استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-10-2026, 12:18 AM   #457

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




تفسير قوله تعالى:﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ...﴾


قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 42 - 44].

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾.

في هذه الآية وما بعدها تفصيلٌ لما أُجمِل من اصطفاء الله تعالى لآل عمران في قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]؛ لأن مريم من آل عمران، فهو انتقال من ذكر أم مريم إلى ذكر مريم.

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ﴾ الواو: استئنافية، و«إذ» ظرف زمان بمعنى «حين» متعلق بمحذوف؛ أي: واذكر حين قالت الملائكة، والمراد جنس الملائكة وليس كلهم، والمراد بذلك - والله أعلم - جبريل.

﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ﴾ نادَوها بهذا شفاهًا، وباسمها مريم الذي هو علم عليها تكريمًا لها.

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ﴾: «اصطفى» أصلها (اصتفى)، فقُلِبت التاء «طاء» لعلة تصريفية، والمعنى: أن الله اصطفاك اصطفاءً ذاتيًّا عامًّا، واختارك واجتباك لطاعته، وجعلك من صفوة خلقه، فهي من بيت آل عمران الذين اصطفاهم الله؛
كما قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].
ونذرتها أمُّها لله وخدمة بيت المقدس، وتقبَّلها ربُّها بقَبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا، وكفَّلها زكريا، ورزقها من عنده بغير حساب، ووفَّقها للتصديق بكلماته وكُتبه، ودوام الطاعة له.

﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ أي: وطهرك باطنًا وظاهرًا من الكفر والمعاصي والفواحش بالإيمان، والطاعة والعفاف، والأخلاق الفاضلة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ [التحريم: 12]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 91].

وفي هذا ردٌّ على اليهود أخزاهم الله، وقبَّحهم في اتهامهم مريم بأنها بَغِيٌّ، وأن ابنها عيسى ولد زنا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ [مريم: 27، 28].

﴿ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾: هذا معطوف على ما قبله، أي: واصطفاكِ اصطفاءً خاصًّا، ففضَّلك ﴿ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: على نساء عالم زمانها، أو على نساء العالمين كلهم باعتبار أنها ممن كمُل من النساء؛ فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كمُل من الرجال كثير، ولم يكمُل من النساء إلا مريم، وآسية، وامرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد»[1].

قوله تعالى: ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾.

أخبرت الملائكة مريم باصطفاء الله تعالى لها، ثم أمرتها بالقنوت لربها، والسجود والركوع له شكرًا لله تعالى على ذلك، ولتتهيَّأ لما أراد الله لها من الابتلاء بسبب هذا؛ حيث خلق الله بقدرته العظيمة منها ولدًا من غير أب، وقال فيها الأفَّاكون ما قالوه رِفعة من الله تعالى لها في الدارين.

قوله: ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾: «القنوت»: دوام الطاعة والخضوع والخشوع له، قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ [الزمر: 9].

﴿ لِرَبِّكِ ﴾: «اللام»: للاختصاص؛ أي: قنوتًا خالصًا لربك، تعظيمًا له، وفي إضافة اسم الرب إلى ضمير «مريم» تشريف وتكريم لها، وبيان ربوبية الله تعالى لها ربوبية خاصة.

﴿ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿ اقْنُتِي ﴾ من عطف الخاص على العام، فهو أمر بالسجود والركوع مع الراكعين؛ أي: أمر بالصلاة بعد الأمر بالقنوت والطاعة.

والمراد بالسجود: السجود المعروف على الأعضاء السبعة؛ كما في الحديث: «وأُمِرنا أن نسجد على سبعة أعظم»[2].

﴿ وَارْكَعِي ﴾ «الواو»: عاطفة، وعطف بها الركوع على السجود، مع أن «السجود» قبل «الركوع»؛ لأن الواو لمجرد الجمع والتشريك، ولا تقتضي الترتيب.

و«الركوع»: الانحناء للتعظيم، والمراد: صلي مع المصلين؛ أي: كوني من جملة أهل الصلاة، وليس المراد الصلاة مع الجماعة؛ لأنه ليس على النساء صلاة جماعة.

وعَطْفُ الأمر بالسجود والركوع على الأمر بالقنوت دليلٌ على فضل الصلاة، وعِظَم مكانتها بين الطاعات والعبادات، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الإسلام الذي يدور عليها رحاه.

كما أن تخصيص السجود والركوع بالذِّكر دليلٌ على عِظَم السجود والركوع، وأنهما من أعظم أركان الصلاة وأعمالها.

وقُدِّم السجود؛ لأن هيئته - والله أعلم - أفضلُ وأبلغ في الخضوع، ولأنه أدخل في الشكر، والمقام مقامُ شكرٍ.

ولا يدل ذلك على أنه أفضل من الركوع مطلقًا؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، إنما هي في الأصل لمطلق الجمع والتشريك، ما لم يدل دليل أن المراد بها الترتيب؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 158]، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أبدأ بما بدأ الله به»[3]، فدل هذا على البداءة بالصفا، كما بدأ الله به في الآية.

قال ابن القيم[4]: «الذي يظهر في الآية - والله أعلم بمراده من كلامه - أنها اشتملت على مطلق العبادة، وتفضيلها، فذكر الأعم، ثم ما هو أخص منه، ثم ما هو أخص من الأخص، فذكر القنوت أولًا وهو الطاعة الدائمة، فيدخل فيه القيام والذِّكر والدعاء وأنواع الطاعة، ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يُشرَع وحده؛ كسجود الشكر والتلاوة، ويُشرع في الصلاة، فهو أخص من مطلق القنوت.

ثم ذُكر الركوع الذي لا يُشرع إلا في الصلاة، فلا يُسن الإتيان به منفردًا، فهو أخص مما قبله، ففائدة الترتيب: النزول من الأعم إلى الأخص، إلى أخص منه، وهما طريقتان معروفتان في الكلام: النزول من الأعم إلى الاخص، وعكسها، وهو: الترقي من الأخص إلى ما هو أعم منه إلى ما هو أعم، ونظيرها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77].

فذكر أربعة أشياء أخصها الركوع، ثم السجود أعم منه، ثم العبادة أعم من السجود، ثم فِعل الخير العام المتضمن لذلك كله».

﴿ مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾؛ أي: في جملة أهل الركوع وأهل الصلاة من الرجال والنساء، وغلَّب هنا الذكور على الإناث.

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾.

قوله ﴿ ذَلِكَ ﴾: الإشارة إلى ما أخبر الله تعالى به من القصص من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 33]، الآية عن امرأة عمران، وابنتها مريم، وزكريا، وابنه يحيى.

﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾: «أنباء» جمع «نبأ» وهو الخبر الهام؛ كما قال تعالى: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ [النبأ: 1، 2]؛ أي: ذلك من أخبار الغيب العظيمة.

﴿ الغيب ﴾: ما غاب عن الحواس فلا تُدركه، والمراد: أن ما ذكره الله تعالى في هذه القصص مما غاب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يدركه ولم يعلمه لا هو ولا قومه؛ لأنهم كانوا أُميين لا يعلمون شيئًا عن الأمم السابقة؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [هود: 49].

﴿ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: نَقُصُّه عليك، ونُخبرك به،

والوحي في اللغة: الإعلام الخفي السريع، وهو في الشرع: كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ «الواو»: عاطفة، وضمير الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وضمير الغائب لزكريا وقومه؛ أي: وما كنت يا محمد عند زكريا وقومه في ذلك الوقت، فتُخبر عنهم بما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضرٌ وشاهدٌ.

﴿ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ ﴾ «إذ»: ظرف بمعنى حين؛ أي: حين يُلقون أقلامهم، وهي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، كانوا يقترعون بها عند الحاجة إلى القُرعة، فيكتبون عليها أسماء المقترعين، أو أسماء الأشياء المقترع عليها، أي: حين يضعون أقلامهم التي يكتبون بها للاقتراع.

﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾؛ أي: أيهم الذي يكون كافلًا لمريم؛ تنافسًا منهم لمكانة أبيها عمران، فهو سيدهم وإمامهم، لهذا تشاحَّ عليها بنو إسرائيل وتنافسوا في كفالتها.

قيل: إنهم دخلوا نهر الأردن، واقترعوا هناك على أن يُلقوا أقلامهم، وأيهم ثبت قلمه في مجرى الماء، فهو كافلُها، فوضعوا أقلامهم، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت، وكان كبيرهم وسيدهم وعالِمهم، وإمامهم ونبيهم، فكفَلها.

وقيل المراد بأقلامهم: سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، سُمِّيت أقلامًا لشبهها بالأقلام في الاستطالة ودقة الرأس، فخرجت القرعة لزكريا، فضمها إليه وكفَلها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ [آل عمران: 37]؛ مِنةً من الله تعالى، ورحمة به وبها.

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ «الواو»: عاطفة؛ أي: وما كنتَ يا محمد عندهم أيضًا حين اختصامهم وتنازُعهم أيهم يكفل مريم، كلٌّ منهم يريد أن يحظى ويَشرُف بكفالتها، ويرى أنه أحقُّ بها وأَولى بكفالتها؛ حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن يَقترعوا.

[1] أخرجه البخاري ومسلم.

[2] أخرجه البخاري في الأذان، السجود على سبعة أعظم (809-810)، ومسلم في الصلاة أعضاء السجود (490)، والنسائي في التطبيق (1093)، والترمذي في الصلاة (273)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (883)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[3] سبق تخريجه.

[4] انظر: بدائع التفسير (1/ 498-499).
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* مناهج القراء في اجتماع همزتين من كلمة أو كلمتين
* القراءات السبع
* التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم
* المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها
* مناهج القراء في هاء الكناية
* الوقف والابتداء وأمثلة عليهما
* مناهج القراء في ميم الجمع

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-10-2026, 12:20 AM   #458

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾[آل عمران: 42 - 44].

1- التذكير بقصة مريم عليها السلام تعظيمًا لشأنها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ الآية.


2- مخاطبة الملائكة عليهم السلام لمريم عليها السلام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ الآية؛ مما يدل على فضلها وشرفها وكرامتها.


وليس في هذا دلالة على نبوتها، فالنبوة خاصة في الرجال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف: 109]، و«إلا» تفيد الحصر، أي: إلا رجالًا فقط.


3- اصطفاء الله تعالى لمريم عليها السلام اصطفاءً ذاتيًّا عامًّا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ؛ أي: حباكِ من صفوة خلقه وخيارهم.


4- تطهير الله - عز وجل - لمريم بالتصديق والإيمان، وحفظه لها من الفواحش والمعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَطَهَّرَكِ.


5- الرد على اليهود في اتهامهم مريم أنها بغيٌّ، وأن ابنها عيسى ولد زنا - أخزاهم الله وقبَّحهم - لقوله تعالى: ﴿ وَطَهَّرَكِ.


6- تفضيل الله تعالى لمريم عليها السلام، واصطفاؤه لها اصطفاءً خاصًّا على نساء العالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، فهي أفضل نساء عالم زمانها، وهي من أفضل وخير نساء العالمين؛ قال صلى الله عليه وسلم: «خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد»[1]؛ أي: خير نساء الجنة.


وقال صلى الله عليه وسلم: «حسبُك من نساء العالمين مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون»[2].


وسبق في حديث أبي موسى - رضي الله عنه - أنها ممن كمُل من النساء، بل قيل: إنها أفضل نساء العالمين مطلقًا، ويَرُد هذا ما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نساء ركبنَ الإبل نساء قريش، أحناه على ولدٍ في صغره، وأرعاه على بعلٍ في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيرًا ما فضلت عليها أحدًا»[3].


7- تأكيد فضيلة مريم عليها السلام؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ لتكرار قوله: ﴿ اصْطَفَاكِ.


8- أمر الله - عز وجل - مريم عليها السلام بالقنوت والسجود والركوع مع الراكعين، شكرًا لله تعالى، وتنبيهًا لما يريد الله بها من أمر قدَّرهُ وقضاه مما فيه محنة لها ورِفعة في الدارين بما أظهره لله تعالى فيها من قدرته العظيمة؛ حيث خلق منها ولدًا من غير أبٍ.


9- وجوب شكر نعمة الله تعالى، وأنه كلما كانت النعمة والمنة أعظمَ، كان الشكر لله أوجبَ وأعظم؛ لقوله تعالى لمريم بعد أن بيَّن فضلها واصطفاءه لها: ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ الآية.


10- الترغيب بالقنوت لله تعالى، ودوام الطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿ اقْنُتِي لِرَبِّكِ.


11- فضل الصلاة، وأنها من أعظم العبادات في جميع الشرائع السماوية، وأنها في كل الشرائع ذات ركوع وسجود؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ.


12- أن من أعظم أركان الصلاة وأعمالها: الركوع والسجود، وقدَّم السجود في الآية مع أن الركوع قبله في الترتيب؛ لأن السجود - والله أعلم - أفضل من حيث الهيئة، وأبلغ في الخضوع، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأما الركوع فعَظِّموا فيه الرب - عز وجل - وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم»[4]، وعن أبي هريرة رضي لله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»[5].


13- وجوب الإخلاص لله تعالى وحده في العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿ لربِّك .


14- ربوبية الله - عز وجل - لمريم ربوبية خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ لربِّك.


15- تعظيم ما حصل في القصص المذكور؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ؛ فأشار إليها بإشارة البعيد وسمَّاها «أنبـاء» تعظيمًا لها.


16- أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ.


17- إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى أوحى إليه الرد على المكذبين لرسالته من أهل الكتاب وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ الآية.


18- تنافس الملأ من بني إسرائيل واقتراعهم بأقلامهم أيهم يَكفُل مريم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ.


19- تخاصم بني إسرائيل في كفالة مريم، فكل منهم يريد أن يكفلها وفاءً لحق عمران والدها، وكان من أكبر أحبارهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ؛ حتى صارت القرعة من نصيب زكريا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: 37].


20- تأكيد أن ما ذكر الله في هذه القصص مما غاب عنه صلى الله عليه وسلم، ومما أوحاه الله إليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ الآية، وقوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ.


وفي هذا تأكيد إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم، وتعريض بأهل الكتاب، كيف يكذبونه مع ما جاءهم من هذه الأخبار التي يعلمون صدقَها مما لم يشهده صلى الله عليه وسلم، ولا عَلِمهُ من ذي قبل، وإنما أوحاه الله تعالى إليه، فصار إخبارهم بهذا من طريق ما أوحاه الله إليه، كأنه شاهد معهم؟!


21- مشروعية القرعة عند الحاجة لها؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ؛ أي: للاقتراع، وكما قال تعالى في قصة يونس: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات: 141].


22- المنافسة في عمل الخير، فإن بني إسرائيل تنافسوا أيهم يكفل مريم عليها السلام، وكلهم يقول: أنا أَولى بكفالتها طلبًا للأجر والثواب؛ لأنها بنت إمامهم وسيدهم عمران عليه السلام.


23- عناية الله تعالى بأوليائه، وتسخيره لهم، وحفظهم، بسبب صلاحهم وصلاح آبائهم، كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: 82].

[1] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3432)، ومسلم في الفضائل (2430)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[2] أخرجه الترمذي في المناقب (3878)، من حديث أنس - رضي الله عنه - وصحَّحه.

[3] أخرجه البخاري في النكاح (5082)، ومسلم في فضائل الصحابة (2527).

[4] أخرجه مسلم في الصلاة (479)، وأبو داود في الصلاة (876)، والنسائي في التطبيق (876).

[5] أخرجه مسلم في الصلاة (482)، وأبو داود في الصلاة (875)، والنسائي في التطبيق (1137).
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* مناهج القراء في اجتماع همزتين من كلمة أو كلمتين
* القراءات السبع
* التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم
* المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها
* مناهج القراء في هاء الكناية
* الوقف والابتداء وأمثلة عليهما
* مناهج القراء في ميم الجمع

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-10-2026, 12:23 AM   #459

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾[آل عمران: 45 - 51].

قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾.

قوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ ﴾ أي: اذكر حين قالت الملائكة: «يا مريم».

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ ﴾: «البشارة»: الإخبار بما يسر.

﴿ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ﴾ أي: بولد يكون وجوده بكلمة منه - عز وجل - أي: بقوله تعالى:
﴿ كُن ﴾ فيكون من غير أب، و«من» في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ ابتدائية أو بيانية، أي: خلقه - عز وجل - بكلمة صادرة منه سبحانه وتعالى، وهي قوله تعالى: ﴿ كنْ ﴾.

﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ «اسم»: مبتدأ، وضمير «الهـاء» مضاف إليه راجع إلى «كلمة»، وذُكِّر مراعاة للمعنى؛ لأن المراد منها مذكَّر، و﴿ الْمَسِيحُ ﴾: خبر أول، و﴿ عيسى﴾: بدل منه أو عطف بيان أو خبر ثانٍ أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عيسى، ﴿ ابن مريم ﴾: صفة له؛ أي: اسمه الذي يميز به لقبًا «المسيح»، وعَلَمًا «عيسى»، وكُنية «ابن مريم».

﴿ الْمَسِيحُ ﴾: «فعيل» بمعنى (فاعل)، وسُمِّيَ عيسى عليه السلام ولُقِّب بــ«المسيح»؛ لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ﴾ [المائدة: 110]، وقيل: لمسحه الأرض، أي: كثرة سياحته فيها، وقيل: هو «فعيل» بمعنى (مفعول)؛ لأنه مسح بالبركة واليمن، أو لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، والأقرب القول الأول.

﴿ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾: نسبة إلى أمه مريم؛ لأنه لا أب له.

﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ «وجيهًا»: حال، أي: حال كونه وجيهًا في الدنيا والآخرة، أي: ذا وجاهة وجاه عظيم عند الله في الدنيا والآخرة، كغيره من أولي العزم من الرسل، كما قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ [الأحزاب: 69].

و«الوجيه»: ذو الجاه، أي: ذو الشرف والقدر والمكانة، مأخوذ من الوجه الذي هو أفضل الأعضاء.

﴿ فِي الدُّنْيَا﴾: بالنبوة، وإنزال الكتاب عليه، وإيتائه الآيات الشرعية والآيات الكونية الخارقة، وقبول دعائه، وجعله من أفضل الرسل وهم أولوا العزم؛ كما قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ [الشورى: 13]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: 7].

﴿ والآخرة ﴾ أي: ووحيها في الآخرة بقبول شفاعته، وعلو مقامه عند الله بأعلى درجات الجنة مع أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام.

﴿ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾: معطوف على ﴿ وجيهًا﴾ في محل نصب على الحال عطفًا على «وجيهًا»، أي: وحال كونه من المقربين عند الله تعالى، الذين هم أقرب الخلائق إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [الواقعة: 10، 11]، وهذه أعظم البشارات.

قوله تعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾.

قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ﴾ «الواو»: عاطفة، فالجملة في محل نصب عطفًا على الحال السابقة، أي: ويكلم الناس حال كونه في المهد.

و«المهد»: الفراش الذي يوطَّأ للصبي؛ لينام فيه، والمعنى: أنه عليه السلام يكلم الناس وهو صبي في الفراش.

وهذه آية عظيمة دالة على كمال قدرة الله تعالى، وعلى صدق عيسى، وبراءة أمه مما يظن بها من الظنون السيئة، ورحمةً بهما وبالخلق.

﴿ وَكَهْلًا ﴾ «الواو»: عاطفة، و- كهلًا- حال معطوفة على ما قبلها، و«الكهل» من بلغ سن الكهولة وهي من إحدى وثلاثين، أو ثلاث وثلاثين فما بعدها إلى أربعين، وقيل: إلى الستين، أي: ويكلم الناس حال كهولته تكليم النبوة والدعوة إلى الله بعد بعثته، وكان عيسى عليه السلام بُعِثَ وهو ابن نيِّف وثلاثين سنة.

وخصَّ حال كونه في المهد، وحال كونه كهلًا؛ لأن الكلام في الحال الأولى آية على صدقه، وإرهاصًا لنبوته، وفي الحال الثانية بعثته ودعوته إلى الله تعال.

وفي عطف «كهلًا» على قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ﴾ مع أن (الكهل) ليس مستغربًا أن يتكلم؛ دلالة على أن كلامه في المهد فصاحة وبلاغة وبيانًا مثل كلامه كهلًا بعد مبعثه، كما قال تعالى: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ [مريم: 27 - 33].

﴿ وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: معطوف على الأحوال السابقة، أي: والحال أنه من الصالحين، أي: من جملة الصالحين الذين بلغوا الغاية في الصلاح باطنًا وظاهرًا، إخلاصًا لله تعالى في قلوبهم، ومتابعة لشرعه في أقوالهم وأعمالهم.

قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾؛ كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ [مريم: 20، 21].
قوله: ﴿ قَالَتْ رَبِّ ﴾ أي: قالت مريم: «يا رب».

﴿ أَنَّى ﴾: الاستفهام للتعجب، أي: من أين، أو كيف يكون لي ولد؟! كقول زكريا: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 40]، ليس للاستبعاد أو الاستنكار أو الشك، وإنما هو للتثبت وزيادة الطمأنينة، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [البقرة: 260]، وإلا فمريم عليها السلام مصدقة ببشارة الله تعالى لها بالولد.

﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ «الواو»: حالية، أي: والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني بشر، أي: لم أكن ذات زوج، و«المس» يُطلق في القرآن الكريم على الجماع ويُكنى به عنه؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 236]؛ أي: ما لم تجامِعوهنَّ، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: 43]، أي: أو جامعتُم النساء.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «(المس): الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء»[1].

و﴿ بشرٌ ﴾: يُطلق على الواحد والجمع، والتنكير للعموم، و«البشر» هم بنو آدم.

﴿ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 40]؛ أي: مثل ذلك الخلق العجيب.

وهو حصول الولد لك دون أن يمسسك بشر، يخلق الله ما يشاء، فـ«الكاف» على هذا في محل نصب صفة لمصدر محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك.

والمعنى: أنه سيكون لك ولد ولو لم يمسسك بشر.

﴿ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾: قدَّم اسم الجلالة على الفعل في قوله: ﴿ اللَّهُ يَخْلُقُ﴾ لتقوية الحكم، وتحقيق الخبر.

وعبر هنا في قصة مريم وعيسى بقوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾، وفي قصة زكريا ويحيى عبر بقوله: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 40]، والحكمة- والله أعلم- أن عيسى عليه السلام خُلِقَ من غير ما جرت به العادة، فناسب التعبير بقوله: «يخلق» الدال على الإبداع، وهذه حكمة كونية، وأيضًا في قوله: «يخلق» إبطال لقول النصارى: إن عيسى هو الله، وأن الله ثالث ثلاثة؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: 117]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 73]، وهذه حكمة شرعية.

ومعنى ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ أي: يُوجِد الذي يريد من المخلوقات على أي كيفية ونوعية وكمية شاء، سواء كان ذلك وفق الأسباب المعتادة المعلومة، أو على خلاف ذلك.

فخلق عز وجل عيسى عليه السلام من أم بلا أب على خلاف العادة، كما خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59]، كما خلق عز وجل حواء زوج آدم منه، أي: من أب بلا أم، كما خلق سائر الخلق من أب وأم.

﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ «إذا»: ظرفية شرطية، ﴿ قَضَى ﴾ أي: قضى كونًا، ﴿ أَمْرًا ﴾ مفرد، جمعه «أمور» لا (أوامر)، أي: إذا قضى شأنًا من الشؤون، وشيئًا من الأشياء؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، والقضاء له معنيان: كوني، وشرعي.

والقضاء الكوني كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 4]، وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14]، وقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 2]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36]، وقوله تعالى: ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 44]، والقضاء الشرعي؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]، والفرق بين القضاء الكوني والقضاء الشرعي: أن القضاء الكوني لابد من وقوعه، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى، مثل: الإرادة الكونية، والأمر الكوني، والحكم الكوني.. ونحو ذلك.

وأما القضاء الشرعي، فإنه لا يلزم وقوعه لكن لابد أن يكون محبوبًا لله تعالى، مثل: الإرادة الشرعية، والأمر الشرعي، والحكم الشرعي.. ونحو ذلك.

﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ «الفاء» في قوله: ﴿ فَإِنَّمَا ﴾: رابطة لجواب الشرط، و«إنما»: أداة حصر، ﴿ فَيَكُونُ ﴾: «الفاء» عاطفة سببية، أي: فبمجرد أن يقول له: ﴿ كُنْ ﴾ يكون كما أمر الله تعالى وأراد، دون تأخر؛ كما قال تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 117]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون ﴾ [غافر: 68]، وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [مريم: 35]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ [القمر: 50]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴾ [النازعات: 13، 14].

فكل شيء مُنقاد لأمره الكوني ولا يستعصي عليه شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [آل عمران: 83]، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [فصلت: 11].

قوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [آل عمران:48].

قرأ نافع وأبو جعفر وعاصم ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ﴾بالياء، وقرأ الباقون: «ونعلمه» بالنون.

والجملة معطوفة على قوله: ﴿ يُبَشِّرُكِ﴾أو على قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ﴾، والضمير في قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ﴾يعود على عيسى عليه السلام، أي: ويعلِّمه الله عز وجل الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.

و﴿ الْكِتَابَ : بمعنى المكتوب؛ أي: يعلِّمه الكتابة وحسن الخط، ويعلِّمه الكتب السابقة، وعلى هذا فتكون ( ال ) في ﴿ الْكِتَابَ﴾ للجنس.

﴿ وَالْحِكْمَةَ﴾معطوفة على ﴿ الْكِتَابَ﴾، و( أل ) في «الحكمة» للعهد الذهني، أي: الحكمة التي آتاها الله عيسى، وهي الشريعة التي شرعها الله تعالى له، وسُمِّيت الشريعة بالحكمة؛ لأن كل ما شرعه الله تعالى متضمن للحكمة.

والحكمة أيضًا علم أسرار التشريع، وهذا كما قال تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 113].

﴿ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾: معطوف على ما قبله، وخص بالذِّكر التوراة والإنجيل لفضلهما، ولأن عيسى عليه السلام مُرسل بالحكم والعمل بهما.

و«التوراة»: الكتاب الذي أنزل الله تعالى على موسى، كتبها الله تعالى بيده، وأنزلها بألواح؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الأعراف: 145].

وقال صلى الله عليه وسلم: «قال آدم لموسى: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده»[2].
يتبع

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* مناهج القراء في اجتماع همزتين من كلمة أو كلمتين
* القراءات السبع
* التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم
* المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها
* مناهج القراء في هاء الكناية
* الوقف والابتداء وأمثلة عليهما
* مناهج القراء في ميم الجمع

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-10-2026, 12:25 AM   #460

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



وهي أصل الكتب التي أُنزِلت على بني إسرائيل وأعظمها، وبها حكم أنبياؤهم، وهي أفضل كتب الله تعالى بعد القرآن الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44].

﴿ والإنجيل ﴾: هو الكتاب الذي أنزل الله تعالى على عيسى، وهو متمم ومكمل للتوراة، قال تعالى: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [آل عمران: 50]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44].

قوله تعالى: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

قوله ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ «الواو»: عاطفة، و«رسولًا»: مفعول به لفعل محذوف تقديره: يجعله رسولًا إلى بني إسرائيل.

و«الرسول»: من أُوحِيَ إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه. فعيسى عليه السلام رسول إلى بني اسرائيل، ورسالته مكملة لرسالة موسى عليه السلام.

﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾؛ أي: قائلًا لهم: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ أي: أُرسِلت إليكم بآية، أي: بعلامة من ربكم دالة على صدقي.

﴿ قَدْ﴾: للتحقيق، والباء في قوله: ﴿ بِآيَةٍ﴾للملابسة، أي: مقارنة للآية الدالة على صدقي في هذه الرسالة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [الزخرف: 63].

﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ﴾:قرأ نافع وأبو جعفر بكسر الهمزة: «إِني» على أن الكلام استئناف لبيان « آية »، وقرأ الباقون بفتحها: ﴿ أَنِّي ﴾ على أنه بدل من قوله: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾.

وهذا وما بعده بيان للآية التي جاء بها عيسى عليه السلام بقوله: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .


﴿ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾: قرأ أبو جعفر بالإفراد «كهيئة الطائر»، وقرأ الباقون: ﴿ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾، والطير: اسم يقع غالبًا على الجمع، وقد يقع على الواحد، والكاف بمعنى: مثل، وهي صفة لموصوف محذوف، أي: أخلق لكم شيئًا كهيئة الطير، أي: كصورة الطير.

﴿ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾: قرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب بالإفراد «فيكون طائرًا»، أي: فيكون طائرًا تشاهدونه يطير، وقرأ الباقون: ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾، أي: طيرًا حيًّا بعد أن كان صورة على هيئة الطير، والمعنى: فيكون هذا الذي خلقت لكم من الطين على هيئة الطير، ونفخت فيه الروح طيرًا حياًّ يطير بجناحيه؛ لأن القراءتين بمثابة آيتين يُكمل بعضهما بعضًا.

﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي: بأمره الكوني الشرعي، فلولا أنَّ الله تعالى قدَّر ذلك كونًا، وأقدر عيسى عليه ما حصل ذلك، ولولا أن الله تعالى أذن لعيسى أن يُصوِّر على هيئة الطير ما فعل ذلك؛ لأن تصوير ذوات الأرواح لا يجوز؛ لما فيه من مضاهاة خلق الله تعالى؛ كما قال تعالى في الحديث القدسي: «ومَن أظلم ممَّن ذهب يَخلق كخَلْقي»[3].

وفي قول عيسى عليه السلام: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ إظهار كمال عبوديته لله تعالى، واحتراس من أن يظن أنه يخلق استقلالًا.

﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ﴾: معطوف على ﴿ أَخْلُقُ ﴾، و«أُبرئ» من (البرء) وهو الشفاء، أي: وأشفي، قيل: يبرؤهما بالدعاء.

و﴿ الْأَكْمَهَ ﴾: الذي وُلِدَ أعمى، وقيل: الأعمى مطلقًا.

﴿ وَالْأَبْرَصَ ﴾: من به برص، وهي بقع بيضاء شديدة البياض تظهر على الجلد، وقد تنتشر حتى تعُم الجلد كله، وهو مرض مستقذر.

كما في قصة الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى: «فجاء الملك للأبرص، فقال له: أي شيء أحب اليك؟ قال: «لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس»[4].

وخصَّ إبراء الأكمه والأبرص؛ لأنهما أمران مُعضلان أعجزا الأطباء مع كثرتهم في زمنه وحذقهم؛ ولهذا أراهم الله تعالى المعجزة من جنس الطب، وقرن ذلك بالخلق وإحياء الموتى.

﴿ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: معطوف على ﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ﴾، أي: وأُحيي الذين ماتوا بإذن الله الكوني، و(أل) في «الموتى» للجنس، أي: جنس «الموتى» بأن يقف على أي ميت فيأمره فيحيى، وليس المراد بذلك ميتًا بعينه كما قيل إنه أحيا سام بن نوح أو غيره من أناس بأعيانهم؛ فهذا لا دليل عليه.

﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ ﴾ أي: أخبركم.

﴿ بِمَا تَأْكُلُونَ ﴾ «ما»: موصولة، أو مصدرية في الموضعين، أي: بالذي تأكلونه اليوم، أو بأكلكم في يومكم.

﴿ وَمَا تَدَّخِرُونَ ﴾ أي: والذي تدَّخرونه، أو ادخاركم ﴿ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾: لغد، أو لما بعده، مما لم أطلع عليه.

وهذا من جملة الآيات التي أعطاها لعيسى؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن ارتضى من رسله، كما قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26، 27].

وكما أن في هذا آية من آيات الله التي منحها الله تعالى لعيسى؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؛ ففي ذلك حض لهم على الأكل والادخار مما أباح الله تعالى لهم، وتحذير مما حرَّمه الله عليهم؛ كما قال عيسى عليه السلام: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [آل عمران: 50].

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ﴾: الإشارة لما سبق من قوله تعالى: ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾؛ أي: إن في ذلك المذكور لآية لكم، أي: لعلامة على صدقي فيما جئتكم به من الرسالة تدعو إلى الإيمان بذلك.

﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: إن كنتم مصدقين بآيات الله، منقادين لشرعه؛ ففي ذلك آية لكم؛ لأنه لا ينتفع بالآيات إلا المؤمنون بخلاف أهل العناد والمكابرة، كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 99]، وقال تعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101].

قوله تعالى: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾.

قوله: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾ «مصدقًا»: حال، أي: وحال كوني «مصدقًا لما بين يدي من التوراة»، والمصدق: المخبر بصدق غيره، واللام في قوله: ﴿ لِمَا بَيْنَ ﴾: للتقوية، أي: تصديقًا مثبتًا محققًا، والمعنى: ومصدقًا لما تقدم قبلي وسبقني من التوراة، ببيان أنها حق من عند الله، وبكوني مِصداق ما أخبرت به، فأخبرت ببعثته عليه السلام قبل مبعثه، فكان مبعثه مِصداق ما أخبرت به، وأيضًا مصدقًا لها بكون ما جاء به غالبًا موافقًا لِما جاء فيها من أخبار وأحكام.

﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ «الواو»: عاطفة، والجملة معطوفة على قوله: ﴿ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، و«اللام»: للتعليل؛ أي: ولأجل أن أحل لكم بعض الذي حُرِّم عليكم في التوراة تخفيفًا عنكم، وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [الزخرف: 63]، والمحرم عليهم ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [الأنعام: 146]، وقال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [النساء: 160].

فبسبب بَغيهم وظلمهم، حرَّم الله تعالى عليهم هذه الطيبات، ثم أحل الله تعالى لهم بعضها على لسان عيسى؛ كما قال عليه السلام: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾.

و﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وليبني عليه قوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾.

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل ما أمر الله به، وترك ما
نهى الله عنه.

﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾: قرأ يعقوب بإثبات ياء المتكلم «وأطيعوني»، وقرأ الباقون بحذفها، و﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ معطوف على ما قبله، أي: وأطيعوني بفعل ما آمركم به، وترك ما أنهاكم عنه.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾: أمر عيسى قومه بتقوى الله تعالى وطاعته، ثم بيَّن عِلة أمره لهم بذلك، وهو أن الله عز وجل ربه وربهم، يجب عليهم جميعًا تقواه وطاعته وعبادته وحده.

قوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ﴾: هذه الجملة تعليل للأمر بالتقوى والطاعة، أي: لأن الله ربي وربكم، فلكونه ربهم فهو حقيق بأن يتقوه جل وعلا، ولكونه رب عيسى وأرسله يقتضي تقواه وطاعة رسوله.

﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾ «الفاء»: للسببية، أي: فاعبدوه وحده، وفي هذا دلالة على أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية.

وفيه أيضًا تنبيه وإشارة إلى أن عيسى مع ما أُعطيه من الآيات السابقة؛ فهو كغيره من الخلق مربوب لله تعالى، خاضع، منقاد له؛ ولهذا بدأ عليه السلام بنفسه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي ﴾.

والعبادة في اللغة: التذلُّل والخضوع لله تعالى، وهي في الشرع: اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة؛ كالصلاة، والزكاة، وبر الوالدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإخلاص لله تعالى، والمحبة في الله تعالى والبغض في الله.. وغير ذلك.

كما تُطلق العبادة على فعل التعبُّد.

﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾: الإشارة إلى ما سبق في قوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ﴾، أي: تقوى الله تعالى، وطاعة عيسى عليه السلام، وعبادة الله تعالى هي الصراط المستقيم.

ويُحتمل عود الإشارة إلى أقرب مذكور وهو قوله: ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾.

﴿ هَذَا صِرَاطٌ ﴾ أي: هذا طريق واسع.

﴿ مُسْتَقِيمٌ ﴾: عدل، لا اعوجاج فيه، يؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة، وإلى الله - عز وجل - وجنته بأقصر مسافة، وأقل وقت.

[1] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (7/ 65)، والبيهقي في «سننه» (1/ 125).

[2] أخرجه البخاري في «التفسير» تفسير سورة طه (4736)، ومسلم في «القدر» (2652)، وأبو داود في «السنة» (470)، والترمذي في «القدر» (2134)، وابن ماجه في «المقدمة» (80)، وأحمد (2/ 268) (392)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في «اللباس» (5953)، ومسلم في «اللباس والزينة» (2111)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في «أحاديث الأنبياء» (3464)، ومسلم في «الزهد والرقائق» (2964)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* مناهج القراء في اجتماع همزتين من كلمة أو كلمتين
* القراءات السبع
* التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم
* المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها
* مناهج القراء في هاء الكناية
* الوقف والابتداء وأمثلة عليهما
* مناهج القراء في ميم الجمع

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-10-2026, 12:28 AM   #461

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




فوائد وأحكام:
﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.... ﴾



قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: 45 - 51].


1- إثبات وجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم، وتكليمهم لمريم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ ﴾.

2- بشارة الله تعالى بعيسى عليه السلام؛ لقول الملائكة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾.

3- أن عيسى عليه السلام «كلمة» من الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ﴾، وهو «كلمة الله»، كما قال تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ﴾ [النساء: 171]؛ لأن الله تعالى خلقه بقوله تعالى: ﴿ كُنْ ﴾ من غير أب، آية من آيات الله العظيمة، ودلائل قدرته التامة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59].

4- تسمية عيسى عليه السلام وتلقيبه بــ﴿ الْمَسِيحُ ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾.

وفي هذا ثناء من الله تعالى عليه؛ لأنه لا يمسح ذا عاهة من عمى أو برص أو غير ذلك إلا برأ بإذن الله تعالى.

5- تكنية عيسى عليه السلام بــ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾، ونسبته إلى أمه؛ لأن الله خلقه من أم بلا أب؛ لقوله تعالى: ﴿ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾؛ ولهذا يُذ كر في القرآن منسوبًا إلى أمه كثيرًا، بينما لا يُنسب غيره من الأنبياء حتى ولا لآبائهم؛ لأن في ذِكر عيسى عليه السلام منسوبًا إلى أمه تذكيرًا بعظيم قدرة الله تعالى بخلقه من أم بلا أب، فاجتمع في قوله تعالى: ﴿ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ أنواع العَلَم الثلاثة: اللقب، وهو قوله: ﴿ الْمَسِيحُ ﴾، والاسم- وهو قوله: ﴿ عِيسَى ﴾، والكُنية- وهو قوله: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾.

6- مكانة عيسى عليه السلام، ووجاهته عند الله، وشرفه في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾.

7- إثبات البعث والدار الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْآخِرَةِ ﴾.

8- قُرب عيسى عليه السلام من الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾.

9- تكليم عيسى عليه السلام الناس وهو صبي في المهد آية من آيات الله تعالى العظيمة، ومِنة منَّها الله تعالى على عيسى وأمه مريم عليهما السلام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ﴾.

10- أن تكليم عيسى عليه السلام وهو في المهد كتكليمه وهو كهل من حيث فصاحته وبيانه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَهْلًا ﴾، وفي هذا إعلامٌ بأنه يعيش حتى يصير كهلًا.

11- أن عيسى عليه السلام من جملة الصالحين، بل ممن بلغوا الغاية في الصلاح؛ فهو أحد أُولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾.

12- أن الصلاح يوصف به الأنبياء والرسل كما يوصف به غيرهم؛ لأن به وبكماله يبلغ العبد غاية الإيمان، إخلاصًا لله تعالى، ومتابعة لشرعه.

13- ربوبية الله تعالى الخاصة لمريم؛ لقولها: ﴿ رَبِّ ﴾.

14- تعجب مريم عليها السلام أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر؛ للتثبت وزيادة الاطمئنان، وليس من باب الاستبعاد أو الإنكار أو الشك؛ لأنها مصدقة بما بشرها الله به؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾.

15- خطاب الله تعالى لمريم عليها السلام، وفيه تشريف وتكريم لها؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ كَذَلِكِ ﴾.

16- قدرة الله تعالى التامة على خلق ما يشاء، سواء كان على وفق الأسباب المعتادة المعلومة، أو على خلاف ذلك، كما خلق تعالى عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وجعله يكلم الناس في المهد؛ لقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾.

17- إثبات صفة الخلق لله تعالى وصفة المشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾.

18- نفوذ قضاء الله تعالى وأمره الكوني وحدوثه بمجرد قوله تعالى: ﴿ كُنْ ﴾ دون تأخر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾؛ لكمال قدرته وقوته.

19- مِنة الله تعالى على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتب السابقة، والشـريعة وأسرار التشريع، والتوراة والإنجيل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾.

20- إثبات إرسال عيسى لبني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾، وفي هذا ردٌّ على اليهود الذين كذَّبوا رسالة عيسى عليه السلام.

21- عموم رسالة عيسى عليه السلام لجميع بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾.

22- تأييد الله - عز وجل - عيسى بالآيات الكونية؛ حيث يخلق من الطين كمثل الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا حيًّا يطير بإذن الله تعالى، ويُشفي الأعمى والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله، ويُخبِر بني إسرائيل بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

وكما قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [المائدة: 110].

23- إثبات ربوبية الله تعالى العامة لبني إسرائيل وغيرهم من الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾.

24- استعطاف عيسى عليه السلام لقلوب بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، أي: من المنعم عليكم بنعمة الربوبية مما يوجب عليكم أن تُطيعوه، وتصدَّقوا رسله، ولا تعصوه.

25- في تأييد الله - عز وجل - لعيسى بهذه الآيات الكونية العظيمة التي ليست بمقدور أحد من الخلق إلا بإذن الله - عز وجل - دلالة عظيمة على كمال قدرة الله تعالى.

26- أن الله - عز وجل - قد يُبيح لحكمة فعل أمر كان في الأصل حرامًا لمن يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾، فصنع تمثال على هيئة الطير حرام في الأصل، لكن لما كان بأمر الله تعالى كان مُباحًا، ومثل هذا أمر الله - عز وجل - الملائكة بالسجود لآدم؛ مع أن السجود في الأصل لا يجوز لغير الله، ومثل أمره تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام مع تحريم قتل النفس بغير حق.

27- جواز إطلاق وصف الخلق على المخلوق؛ لقول عيسى عليه السلام: ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14]، وفي الحديث أنه يُقال للمصورين: «أحيوا ما خلقتم»[1].

والخلق إذا أُضيف إلى المخلوق فمعناه: تحويل الشيء الموجود من حال إلى حال، كتحويل الخشب والحديد إلى باب... ونحو ذلك، أما الخلق بمعنى الإيجاد من العدم فذلك خاص بالله تعالى.

28- قدرة عيسى عليه السلام بإقدار الله تعالى، وإذنه له على أن يخلق من الطين كهيئة الطير، وينفخ فيه الروح فيكون طيرًا، وعلى إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموتى، وإخبار قومه بما يأكلون ويدَّخِرون في بيوتهم مما هو غيب لا يعلمه إلا الله أو من ارتضى من رسله.

29- إثبات الإذن الكوني والشرعي لله - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾.

30- أن عيسى عليه السلام عبد مربوب لله تعالى، لا يملك من الربوبية شيئًا كغيره من الرسل وسائر الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، وقوله: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ مرتين، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي ﴾.

وفي هذا ردٌّ على النصارى الذين يزعمون فيه المشاركة لله تعالى في الربوبية والألوهية؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الزخرف: 59]، وقال تعالى عنه- عليه السلام- أنه قال لقومه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [آل عمران: 51].

31- في إطلاع الله - عز وجل - عيسى عليه السلام- على ما يأكله بنو إسرائيل وما يدَّخِرونه في بيوتهم ما يُوجِب عليهم الحذر أن يأكلوا ما لا يجوز أكله، أو يدَّخِروا ما لا يجوز ادخاره.

32- تأكيد أن ما جاء به عيسى آية عظيمة، وبخاصة للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

33- أن من شرط الإيمان التصديق بآيات الله تعالى الكونية والشرعية، وذلك أيضًا سبب للإيمان.

34- فضل الإيمان وأهله؛ لأنهم المنتفعون بالآيات دون غيرهم؛ لهذا خصَّهم بالذكر، فقال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

35- تصديق عيسى عليه السلام لما سبقه من التوراة؛ فهو شاهد بصدقها، وأنها حق ومصداق ما أخبرت به من بعثته، وما جاء به موافق لما جاء فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾.

36- تحليل عيسى عليه السلام بما جاء به من الشرع بعض ما كان محرمًا على بني إسرائيل تخفيفًا عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾.

37- جواز النسخ في الشرائع السماوية، ونسخ بعضها لبعض، فأُحِل في شريعة عيسى بعض ما كان محرمًا في شريعة موسى، وهذا من قبيل النسخ، كما نسخ بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم جميع الشرائع السابقة

38- تأكيد عيسى عليه السلام قيام الحُجة على قومه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾.

39- إثبات ربوبية الله تعالى الخاصة بأوليائه؛ لقوله تعالى: ﴿ رَبِّي ﴾.

40- تأكيد عيسى استعطاف قلوب بني إسرائيل بربوبية الله تعالى لهم؛ لقوله: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾؛ ليتقوا الله ويطيعوه.

41- وجوب تقوى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾.

42- وجوب طاعة الرسل عليهم السلام، وأنها من تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾.

43- وجوب عبادة الله تعالى وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾.

44- أن توحيد الربوبية، والإقرار به يستلزم توحيد الألوهية؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾.

45- أن عبادة الله تعالى وحده دون سواه هي الصراط المستقيم المؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة، وإلى الفوز بالجنة والنجاة من النار؛ لقوله تعالى: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22].

[1] أخرجه البخاري في البيوع (2105)، ومسلم في اللباس والزينة (2107)، من حديث عائشة رضي الله عنها.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* مناهج القراء في اجتماع همزتين من كلمة أو كلمتين
* القراءات السبع
* التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم
* المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها
* مناهج القراء في هاء الكناية
* الوقف والابتداء وأمثلة عليهما
* مناهج القراء في ميم الجمع

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-10-2026, 12:31 AM   #462

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله الله تعالى:﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ... ﴾

قوله الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 53، 54].

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾.

لما ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة بشارة الملائكة لمريم بعيسى عليه السلام، وما له من المنزلة العظيمة، والقرب من الله تعالى، وما أعطاه الله - عز وجل - من الآيات الشرعية والكونية، وإرساله إلى بني إسرائيل، وتبليغهم آيات الله تعالى، وأمرهم بتقوى الله وطاعته وعبادته وحده، وأن هذا هو الصراط المستقيم - أتبَع ذلك ببيان إطباقهم على الكفر، ولجوء عيسى عليه السلام إلى اختيار الصفوة منهم إعذارًا منه إلى الله تعالى.

قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ الفاء: استئنافية، و«لما»: ظرف بمعنى «حين» متضمن معنى الشرط؛ أي: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ بعد أن جاءهم بالآيات وبلغهم بالرسالة، وأمرهم بتقوى الله وطاعته وعبادته - عز وجل - وحده.

ومعنى ﴿ أَحَسَّ﴾؛ أي: استشعر وأدرك وسمع وعلم وتيقن.

﴿ مِنْهُمُ ﴾؛ أي: من بني إسرائيل الذين أُرسِل إليهم.

﴿ الْكُفْرَ﴾؛ أي: التصميم على الكفر والجحود والتكذيب بآيات الله، والاستمرار على الضلال؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: 96، 97].

﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾؛ أي: قال عيسى لعموم بني إسرائيل.

﴿ مَنْ﴾ للاستفهام؛ أي: (من أنصاري منكم)، وأنصار: جمع «نصير»، والأنصار: «الأعوان».

﴿ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: في دعوتي إلى الله وطريقي إلى الله تعالى.

والمعنى: أنه عليه السلام لما تيقَّن منهم الكفر وعدم الإيمان لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكْفَاء؛ تأكيدًا للبلاغ وإعذارًا إلى الله تعالى، فقال: ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾؛ أي: من أنصاري منكم في دعوتي وطريقي إلى الله؟

كما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج: «ألا رجل يحملني إلى قومه؛ فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي»[1]، حتى قيَّض الله تعالى له الأنصار فآوَوه وآزَروه ونصَروه.

وفى قول عيسى عليه السلام: ﴿ إِلَى اللَّهِ ﴾ إشارة إلى أن النصرة ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى.

﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ ﴾: «الحواريون» جمع «حواريّ» بتشديد الياء، وهو الناصر والصفيّ، أي: قال أنصار عيسى وأصفياؤه وخاصته، قيل: «كانوا اثنى عشر رجلًا»، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم انتدب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي حواريًّا، وإن حواريَّ الزبير بن العوام»[2].

وقد غلب اسم الحواريين على أنصار عيسى عليه السلام.

﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾: الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، معرّفة الطرفين تفيد الحصر؛ أي: نحن لا غيرنا.

﴿ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾؛ أي: أنصار دينه؛ كما قال تعالى في سورة الصف: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ [الصف: 14].

﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾؛ أي: صدَّقنا بالله، وأقررنا به، وانقدنا لشرعه.

﴿ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾؛ أي: كُن شهيدًا لنا على أننا مسلمون، ولم يطلبوا الشهادة على إيمانهم بالله لأنه أمر باطن، وإنما استشهدوه على الإسلام؛ لأنه أمر ظاهر، وذلك من باب التوكيد وإعلان الإسلام تقوية لعيسى عليه السلام.

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾.

قوله: ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ ﴾؛ أي: يا ربنا صدقنا باطنًا بالذي أنزلت؛ أي: بالإنجيل الذي أنزلت على عيسى- عليه السلام- وبالتوراة التي أنزلت على موسى- عليه السلام- وبجميع الكتب التي أنزلتها على أنبيائك، وبهذا أشهدوا ربَّهم على إيمانهم الباطن بما أنزل على جميع رسله.

﴿ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ﴾: معطوف على ﴿ آمَنَّا ﴾، و«أل» في ﴿ الرَّسُولَ ﴾ للعهد الذهني، أي: الرسول المعهود عندنا؛ أي: رسولنا عيسى- عليه السلام.

ويحتمل كون «أل» للعهد الذكري؛ لقوله تعالى فيما سبق: ﴿ ورسولًا ﴾.

ويحتمل كونها للجنس؛ أي: جنس الرسل؛ أي: وأقرَرنا بجميع الرسل، واتبعناهم بما جاؤوا به من الدعوة إلى الله، وبهذا أشهدوا ربهم على إيمانهم الظاهر باتباعهم الرسول وانقيادهم له، فجمعوا بين التصديق باطنًا بما أنزَل الله، وبين الاتباع ظاهرًا للرسول، وهو ثمرة الإيمان الباطني.

و﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدر، و﴿ مَعَ ﴾ للمصاحبة، أي: فاكتبنا مع الشاهدين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولكتبك ورسلك بالصدق والحق؛ كما قال تعالى عنهم في سورة المائدة: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [المائدة: 83]؛ أي: فاكتبنا مع الشاهدين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولكُتبك ورسلك بالحق والصدق؛ كما قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18].

وقيل: المراد بـ﴿ الشَّاهِدِينَ ﴾: أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم هم الذين لهم الشهادة المطلقة على جميع الرسل بالبلاغ، وعلى أُممهم بمواقفهم من رسلهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 143].

والمعنى على هذا: فاكتبنا مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشرنا به عيسى - عليه السلام - كما قال تعالى عنه: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [الصف: 6].

قوله تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾.

قوله: ﴿ وَمَكَرُوا ﴾: الضمير «الواو» يعود إلى الذين كفروا من بني إسرائيل؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾، و«المكر»: هو الكيد والتدبير الخفيّ لإلحاق الضرر بالغير خفية؛ أي: «ومكر بنو إسرائيل وبخاصة اليهود»، أي: كادوا ودبروا بخفية لإنكار رسالة عيسى عليه السلام، وتكذيب دعوته، والكفر بها، ولقتله، فوشَوا به إلى ملكهم، وتمالَؤوا على قتله، ولكن الله أنجاه منهم، فعاد وبال كيدهم عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43]، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الأنعام: 123]، وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ [إبراهيم: 46].

ولهذا قال: ﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾، والمكر لا يُضاف ولا يُنسب إلى الله تعالى إلا على سبيل المجازاة للماكرين، كالكيد للكائدين، والاستهزاء بالمستهزئين، والسخرية بالساخرين.. ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النمل: 50، 51]؛ أي: ومكر الله بهم، وكاد لهم معاقبةً لهم ومجازاة على مكرهم، فنصر عيسى عليه السلام ومن معه من الحواريين عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ [الصف: 14].

ومكر عز وجل بهم فنجَّى عيسى عليه السلام منهم حينما تمالؤوا على قتله، ودخلوا عليه يريدون قتله وهو لم يَشعر بذلك، فألقى الله - عز وجل - شبه عيسى على رجل منهم، بل قيل على زعيمهم، أو على رجل من أصحاب عيسى عليه السلام، فظنُّوه عيسى فقتَلوه وصلبوه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ [النساء: 157].

﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾؛ أي: أقواهم وأشدهم وأعظمهم مكرًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]، وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 42]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ [يونس: 21].

ومن أشد مَكره - عز وجل - بهؤلاء الذين همُّوا بقتل عيسى عليه السلام أن يُلقي سبحانه على رجل منهم أو على زعيمهم شبهَ عيسى عليه السلام، فيظنوه عيسى فيقتلوه ويصلبوه، فعاملهم عز وجل بنقيض قصدهم، وقد قيل: «مَن حفَر حُفرة لأخيه وقع فيها»[3].

[1] أخرجه أحمد (3 /322،339)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2847)، ومسلم في فضائل الصحابة (2415)، والترمذي في المناقب (3745)، وابن ماجه في المقدمة (122)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

[3] قيل: كان هذا مكتوبًا في التوراة، روي هذا عن عمرو بن العاص، وعن كعب الأحبار، رواه عنه ابن عباس؛ انظر: «حلية الأولياء» (1 /288)، و«تفسير الثعلبي» (8 /116)، و«تفسير ابن جزي» (2 /177).


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* مناهج القراء في اجتماع همزتين من كلمة أو كلمتين
* القراءات السبع
* التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم
* المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها
* مناهج القراء في هاء الكناية
* الوقف والابتداء وأمثلة عليهما
* مناهج القراء في ميم الجمع

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
----متجدد, الله, الرحمن, القرآن», تفسير, شاء, في, هو, «عون, كتاب
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 1889 07-19-2026 11:54 PM
منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم الفرق والنحل 42 07-13-2026 02:47 PM
تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 3 12-26-2025 02:48 PM
كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن أبوالنور ملتقى الكتب الإسلامية 2 07-24-2024 04:32 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009