«التوضيح للأوهام الواقعة في الصحيح» لسبط ابن العجمي:
كتابٌ في خدمة «صحيح البخاري» يطبع لأول مرة
د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
الحمد لله. لا تزال خزائن التراث الإسلامي تحتفظ بنصوصٍ علميةٍ جليلةٍ لم تنل بعدُ حظَّها اللائق من التحقيق والنشر والتعريف، مع أن كثيرًا منها يتصل بأشرف العلوم وأدقها، ولا سيما ما كان وثيق الصلة بخدمة السنة النبوية وكتبها المعتمدة. ومن هذا الباب يخرج إلى القراء والباحثين كتاب: «التوضيح للأوهام الواقعة في الصحيح»، للإمام الحافظ أبي ذر أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي الشافعي، المعروف بسبط ابن العجمي (ت 884هـ)، وهو كتابٌ يطبع لأول مرة، بعد أن ظل زمنًا طويلًا في عداد النصوص المخطوطة التي لم تُتَح للقراء في صورةٍ علميةٍ محققة.
وهذا الإصدار من تحقيق الدكتور هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر، وبإشراف ومراجعة الشيخ صالح بن محمد بن عبدالفتاح الأزهري.
ولا تنحصر أهمية هذا الإصدار في كونه نشرًا أول لمخطوطٍ غير مطبوع، بل تتجاوز ذلك إلى موضوعه نفسه؛ إذ ينتمي الكتاب إلى طائفةٍ دقيقةٍ من المصنفات الحديثية التي تُعنى بتحرير ما يقع في روايات الكتب المعتمدة ونُسخها من اختلافاتٍ وتصحيف وأوهام، مع النظر في أسبابها ووجوهها. ولا يراد بذلك القدح في مكانة «صحيح البخاري» أو التشكيك في منزلته، وإنما هو من جنس الخدمة الحديثية الدقيقة التي تُعنى بتحرير الروايات والألفاظ والأسماء والنسخ، وتكشف عن مقدار العناية التي تلقَّى بها العلماء هذا الكتاب الإمام.
ويزداد هذا الكتاب أهميةً إذا نُظر إلى مؤلفه؛ فإن سبط ابن العجمي من أهل المعرفة بالرواية والرجال، وله عناية ظاهرة بعلوم الحديث وبـ «صحيح البخاري» على وجه الخصوص. ويظهر من فهرس الكتاب ومن دراسته المحققة أن هذا المصنَّف يأتي في سياق اشتغالٍ أوسع للمؤلف بخدمة الصحيح؛ مما يدل على أنه ليس ثمرة ملاحظة عارضة، بل جزءٌ من عنايةٍ علميةٍ ممتدة بهذا الحقل.
وقد سُبق النص بدراسةٍ تمهيديةٍ تعين على قراءته قراءةً صحيحةً؛ فتناولت أبرز من دارت الأسانيد عنهم إلى البخاري، والكلام على أبي ذر الهروي، ومنزلة النسخة اليونينية، وأسباب اختلاف روايات «صحيح البخاري» ونسخه ومظاهر ذلك، قبل الانتقال إلى التعريف بالمؤلف والكتاب. وهذه المقدمات ضرورية؛ لأن الكلام على «الأوهام الواقعة في الصحيح» لا يُفهم فهمًا سليمًا إذا قُطع عن سياقه العلمي المتصل بالسماع والرواية والمقابلة والنسخ واختلاف الأصول.
كما اشتمل هذا الإصدار على ما لا يستغني عنه التحقيق العلمي من تحرير عنوان الكتاب، وبيان دلائل صحة نسبته إلى مؤلفه، والتعريف بموضوعه ومنهجه، وذكر موارده، ووصف النسخة الخطية المعتمدة عليه. وأما مادة الكتاب نفسها فتدل على سعة تتبع المؤلف ودقة تصنيفه؛ إذ تناول صورًا متعددة، منها التصحيف في اللفظ، والخطأ في الاسم، والخلاف في العدد، والخطأ في التاريخ أو المكان، وترجيح بعض الألفاظ على بعض. وهي مسائل تبدو جزئيةً في ظاهرها، لكنها عند أهل هذا الشأن من صميم تحرير الرواية وصيانة الكتاب.
وقد صدر هذا الكتاب ثمرةَ تعاونٍ بين ثلاث جهات: «دورات الأزهري في علوم المخطوطات»، و«مؤسسة الوراقة الأولى للاستشارات التعليمية والتربوية»، و«دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع». وهذا التعاون يقدم صورةً عمليةً لما يمكن أن تصنعه الشراكات العلمية الجادة في خدمة التراث، حين يجتمع التكوين المنهجي، والمراجعة العلمية، والنشر المتخصص.
وخلاصة القول: إن «التوضيح للأوهام الواقعة في الصحيح» كتابٌ يستحق عناية الباحثين وطلاب العلم، لا لأنه يطبع لأول مرة فحسب، بل لأنه يفتح نافذةً على لونٍ دقيق من ألوان خدمة «صحيح البخاري»، ويؤكد أن العناية بهذا الكتاب عند العلماء لم تكن عناية توقيرٍ مجرد، بل كانت أيضًا عناية تحريرٍ وتمحيصٍ وضبط. وذلك من دلائل قوة هذا التراث، لا من وجوه النقص فيه.
قال محقق الكتاب:
«صحيحُ البخاريِّ» قِمَّةُ ما دوَّنَتهُ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ مِن سُنَّةِ نبيِّها صلى الله عليه وسلم، إلا أنَّ الدِّقَّةَ البالغةَ والضَّبطَ المحكَمَ لم يمنعا العلماءَ من تتبُّعِ نُسَخِه ورواياتِه، والوقوفِ على ما قد يُظَنُّ أنَّه من الأوهامِ الواردةِ فيه؛ إما مِن الإمامِ البخاريِّ، أو مِمَّن رَوى عنه، أو من نُسَّاخِ كتابِه بعده.
يأتي كتابُ «التَّوضيح للأوهامِ الواقعةِ في الصَّحيح»، للإمامِ أبي ذرٍّ مُوفَّقِ الدِّينِ الحلبيِّ الشافعيِّ (ت 884هـ)، ابن الإمام أبي الوفاء إبراهيم بن خليل المعروف بسِبط ابن العجمي (ت 841 هـ) صاحب «التلقيح لفهم قارئ الصحيح»، ليكونَ نافذةً دقيقةً على تلك المواضِعِ، وبيانِ حقائقِها، بتتبُّعٍ علميٍّ رصينٍ، وأدبٍ جمٍّ، ومنهجٍ قويٍّ في الجمعِ والتوفيقِ.
إنَّ هذا التحقيق الذي اعتَمَد نُسخةً خطِّيَّةً نادرةً قريبةَ العهدِ بالمؤلِّفِ كتابٌ لا يَستغني عنه الباحثُ في علومِ الحديثِ، كما يفتحُ للقارئِ المثقَّفِ نافذةً على اهتمامِ الأمةِ الإسلاميَّةِ بنقلِ حديثِ نبيِّها صلى الله عليه وسلم بدقَّةٍ وأمانةٍ قلَّ نظيرُهما في التاريخِ.
والحمد لله رب العالمين.