا أجوزها إلا في زورق .

وعن سعيد بن يحيى البصري ; قال : أتيت عبد الرحمن بن زيد وهو جالس في ظل ، فقلت له : لو سألت الله أن يوسع عليك الرزق لرجوت أن يفعل . فقال : ربي أعلم بمصالح عباده ، ثم أخذ حصى من الأرض ، ثم قال : اللهم إن شئت أن تجعلها ذهبا فعلت ، فإذا هي والله في يده ذهب ، فألقاها إلي [ ص: 549 ] وقال : أنفقها أنت ; فلا خير في الدنيا إلا للآخرة .

بل كان منهم من استعاذ منها ومن طلبها ، والتشوف إليها ، كما يحكى عن أبي يزيد البسطامي ، ومنهم من استوت عنده مع غيرها من العادات من حيث شاهد خروج الجميع من تحت يد المنة ، وواردة من جهة مجرد الإنعام ; فالعادة في نظر هؤلاء خوارق للعادات ; فكيف يتشوف إلى خارقة ، ومن بين يديه ، ومن خلفه ، ومن فوقه ، ومن تحته مثلها ، مع أن ما لديه منها أتم في تحقيق العبودية كما مر في الشواهد ، وعدوا من ركن إليها مستدرجا ، من حيث كانت ابتلاء لا من جهة كونها آية أو نعمة .

حكى القشيري عن أبي العباس الشرفي ; قال : كنا مع أبي تراب النخشبي في طريق مكة ، فعدل عن الطريق إلى ناحية فقال له بعض أصحابنا : أنا عطشان . فضرب برجله الأرض ، فإذا عين ماء زلال ; فقال الفتى : أحب أن أشربه بقدح ، فضرب بيده إلى الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت فشرب وسقانا ، وما زال القدح معنا إلى مكة ; فقال لي أبو تراب يوما : ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم الله بها عباده ؟ فقلت : ما رأيت أحدا إلا وهو يؤمن بها ، فقال : من لا يؤمن بها فقد كفر ، إنما سألتك من طريق الأحوال ، فقلت : ما أعرف لهم قولا فيه ، فقال : [ ص: 550 ] بل قد زعم أصحابك أنها خدع من الحق ، وليس الأمر كذلك ; إنما الخدع في حال السكون إليها فأما من لم يقترح ذلك ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين .

وهذا كله يدلك على ما تقدم من كونها في حكم الرخصة ، لا في حكم العزيمة ; فليتفطن لهذا المعنى فيها ; فإنه أصل ينبني عليه فيها مسائل : منها أنها من جملة الأحوال العارضة للقوم ، والأحوال من حيث هي أحوال لا تطلب بالقصد ، ولا تعد من المقامات ، ولا هي معدودة في النهايات ، ولا هي دليل على أن صاحبها بالغ مبلغ التربية والهداية ، والانتصاب للإفادة ، كما أن المغانم في الجهاد لا تعد من مقاصد الجهاد الأصلية ، ولا هي دليل على بلوغ النهاية ، والله أعلم .

الاستدراكات

( استداراك 1 ) : ذكره عنه ابن كثير في " تفسيره " ( 1 \ 212 ، البقرة : 173 ) ، وقال : " وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة ، قال أبو الحسن الطبري المعروف بـ ( ألكيا الهراسي ) رفيق الغزالي في الاشتغال : وهذا هو الصحيح عندنا كالإفطار للمريض ونحو ذلك " . ( استدراك 2 ) : كذا في ( ط ) ، و " الناسخ والمنسوخ " ( 1 \ 171 ) ، لابن العربي ، وفي سائر النسخ : " رجاء الأبدية " . ( استدارك 3 ) : قلت : أخرج سبب النزول المذكور البخاري في " صحيحه " ( كتاب التفسير ، باب ليس عليكم جناح ، 8 \ 186 \ رقم 4519 ) ، وأبو داود في " السنن " ، ( 2 \ 75 ) ، والحاكم في " المستدرك " ( 2 \ 277 ) ، وابن جرير في " التفسير " ، ( 2 \ 273 ) ، وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما . ( استدراك 4 ) : عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيدفعون مفاتيحهم إلى ضمنائهم ـ الضمن : الزمن المبتلى ـ ويقولون لهم : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما أحببتم ، فكانوا يقولون إنه لا يحل لنا أنهم أذنوا عن غير طيب نفس ؛ فأنزل الله ـ عز وجل ـ : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم إلى قوله : أو ما ملكتم مفاتحه ، رواه البزار في " مسنده " ؛ كما في " كشف الستار " ( رقم 2241 ) ، ورجاله رجال الصحيح ؛ كما في " المجمع " ( 7 \ 83 ) ، وقال السيوطي في " لباب النقول : " سنده صحيح " ، وقال ابن حجر في " مختصر زوائد البزار " ( 2 \ 97 \ رقم 1490 ) : " صحيح " .





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* الدعوة في الطائف
* الدعوة أيام الحج وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
* بيعة العقبة الأولى
* نصوص أوروبية عن فتح الأندلس
* نكبات أصابت الأمة الإسلامية وبشائر العودة: نكبة القدس سنة 626 هـ
* قائمة بكتب علم التاريخ (pdf)
* بستان السالك في مناقب أنس بن مالك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2026, 11:45 AM   #42

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الثانى
الحلقة (42)
صـ7 إلى صـ 23



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتاب المقاصد

والمقاصد التي ينظر فيها قسمان :

أحدهما يرجع إلى قصد الشارع .

[ ص: 8 ] والآخر يرجع إلى قصد المكلف .

فالأول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء ، ومن جهة قصده في وضعها للأفهام ، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها ، ومن جهة قصده في دخول المكلف تحت حكمها; فهذه أربعة أنواع .

ولنقدم قبل الشروع في المطلوب .

[ ص: 9 ] مقدمة كلامية مسلمة في هذا الموضع :

وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا ، وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا ، وليس هذا موضع ذلك ، وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام ، وزعم الفخر الرازي : أن [ ص: 10 ] [ ص: 11 ] أحكام الله ليست معللة بعلة ألبتة ، كما أن أفعاله كذلك ، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد ، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين ، ولما اضطر في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية; أثبت ذلك على أن العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة ، [ ص: 12 ] ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه المسألة .

والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره ، فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ النساء : 165 ] ، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ الأنبياء : 107 ] .

وقال في أصل الخلقة : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ هود : 7 ] ، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : 56 ] ، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ الملك : 2 ] .

وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة; فأكثر من أن تحصى كقوله بعد آية الوضوء : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم [ المائدة : 6 ] .

وقال في الصيام : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 183 ] .

وفي الصلاة : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [ العنكبوت : 45 ] .

[ ص: 13 ] وقال في القبلة : فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة [ البقرة : 150 ] .

وفي الجهاد : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [ الحج : 39 ] .

وفي القصاص : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب [ البقرة : 179 ] .

وفي التقرير على التوحيد : ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين [ الأعراف : 172 ] ، والمقصود التنبيه .

وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة ، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد; فلنجر على مقتضاه - ويبقى البحث في كون ذلك واجبا أو غير واجب موكولا إلى علمه - ; فنقول والله المستعان :
[ ص: 14 ] [ ص: 15 ] القسم الأول

مقاصد الشارع

[ ص: 16 ] [ ص: 17 ] النوع الأول

في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة وفيه مسائل :

المسألة الأولى

تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق ، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام :

أحدها : أن تكون ضرورية .

والثاني : أن تكون حاجية .

والثالث : أن تكون تحسينية .

فأما الضرورية; فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ، [ ص: 18 ] بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة ، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم ، والرجوع بالخسران المبين .

والحفظ لها يكون بأمرين :

أحدهما : ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها ، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود .

والثاني : ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها ، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم .

فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود; كالإيمان ، [ ص: 19 ] والنطق بالشهادتين ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، وما أشبه ذلك .

والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا; كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات ، وما أشبه ذلك .

والمعاملات راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود ، وإلى حفظ النفس والعقل أيضا ، لكن بواسطة العادات .

والجنايات - ويجمعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ترجع إلى [ ص: 20 ] حفظ الجميع من جانب العدم .

والعبادات والعادات قد مثلت ، والمعاملات ما كان راجعا إلى مصلحة الإنسان مع غيره; كانتقال الأملاك بعوض أو بغير عوض بالعقد على الرقاب أو المنافع أو الأبضاع ، والجنايات ما كان عائدا على ما تقدم بالإبطال ، فشرع فيها ما يدرأ ذلك الإبطال ، ويتلافى تلك المصالح; كالقصاص ، والديات للنفس ، والحد للعقل ، وتضمين قيم الأموال للنسل ، والقطع والتضمين للمال ، وما أشبه ذلك .

ومجموع الضروريات خمسة ، وهي : حفظ الدين ، والنفس ، والنسل ، والمال ، والعقل ، وقد قالوا : إنها مراعاة في كل ملة .

[ ص: 21 ] وأما الحاجيات; فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ، فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة ، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة .

وهي جارية في العبادات ، والعادات ، والمعاملات ، والجنايات :

ففي العبادات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض [ ص: 22 ] والسفر ، وفي العادات كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال ، مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا ، وما أشبه ذلك .

وفي المعاملات; كالقراض ، والمساقاة ، والسلم ، وإلقاء التوابع في العقد على المتبوعات ، كثمرة الشجر ، ومال العبد .

وفي الجنايات; كالحكم باللوث ، والتدمية ، والقسامة ، وضرب الدية على العاقلة ، وتضمين الصناع ، وما أشبه ذلك .

وأما التحسينات; فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات ، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق .

وهي جارية فيما جرت فيه الأوليان :

ففي العبادات; كإزالة النجاسة - وبالجملة الطهارات كلها - ، وستر العورة ، وأخذ الزينة ، والتقرب بنوافل الخيرات من الصدقات والقربات ، وأشباه ذلك .

[ ص: 23 ] وفي العادات; كآداب الأكل والشرب ، ومجانبة المآكل النجسات والمشارب المستخبثات ، والإسراف والإقتار في المتناولات .

وفي المعاملات; كالمنع من بيع النجاسات ، وفضل الماء والكلأ ، وسلب العبد منصب الشهادة والإمامة ، وسلب المرأة منصب الإمامة ، وإنكاح نفسها ، وطلب العتق وتوابعه من الكتابة والتدبير ، وما أشبهها .

وفي الجنايات; كمنع قتل الحر بالعبد ، أو قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد .

وقليل الأمثلة يدل على ما سواها مما هو في معناها فهذه الأمور راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية ، إذ ليس فقدانها بمخل بأمر ضروري ولا حاجي ، وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* الدعوة في الطائف
* الدعوة أيام الحج وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
* بيعة العقبة الأولى
* نصوص أوروبية عن فتح الأندلس
* نكبات أصابت الأمة الإسلامية وبشائر العودة: نكبة القدس سنة 626 هـ
* قائمة بكتب علم التاريخ (pdf)
* بستان السالك في مناقب أنس بن مالك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
-----متجدد, أبو, الله, الموافقات, الشاطبي, شاء, إسحاق, هو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
«عون الرحمن في تفسير القرآن» ----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 519 07-27-2026 02:30 PM
السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم السيرة النبوية 102 07-22-2026 10:43 PM
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 1889 07-19-2026 11:54 PM
منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم الفرق والنحل 42 07-13-2026 02:47 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009