أعمال اليوم الثاني عشر
الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه؛ أما بعد:
فيا أيها الحاج الكريم، إنك في هذه الأيام - أيام التشريق - مأمورٌ بكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى زيادةً على غيرها من الأيام، وإلا فذكرُ الله من أفضل الأعمال، والأمر به في كل الأوقات؛ كما قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41، 42]، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيامُ أكلٍ وشرب، وذكرٍ لله»؛ فعليك بكثرة ذكر الله مطلقًا، وفي هذه الأيام آكدُ، ولا سيما اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وهو أوسط أيام التشريق، وقد قيل: إنه أفضلها، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة بنَمِرة، وخطب يوم عيد النحر بمنى، وخطب الناس صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني عشر بمنى دون بقية أيام التشريق، فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: هذا وسط أيام التشريق، فأخذ القائل بفضيلة هذا اليوم على بقية أيام التشريق من قوله عليه السلام: هذا وسط أيام التشريق، أنه أفضلها؛ لأن الوسط في اللغة هو الخيار؛ كما قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]؛ أي: خيارًا.
واعلَم أن لك في هذا اليوم إذا زالت الشمس، ورمَيت الجمرات - أن تتعجَّل، بأن تخرج من منى قبل غروب الشمس، وتنزل إلى مكة، وقد أكملتَ مناسك الحج، ولم يبقَ عليك سوى طواف الوداع، إن كنت قد طُفت طواف الإفاضة وسعيتَ لحجك.
ولكن لتعلم أن الأفضل هو عدم التعجل اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يتعجَّل، بل تأخَّر حتى أكمَل أيام التشريق الثلاثة، أفاض يوم الثلاثاء ثالث أيام التشريق بعد الظهر إلى المحصب، ونزل به، وإن تعجل الحاج فلا حرَج عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203].
واعلَم أيها الحاج أنك إذا وصلت إلى مكة في هذا اليوم، أو في اليوم الأخير من أيام التشريق، وأردتَ الخروج إلى بلدك، فإنه لا بد من أن تطوف بالبيت طوافَ الوداع إذا فرَغت من جميع أعمالك؛ ليكون آخرَ عهدك بالبيت؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يَنفِرُ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت، وهذا بالنسبة لغير الحائض أو النُّفساء، فإن الحائض والنفساء ليس عليهما وداعٌ؛ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص للحائض أن تَصدُر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة، وهذا الطواف الذي هو طواف الوداع يؤخِّره الحاج حتى يكون بعد جميع أموره، فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها، لكن إن اشترى ما يحتاج إليه في طريقه بعد الوداع، أو دخل منزله؛ ليحمل متاعه ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل، فلا إعادة عليه، فإن بات بمكة بعد الوداع فإنه يُعيده، وطواف الوداع واجب على الحاج عند جمهور العلماء، من تركه وجَب عليه دمٌ.
ومما ينبغي لك أيها الحاج أن تَتنبه إليه هو أن تَحمَد الله جل وعلا، وتثني عليه بما هو أهله، وترجو ثوابه، وتخشى عقابه، وأن تكون حالتك بعد حجك أحسنَ من قبلها، وألا تتلوث بالذنوب والمعاصي بعدما مَنَّ الله عليك بحج بيته، وأن تعلم أن مِن علامة قَبول الحسنة الحسنةَ بعدها، ومن علامة ردِّها السيئة بعدها.
نسألك اللهم أن تَرزُقنا الاستقامة على طاعتك، واجتنابَ معصيتك.