الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا تختص بأهل اليسار مثلًا، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة.
قال ابن بطال: وأصل الصدقة ما يُخرجه المرء من ماله متطوعًا به، وقد يطلق على الواجب لتحري صاحبه الصدق بفعله، ويُقال لكل ما يحابي به المرء من حقه: صدقة؛ لأنه تصدق بذلك على نفسه؛ [فتح الباري 17/ 165].
الصدقة لا تقتصر على المال فقط بل تتعداه إلى غيره كنصرة المظلوم، وإعانة العاجز والمستغيث، والأمر بالمعروف، وترك الشر؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يُمسك عن الشر فإنها صدقة))؛ [متفق عليه].
ومن ألوان الصدقة: التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والنهي عن المنكر وجماع الرجل لزوجته.
فعن أبي ذر رضي الله عنه: ((أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقةً وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر))؛ [رواه مسلم].
ومن ألوان الصدقة: الابتسامة في وجه المسلم، وإرشاد المسلم إلى الطريق الصحيح، وإعانة الأعمى، وإماطة الأذى عن الطريق، وصب الماء في آنية المسلم.
فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة))؛ [رواه الترمذي بإسناد حسن].
ومن ألوان الصدقة: العدل بين المتخاصمين، وإعانة الرجل ليركب دابته، ورفع المتاع على دابة المسلم، والكلمة الطيبة، وكل خطوة إلى المسجد للصلاة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس - قال - تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة - قال - والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة))؛ [متفق عليه]، السُّلامى بضم السين المهملة وتخفيف اللام وهو المفصل، وجمعه سلامَيَات بفتح الميم وتخفيف الياء؛ [شرح النووي على مسلم 7/ 93].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله، وهلل الله وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكةً أو عظمًا عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهي عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى، فإنه يمشي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار، قال أبو توبة: وربما قال: يُمسي))؛ [رواه مسلم].