أحكام الإحرام ومحظوراته
الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
الحمد لله الرحيم التواب، يُحيي ويُميت وإليه المآب، جعل الدنيا دار عمل واكتساب، والآخرة دار جزاءٍ وثواب، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحْبه ومن والاه، أما بعد:
فإن مما ينبغي للمسلم إذا عزَم على الحج أن يبدأ بالتوبة إلى الله جل شأنه، ويرد المظالم إلى أهلها، ويتفقَّد نفسه وحالته، ويقضي ديونه، ويستعد بما يكفيه من النفقة من المال الحلال، لئلا يكون كَلًّا على الناس، بل ينبغي له أن يزيد في النفقة؛ ليحسن إلى الناس، خصوصًا رُفقته في السفر، وألا يخرج حتى يترك لأهله ومَن تَلزمه نفقتُهم ما يكفيهم إلى وقت رجوعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يَحبس عمن يَملِك قوتَه»؛ رواه مسلم.
ثم عليه أن يختار الرفيق الصالح المحب للخير، الذي يعينه إذا ذكَر، ويذكِّره إذا نسِي، وأن يكون الرفيق ذا علمٍ وحلم، يأمُره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويَحلُم عليه إذا أساء، ويُبصِّره في دينه، ويذكِّره بربه، وينبغي للحاج وغيره، لكنه في حق الحاج آكدُ أن يقلل من الكلام، وأن يتجنب السباب واللَّجاج والجدال والغضب.
ويُستحب إذا ركب مركوبه - أيًّا كان طائرة أو سيارة أو غيرها - أن يقول: بسم الله، فإذا استوى عليها قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف: 13، 14].
ويُستحب له أن يدعو عند ابتداء سفره بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطْوِ عنا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلَب في المال والأهل، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.
فإذا وصل إلى الميقات الذي سيُحرِم منه، فيُستحب له أن يغتسل للإحرام ويتنظَّف، ويُسرح شعر لِحيته، ويُقلم أظافره، ويقص شاربَه، ويَستكمل النظافة، ويجب على المحرم أن يتجرَّد من المخيط، ومِن لُبس السراويل والشراب، ونحو ذلك مما خِيطَ على هيئة العضو، ويُستحب أن يُحرم بثوبين نظيفين أبيضين، إزار ورداء، ويُستحب له أن يُطيِّب بدنه قبل نية الإحرام والتلبية، وأما بعد ذلك، فإنه لا يجوز له الطيب، كما سيأتي ذلك إن شاء الله فيما ينبغي للمحرم اجتنابُه.
فإذا تنظَّف وتطيَّب، ولبس إزارَه ورداءه، أهلَّ بالإحرام بما شاء من أنواع الأنساك الثلاثة التي هي: القران، والإفراد، والتمتع.
وصِفة تلبيته صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
ويُستحب للحاج الإكثار من التلبية، خصوصًا إذا علا مرتفعًا من الأرض، أو هبط واديًا، أو ركِب مركوبه، وإن زاد في التلبية ما حُفِظ عن بعض الصحابة فلا بأس، كأن يقول: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل، لبيك حقًّا حقًّا تعبُّدًا وَرِقًّا.
ومما يجب على المحرم اجتنابه: محظورات الإحرام، وهي تسعة أشياء:
الأول: لُبس المخيط للرجل كالقميص والسراويل ونحوها، إلا السراويل لمن لم يجد إزارًا، فيجوز له لُبسها للضرورة.
الثاني: استعمال الطيب في بدنه أو ثوبه، وكذلك تعمُّد شَمِّه.
الثالث: إزالة الشعر والظفر.
الرابع: تغطية رأسه بملاصق، فإن المحرم يجب عليه كشف رأسه، ولا يجوز له تغطيته، وله أن يستظل بخيمة ونحوها، والمرأة إحرامها في وجهها إلا إذا مرَّ بها الرجال الأجانب، فإنها تغطي وجهها بأن تُسدل خمارها.
الخامس: عقد النكاح له أو لغيره؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «المحرم لا يَنْكِح ولا يُنْكِح».
السادس: الوطء في الفرج، وهو يفسد الحج قبل التحلل الأول، ولو بعد الوقوف بعرفات، وأما بعد التحلل الأول، ففيه الفدية، والحج صحيح.
السابع: المباشرة فيما دون الفرج، فيحرم ولا يفسد النسك، وكذا القبلة واللمس والنظر بشهوة.
الثامن: قتل صيد البر واصطياده، ويجوز للمحرم قتل الفواسق الخمس، وهي الغراب، والفأرة، والعقرب، والحية، والكلب العقور.
التاسع: قطع شجر الحرم أو نباته الرطب غير ما يؤذي، ويجوز قطع الأغصان التي تؤذي الناس في الطريق، وهذا المحظور الذي هو قطع الشجر والنبات ليس خاصًّا بالمحرم، بل هو مُحَرَّم على المُحْرِم وغير المحرِم.
نسأل الله أن يوفِّقنا لمرضاته، ويجنِّبنا أسباب سَخَطه وعقابه.