![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#535 |
|
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الجنائز (322) (باب علامة موت المؤمن) إلى (باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه) جاءت أحاديث تبين علامات موت المؤمن، وأن ذلك يكون بعرق الجبين؛ لما يلاقيه من شدة الموت، كما حصل ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد مات يوم الإثنين، وجاء في السنة أن من مات في غير مولده زاد ثوابه. علامة موت المؤمن شرح حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب علامة موت المؤمن.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (موت المؤمن بعرق الجبين)]. يقول النسائي رحمه الله: باب علامة موت المؤمن. ومقصوده من هذه الترجمة؛ ما جاء في الحديث من أن المؤمن يموت بعرق الجبين، وأن هذه هي العلامة التي ترجم أو عقد هذه الترجمة لها، فعلامة موت المؤمن عرق جبينه، أو أنه يموت بعرق الجبين، وقد فسر عرق الجبين بثلاثة تفسيرات: فقيل: إنه يراد به ما يحصل له من الشدة التي تكون عند الموت، فيكون فيها تكفير لخطاياه، ويكون فيها رفعة لدرجاته وثوابه عند الله عز وجل؛ لأن المؤمن لا يصيبه بلاء ويصبر عليه إلا كان خيراً له كما جاء في الحديث: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن). وعلى هذا فإن هذا المعنى هو أنه يموت بعرق الجبين، أنه يكون عنده شدة، والله عز وجل يأجره على ما يحصل له من الشدة عندما يحصل منه الصبر، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته ولخطاياه. وفُسر أن عرق الجبين يكون حياءً من الله عز وجل عندما تأتيه البشرى، وقد قدم شيئاً من الذنوب والخطايا، وقد بشر فإنه يستحي من الله عز وجل الذي تفضل عليه وجاد عليه، وحصلت له هذه البشرى مع أنه حصل منه ما حصل من الإخلال بما عليه من حقوق النعم التي أعطاه الله عز وجل إياها، وأنه لم يقم بشكرها كما ينبغي، فهو يعرق جبينه أو يحصل له ذلك حياء من الله عز وجل. وقيل: إن هذه علامة تكون للمؤمن وإن لم يعرف المعنى، المهم أنه جاء في الحديث أنه يموت بعرق الجبين، وسواء عرفت الحكمة من وراء حصول هذه العلامة وكونها شدة كما في القول الأول، أو كونها حياء كما في القول الثاني. والحديث الذي أورده النسائي في هذه الترجمة: (المؤمن يموت بعرق الجبين) حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وقد عرفنا معنى هذا المتن على ما قيل فيه من أقوال ثلاثة. تراجم رجال إسناد حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين) قوله: [أخبرنا محمد بن بشار]. هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، هو شيخ لهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومن الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة مباشرة وبدون واسطة محمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وكذلك عمرو بن علي الفلاس. [حدثنا يحيى]. هو يحيى بن سعيد القطان، وهو المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، وهو بصري، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن المثنى بن سعيد]. هو البصري الضبعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن بريدة]. هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، وهو مروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو بريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمن يموت بعرق الجبين)].هنا أورد النسائي حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه من طريق أخرى، والمتن هو نفس المتن. قوله: [أخبرنا محمد بن معمر]. هو محمد بن معمر البحراني البصري، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يوسف بن يعقوب]. هو يوسف بن يعقوب بن أبي القاسم، وهو صدوق، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما خرج له مسلم، ولا أبو داود. [حدثنا كهمس]. كهمس هو: ابن الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن بريدة]. هو عبد الله بن بريدة الذي سمي في الإسناد الذي قبل هذا. [عن أبيه]. هو بريدة بن الحصيب، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا. شدة الموت شرح حديث عائشة: (... فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعدما رأيت رسول الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [شدة الموت.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عبد الله بن يوسف حدثني الليث حدثني ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لبين حاقنتى وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ]. هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: شدة الموت، يعني: ما يحصل عنده من الشدة في النزع قبل خروج الروح، والمقصود أنها حصلت لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهو أكمل الناس، وهو خير الناس عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك فيه زيادة لأجره وثوابه عند الله عز وجل، وفي هذا تسلية للغير في حصول تلك الشدة للرسول صلى الله عليه وسلم فمن يحصل له ذلك من الشدة، أنه لا يظن به أن هذا علامة سوء له، بل قد تكون علامة خير؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وهو خير الناس وأفضل الناس لقي ما لقي من الشدة عند خروج روحه صلوات وسلامه وبركاته عليه، ومن المعلوم أن حصول ما يحصل للمسلم من المصائب ومن الشدائد ومن الأمور الشديدة والأمور العظيمة إذا صبر على ذلك أنه يؤجر عليه، ويكون كفارة لخطاياه، ويكون ذلك الذي يحصل له في آخر حياته مما يكفر الله تعالى به خطاياه. ولكن المحذور والأمر الذي ليس بحسن هو كون الإنسان لا يرضى، كأن يتسخط، ويحصل منه ما يحصل من التبرم والتسخط، فهذا هو الذي يضر الإنسان، وأما إذا صبر على الشدة، وصبر على النصب، واحتسب الأجر عند الله عز وجل، فإنه ما من مصيبة تصيب الإنسان فيصبر عليها إلا ويكون مأجوراً على ذلك ويحصل الأجر على ذلك. وأورد النسائي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأنها قالت: [إن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو بين حاقنتها وذاقنتها]. أي: أنها قد أسندته على صدرها، وكان رأسه على صدرها بين بطنها وبين ذقنها، ففسر بأن الحاقنة هي البطن، والذاقنة هي الذقن، وقيل: بأن الحاقنة هي ملتقى الترقوتين، وتفسيره بأن الحاقنة هي المعدة والبطن، والذاقنة الذي هو الذقن، فيكون الرأس على الصدر الذي هو بين الذقن وبين البطن وهذا هو الواضح؛ لأن رأسه عليه الصلاة والسلام كان على صدرها، وكان بين حاقنتها وذاقنتها، يعني: أنها أعلم الناس بحاله، وبما جرى له عند النزع وعند خروج روحه صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالت: [ما أكره الموت لأحدٍ أبداً بعد ما رأيت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم] يعني: أنه ليس علامة غير طيبة، بل هو علامة طيبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو خير الناس، وأكرم الناس، وأفضل الناس، حصل له ذلك، فإذا حصل لأحدٍ من الناس فإن ذلك قد حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: فيكون ذلك خيراً له إذا صبر، أما إذا لم يصبر وحصل منه التبرم، والتضجر، وعدم الصبر؛ فإن هذا على خطر؛ لأن هذا لا يكون صبر على البلاء، ومن المعلوم أن الصبر على البلاء هو الذي يؤجر عليه الإنسان، وأما إذا حصل منه كلمات غير حسنة، فإن هذا يكون فيه عدم الصبر، ويكون فيه صدور الكلام الذي يؤاخذ عليه الإنسان. تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعدما رأيت رسول الله) قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور]. هو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده. [حدثنا عبد الله بن يوسف]. هو عبد الله بن يوسف التنيسي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [حدثني الليث]. هو الليث بن سعد المصري، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني ابن الهاد]. هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني، وهو ثقة، مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بالنسبة لجده. [عن عبد الرحمن بن القاسم]. هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، من الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو سعيد، وأنس، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال، وامرأة واحدة. الموت يوم الإثنين شرح حديث: (... وتوفي من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين) في وفاة النبي قال المصنف رحمه الله تعالى: [الموت يوم الإثنين.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: (آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا وألقى السجف، وتوفى من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين)]. هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الموت يوم الإثنين، فأورد تحتها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، الذي أخبر أن آخر نظرة نظرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كشفت الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأراد أبو بكر أن يرجع القهقرى ليصلي أو ليتقدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم أن امكثوا، ثم أرجع الستار ومات الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم، وكان ذلك يوم الإثنين. قوله: [آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم، وذلك يوم الإثنين] وهذا فيه -وفي غيره من الأحاديث- أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه هو الذي كان يصلي بالناس تلك المدة؛ التي هي مدة مرضه عليه الصلاة والسلام، فإنه لما حصل له المرض ولم يتمكن من الحضور للمسجد ليصلي بالناس قال: (مروا أبا بكر فليصلي بالناس) فراجعوه فقال: (مروا أبا بكر فليصلي بالناس)، وهذه علامة واضحة جلية إلى أنه الأحق بالأمر من بعده رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولهذا قال الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يوم السقيفة: (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا أفلا نرتضيك لأمر دنيانا)، وكان الناس يصلون في مدة مرضه عليه الصلاة والسلام خلف أبي بكر رضي الله عنه، وفي اليوم الذي مات فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حصل له نشاط، ثم إنه كشف الستارة، فظنوا أنه سيخرج، وأنه سيأتي للصلاة بهم، وأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يرجع القهقرى؛ أي: أن يرجع إلى الورى حتى يخلي المكان لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن امكثوا؛ يعني: على ما أنتم عليه خلف إمامكم، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر ذلك اليوم. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#536 |
|
|
تراجم رجال إسناد حديث: (... وتوفي من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين) في وفاة النبي قوله: [أخبرنا قتيبة]. هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان]. هو سفيان بن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، حجة، إمام، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وسفيان هنا غير منسوب، وإذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري فالمراد به ابن عيينة، وكذلك إذا جاء سفيان يروي عنه قتيبة فالمراد به ابن عيينة، وهنا يروي عنه قتيبة وهو يروي عن الزهري فهو ابن عيينة. [عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ينتهي نسبه إلى كلاب جد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقصي بن كلاب وزهرة بن كلاب أخوان، وهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي، وكذلك مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وهو جد جده شهاب، فهو مشهور بهاتين النسبتين إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة بن كلاب، وهو ثقة، حجة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين الذين لقوا صغار الصحابة. [عن أنس]. أنس رضي الله عنه من صغار الصحابة، والزهري من صغار التابعين، وقد لقي هذا الرجل وهو من صغار التابعين ذلك الرجل من صغار الصحابة وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وصغار التابعين هم الذين أدركوا صغار الصحابة، وكبار التابعين هم الذين أدركوا كبار الصحابة، وأوساط التابعين هم الذين أدركوا أوساط الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والزهري هو من صغار التابعين، وقد روى عن ذلك الصحابي الذي هو أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذا الحديث من رباعيات النسائي؛ لأن فيه قتيبة عن سفيان عن الزهري عن أنس بن مالك أربعة أشخاص في الإسناد، وهو أعلى ما يكون عند النسائي؛ لأنه ليس عند النسائي ثلاثيات، أعلى ما عنده الرباعيات وأنزل ما عنده العشاري؛ الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه عشرة أشخاص. الموت بغير مولده شرح حديث: (... إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [الموت بغير مولده.أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: (مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الموت بغير مولده، أي: كونه يموت في أرض لم يولد فيها، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وفيه. [أنه مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا ليته مات في غير مولده، فقيل: ولم يا رسول الله؟ قال: لأن المؤمن إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة]. يعني: أنه يقاس له؛ إما أنه من ولادته إلى وفاته، أو أنه كان في السفر الذي سافره، يعني: من مكان ولادته إلى المكان الذي قبضت روحه فيه؛ يعني: تلك المسافة التي قطعها في السفر، فإنه يقاس له في الجنة، ويعطى ما يقابلها، ويعطى ما يماثلها، هذا هو معنى الحديث، وهو يدل على فضل الموت بغير المولد، وأن الإنسان يؤجر على ذلك، ويحصل أجراً على ذلك، وهو ما أخبر به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. تراجم رجال إسناد حديث: (... إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة) قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى]. هو يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه. [أخبرني ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرني حيي بن عبد الله]. هو حيي بن عبد الله المعافري المصري، وهو صدوق يهم، أخرج له أصحاب السنن الأربعة. [عن أبي عبد الرحمن الحبلي]. هو عبد الله بن يزيد المعافري، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مشهور بكنيته ونسبته. [عن عبد الله بن عمرو]. هو عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي ابن صحابي، وهو من الصحابة الذين يكتبون، وكان يكتب الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك في الصحيح، وهو من صغار الصحابة، ومن العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؛ لأن العبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء أربعة من صغار الصحابة أطلق عليهم لقب: العبادلة الأربعة من الصحابة، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنه هو أكبر أولاد أبيه عمرو بن العاص، وقيل: إنه ولد لأبيه وعمر والده ثلاث عشرة سنة، أي: أنه احتلم مبكراً، وتزوج في سن مبكرة، وولد له في سن مبكرة، فصار بينه وبين ولده عبد الله ثلاث عشرة سنة. ما يُلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه شرح حديث: (إذا حُضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يُلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن قسامة بن زهير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حُضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى أنه ليناوله بعضهم بعضاً، حتى يأتون به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله عز وجل، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه، ويريد النسائي رحمه الله بهذه الترجمة أن المؤمن عندما يموت فإنه يحصل له إكرام من الله عز وجل؛ بأن تأتيه ملائكة معهم حريرة بيضاء من الجنة، أي: لتكون كفناً له، فيقولون ويخاطبون تلك الروح في ذلك الجسد فيقولون: [اخرجي راضية مرضياً عنك] أي: رضيت هي بما حصل لها من هذا الإكرام وهذا الفضل، وقد حصل الرضا عنها من الله عز وجل، وهذا الإكرام الذي حصل لها هو من رضا الله سبحانه وتعالى، وهو من ثمرات ومن نتائج كون الله عز وجل رضي عنها، (اخرجي راضية مرضياً عنك) فتكون رضيت ورضي عنها. وقوله: (إلى روح الله وريحان ورب غير غضبان). والروح هذا يأتي من الجنة، ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب (أنه يفتح له باب من الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها -وعكسه- الكافر أو المنافق يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها). قوله: [فتخرج كأطيب ريح المسك]. يعني: تخرج لها رائحة طيبة كأطيب ريح المسك. قوله: [حتى أنه ليناوله بعضهم بعضاً]. أي: فيضعونها في ذلك الكفن من الجنة الذي هو حرير أبيض، كما جاء في حديث البراء بن عازب. (يأخذها ملك الموت، فلا تتركها الملائكة تقع في يده طرفة عين حتى يضعوها في ذلك الكفن). وذلك الطيب الذي جاءوا به من الجنة، وهي نفسها تخرج بهذه الريح الطيبة، فيتناولونها بعضهم بعضاً، حتى تأتي إلى أبواب السماء فيقال: [ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض]. قوله: [فيأتون به أرواح المؤمنين]. يعني: تأتي هذه الروح إلى أرواح المؤمنين، وأرواح المؤمنين في الجنة كما جاءت في ذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة)، يعني: أنها على صورة طير، أي أنها تتقلب في الجنة وتنتقل في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتشرب من مياهها، وتنعم في ذلك. وجاء بالنسبة للشهداء (أن أرواحهم في أجواف طير خضر)، وأما المؤمنون فقد جاء في الحديث: (نسمة المؤمن على صورة طير)، فتلتقي هذه الروح بتلك الأرواح، فيسألونها عن بعض الأشخاص الذي كانوا يعرفونهم فيقولون: ما حال فلان؟ وما حال فلان؟ فيقول بعضهم لبعضٍ: [(دعوه إنه كان في غم الدنيا)]. قوله: [فإذا قال: أما أتاكم]. يعني: أنه قد مات من قبل، فيقولون: (إنه ذهب به إلى أمه الهاوية) أنه ألقي في النار كما جاء في القرآن (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ )[القارعة:8-11]. وقوله: [وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: أخرجي ساخطةً مسخوطاً عليك]. والكافر إذا احتضر أتت الملائكة بمسح، وهو لباس يأتون به من النار، كما جاء في حديث البراء بن عازب أيضاً، وفسر بأنه غليظ، وأنه شديد، وأنهم يضعونها في ذلك المسح الذي هو كفن لها على عكس المؤمن؛ المؤمن في حريرة بيضاء، وأما هذا فهذا المسح الذين يأتون به من النار والعياذ بالله، فيضعونها في ذلك المسح. قوله: [فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك]. أي: عكس المؤمن (اخرجي راضية مرضياً عليك) فهنا ساخطة مسخوطاً عليك، يعني: عكس أولئك تماماً، هناك راضية مرضياً عنها، وهنا ساخطة مسخوطاً عليها، وقد جاء في حديث البراء بن عازب أنها إذا قيل لها: (اخرجي) تتفرق في الجسد، فيستخرجونها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول، يعني: العصا أو الحديدة التي فيها أشواك في اليمين والشمال، ثم تكون في وسط صوف، فإنها إذا جرت، وأريد استخراجها من الصوف لا تخرج إلا وقد تمزق الشعر، أو الصوف الذي يلاقي ذلك السفود من الأشواك، أو الحديد الذي يقطع، يعني: أنها بشدة؛ لأنها لا تريد الخروج؛ لأنها بشرت بالعذاب الأليم، وأوعدت بكونها ساخطة مسخوطاً عليها. قوله: [مسخوطاً عليك إلى عذاب الله عز وجل]. أي: تخرج إلى عذاب الله. قوله: [فتخرج كأنتن ريح جيفة]. هناك تخرج كأطيب ريح مسك، وهذه تخرج كأنتن ريح جيفة والعياذ بالله. قوله: [حتى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح حتى يأتون به أرواح الكفار]. فتكون مع أرواح الكفار، وتلك تكون مع أرواح المؤمنين، ومعلوم أنها لا تفتح لها أبواب السماء، كما جاء في حديث البراء بن عازب، تلك تفتح لها أبواب السماء، وأما أرواح الكفار فإنها لا تفتح لها أبواب السماء، وإنما توضع مع أرواح الكفار حيث شاء الله عز وجل أن توضع، وقد جاء في حديث الإسراء: (أن آدم عليه الصلاة والسلام وكان في السماء الدنيا على يمينه سواد وعن يساره سواد، فإذا نظر إلى يمينه استبشر وفرح، وإذا نظر إلى شماله تألم). وقيل: إنه ينظر إلى أرواح المؤمنين التي على يمينه ويستبشر لما حصل لهم من الكرامة من الله عز وجل، وينظر إلى أرواح الذين ما حصل لهم التوفيق والهداية فيحصل منه ما يحصل من عدم الفرح والسرور. ولعل -والله تعالى أعلم- كون آدم عليه السلام في السماء الدنيا أن أرواح الكفار أنها ما تدخل السماء، وإنما هي في خارجها، ولكن أين كانت؟ وأين هي؟ الله تعالى أعلم. تراجم رجال إسناد حديث: (إذا حُضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة ...) قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد]. هو عبيد الله بن سعيد السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي. [حدثنا معاذ بن هشام]. هو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو صدوق، ربما وهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثني أبي]. هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#537 |
|
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الجنائز (323) - باب فيمن أحب لقاء الله عندما يموت الإنسان وفي لحظات نزع روحه قد تأتيه الملائكة بالبشارة برضا الله والخير والنعيم، ففي تلك اللحظة يحب الإنسان لقاء الله فيحب الله لقاءه، والعكس لمن بُشر بسخط الله وعذابه، فإنه يكره لقاء الله فيكره الله لقاءه. فيمن أحب لقاء الله شرح حديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيمن أحب لقاء اللهأخبرنا هناد عن أبي زبيد وهو عبثر بن القاسم عن مطرف عن عامر عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قال شريح: فأتيت عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت: يا أم المؤمنين! سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً إن كان كذلك فقد هلكنا، قالت: وما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، ولكن ليس منا أحد إلا وهو يكره الموت، قالت: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالذي تذهب إليه؛ ولكن إذا طمح البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)]. فقول النسائي رحمه الله: باب فيمن أحب لقاء الله، أي: في بيان فضل ذلك وثوابه عند الله عز وجل، وقد أورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)]، قال شريح بن هانئ الراوي عن عائشة رضي الله عنها: فذهبت إلى عائشة وقلت لها: يا أم المؤمنين! حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلنا قد هلكنا، يعني: لأنه فهم أن الكراهية كراهية الموت، [(من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)] ففهم أن ذلك فيه كراهية الموت، وكلنا نكره الموت؛ فقد جبل الناس على كراهية الموت وعدم محبته، فقالت: ليس ذلك؛ قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المقالة ولكن ليس المقصود هو كراهية الموت، وإنما المقصود: أن المسلم إذا كان في النزع وحصلت الحشرجة في الصدر عند خروج الروح، فإنه يبشر بما أكرمه الله عز وجل به وبما أعده له، فيحب لقاء الله لما بشر به فيحب الله لقاءه، وهذا يكون للمؤمن. وأما الكافر فإنه يكره لقاء الله فيكره الله لقاءه، يعني: إذا بشر بما يسوؤه وأخبر بالعذاب الذي أمامه، فإنه يكره خروج روحه، ويكره الانتهاء من هذه الدنيا؛ لأنه سينتقل إلى عذاب، وهو الذي أخبر به، فيكره لقاء الله عز وجل، ويكره أن يموت وأن تخرج روحه، فينتقل إلى عذاب شديد، وهذا مثل ما تقدم في الحديث الذي يتعلق بخروج الروح، وأن المؤمن إذا كان عند خروج روحه يأتيه ملائكة معهم حرير أبيض من الجنة فيقولون: (يا أيتها النفس! اخرجي راضية مرضياً عنك، اخرجي إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان)، فيبشر فيحب لقاء الله عز وجل، ويفرح فيحب الله لقاءه. وأما الكافر فإنه إذا قيل له: اخرجي أيتها النفس الخبيثة ساخطة مسخوطاً عليك، فعند ذلك لا تريد الخروج؛ لأنه ليس أمامها إلا النار، فيكره الكافر لقاء الله لما يجده أمامه من العذاب، والله تعالى يكره لقاءه، وهذا مثل ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)؛ لأن المؤمن إذا بشر بما هو خير أمامه أحب لقاء الله، وأما الكافر فإن الدنيا جنته؛ فهو إذا بشر بما يسوؤه، وأخبر بما يسوؤه أمامه فإنه يكره أن يخرج من هذه الدنيا؛ لأنه يخرج من جنته ونعيمه، فليس عنده من النعيم والتلذذ إلا ما حصل في الدنيا، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهو أول حديث في كتاب الزهد من صحيح مسلم: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر) فهو يسوؤه أن يخرج من هذه الحياة الدنيا؛ لأنه يترك النعيم الذي كان فيه، ولا نصيب له في النعيم إلا هذا النعيم، ويبشر بالعذاب، فيكره الخروج من هذه الدنيا، وأما المؤمن إذا بشر فإنه يفرح بالخروج من هذه الدنيا؛ لأنه بشر بما يسره، وهو قادم على ما يسره، وعلى النعيم الذي أعده الله عز وجل له. فـعائشة رضي الله تعالى عنها بينت أن الأمر ليس كما فهم، صحيح أن الله تعالى طبع الناس وجبل الناس على كراهية الموت فلا يحب الإنسان الموت، ولكن القضية ليست قضية الموت، وكراهية الموت، وإنما هي عند التبشير بالخير أو التبشير بالشر؛ فهذا يبشر بنعيم، وهذا يبشر بعذاب أليم. والشاعر يقول مبيناً أن الشيء يكون محبوباً مبغوضاً في آن واحد وفي وقت واحد كالشيب، فيقول: الشيب كره وكره أن نفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب الشيب كره، إذا قيس الشيب بالشباب صار الشيب غير مرغوب فيه؛ لأن الشباب أحب منه وأرغب منه، لكن إذا نظر إلى ما بعده وهو الموت صار مرغوباً، ولهذا قال: الشيب كره وكره أن نفارقه يعني: يكره أن يموت، وكره أن نفارقه.. فاعجب لشيء على البغضاء محبوب مع أنه محبوب فهو مبغوض؛ محبوب لأجل ما وراءه، ومبغوض من أجل ما كان قبله وهو الشباب، ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب في خروج الروح: (إن المؤمن إذا قيل لروحه: اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج كما تسيل القطرة من في السقاء)، أي: تخرج بسهولة، كما تسيل القطرة من فم القربة. وإذا كان بخلاف ذلك قيل له: اخرجي إلى عذاب وإلى رب غضبان، وإلى آخره، هي لا تريد أن تخرج، فيستخرجونها أي: الملائكة، أو يستخرجها ملك الموت كما يستخرج السفود من الصوف المبلول، والسفود هو: الحديدة التي فيها حدائد من جهات مختلفة، فإنها إذا دخلت بصوف ثم أريد إخراجها: فإنها لا تخرج إلا بعد أن يتمزق الصوف الذي أمامها والشعر الذي أمامها، فيكون خروجها كخروج السفود من الصوف المبلول لأنها لا تريد الخروج؛ لأنها بشرت بالعذاب، فتلك تخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وهذه تخرج كما يخرج السفود من الصوف المبلول، وهذا هو الذي عناه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: (من أحب الله لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه). وهذا فيه دليل على أن الله تعالى يحب ويكره، وإثبات صفة الحب والكره لله عز وجل، وأن الله تعالى متصف بهذه الصفات، وصفاته كما تليق به؛ فكل ما يضاف إلى الله عز وجل في الكتاب والسنة يجب إثباته لله عز وجل وهو على ما يليق به سبحانه وتعالى، لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، بل صفات الباري كما يليق بجلاله وعظمته، وصفات المخلوقين كما يليق بضعفهم وافتقارهم، والأمر كما قال الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فهو سميع بصير ليس كمثله شيء، يعني: سمعه لا كالأسماع، وبصره لا كالأبصار، وحبه لا كالحب، وكراهيته لا كالكراهية.. وهكذا، فالصفات كلها من باب واحد يقال في بعضها ما يقال في البعض الآخر، لا يفرق بينها، بل كلها على وتيرة واحدة، وهي أنها تثبت كما يليق بالله عز وجل، ولا يتصور أن ما يضاف إلى الله عز وجل يشبه ما يضاف إلى المخلوقين، بل ما يضاف إلى الله عز وجل يليق بكماله وجلاله، وما يضاف للمخلوقين يليق بضعفهم وافتقارهم، والأمر كما قال الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] فأثبت السمع والبصر ونفى المشابهة، فهو يحب ويكره ولكن لا يشبهه شيء، ليس كمثله شيء في جميع الصفات، فهو سبحانه وتعالى صفاته جميعها تثبت على ما يليق به، وصفات المخلوقين تليق بهم، ولا تشبه صفة الخالق صفات المخلوق. [قال شريح: (لقيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين! سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً إن كان كذلك فقد هلكنا قالت: وما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، ولكن ليس منا أحد إلا وهو يكره الموت)]. وهذا فيه أن الأمور قد تخفى، وأن فهم بعض الأحاديث قد يخفى على بعض الصحابة وعلى التابعين، فيبينه الصحابة أو يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، يأتي بيانه من الرسول عليه الصلاة والسلام أو من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذا من جنس لما نزل قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: المراد بذلك: الشرك الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] يعني: الشرك، ثم ذكر الآية: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ففهموا أن المراد بذلك هو: ظلم، قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فبين لهم أن المراد به: الشرك. وهنا فهم شريح أن المراد به: الموت، فقالت عائشة: لا، ليس المراد هو الموت، وإنما المراد ما يبشر به عند الموت إما نعيم، وإما عذاب، فهذا يفرح لأنه سيقدم على ما بشر به، وهذا يستاء ويكره؛ لأنه سيقدم على ما بشر به من العذاب والعياذ بالله. تراجم رجال إسناد حديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ...) قوله: [أخبرنا هناد]. هو ابن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي زبيد]. هو عبثر بن القاسم الزبيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وعبثر هذا هو الذي مر بنا في المصطلح بين عبثر وعنبر، وأنهما من قبيل المؤتلف والمختلف يعني: يتفقان في الرسم ويختلفان في النطق عبثر وعنبر، فـعبثر بن القاسم هو بالعين والباء والثاء والراء، وعنبر الذي هو جد محمد بن سواء هو بالعين والنون والباء والراء، فمتفقان في الرسم ولكنهما مختلفان في النطق والنقط، واتفقا في شكل الحروف والحركات، يعني: عبثر وعنبر شكل واحد، الفتحة، والسكون، والكسر، والفتح وما إلى ذلك كله سواء، ولكن الفرق إنما هو بالنقط والنطق، يعني: كونه منقوطاً وكون النطق يختلف في هذا وفي هذا. وعبثر بن القاسم أبو زبيد الزبيدي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مطرف]. هو مطرف بن عبد الله بن الشخير ومطرف بن طريف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عامر]. هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال الكلمة المشهورة في بيان ما كان عليه الرافضة من السوء، وهو قوله رحمة الله عليه: (إن اليهود والنصارى خالفوا الرافضة بخصلة، وهي أنه لو قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب موسى، ولو قيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب عيسى، وإذا قيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب محمد)، يعني: شر أمة محمد هم أصحاب محمد، هكذا يقول الرافضة، هذا قاله عامر الشعبي من قديم الزمان، ثم قاله رافضي في قصيدة له طويلة، معروفة، مشهورة اسمها الأزرية أو الأرزية وهي مليئة بالخبث والنتن والقبح، والكلام الذي لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، فإنه قال في بيت من أبياتها نفس الكلمة التي قالها الشعبي، يقول في بيت من أبياته: أهم خير أمة أخرجت للناس.. (أهم) استفهام إنكار. أهم خير أمة أخرجت للناس هيهات ذاك بل أشقاها هذا يقوله رافضي في قصيدة طويلة مطبوعة بعضها، ولا أدري، هل هي مطبوعة كلها، لكن رأيت أبياتاً منها مطبوعة، وعليها تعليقات، وتعقبات من بعض أهل السنة. فالرافضة يقولون عن أصحاب محمد: إنهم شر هذه الأمة، عكس اليهود والنصارى؛ فاليهود يقولون: خير الأمة أصحاب موسى، والنصارى يقولون: خير الأمة أصحاب عيسى، والرافضة يقولون: شر هذه الملة أصحاب محمد. ويقول في بيت من أبياتها، فيما معناه: أن سورة براءة لم تبدأ بالبسملة كسائر سور القرآن؛ لأنه ذكر فيها أبو بكر، مع أن الله ذكره بأحسن الذكر، وسماه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا المجرم الخبيث يقول: إن سورة براءة لم تبدأ بالبسملة؛ لأنه ذكر فيها أبو بكر، فنقول له: بأي شيء ذكر أبو بكر؟ ذكر بالثناء، وتسميته صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام بنص القرآن إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة:40] أي: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه أبي بكر، والله تعالى قال عن أبي بكر أنه صاحب رسول الله وسماه صاحب رسول الله، ولما قرب المشركون الذين تفرقوا يبحثون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه وجاءوا على باب الغار، وأقدامهم يراها الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وأولئك واقفون في الغار، فقال أبو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم: (لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، فقال عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما) الاثنان من هما؟ الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، والله ثالثهما بنصره، وتأييده، وحفظه، وكلأته.فهذا ثناء حصل لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لكن كما قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17] يعني: هذا الثناء وهذا الذكر الحسن كونه يقال له: صاحب رسول الله بنص القرآن، مع ذلك يأتي رافضي خبيث يقول: إن سورة براءة لم تبدأ بالبسملة لأنه ذكر فيها أبو بكر.[عن شريح بن هانئ]. ثقة، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم. [عن أبي هريرة]. رضي الله عنه، هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثرهم أبو هريرة، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، ستة رجال وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#538 |
|
|
شرح حديث: (إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ...) من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا اسمع، عن ابن القاسم حدثني مالك ح وأخبرنا قتيبة حدثنا المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو حديث قدسي، والحديث القدسي هو: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول يسنده إلى ربه عز وجل، يعني: يقول فيه: قال الله عز وجل، ثم تأتي ضمائر في التكلم ترجع إلى الله عز وجل، مثل قوله: [(إذا أحب عبدي لقائي)] ضمير المتكلم يرجع إلى الله عز وجل، [(أحببت لقاءه)] أحببت ضمير تكلم يرجع إلى الله عز وجل. قوله: [(ومن كره لقائي كرهت لقاءه)] حديث قدسي أضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، وأنه من كلام ربه تكلم به، فالقرآن معلوم أنه كلام الله لفظه ومعناه، والله تكلم به بلفظه ومعناه، لكن الحديث القدسي هل هو كلام الله لفظاً ومعنى أو هو معنى فقط؟ من المعلوم أن الأحاديث القدسية هي كلام الله معنى، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي تكلم بها، ولهذا فإن السنة كلها وحي من الله عز وجل أوحاه إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، القرآن والسنة وحيان جاءا من الله عز وجل إلا أن القرآن متعبد بتلاوته والعمل به، ومعجز، والحديث الذي هو السنة متعبد بالعمل به ولم يتعبد بتلاوته، وليس معجزاً، وما تحدي به، فهذا من الفروق بين القرآن وبين السنة. ومن المعلوم أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هو عن الله، يقول الله عز وجل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )[النجم:3-4]. أوحاه الله عز وجل إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، وفي حديث الدين الذي فيه يغفر للشهيد يعني: كل ذنب، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إلا الدين سارني به جبريل آنفاً) فاستثني الدين الذي هو من حقوق الناس فقال: (سارني به جبريل آنفاً)؛ يعني: نزل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فالقرآن والسنة كلها كلام الله عز وجل، يعني: كونها من الله عز وجل، فالقرآن كلام الله لفظاً ومعنى، أما الحديث القدسي فالمتكلم به هو الله عز وجل، والذي قال: (من أحب لقائي) هو الله، فالضمائر ترجع إلى الله عز وجل، ما أحد يقول: من أحب لقائي، وهو غير الله عز وجل، لكن هل هو لفظ ومعنى؟ من المعلوم أن الأحاديث القدسية تدخلها الرواية بالمعنى، والحديث إذا دخلته الرواية بالمعنى لا يقال أن اللفظ هو لفظ الله، ولا لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الراوي عندما يبلغه الحديث قد يضبط لفظه ومعناه فيؤدي اللفظ كما سمعه، لكن قد يتقن المعنى وينسى اللفظ، أو ما يضبط اللفظ لكن المعنى مضبوطاً عنده، فهذا ماذا يصنع؟ هل يحدث بالحديث الذي ضبط معناه ونسي لفظه، أو يعبر عنه بعبارته ويرويه بالمعنى؟ أو يقال: لا تتكلم ما دمت ما ضبطت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظه؟ لا، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )[التغابن:16] إذا لم يتمكن من أداء اللفظ، وتمكن من أداء المعنى فليعبر عنه، وليبين ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى. الأحاديث القدسية نجد أن بعضها يأتي بروايات عديدة وبألفاظ مختلفة، وهذا نتيجة الرواية بالمعنى، فيقال في الأحاديث القدسية: إن المتكلم بها هو الله، والضمائر ترجع إلى الله، لكن هل الألفاظ كلها التي جاءت في الأحاديث القدسية هي كلام الله عز وجل لفظاً ومعنى، أو أنها مروية بالمعنى؟ لو عرفنا أن هذا اللفظ هو لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وما دخلته الرواية بالمعنى يمكن أن نقول أن هذا كلام الله لفظاً ومعنى، كما أنه معنى هو أيضاً لفظ، لكن ما دامت الأحاديث القدسية تدخلها الرواية بالمعنى كالأحاديث غير القدسية لا يجزم أو لا يستطاع أن يجزم مع ذلك بأن اللفظ بجميعه هو كلام الله عز وجل لفظاً. إذاً: قوله: [(من أحب لقائي أحببت لقاءه ومن كره لقائي كرهت لقاءه)] وبهذا تعرف ما يتعلق بالحديث القدسي من حيث تعريفه، ومن حيث هل هو كلام الله لفظاً ومعنى، والفرق بينه، وبين القرآن. والباقي مثل ما كان قبله، يعني: كونه يحب لقاء الله، إذا بشر بما أعد له من نعيم، ويستبشر، ويفرح، ويحب لقاء الله، والعكس من يبشر بالعذاب الأليم، فيكره الخروج من هذه الحياة الدنيا. تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ...) من طريق ثانية قوله: [أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه].هو المصري، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي. [عن ابن القاسم]. هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [(ح) وأخبرنا قتيبة]. (ح) هذه للتحول من إسناد إلى إسناد، وقتيبة شيخ آخر للنسائي، الشيخ الأول: الحارث بن مسكين، والشيخ الثاني في هذا الإسناد: قتيبة، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا المغيرة]. هو المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزناد]. هو عبد الله بن ذكوان المدني، لقبه أبو الزناد وهو بلفظ الكنية وليست كنية، وكنيته غير ذلك؛ فكنيته: أبو عبد الرحمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. هو عبد الرحمن بن هرمز المدني لقبه الأعرج وهو مشهور بلقبه، ومشهور باسمه أيضاً عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. وقد مر ذكره. حديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أنساً رضي الله تعالى عنه يحدث عن عبادة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)].أورد النسائي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو مثل حديث أبي هريرة، يعني: بلفظه ومعناه، وقد مر بيان المعنى. قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى]. هو محمد بن المثنى العنزي الملقب بـالزمن، وكنيته: أبو موسى، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة. [عن محمد]. هو ابن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء محمد يروي عن شعبة ويروي عنه محمد بن المثنى أو محمد بن بشار فالمراد به: غندر، أي: محمد بن جعفر الملقب غندر، يأتي ذكره غير منسوب يعني: محمد. [عن شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [سمعت أنساً]. هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، خدمه عشر سنين، وهو من صغار الصحابة، وقد عمّر، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكرهم آنفاً عند أبي هريرة، وهذا الإسناد كلهم بصريون: محمد بن المثنى، ومحمد بن جعفر، وشعبة، وقتادة، وأنس، هؤلاء كلهم بصريون، فهو مسلسل بالرواة البصريين، وهو أيضاً مسلسل بكون الرجال كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة. [عن عبادة]. هو عبادة بن الصامت رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي جليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهو من رواية الصحابة عن الصحابة؛ رواية صحابي عن صحابي، صحابي صغير عن صحابي كبير. حديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ...) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث حدثنا المعتمر: سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)].أورد النسائي حديث عبادة بن الصامت من طريق أخرى، وهو مثل الطريقة السابقة، يعني: من حيث المتن. قوله: [أخبرنا أبو الأشعث]. هو أحمد بن المقدام العجلي، وهو صدوق، أخرج له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه. [حدثنا المعتمر]. هو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت أبي]. هو سليمان بن طرخان التيمي، وهو كذلك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ويقال له التيمي وليس من التيميين، ولكنه نزل فيهم فنسب إليهم، وحديثه -أي: سليمان بن طرخان- عند أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة عن أنس عن عبادة]. وقد مر ذكرهم بالإسناد الذي قبل هذا. شرح حديث: (من أحب لقاء الله) من طريق خامسة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد (ح) وأخبرنا حميد بن مسعدة عن خالد بن الحارث حدثنا سعيد عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، زاد عمرو في حديثه فقيل: يا رسول الله! كراهية لقاء الله كراهية الموت كلنا نكره الموت، قال: ذاك عند موته إذا بشر برحمة الله ومغفرته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا بشر بعذاب الله كره لقاء الله وكره الله لقاءه)].وهذا حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهو بمعنى ما تقدم، وفيه: أن هذا البيان والتفسير، وهذا الاستشكال أورد على الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي الطريقة السابقة أورد شريح الإشكال على عائشة، وهنا في حديث عائشة رضي الله عنها، أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك، وأنه مرفوع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول قيل له: كلنا نكره الموت، فبين عليه الصلاة والسلام أن المؤمن إذا بشر برحمة الله ومغفرته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإذا بشر بعذاب الله كره لقاء الله وكره الله لقاءه. قوله: [(وإذا بشر)] أي: الذي يكره لقاء الله فيكره الله لقاءه، فهذه الرواية تبين أن هذا التفسير إنما هو من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن هذا الاستشكال قد عرض على الرسول عليه الصلاة والسلام، فأجاب بما يوضح، وأن المقصود ليس كراهية الموت؛ لأن هذا شيء طبع عليه الناس، وإنما المقصود: المحبة عندما يبشر بالمغفرة والرحمة، وذاك عندما يبشر بالعذاب، فإنه هذا يسر وهذا يساء، وهذا يحب لقاء الله، وهذا يكره لقاء الله. تراجم رجال إسناد حديث: (من أحب لقاء الله) من طريق خامسة قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة. [حدثنا عبد الأعلى]. هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد]. هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة ،كثير التدليس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ح وأخبرنا حميد بن مسعدة]. وكلمة (ح) هذه معناه تحويل وانتقال إلى إسناد آخر، وحميد بن مسعدة البصري صدوق، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة. [عن خالد بن الحارث]. هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد عن قتادة]. التقى الإسنادان عند سعيد عن قتادة وقد مر ذكرهما. [عن زرارة]. هو زرارة بن أوفى، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي سبق أن مر بنا أنه مات فجأة في الصلاة؛ فكان يصلي بالناس الفجر، ويقرأ بهم سورة المدثر، فلما جاء عند قول الله عز وجل: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ )[المدثر:8-9] شهق وسقط مغشياً عليه ومات، وقد ذكر ذلك ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وكذلك ذكره غيره، وقالوا: مات فجأة في الصلاة. [عن سعد بن هشام]. هو سعد بن هشام بن عامر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. وقد مر ذكرها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#539 |
|
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الجنائز (324) - (باب تقبيل الميت) إلى (باب في البكاء على الميت) كتب الله تعالى على هذه الدار بمن فيها الفناء، فالكل ميت ومفارق لها، فمن مات له إنسان فبكى عليه فلا بأس إذا كان بكاء مما يسوغ في الشرع، فلقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال واصفاً حاله: إنها رحمة. ونهى عن البكاء الذي يصحبه صوت وجزع. تقبيل الميت شرح حديث: (أن أبا بكر قبل بين عيني النبي وهو ميت) قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقبيل الميت. أخبرنا أحمد بن عمرو أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل بين عيني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميت]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تقبيل الميت، أي: أنه جائز، وأورد فيه ما حصل من أبي بكر رضي الله عنه، لما جاء والرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، وهو مغطى فكشف عن وجهه، وقبل بين عينيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عن أبي بكر الصديق وعن الصحابة أجمعين، ففعل هذا الصحابي الجليل أول الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، يدلنا على أن ذلك سائغ. تراجم رجال إسناد حديث: (أن أبا بكر قبل بين عيني النبي وهو ميت) قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو]. هو أحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا ابن وهب عن يونس]. يونس، هو ابن يزيد الأيلي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عروة]. هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. وقد مر ذكرها. حديث: (أن أبا بكر قبل النبي وهو ميت) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى عن سفيان حدثني موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت].أورد النسائي حديث ابن عباس، وعائشة وهو مثل الذي قبله (أن أبا بكر رضي الله عنه، قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميت) في الحديث الأول بين أنه قبل بين عينيه، وهذا مطلق، وذاك يبين مكان التقبيل. قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى]. هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومثله محمد بن المثنى، فـمحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي كل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتا في سنة واحدة وهي سنة (252هـ)، ومثلهم محمد بن بشار أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومات معهم في هذه السنة، فهم ثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة ماتوا في سنة واحدة. [قالا: حدثنا يحيى]. هو ابن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سفيان]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثني موسى بن أبي عائشة]. هو موسى بن أبي عائشة الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً. [عن عبيد الله بن عبد الله]. هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله هذان من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وفقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين هم: عبيد الله هذا، وعروة بن الزبير الذي مر، وكذلك سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. [عن ابن عباس وعائشة]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهم: من صغار الصحابة، ومشهورون بهذا اللقب: العبادلة الأربعة، مع أن من يسمى عبد الله كثير من أصحاب رسول الله، ولكن هذا اللقب اشتهر بهؤلاء العبادلة الأربعة. [عن عائشة]. مر ذكرها. شرح حديث: (أن أبا بكر أقبل على فرس ... ثم أكب عليه فقبله فبكى ...) من طريق ثالثة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد حدثنا عبد الله حدثنا معمر ويونس قالا: قال الزهري: وأخبرني أبو سلمة أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرته، أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه، أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله، فبكى، ثم قال: بأبي أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وفيه تفصيل ما حصل من أبي بكر رضي الله عنه، وأنه قدم من مسكنه بالسنح، وهو مكان في عوالي المدينة، فجاء على فرس، بعد أن سمع خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان بعض الصحابة دهشوا وذهلوا، ولم يصدق بعضهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، فدخل وكشف عن وجهه، وكان مغطى ببرد حبرة، وهي ثياب من الثياب اليمانية يقال له: حبرة بوزن عنبة، يعني: كان قد غطي به عليه الصلاة والسلام، فكشف عن وجهه، [(ثم كب عليه فقبله فبكى، ثم قال: بأبي أنت والله)]. يعني: مفدي أنت بأبي والله، ليس المقصود به الحلف بالله وإنما المقصود به: فداؤك أبي، وهذه كلمة يقولها العرب، ويستعملونها كثيراً، فعندما يخاطبونه يذكرون التفدية، فأحيان يقولون بالأب والأم، وأحياناً يقولون بالأب كما هو هنا؛ وذلك لشدة محبة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذه كلمة تستعمل حتى في حال الموت؛ لأنها كلمة تدل على تعظيم من تقال في حقه والتنويه بشأنه. قال: (والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً)، يعني: كونه يموت، ثم يرجع، ثم يموت، ليس هناك إلا هذه الموتة التي يخرج بها من الدنيا، نعم هناك موتتان وحياتان جاءت في القرآن: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )[غافر:11] (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )[البقرة:28]، فالموتة الأولى: هي التي كانت لهم حين كانوا عدماً وقبل أن يوجدوا، ثم حصلت الحياة الدنيا، ثم يحصل الموت، ثم تحصل الحياة الأخروية، هاتان هما الحياتان، والموتتان اللتان قال الله عز وجل عن الكفار: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )[غافر:11]، وجاء تفصيلها في سورة البقرة: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )[البقرة:28] الموت الأول وهو كونه عدماً، ثم الحياة الدنيوية، ثم الموت والانتقال منها، ثم الحياة الأخروية التي ليس بعدها موت، وإنما الموتة التي كتبها الله عز وجل عليه قد ذاقها وقد ماتها، وأنه قد مات فعلاً، وليس كما حصل من بعض الصحابة حينما دهش وذهل، وقال ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. تسجية الميت شرح حديث جابر: (جيء بأبي يوم أحد ... وقد سجي بثوب ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [تسجية الميت. أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابراً رضي الله تعالى عنه يقول: (جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سجى بثوب، فجعلت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرفع، فلما رفع سمع صوت باكية، فقال: من هذه؟ فقالوا: هذه بنت عمرو أو أخت عمرو، قال: فلا تبكي، أو فلم تبكي؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تسجية الميت، وقد مر في الحديث الذي قبله كون النبي صلى الله عليه وسلم قد سجي ببرد حبرة، وأن أبا بكر كشف ذلك البرد وقبله، فهو دال على ما حصل، إلا أن هذا فيه كونه فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره على ذلك، ومن المعلوم أن كون الصحابة سجوه دليل على أن فعلهم حجة؛ ولكن النسائي رحمه الله، أتى بالشيء الذي هو مضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث التقرير، وأنه أقره حيث كان قد سجي بثوب. وتسجية الميت يعني: تغطيته إذا مات، وأورد في هذه الترجمة حديث جابر بن عبد الله أنه أوتي بأبيه لما استشهد يوم أحد وقد مثل به حتى تغيرت صورته، وقد سجي بثوب، فجاء يريد أن يكشف عنه فنهاه قومه، ولعل نهيهم عنه لأنه قد مثل به فيخشون أنه يصيبه تأثر شديد لكونه قد مثل به، فلعل هذا هو السبب لكونهم ينهونه، ويخشون أن يتألم، وأن يتأثر تأثراً بالغاً، فلم يريدوا منه أن يكشف فيرى وجه أبيه ممثلاً به، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غطي. قوله: [(فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فرفع)] أي: حمل حتى يدفن، ويوارى. قوله: [(فلما رفع سمع صوت باكية، فقال: من هذه قالوا: ابنة عمرو أو أخت عمرو)] يعني: وهي من أقربائه. قوله: [(قال: فلا تبكي)]. قيل: إنه نهي، وقيل: إنه نفي بمعنى النهي. قوله: [(أو فلم تبكي؟)] فهذا شك من الراوي هل قال كذا، أو قال كذا؟ والمقصود من هذا: أنها كيف تبكي وهو قد أقدم على خير؟ وهو يفرح له بهذا الذي أقدم عليه، ولا يبكى عليه وقد حصل له هذا الخير وهي: الشهادة في سبيل الله عز وجل. ثم قال عليه الصلاة والسلام: [(ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)]، وهذا يدل على فضل عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنه وأرضاه. تراجم رجال إسناد حديث جابر: (جيء بأبي يوم أحد ... وقد سجي بثوب ...) قوله: [أخبرنا محمد بن منصور]. هو الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده. [حدثنا سفيان]. هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [سمعت ابن المنكدر]. هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [سمعت جابراً]. هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين مر ذكرهم آنفاً، وهذا الإسناد من الأسانيد الرباعية، يعني: محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر، فهو سند رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#540 |
|
|
في البكاء على الميت شرح حديث: (... إني لست أبكي ولكنها رحمة ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [في البكاء على الميت.أخبرنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما حضرت بنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرة فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمها إلى صدره، ثم وضع يده عليها فقضت، وهي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت أم أيمن، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم أيمن! أتبكين ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ فقالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لست أبكي، ولكنها رحمة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه، وهو يحمد الله عز وجل)]. أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي في البكاء على الميت، والمقصود بالبكاء هو: البكاء السائغ الذي لا محذور فيه ولا مانع منه، وهو الذي يكون عن طريق حزن القلب، ودمع العين من غير صوت للإنسان حين يبكي حتى يحصل منه كلام أو شيء من ذلك، وإنما كون عينه تدمع وقلبه يحزن فهذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وأما حصول البكاء برفع صوت أو ما إلى ذلك فإن هذا محرم، وقد جاء فيه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستأتي في الأحاديث القادمة، وقد كان عليه الصلاة والسلام يحصل منه البكاء عند موت الإنسان، فقد بكى عندما مات ابنه إبراهيم، وقال: (إن العين لتدمع، والقلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون). وقد أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في شأن وفاة ابنة صغيرة للرسول صلى الله عليه وسلم، أي: ابنة لإحدى بناته توفيت وخرجت نفسها وهي بين يديه، (قضت) أي: ماتت وهي بين يديه صلى الله عليه وسلم فبكى، وظهر منه البكاء، ودمعت عينه، وكانت أم أيمن عنده فبكت، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: كيف تبكين، وأنت عند رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال: (إني لست أبكي ولكنها رحمة). يعني: إن الذي حصل إنما هو دمع العين، وحزن القلب، وهذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وذلك لا مانع منه، وإنما المحذور أن يكون هناك صوت عند البكاء، بأن يحصل من الإنسان تجاوز ذلك الذي هو سائغ، إلى غيره مما لا يسوغ ولا يجوز، فهذا هو الذي جاءت به الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في النهي عنه، ولعل أم أيمن ظهر لها صوت، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر لها ذلك، وقالت: إنها تبكي لأن النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، ومن المعلوم أن البكاء الذي هو سائغ هو الذي عن طريق دمع العين وحزن القلب، أما إذا وجد صوت فإن هذا غير سائغ كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: [(قالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لست أبكي ولكنها رحمة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن بخير على كل حال)]. أي: في جميع أحواله هو على خير، فإن أصابه شيء يسر شكر الله عز وجل عليه، فهو على خير، وإن أصابه شيء يضر صبر عليه، فإنه على خير، وقد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)، فالمؤمن في خير على كل حال، سواء كان في حال السراء أو الضراء، إن كان في السراء فهو شاكر، وهو على خير في شكره لله عز وجل على نعمه، وإن كانت الضراء وصبر، فهو على خير على صبره على المصائب، وكونه يؤمن بقضاء الله وقدره، فهو على خير في جميع الأحوال. قوله: [(المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من جنبيه وهو يحمد الله عز وجل)]. أي: يحمد الله عز وجل، ويصبر على ما أصابه، وهذا هو شأن المؤمن فهو في حمد، وشكر، وصبر، واحتساب للأجر عند الله عز وجل. تراجم رجال إسناد حديث: (... إني لست أبكي ولكنها رحمة ...) قوله: [أخبرنا هناد بن السري]. هو هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا أبو الأحوص]. هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي الأحوص، وهنا ذكر بما اشتهر به، بل إن ذكره غالباً إنما هو بكنيته؛ لأنه قد اشتهر بذلك. [عن عطاء بن السائب]. صدوق، اختلط، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. [عن عكرمة]. هو ابن عبد الله مولى ابن عباس، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام. والإسناد فيه عطاء بن السائب. وهو ممن اختلط، ومن المعلوم أن المختلط إذا جاء شيء يعضده، وجاء الحديث من طرق أخرى فإنه يكون ثابتاً لوروده من غير طريقه، أما لو لم يأت إلا من طريق المختلط، فهذا ينظر فيه هل كان الأخذ عنه قبل الاختلاط، أو بعده؟ فإذا كان قبل الاختلاط، فإنه يعتمد ولا يؤثر، وإن كان الأخذ عنه بعد الاختلاط، فهذا هو الذي يؤثر، وعلى كل حال فإذا كان الأخذ بعد الاختلاط، أو شك هل هو قبل الاختلاط أو بعده، وثبت أو روي الحديث من طرق أخرى، فإن الرواية أو الحديث الذي جاء عن المختلط لا يؤثر؛ لأنه قد جاء من غير طريقه، فيكون ذلك الطريق الذي جاء منه ثابتاً من أجل ما جاء عن غيره، وليس من أجل ما جاء عنه هو. وابن عباس هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. شرح حديث: (أن فاطمة بكت على رسول الله حين مات ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها بكت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات فقالت: يا أبتاه! من ربه ما أدناه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه].أورد النسائي هذا الحديث، أن فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها لما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام بكت البكاء الذي لا صوت معه، والذي يكون بدمع للعين، وحزن للقلب، وهذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو القدوة والأسوة الحسنة لأمته عليه الصلاة والسلام، وفاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لما توفي عليه الصلاة والسلام بكت وقالت هذه المقالة عند وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، قالت: (يا أبتاه! من ربه ما أدناه)، يعني: ما أقربه من ربه، (إلى جبريل ننعاه)؛ لأنه كان ينزل إلى الأرض بالوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبموت الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي نزول جبريل بالوحي. ثم قالت: (يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه)، وهو المكان الأعلى من الجنة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان آخر ما قاله وهو في النزع: (اللهم في الرفيق الأعلى). والحديث أورده النسائي من أجل ذكر البكاء، وقد علمنا بأن البكاء على الميت يسوغ إذا كان عن طريق حزن القلب ودمع العين من غير صوت عند البكاء، ومن غير أمور أخرى كما سيأتي ذكرها، وهي: شق الجيوب، وحلق الرءوس، وما إلى ذلك من الأشياء التي جاء اللعن فيها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق من فعل تلك الأمور. تراجم رجال إسناد حديث: (أن فاطمة بكت على رسول الله حين مات ...) قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. [عن عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، أكثر عبد الرزاق بن همام من الرواية عنه، وقد روى عنه حديث الصحيفة، وهي: صحيفة همام بن منبه الطويلة التي تشتمل على مائة وأربعين حديثاً تقريباً، وهي موجودة في مسند الإمام أحمد، وقد أفردت في الطباعة، وقد اشتملت على مائة وأربعين حديثاً كلها صحيحة، وكلها بإسناد واحد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وكلها بإسناد واحد، وبين كل حديث وحديث: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، والبخاري رحمه الله أخرج منها أحاديث، ومسلم أخرج منها أحاديث، واتفقا على إخراج أحاديث منها، وتركا أحاديث منها، وهذا من أوضح الأدلة على أن الإمام البخاري والإمام مسلم لم يتلزما بإخراج كل حديث صحيح؛ لأن هذه الصحيفة بإسناد واحد، ومع ذلك أخذا منها وتركا، فلو كان القصد هو إخراج كل حديث صحيح لكان هذا الإسناد الذي أخرجا بعض الأحاديث من هذه الطريق ما تركا شيئاً من هذا الإسناد، أو من هذا المتن الذي جاء بهذا الإسناد، وإنما أخذا وتركا، وهذا من أوضح الأدلة التي يستدل بها على أن البخاري، ومسلم لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح، بل تركا من الصحيح الشيء الكثير، ولم يقصدا الاستيعاب والحصر للأحاديث الصحيحة، وإنما أرادا جمع جملة كثيرة من الأحاديث الصحيحة، من غير استقصاء واستيعاب. ومعمر بن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ثابت]. هو ثابت بن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وأم المؤمنين عائشة هؤلاء هم السبعة المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين. شرح حديث: (... لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه: (أن أباه قتل يوم أحد قال: فجعلت أكشف عن وجهه وأبكي، والناس ينهوني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، وجعلت عمتي تبكيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، في قصة استشهاد والده عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنه، وأنه قد مثل به، وكان قد سجي بثوب، وكان ابنه جابر يبكي ويكشف عن وجهه، والصحابة ينهونه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاه، ولعل كونهم ينهونه؛ لأنه قد مثل به، وتغيرت صورته رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فخشوا أن يصيبه تأثر كبير وتألم عظيم، فأرادوا الرفق به، ولهذا نهوه وكرروا النهي؛ لأنه إذا رأى وجه أبيه وقد تغير ومثل به، فقد يحصل له تأثر، فلعل هذا هو الذي دفعهم إلى ذلك. والنسائي أورد الحديث هنا من أجل ذكر البكاء، وأنه كان يبكي بحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن البكاء كما هو معلوم هو البكاء الذي هو سائغ، وهو الذي يكون معه دمع العين، وحزن القلب، والحديث سبق أن مر بنا عند ذكر التسجية، وتغطية الميت وتسجيته، وأنه يسجى ويغطى، وجابر رضي الله عنه، كان يبكي، ويكشف عن وجهه وأصحابه ينهونه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاه، وهذا دال على ما ترجم له المصنف من البكاء على الميت، أي: البكاء السائغ الذي لا ينهى عنه. أما عمته وقد مر في الحديث أنها أخت عمرو أو ابنة عمرو وهو شك من الراوي فإنها بكته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبكي، يعني: نهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البكاء، وقال: (إن الملائكة ما زلت تظله حتى رفع) يعني: ومثله قد أقدم على شيء يسر، وعلى شيء ينفع، فمثله لا يبكى عليه؛ لأنه أقدم على ما هو خير، وانتقل إلى ما هو خير، والملائكة كانت تظله إكراماً له، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. تراجم رجال إسناد حديث: (... لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله ...) قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد]. هو عمرو بن يزيد الجرمي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده. [عن بهز بن أسد]. هو بهز بن أسد العمي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن المنكدر]. هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن جابر]. هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام المكثرين من الرواية عنه، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكرهم آنفاً. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| شرح أسماء الله الحسنى للشيخ سعيد بن وهف القحطاني رحمه الله ... | السليماني | ملتقى الكتب الإسلامية | 5 | 01-05-2026 02:52 PM |
| من سنن العدل الإلهي في معاملة العباد | امانى يسرى محمد | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 2 | 09-15-2025 06:58 AM |
| شرح كتاب تطهير الإعتقاد عن أدران الإلحاد – الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر | أبو طلحة | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 2 | 07-31-2023 11:53 AM |
| شرح كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد – الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله | أبو طلحة | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 1 | 06-06-2022 05:39 PM |
| تسجيلات شرح كتاب فقه السنة للسيد سابق رحمه الله مع الشيخ // أحمد رزوق حفظة الله | ابو عبد الله | قسم غرفة أحبة القرآن الصوتية | 2 | 04-02-2012 06:44 AM |
|
|