الدرس الثامن: حقيقة الإيمان (3)
محمد بن سند الزهراني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ.
لَا زَالَ حَدِيثُنَا فِي بَيَانِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَن النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَحَدِّه.
أَمَّا الْحَدِيثُ الرَّابِعُ، فَهُوَ حَدِيثٌ جَامِعٌ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بـحَدِيثِ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ».
فَأَفَادُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْإِيمَانَ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ لَهَا أَعْلَى وَأَدْنَى، فَأَعْلَاهَا: قَوْلُ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ إذَا أُطْلِقَ - كَمَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ -: قَوْلُ الْقَلْبِ اعْتِقَادًا، وَقَوْلُ اللِّسَانِ نُطْقًا وَتَلَفُّظًا، «أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ».
فَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْإِيمَانَ:
مِنْهُ: مَا يَكُونُ بِاللسَانِ.
وَمِنْهُ: مَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ.
وَمِنْهُ: مَا يَكُونُ بِالْجَوَارِحِ.
مِنْهُ مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ: هُوَ أَعْلَاهَا، قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَيْضًا بِالْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ هُنَا يَشْمَلُ قَوْلَ اللِّسَانِ نُطْقًا، وَقَوْلَ الْقَلْبِ اعْتِقَادًا.
«وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَن الطَّرِيقِ»، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَن الطَّرِيقِ عَمَلٌ يُبَاشِرُهُ الْمُسْلِمُ بِجَوَارِحِهِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ.
«وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِن الْإِيمَانِ»، أَيْضًا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْقَلْبِ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ؛ الْحَيَاءُ، الْخَشْيَةُ، الْإِنَابَةُ، التَّوَكُّلُ، الرَّجَاءُ، الْخَوْفُ، الْمَحَبَّةُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ هَذِهِ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ.
أَيْضًا تَرْكُ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْقَلْبِ، هَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ؛ الْحِقْدُ وَالْغِلُّ وَالْحَسَدُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ السَّيِّئَةِ تَرْكُهَا وَالْبُعْدُ عَنْهَا، وَتَنْقِيَةُ الصَّدْرِ مِنْهَا؛ هَذَا دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْخَامِسُ، فَهُوَ حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ الثَّقَفِيِّ؛ حَيْثُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: «قُلْ آمنتُ باللهِ ثُمَّ استقِمْ»[1]، وَهَذَا جَمْع مَا سَبَقَ بِأَوْجَزِ عِبَارَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ عَقِيدَةٌ وَشَرِيعَةٌ.
«قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»؛ أَيْ: اسْتَقِمْ عَلَى أَعْمَالِ الدِّينِ وَطَاعَاتِهِ وَأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ إِلَى أَنْ تَلْقَى اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَهَمِّيَّةِ الثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمُوَاصَلَةِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ الْإِنْسَانُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا -: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
وَالثَّمَرَةُ الَّتِي يَرْجُوهَا الْمُؤْمِنُ مِنْ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَأَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَيْهِ عَقِيدَةً وَشَرِيعَةً، عِلْمًا وَعَمَلًا، قَوْلًا وَاعْتِقَادًا، هُوَ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي قَوْلِهِ - جَلَّ وَعَلَا -:﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأحقاف:13]، وفي الآية الأخرى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت:31-32].
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ عَظِيمَةٍ مُبَارَكَةٍ، يَحْسُنُ بِنَا جَمِيعًا أَنْ نَحْفَظَهَا، وَأَنْ نَسْعَى جَاهِدِينَ فِي تَحْقِيقِهَا وَتَكْمِيلِ مَعَانِيهَا، فَقَدْ جَمَعَتْ وَبَيَّنْتْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَحَدَّه.
اللَّهُمَّ زَينا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، اللَّهُمَّ زَينا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُداةً مُهْتَدِينَ، اللَّهُمَّ أَحِينَا مُسْلِمِينَ وَتَوَفَّنَا مُؤْمِنِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[1] صحيح مسلم، 38.