![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
سلسلة الأسماء الحسنى (1) معرفة الله جنة الدنيا نجلاء جبروني الله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو تبارك وتعالى خَلَقَ الخَلْقَ كي يعرفوه ويحبوه، ويخافوه ويرجوه، خَلَقَ الخَلْقَ كي يعبدوه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾: إلا ليوحِّدون. وهذا التوحيد الذي خلق الله تعالى الخَلْقَ لأجله نوعان: توحيد علمي؛ دل عليه قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]. وتوحيد عملي؛ دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]؛ فالله تعالى خلقنا للعلم والعمل؛ للعلم: بأن نعرفه سبحانه بمعرفة أسمائه وصفاته، وللعمل: بأن نوحِّده بالعبادة ونخلص الدين له. تخيل لو أن إنسانًا عاش في هذه الحياة، وهو لا يعرف أصله، لا يعرف من هو أبوه، ومن هي أمُّه، ولا من هم أهله، كيف سيكون حال هذا الإنسان؟ سيعيش حالةً من الضياع والانهيار النفسي، حالة من التعاسة، فما بالك بمن يعيش في هذه الحياة وهو لا يعرف له ربًّا خلقه وأوجده؟ لا يعرف له إلهًا يتوجَّه إليه ويعبده، يدعوه عند الحاجة، ويلجأ إليه عند الشدة؛ قال تعالى: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]؛ فقيرًا محتاجًا إلى ربه؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15]، فما أتعس الإنسان حين يَهِيم على وجهه في هذه الحياة بعيدًا عن خالقه ومولاه! قال أحد السلف: "مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها، وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله ومحبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه". قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "ففي القلب شَعْثٌ لا يلُمُّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يُذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسُدُّها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أُعطِيَ الدنيا وما فيها لم تُسَدَّ تلك الفاقة منه أبدًا"[1]. • معرفة الله غذاء الروح، وحياة القلوب، فكما أن البدن يحتاج إلى الطعام والشراب، كذلك القلب يحتاج أن يتعبد لله، يحتاج أن يتصل بخالقه ومولاه؛ حتى يسكن ويطمئن، حتى يصمد أمام هذه الفتن والمنكرات، والشدائد والبلاءات. • يحتاج القلب أن يستنير بنور الله، فيحيا وسط كل هذه الظلمات؛ قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الأنعام: 122]. • من عرف الله عز وجل، وآمن به، واتبع شرعه، فقد اهتدى إلى الطريق المستقيم، ومن لم يعرف الله، تخطَّفَتْهُ الشياطين؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 71]. ومعرفة الله عز وجل تكون بمعرفة أسمائه وصفاته. وأسماء الله تعالى وصفاته ليست محصورة بعدد؛ بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ((اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك))[2]. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة))[3]. ليس بمعنى أنه ليس لله إلا هذه الأسماء، بل بمعنى أن من أسمائه تسعةً وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، وما معنى أحصاها؟ الإحصاء: ثلاث مراتب: حفظ ألفاظها، فهم معانيها، التعبُّد لله بها. أول مرتبة من مراتب الإحصاء أن نحفظها لفظًا، ليس حفظ مجرد، ليس الحفظ غاية وإنما هو وسيلة. ما هي الغاية؟ فهم معانيها، والنظر في آثارها في الأنفس والآفاق؛ لذلك فالإحصاء بمعنى أن تُحصَى المعاني بعد الألفاظ. وبعد حفظ الألفاظ وفهم المعاني، تأتي المرتبة الثالثة من مراتب الإحصاء؛ وهي أن تتعبد لله بمقتضاها، فكل اسم من أسماء الله له عبودية خاصة. فإذا علِم العبدُ أن الله هو الرب الذي تفرَّد بالضر والنفع، والعطاء والمنع، توكل عليه، وتعلَّق به. وإذا علم أنه سميع بصير، راقَبَ أقواله وأفعاله، وحفِظ جوارحه ولسانه. وإذا علم أنه الحكيم، سلَّم لقَدَرِهِ، ورضيَ بقضائه وحكمه. وإذا علم أنه الرحمن الرحيم، الكريم الجميل، ازداد حبًّا له وشوقًا إليه... أنواع وأنواع من العبودية، عبودية باطنة، وعبودية ظاهرة، والعبد إذا تعبَّد لله بمقتضى أسمائه وصفاته أحبَّه الله؛ ((وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه))[4]، لا يزال كل يوم يعرف عن الله، يتعلم ويتعبد بمقتضى هذه المعرفة، وهذا العلم، يفعل الواجب ويُتْبِعُه بالمستحب؛ ((فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأُعْطِيَنَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه)). يصير عبدًا موفَّقًا مسدَّدًا، مؤیَّدًا من قِبلِ الله، في كل وقت، في کل حركة، في كل قول وفعل، في كل ما يسمع وما يبصر، في كل ما تمشي إليه رجلاه، أو ما تفعله يداه، مؤيد من الله، قد استقام قلبه، واستقامت جوارحه، يعطيه الله ما سأل، ويُعيذه مما يخاف. قال عتبة الغلام: "من عرَف الله أحبه، ومن أحب الله أطاعه، ومن أطاع الله أكرمه، ومن أكرمه، أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره، فطوباه وطوباه، وطوباه وطوباه"[5]. لو أردت أن تعيش حياة السعادة، وأن تذوق طعم الراحة، فعليك بمعرفة الله. فالله عز وجل خلقنا لنعرفه ونعبده، أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعرفوا الناس به، بكماله وجماله، وجلاله ورحمته، ورأفته وحكمته، وكرمه وجوده، وإنعامه وإحسانه؛ قال مخاطبًا نبيَّه موسى عليه السلام: ﴿ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 13، 14]. قال شیخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن اللذة والفرحة والسرور وطِيبَ الوقت، والنعيمَ الذي لا يمكن التعبير عنه - إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى، وتوحيده والإيمان به"[6]. إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. [1] مدارج السالكين (3/ 156). [2] صحيح مسلم (486). [3] صحيح البخاري (7392). [4] صحيح البخاري (6502). [5] مجموع الفتاوى (28/31). [6] مجموع الفتاوى (28/31). اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]()
|
سلسلة الأسماء الحسنى (2) اسم (الرَّبّ) نجلاء جبروني اللهُ عز وجل هو ربُّ العالمين، قال سبحانه وتعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]. والعالمين: جمع عالَم، والعالَم: اسم لأجناسِ ما يُعلم، وكلُّ ما سوى اللهِ عَالَم، جميع المخلوقات، عَالَمُ الإنس وعَالَمُ الجنّ وعَالَمُ الطير وعَالَمُ الملائكة وعَالَمُ الحيوان وعَالَمُ البنات، والله -عز وجل- هو ربُّ العالمين. فمن أسمائِه تعالى "الرَّبّ"، قال صلى الله عليه وسلم: ((فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ عزَّ وجلَّ))[1]. واسم الرَّبّ يتضمن عدة معاني: المعنى الأول: الرَّبُّ بمعنى الخالق: فهو سبحانه الذي خلق الخلق من العدم، وأوجدهم على غير مثال سابق، قال تعالى: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [لقمان: 10، 11]، وقال عز وجل: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر: 24]. خلقَ الإنسانَ في أحسنِ صورة، معتدل القامة، بديع الخِلقة. انظر إلى تناسبِ جوارحِك، ووظائفِ أعضائِك، كيف تعمل وفق نظام عجيب وخلق بديع، قال سبحانه: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ [الانفطار: 6 - 8]. كيف تُكَذِّبُ بوعده وتعصي أمره وتتجرأ على حُرماتِه؟! وهو الذي خلقك فسوَّاك فعدلك؟! كيف عبدتَ سواه؟! قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 17]، وقال سبحانه: ﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [الرعد: 16]، وقال عز جل: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [غافر: 62]. المعنى الثاني: الرَّبُّ بمعنى الرازق: فهو سبحانه المتكفِّلُ بأرزاقِ العباد، القائمُ على كلِّ نفسٍ بما يقيمُها من قوتها وغذائها، فيبعثُ إلى كلِّ مخلوقٍ من الرزق ما يُصلحه، حتى النمل في قرارِ الأرض والطير في الهواء والحيتان في الماء، قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6]. المعنى الثالث: الرب بمعنى المالك: فهو سبحانه الذي يملكُ كلَّ ذرَّاتِ الوجود، قال سبحانه: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]، وقال عز وجل: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الملك: 1]. المالك الحقيقي لكلِّ شيء هو الله عز وجل، الذي يملك على الحقيقة هو الله، أمَّا الإنسان وإن قيل إنه يملك شيئًا؛ يملك بيتًا، يملك أرضًا، هو لا يملك شيئًا حقيقةً، وإنما يملك مجازًا؛ لأن الله هو الذي أعطاه هذا الشيء الذي ملَّكه إيَّاه. كل هذه الأشياء التي قد يملكها الإنسان إنما هي عارية مستردة، فلا أحد يملك ذرة في هذا الكون مع الله. قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [الزمر: 6]. كيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة من لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يخلق ولا يملك، ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾ [فاطر: 13]. القطمير: هو القشرة التي حول النواة، فلا أحد يملك مع الله أي شيء. المعنى الرابع: الرب بمعنى المصلح؛ أي: بمعنى المدبر: ربَّةُ المنزل هي التي تديرُ شئونَ المنزل، ولله المثل الأعلى، الله- عز وجل- يدبِّرُ أمورَ الكونِ كلِّه، يدبِّرُ شئونَ خلقِه، يعطي ويمنع، يضر وينفع، يخفض ويرفع، يعز ويذل، ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن: 29]. كلُّ الخلقِ مفتقرون إليه، يسألونَهُ جميع حوائِجِهِم، لا يستغنون عنه طرفةَ عين ولا أقل من ذلك، كلّ يوم هو في شأن، يغفرُ ذنبًا، يُفرّجُ کربًا، يجبر كسرًا، یُغنِي فقيرًا، يشفي مريضًا، ينصر مظلومًا، يأخذ ظالمًا، يُربِّي صغيرًا، يفكُّ أسيرًا، يرفعُ أقوامًا، ويضعُ آخرين، يعطي أناسًا، ويمنعُ آخرين، لا يشغله شأنٌ عن شأن، ولا سَمْعٌ عن سَمْع، لا تُغلِطُهُ المسائلُ، ولا يُبْرِمُهُ إلحاحُ الملحين، ولا طولُ مسألةِ السائلين. وهذه الشئونُ هي مقاديرُه وتدابيرُه التي قدَّرَها في الأزل، وقضاها قبل أن يخلق السمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألف سنة، لا يزالُ تعالى يُمضِيها ويسُوقها في مواقيتِهَا التي اقتضتها حكمتُه. هو المتصرفُ في الممالكِ وحده، وتصرُّفُه دائرٌ بين العدلِ والإحسان، والحكمة والرحمة، قال سبحانه: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [يونس: 31، 32]. المعنى الخامس: الرب بمعنى السيد المطاع: قال تعالی: ﴿ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: 41]؛ أي: سيِّده، فكما أنه هو الرَّبُّ المتفردُ بالخلق، إذن فهو الذي له السيادة والحكم والتشريع، قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ هو الحَكَمُ وإليه الحُكْمُ))[2]، والحَكمُ هوَ الحاكمُ الذي إذا حَكَم لا يُردُّ حُكمُه، وهذهِ الصِّفةُ لا تَليقُ بغيرِ اللهِ تَعالى. وعلى کلِّ مسلم أن يتحاكم إلى شرع الله- عز وجل- ويترك التحاكم إلى غير ذلك من القوانين الوضعية التي وضعها البشر والتي هي منبثقة عن القوانين الفرنسية والأوربية وغيرها، أو الأعراف القبلية أو العادات والتقاليد وغيرها من أمور الجاهلية، قال تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [يوسف: 40]، وقال سبحانه: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]. يجب أن نستشعر آثار أسماء الله وصفاته، ليس فقط في الأنفس وفي الكون من حولنا، وإنما نرى أثرها في التشريعات والأحكام والأوامر والنواهي، فهو الحكيم والرحيم سبحانه في أحكامه القدرية وفي أحكامه الشرعية. شَرْعُ الله- عز وجل- كلُّه رحمة، وكلُّه عدل، وكلُّه مصلحة؛ لأنه شرعُ العليم الحكيم اللطيف الخبير، ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]. شَرْعُ الله- عز وجل- فيه العدل والخير والرحمة والتحذير من الشر وتوجيه العباد إلى ما فيه صلاح حياتهم وقلوبهم ودنیاهم وأُخْراهم، فما أمرنا الشرع إلا بخير، وما نهانا إلا عن شر، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]. شرعُ الله تعالى ليس فيه حرج ولا مشقة، قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]. فكلُّ شرائع الدين وأحكامه في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق فيها الخير والمصلحة والرحمة ليس للمسلمين فقط بكل لكل البشر، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]. آثار الإيمان باسم (الرَّبِّ): • من آمن بربوبية الله رضي بِهِ تعالى ربًّا، رضي بما يأمره به، وبما ينهاه عنه، وبما يقسمُه له، ويقدره عليه، ويعطيه إياه، ويمنعه منه، رضي بحكمه القدري الكوني، وبأمره الديني الشرعي. قال- صلى الله عليه وسلم–: ((ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ من رضيَ باللَّهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليه وسلم نبيًّا))[3]. وقال– صلى الله عليه وسلم –: ((وإن أصابَك شيءٌ فلا تقلْ لو أني فعلتُ كانَ كذا وكذا، ولكن قلْ قدَّرَ اللهُ وما شاءَ فعلَ، فإن لو تفتحُ عملَ الشيطانِ))[4]. • من آمن بأن الله تعالى هو الرب: الخالق الرازق، المالك المدبر، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّه لا تتحرك ذرة في هذا الكون إلا بإذنه، وأن الخلق جميعًا مقهورون تحت سلطانه، فإذا تيقن ذلك لم تتخذ سواه سبحانه إلهًا ومعبودًا؛ لأن الرَّبَّ سبحانه هو المستحقُّ للعبادة، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]. فإذا كان هو وحده خالقهم ورازقهم وربُّهم ومليكهم، فهو وحده إلههم ومعبودهم، قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 60 - 62]. إيمان العبد بأن له ربًّا يستلزم إخلاص العبادة له سبحانه، فلا يصلي إلا لله، لا يركع ولا يسجد إلا لله، لا يركع لسلطان ولا يسجد لقبر أو صنم، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يلجأ إلا إليه، لا يتعلق بنبي ولا ولي ولا يعلق حلقة ولا صدفة ولا ودعة، لا يذبح تقربًا إلا لله، لا يذبح لجن ولا لقبر ولا لحجر ولا لشجر لا ينذرُ إلا لله، لا ينذر لنبي ولا لولي، بل يعبد الله وحده، ولا يصرف شيئًا من العبادة لغير الله، قال تعالى: ﴿ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92]. • من علم أن له ربًّا اطمئن إلى رزق الله، كان الحسن البصري-رحمه الله- يقول: "علمتُ أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمئن قلبي، عندما تعلم أن الرزق بيد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 58]، وأنه لا يملك لك أحد رزقًا ولاضرًّا ولا نفعًا، تطمئن نفسك ولا تتعلق بأحد غيره، لا بمدير ولا بوزير ولا برئيس ولا بأب ولا بزوج، ولا يضطرب قلبك عند حصول أزمات اقتصادية أو عند غلاء الأسعار كبعض الناس قد يصابون بصدمات نفسية وعصبية عند تغير أسعار البورصة مثلًا، وأحيانًا يصل ببعضهم إلى أن يموت من الصدمة أو يقتل نفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لا تخف ولا تحزن إن الله معنا، الله ربنا إذن لن يضيعنا، مثل الطفل الصغير- ولله المثل الأعلى- لا يقلق إذا كان له أب، فكيف بالعبد إذا كان له ربٌّ عظيم. • من أيقن أن له ربًّا قَوِيَ قلبُه بالله في مواجهة المخاوف والمخاطر؛ لأنه يعلم أن أحدًا لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ لذلك لا يكون مضطربًا ولا خائفًا كمن يخافون من الظلام أو من الأولياء أو من الجن والشياطين. • الغلام في قصة أصحاب الأخدود، يقول للملك: لستَ بقاتلي، لا تملك أن تقتلني؛ لأنه كان يركن الإنسان إلى ربِّه ويأوي إلى ركن شديد. • من علم أن الله هو الرب المالك، يعلم أن نفسَه وسمعَه وبصرَه وجوارحَه وأعضاءَه هي ملكٌ لله وحده، يعلم أنه عبدٌ لله، مخلوقٌ مربوبٌ لله، فلا يعصي الله- عز وجل- بهذه الأعضاء وهذه الجوارح، ((من كان بالله أعرف كان منه أخوف، وعن معصيته أبعد، ولطاعته أقرب)). • من علم أن الله هو الربُّ السيد الآمر الناهي المُطاع، رضي بأحكامه، وتحاكم إلى شرعه، قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]. هذا هو منتهى الانقياد لأحكام الله، ظاهرًا وباطنًا، ألا يكون في النفس منها حرج، أحكام الزواج، أحكام المواريث، الحدود، العبادات، المعاملات وجميع الأحكام. • ربوبية الله- عز وجل- ربوبية عامة لجميع الخلائق، يخلقهم ويرزقهم ويهديهم لما فيه مصالحهم وبقاؤهم في الدنيا، وربوبية خاصة بأوليائه وأصفيائه، يُرَبِّي قلوبَهم بالإيمان، ويوفقهم لكل خير، ويعصمهم من كل شر، يُرَبِّي قلوبهم على محبته وخشيته، على رجائه ومخافته حتى المصائب وأنواع المحن هو تربيةٌ لقلوبنا، يا رب ربِّ قلوبَنا على الإيمان بك والتصديق بوعدِك حتى تطمئن قلوبنا، وتسكن أرواحنا، وتقر أعينُنا، ونعيش حياةً مستقرةً مطمئنة. ومن آثار الإيمان باسم (الرَّبّ): • استشعار أثر هذا الاسم في كل ما يحصل حولك، وأنا أتحدث إليكم الآن نستشعر أثر اسم (الرَّبّ)، أن الله تعالى خلقنا جميعًا من نفسٍ واحدة وأشباه مختلفة، ورزق كلَّ واحدٍ مِنَّا رزقًا، علَّمنا هذا الاسم العظيم من أسمائه تعالى،ويَسَّرَ لنا هذه الكلمات، وأنه تعالى يُدَبِّرُ لنا كلَّ أمورِنا، عندما نرى السماء التي فوقنا والأرض التي تحتنا، عندما يأتي الليل ويذهب النهار، عندما تشرق الشمس ويختفي ضوء القمر، عندما ينتهي الشتاء ويبدأ الصيف، أستشعر اسم الله الرَّبّ، عندما أرى مولودًا جديدًا أو طفلًا صغيرًا، أو أسمع: (مات فلان، ولِدَ فلان، عُزِل فلان، مَرِضَ فلان، نجا فلان)، أستشعر اسم الله الرب عند طعامي وشرابي، ونومي وکلامي وعباداتي وكلِّ أحوالى، ليس لي ربٌّ سواه. أيُّها الإنسان، إن لك ربًّا خالقًا بارئًا مصوِّرًا مبدعًا رازقًا مالكًا سيدًا، خلقك من عدم وغمرك بالنعم، كنت ميِّتًا فأحياك، هالكًا فنجَّاك، مبعثرًا فركَّبك، فقيرًا فأغناك، وربَّاك وكفاك، ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14]. [1] أخرجه مسلم (479)، من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما. [2] صحيح أبي داود (4955). [3] صحيح مسلم (34). [4] صحيح مسلم (2664). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]()
|
سلسلة الأسماء الحسنى (3) نجلاء جبروني اسم الجلالة (الله) قيل: هو اسم الله الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 3]، ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [طه: 8]. • عن بريدة بن الحصيب الأسلمي- رضي الله عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ سمعَ رجلًا يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ أنِّي أشْهدُ أنَّكَ أنتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا أنتَ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يلِدْ ولم يولَدْ، ولم يَكن لَهُ كفوًا أحدٌ، فقالَ: "لقد سألتَ اللَّهَ بالاسمِ الَّذي إذا سُئلَ بِهِ أعطى، وإذا دُعِيَ بِهِ أجابَ"[1]. وقد اختُلِفَ في تَحديدِ اسمِ اللهِ الأعظمِ، ولعلَّ أقربَ الأقوالِ أنَّ اسمَ اللهِ الأعظمَ هو (الله)؛ لأنَّه الاسمُ الوحيدُ الذي يُوجَدُ في كلِّ النُّصوصِ التي جاءَ أنَّ اسمَ اللهِ الأعظمِ ورَدَ فيها، وأيضًا لأنَّه الاسمُ الجامعُ الذي يَدلُّ على جَميعِ أسمائِه وصِفاتِه. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: 1) أنه الأصل لجميع أسماء الله الحسنى، وسائر الأسماء مضافة إليه، ويوصف بها، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ ﴾ [الأعراف: 180]، فيُقال: الرحمـن- الرحيم- العزيز... من أسماء الله. ولا يقُال: الله من أسماء الرحمـن -الرحيم – العزيز[2]. فكل اسم يُضاف إلى اسم الله، ولا يُضاف هو إلى غيره؛ وهذا يدل على أن اسم الجلالة هو الاسم الأعظم. قال عز وجل: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر: 22 - 24]. 2) ومن خصائص هذا الاسم التي تميزه عن غيره من الأسماء أنه لم يُطلق على أحد إلا الله تعالى وحده، فلا يطلق على غيره عز وجل، قال تعالى: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]. ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ قال قتادة والكلبي: هل تعلم أحدًا يُسمَّى الله تعالى غير الله، أو يقال له الله إلا الله. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هل تعلم للربِّ مثلًا أو شبهًا. 3) أنه أكثر الأسماء الحسنى ورودًا في القرآن الكريم؛ فقد ورد في القرآن الكريم أكثر من ألفين ومائتي مرة، وهذا ما لم يقع لاسم آخر[3]. 4) أنه لا يسقط عنه الألف واللام في حال النداء، فيقال: يا الله، فصار الألف واللام فيه كالجزء الأساسي في الاسم، وأما سائر الأسماء الحسنى إذا دخل عليها النداء أسقط الألف واللام، فيقال: يا رحمن، ولا يقال يا الرحمن. 5) أنه الاسم الذي اقترنت به عامة الأذكار المأثورة، فجميع أنواع الذكر الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تخلو من اسم الجلالة؛ "سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، إنا لله، بسم الله،...." فإذا كبَّر المسلم ذكر هذا الاسم، وإذا حمَّد وإذا هلَّل، وهكذا في عامة الأذكار. معنى اسم الجلالة (الله): الله مشتق من (الإلـه)، حذفت الهمزة وأدغمت اللام، فصارت (الله)، والإلـه هو المعبـود. ومن أحسن ما قيل في معنى اسم (الله) ما ورد عن ابن عباس- رضيَ الله عنه- قال: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين"؛ (رواه ابن جرير في تفسيره)[4]. فهو الإلـه الذي تألهه القلـوب (تعبُده) بالحب والخوف والرجاء والتوكُّل والخضوع والشكر والصبر والرضا وسائر عبادات القلب التي إذا استقرت في القلب وكملت حصلت كل العبادات الأخرى؛ من صلاة وصيام ودعاء وركوع وسجود وقيام وزكاة وذكر وجهاد. إنَّه الله، لا معبود بحقٍّ سواه، لا يســتحق العبادة إلا إيَّاه. ما هو الوصف الذي يدل عليه اسم الجلالة (الله)؟ لأن أسماء الله تدل على صفاته (فهي أعلام وأوصاف) وليست أسماء مجردة، فاسم العليم يدل على صفة العلم، واسم الرحيم يدل على صفة الرحمة، واسم الحكيم يدل على صفة الحكمة، وهكذا جميع أسماء الله عز وجل تدلُّ على ذاته سبحانه وعلى صفاته تبارك وتعالى. واسم (الله) يدل على صفة الألوهية، (والألوهية التي هي وصفه هي الوصف العظيم الذي استحقَّ أن يكون به إلهًا، بل استحق ألا يشاركه في هذا الوصف العظيم غيره، وأوصاف الألوهية هي جميع أوصاف الكمال وأوصاف الجلال والعظمة والجمال، وأوصاف الرحمة والبر والكرم والامتنان. فإنَّ هذه الصفات هي التي يستحقُّ أن يُؤْلَه ويُعْبَد لأجلها، فيُؤْلَه لأن له أوصاف العظمة والكبرياء، ويؤله لأنه المتفرد بالقيُّومية والربوبية والملك والسلطان، ويُؤْلَه لأنه المتفرد بالرحمة وإيصال النعم الظاهرة والباطنة إلى جميع خلقه، ويُؤْلَه لأنه المحيط بكل شيء علمًا وحكمًا وحكمةً وإحسانًا ورحمةً وقدرةً وعزةً وقهرًا، ويُؤْلَه لأنه المتفرد بالغنى المطلق التام من جميع الوجوه، كما أن ما سواه مفتقر إليه على الدوام من جميع الوجوه؛ مفتقر إليه في إيجاده وتدبيره، مفتقر إليه في إمداده ورزقه، وفي حاجاته كلها، مفتقر إليه في أعظم الحاجات، وأشد الضرورات، وهي افتقاره إلى عبادته وحده، والتأله له وحده، فالألوهية تتضمن جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى)[5]. والإله: هو الذي تشتاق إليه القلوب وتميل إليه، والله تعالى فَطَرَ عبادَه على أن تميل قلوبُهم إليه، يشتاقون إلى القرب منه، فمن توجه قلبه لغير الله فإنه يُحرم سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ [الروم: 30]. قال الله في الحديث القدسي: "وإنِّي خَلَقتُ عِبادي حُنَفاءَ كُلَّهُم، وإنَّهُم أتَتْهمُ الشَّياطينُ فاجتالَتْهم عن دينِهم، وحَرَّمَت عليهم ما أحلَلتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يُشرِكوا بي ما لَم أُنزِلْ به سُلطانًا"[6]. العباد فُطروا وجُبلوا على محبة الله، وأن تميل قلوبُهم إليه سبحانه بالفطرة، فالقلوب تحتاج أن تحب الله، أن تتعبد لله، كما يحتاجُ البدنُ إلى الطعام والشراب حتى يقوى، كذلك القلب يحتاج أن يتغذى ويرتوي حتى يحيا، وهذا لا يكون إلا إذا كان القلب موصولًا بالله عز وجل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَولودٍ يولَدُ على الفِطْرةِ، فأبَواه يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه"[7]، ولكنَّ الشياطين هي التي أضلتهم، وأبعدتهم، وصدَّتهم عن دينهم. لا يستطيع أحد أن يُحصي خصائص وعظمة هذا الاسم: • قال ابن القيم- رحمه الله-: "وكيف تُحصي خصائص اسم لمُسمَّاه كلُّ كمالٍ على الإطلاق، وكلُّ مدحٍ وكلُّ حمدٍ وكلُّ ثناءٍ، وكلُّ مجدٍ وكلُّ جلالٍ، وكلُّ عزٍّ وكلُّ جمالٍ، وكلُّ جودٍ وبِرٍّ وخيرٍ وإحسانٍ. فما ذُكر هذا الاسم في قليل إلا كثَّره، ولا عند خوفٍ إلا أزاله، ولا عند كربٍ إلا كشفه، ولا عند همٍّ إلا فرَّجه، ولا عند ضيقٍ إلا وسَّعه، ولا تعَلَّق به ضعيفٌ إلا قوَّاه، ولا ذليلٌ إلا أعزَّه، ولا فقيرٌ إلا أغناه، ولا شريدٌ إلا آوَاه، ولا مستوحشٌ إلا آنَسَه، ولا مغلوبٌ إلا أيَّده، ولا مضطرٌّ إلا كشف ضرَّه. فهو الاسم الذي تُكشَفُ به الكُرُبات، وتُستنزَلُ به البركات، وتُقَالُ به العثرات، وتُستدفَعُ به السيئات، وتُستجلَبُ به الحسنات"[8]. " كان شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- يخرج من البيوت إلى الفلاة (الصحراء) يُناجي ربَّه ويذكره، يقول ابن القيم- رحمه الله-: سمعته يومًا يقول: لما خرج من بين البيوت: "وَأخْرجُ مِنْ بَيْنِ الْبيوتِ لَعَلَّنِي ![]() أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ فِي السِّرِّ خَالِيَا" ![]() ![]() ![]() أعظم الأُنْس؛ الأُنْس بالله، ما تلذَّذ المتلذِّذُون بمثل ذكره -جل جلاله- "من لم تقرَّ عينه بالله فلا قرَّت عينُه، ومن لم يأنس بالله فلا أنس". ما طابت الحياةُ إلا بذكرِه، ولا الآخرةُ إلا بعَفْوِه، ولا الجنةُ إلا برؤيةِ وجهه. ما أعظم هذا الاسم؛ الله! كلما ازددت معرفةً بالله- عز وجل- ازددت خشيةً له، كلما تعلمت عن أسمائه وصفاته وتأملت في أفعاله- جل جلاله- ازددت له حبًّا وخشيةً له؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]. أحدُ الصالحين قيل له: اتقِ الله، فاصفرَّ لونُه، وآخر يسمع كلام الله فيخرّ مغشيًّا عليه، يعرفون من هو الله، يعرفون عظمته وجلاله، وأسماءه وصفاته الله، العزيز، الجبار، الملك، القوي. كل أسمائه وصفاته قد تجمعت في اسمه- جل جلاله- (الله)، فهو اسم مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالٌّ عليها. ما أعظم هذا الاسم! وما أجمله! ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102]. إنه الله، من أجله دمعت الأعين، وخرَّت الأذقان، النبي صلى الله عليه وسلم يقوم "الليل فيقرأ بالسبع الطوال، تتفَطَّر قدماه من أجل ربِّه، هان كُلُّ شيء، سهلت كل المصائب، زال كل العناء من أجلك يا ألله". • هذا بلال يُجَرُّ على الرمضاء في شدة الحَرِّ، فيقول: أحَدٌ أحَدٌ. • عروة بن الزبير قالوا له: سنقطع رِجْلك، أصابتها الآكلة؛ فلو شربت خمرًا حتى تتحمل العذاب، قال: لا، لكن دعوني أصلي، فإذا صليت فاقطعوها، تعَلَّق قلبُه بالله، فلم يشعر بالألم. حبيب بن عدي قبل أن يُقتَل، ماذا قال وهو مصلوبٌ بمكة: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ![]() عَلَى أي شِقٍّ كَانَ لله مَصْرَعِي ![]() وَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأ ![]() يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ![]() من عرَف الله حقًّا عاش أجمل حياة، مَنْ عرَف الله حقًّا أنس بخالقه ومولاه، وآثر رضاه... فليتكَ تعفو والحياةُ مريرة ![]() وليتكَ ترضى والأنامُ غضابُ ![]() وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ ![]() وبيني وبين العالمينَ خرابُ ![]() إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ ![]() وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُّرابِ تُرابُ ![]() س/ هل يجوز ذكر الله باسم الجلالة مفردًا (الله-الله)؟ ذكر الله تعالى من أجل ما يُعبد الله به، ولأجل ذلك كان الذاكر في حاجة إلى معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبادة، كما هو في حاجة إلى معرفة ذلك في سائر العبادات. وليس في سنته صلى الله عليه وسلم الاقتصار في الذكر ولا في الدعاء على لفظ الجلالة: الله، الله، لا برفع الهاء ولا بتسكينها، وليس في سنته كذلك الاقتصار على نداء أسماء الله الحسنى؛ كقول بعضهم: يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، أو: يا غفور، يا غفور، يا غفور. ثم إن مثل هذا الذكر لا يعد كلامًا في اللغة، ولا له معنى فيها؛ إنما هو كلمات مفردة، لا تفيد شيئًا. قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "هذا من البدع؛ قراءة أسماء الله الحسنى بعد الصلوات واعتياد ذلك، وترديد كلمة (يا لطيف) بعدد معين وبصفة معينة؛ كل هذا من البدع المحدثة في الإسلام، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"؛ انتهى. ويقول الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: "للعلامة محمد صديق حسن خان رحمه الله تعالى بحث مهم في عدم مشروعية الذكر بالاسم المفرد (الله)، وأنه لا أصل له في الكتاب، ولا في السُّنَّة، ولا في أقوال الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن أحد من أهل القرون المفضَّلة"[9]. لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، يقول: الله الله الله ألف مرة أو 2000 أو أكثر، وأحيانًا بعض الناس يتمايلون ذات اليمين وذات الشمال، ويقفزون في الهواء، وأحيانًا يجتمعون في حلقات وهم جالسون أو واقفون، وأحيانًا يصاحب ذلك دقات الطبول وأصوات المزامير[10]. هل هذا ذكر لله عز وجل كما يحب ربُّنا ويرضى؟ إنه بدعة وضلالة، وليس على هدي محمد صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بنِ سارية حين قال له الصحابة: أوصنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى اللهِ، والسمعِ والطاعةِ، وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسنةِ الخلفاءِ المهديِّين الراشدين، تمسَّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ"[11]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله -: "فأما الاسم المفرد مظهرًا مثل: "الله، الله"، أو مضمرًا مثل: "هو، هو"، فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سُنَّة، ولا هو مأثور أيضًا عن أحدٍ مِن سلف الأمة، ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم؛ وإنما لهج به قوم من ضُلَّال المتأخرين. وإنما كان تلقين النبي صلى الله عليه وسلم للذكر المأثور عنه، ورأس الذكر: لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي عرضها على عمِّه أبي طالب حين الموت، وقال: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، وقال: "إني لأعلم كلمةً لا يقولها عبدٌ عند الموت إلا وجد روحه لها روحًا"، وقال: "مَن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة"، وقال: "مَن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة"، وقال: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسولُ الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله"، والأحاديث كثيرة في هذا المعنى[12]. مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال: سُبحانَ اللهِ وبحَمدِه، في يَومٍ مِائةَ مَرَّةٍ، حُطَّت خَطاياه وإن كانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ"[13]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "لأن أقولَ: سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبَرُ؛ أحَبُّ إليَّ ممَّا طَلَعَت عليه الشَّمسُ"[14]. أثر الإيمان باسم الجلالة "الله": من أجمع وأحسن ما قيل في معنى اسم الجلالة (الله) ما ورد عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين"؛ رواه ابن جرير في تفسيره. فقد جمع الله في هذا التفسير بين أمرين: الأول: الوصف المتعلق بالله من هذا الاسم الكريم، وهو الألوهية التي هي وصفه الدال عليها لفظ «الله»، كما دلَّ على العلم- الذي هو وصفه- لفظ (العليم) وكما دلَّ على العزة- التي هي وصفه- لفظ «العزيز»، وكما دل على الحكمة- التي هي وصفه- لفظ (الحكيم)، وكما دل على الرحمة- التي هي وصفه- لفظ (الرحيم)، وغيرها من الأسماء الدالة على ما قام بالذات من مدلول صفاتها. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 | |
![]() ![]() ![]()
|
الثاني: الوصف المتعلق بالعبد من هذا الاسم، وهو العبودية، فالعباد يعبدونه ويؤلِّهونه، قال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾ [الزخرف: 84]؛ أي: يألهه أهلُ السماء وأهلُ الأرض، الكلُّ خاضعون لعظمته، منقادون لإرادته ومشيئته، وعباد الرحمن يألهونه ويعبدونه خوفًا وطمعًا ورغبًا ورهبًا، وقد جمع الله هذين المعنيين في عدة مواضع من القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقوله: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]. فإذا آمن العبد باسمه تعالى "الله" وعرَف أنه هو الإله المعبود بحق، وأنَّ كلَّ من عُبِدَ من دونه فقد عُبد بالباطل والظلم، فإنه يُخلص العبادة لله تعالى وحده دون من سواه، فيكون حبُّه وخوفه ورغبته ورهبته وجوده وركوعه لله تعالى وحده، لا يلجأ إلا إليه، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، ولا يستعيذ ولا يستغيث إلا به وحده دون مَنْ سواه، وهذا هو معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" التي بعث الله من أجلها الرُّسُل، وأنزل من أجلها الكتب، وخلق الجنَّة والنَّار. كلمة التوحيد هي كلمة النجاة: قال صلى الله عليه وسلم: "فإنَّ اللهَ حَرَّمَ على النَّارِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، يَبتَغي بذلك وجهَ اللهِ"[15]. إنها العهد الذي ذكر الله- عز وجل- إذ يقول: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ [مريم: 87]. قال ابن عباس: العهد لا إله إلا الله. وقال مقاتل وابن عباس أيضًا: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله. وقال صلى الله عليه وسلم: "أسعَدُ النَّاسِ بشَفاعَتي يَومَ القيامةِ مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، خالِصًا مِن قَلبِه أو نَفسِه"[16]. كلمة التوحيد هي أثقل شيء في الميزان يوم القيامة: عن أبي سعيد الخُدْري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قالَ موسى عليه السَّلامُ: يا ربِّ، علِّمْني شيئًا أَذكُركَ به، وأَدعوكَ به، قالَ: يا موسى قُلْ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، قالَ: يا ربِّ، كُلُّ عبادِكَ يقولُ هذا، قالَ: قُلْ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، قالَ: لا إلَهَ إلَّا أنتَ يا ربِّ، إنَّما أُريدُ شيئًا تَخُصُّني به، قالَ: يا موسى، لوْ أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ، وعامِرَهُنَّ غيري، والأرَضينَ السَّبعَ في كِفَّةٍ، ولا إلَهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ؛ مالَتْ بهِنَّ لا إلَهَ إلَّا اللهُ"[17]. كلمة التوحيد هي مفتاح الجنة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ. [وفي رِوايةٍ زادَ]: مِن أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمانيةِ، أيّها شاءَ"[18]. إنها كلمة التوحيد: كلمة قامت بها الأرض والسموات، وخُلِقت لأجلها جميع المخلوقات، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، ولأجلها أنزل الله كتبَه، وأرسل رسلَه، وشرع شرائعَه. ولأجلِها نُصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقامت سوق الجنة والنار، وبها انقسم الخلائق إلى مؤمنين وكفَّار، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعن حقوقها يكون السؤال والحساب. فلا تزول أقدام العباد يوم القيامة حتى يُسألوا عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ جواب السؤال الأول: بتحقيق أن لا إله إلا الله. وجواب السؤال الثاني: بتحقيق أن محمدًا رسول الله. كلمة التوحيد هي أفضل ما قاله الأنبياء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضلُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له"[19]. إنها كلمة التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: "كُنتُ رِدْفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على حِمارٍ يُقالُ له: عُفَيرٌ، فقال: يا مُعاذُ، هل تَدري حَقَّ اللهِ على عِبادِه، وما حَقُّ العِبادِ على اللهِ؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّ حَقَّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا، وحَقَّ العِبادِ على اللهِ ألا يُعَذِّبَ مَن لا يُشرِكُ به شيئًا، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا أُبَشِّرُ به النَّاسَ؟ قال: لا تُبَشِّرْهم؛ فيَتَّكِلوا"[20]. هذا هو التوحيد، وهذا هو فضله، فهل حققنا التوحيد؟ هل حقق التوحيد من سجد لغير الله؟ هل حقق التوحيد من دعا غير الله؟ من استغاث بغير الله؟ من تعَلَّق بغير الله؟ الموحِّد هو الذي يتوجَّه بالعبادة لله وحده ولا يتوجه بها لغيره، لا يصلي إلا لله، لا يركع إلا لله، لا يسجد إلا لله، لا يدعو إلا الله، لا يذبح إلا لله، لا ينذر إلا لله، لا يتوكَّل إلا على الله، لا يستعين ولا يستغيث إلا بالله؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]. العبادة: هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالدعاء عبادة؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18]، وقال صلى الله عليه وسلم: "الدُّعاءُ هو العِبادةُ"[21]. تعَلُّق القلب بالله- عز وجل- خوفًا وطمعًا ورغبةً ورهبةً وتوكُّلًا واستعانةً واستعاذةً واستغاثةً- إنما هو من العبادة، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]، وقال تعالى: ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40]، وقال سبحانه: ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 8]، وقال عز وجل: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23]، وقال سبحانه في سورة الفاتحة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]. وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنْتَ فاستَعِن باللَّهِ"[22]. وكذلك الاستغاثة تكون بالله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾[الأنفال: 9]. الاستعاذة- وهي الالتجاء والاعتصام- تكون بالله: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ [الفلق: 1]، ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ [الناس: 1]. الذبح عبادة يكون لله وحده، قال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]. والنذر عبادة يكون لله وحده، قال تعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ [الإنسان: 7]. كل هذه العبادات وغيرها يجب أن تُصرَف لله وحده، فالعبادة شرطها الإخلاص، قال تعالى:﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]. العبادة حقٌّ لله وحده، فلا يُجعَل مع الله شريك في شيء من العبادة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن لَقِيَ اللهَ لا يُشرِكُ به شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن لَقيَه يُشرِكُ به دَخَلَ النَّارَ"[23]. هؤلاء الذين يدعون غير الله من الأولياء والأموات، ويعتقدون أنهم يملكون الضر والنفع والعطاء والمنع، وأنهم يتصرفون في الكون مع الله، يسألون أصحاب القبور قضاء الحاجات، وتيسير الأرزاق، وشفاء الأمراض، وتفريج الكربات، سبحان الله العظيم ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 43]. قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 31]. لا أحد يملك مع الله شيئًا، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128]. الأمر بيد الله وحده، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مرض وإذا أصابه كرب دعا الله، فكيف يُدعى هو من دون الله فضلًا عمن هو دونه من البشر؟! الذين يدعون غير الله ويستغيثون بالأولياء ويطلبون منهم المدد، فيقولون: (مدد يا بدوي، أغثني يا حسين، يا مرسي أبو العباس، يا عبد القادر، يا تيجاني.... وغيرهم ممن يدعونهم من دون الله أو يستغيثون بهم عند الشدائد، كل هذا من الشرك الأكبر بالله عز وجل، قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴾ [الإسراء: 56]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾ [الشعراء: 213]. ومن يقول: ادعوهم ليشفعوا لي عند الله؟ فهذا مُحرَّم ووسيلة إلى الشرك الأكبر؛ لأن طلب الدعاء من الأموات شركٌ أصغر، ووسيلة إلى الشرك الأكبر من دعائهم والاستغاثة بهم من دون الله، وهذه هي نفس حُجة المشركين حين قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3]، فهل قُبِل عذرهم عند الله؟ الشفاعة مِلكٌ لله تعالى وحده، هو الذي يأذن بها لمن يريد فلا تُطلب من غيره، قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255]، وقال تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم: 26]. والشفاعة لن تكون لمن أشرك بالله، وعبد غيره، ودعا سواه، قال تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر: 48]. من تتعَلَّق قلوبهم بغير الله حبًّا وخوفًا ورجاءً وتوكلًا، هؤلاء يشركون مع الله في المحبة، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، مثل المشركين الذين أحبوا ألهتهم وأصنامهم وأوثانهم وقبورهم حتى أوصلتهم هذه المحبة إلى أن عبدوهم من دون الله أو مع الله، فهذه محبَّةٌ شِركية، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، المؤمنون لا يشركون أحدًا مع الله عز وجل في المحبة. والذين يخافون من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا خوفٌ شركي؛ مثل الذي يخاف من الجن أو صاحب القبر أن يقبض روحه أو يصيبه بمرض أو بفقر أو ينتقم منه، هذا خوف شركي منافٍ لأصل الإيمان؛ لأن الخوف عبادة لا يجوز صرفه لغير الله، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]. ومن يرجو غير الله أن يرزقه الولد، أو يشفيه من مرض، أو يدخله الجنة، أو ينجيه من النار، هذا أيضًا رجاءٌ شركي، الرجاء من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله. من يستعين بغير الله في تدبير أموره وصلاح حاله وتيسير معاشه حتى قال بعضهم: "إذا تعَسَّرت الأمور فعليكم بأصحاب القبور"، هذه استعانة شركية. من يستغيثون بالجن والشياطين والسحر والكُهَّان والمشعوذين، يعتقدون أنهم يعلمون الغيب ويدلونهم على الشيء المفقود أو المسروق، ويعالجون المريض ويفكون المربوط، هذا من الشرك والكفر الأكبر بالله، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجتَنِبوا السَّبعَ الموبِقاتِ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّولِّي يَومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ المُؤمِناتِ الغافِلاتِ"[24]. فالسحر من الموبقات: المهلكات، وهو من الشرك الأكبر المخرج من الملَّة؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا باستخدام الجن والشياطين، وعبادتهم من دون الله، والسجود والذبح لهم، وإيقاع الناس في الشرك الأكبر. ومن استعاذ بغير الله من الجن والشياطين أو الأموات الغائبين، فقد أشرك الشرك الأكبر؛ لأن الاستعاذة عبادة، ومعناها: الالتجاء والاعتصام بالله من الشر. فمن لجأ إلى غير الله أن يدفع عنه ويحميه مما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك، كما كان يفعل المشركون في الجاهلية، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ [الجن: 6]. فكان العرب في الجاهلية إذا سافر أحدهم أو نزل بوادٍ وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فأنزل الله هذه الآية في شأنهم. والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمَنَا أن نستعيذ بالله وحده، فقال صلى الله عليه وسلم: "مَن نَزَلَ مَنزِلًا ثُمَّ قال: أعوذُ بكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ، لم يَضُرَّه شَيءٌ حتَّى يَرتَحِلَ مِن مَنزِلِه ذلك"[25]. وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن قال: بسمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ وهو السميعُ العليمِ. ثلاثُ مراتٍ، لم تُصِبْه فجأةُ بلاءٍ حتى يُصبِحَ، ومَن قالها حينَ يُصبِحُ ثلاثَ مراتٍ لم تُصِبْه فجأةُ بلاءٍ حتى يُمسي"[26]. هذا هو التوحيد، أن تتوجَّه القلوب إلى الله وحده، أن يكون هو الملجأ والمستعاذ به، هو الذي يُدعى ويُسأل، ويُلجأ إليه، ويُتوكل عليه، ويُستغاثُ به في الشدة، ويُستعان به عند الحاجة، ويُصلى له، ويُسجد له، ويُذبح له، ويُنذر له، سبحانه لا يستحق العبادة إلا هو، نشهد يا ربنا أنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد، لا نعبدُ غيرك ولا نخضعُ لسواك. اللهُمَّ رَبَّنا لكَ الحَمدُ، أنتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرضِ، ولَكَ الحَمدُ أنتَ رَبُّ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحَمدُ أنتَ نورُ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، أنتَ الحَقُّ، وقَولُكَ الحَقُّ، ووعدُكَ الحَقُّ، ولِقاؤُكَ الحَقُّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والسَّاعةُ حَقٌّ، اللهُمَّ لكَ أسلَمنا، وبكَ آمَنَّا، وعليك تَوكَّلنا، وإليكَ خاصَمنا، وبكَ حاكَمنا، فاغفِرْ لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وأعلَنَّا، وما أنتَ أعلَمُ به مِنَّا، لا إلَهَ إلَّا أنتَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلْ الحَيَاةَ زِيَادةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ المَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا آخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ لِقَائِكَ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلامِنَا مِنَ الدُّنْيَا (لا إِلَهَ إِلَّا اللهَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ). اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ. رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ. ------------------ [1] صحيح أبي داود (1493). [2] فقه الأسماء الحسنى، عبدالرزاق البدر، الطبعة الأولى، مكتبة أهل الأثر، ص 90. [3] المصدر السابق، ص 92. [4] فقه الأسماء الحسنـى، عبدالرزاق البدر، الطبعة الأولى، ص92. [5] فقه الأسماء الحسنى، عبدالرزاق البدر، الطبعة الأولى، ص (92-93) بتصرف يسير. [6] صحيح مسلم (2865). [7] صحيح البخاري (1385). [8] تيسير العزيز الحميد، ص٣٠ نقلًا عن (فقه الأسماء الحسنى، ص٩٢). [9] موقع الإسلام سؤال وجواب [10] النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، د. محمد الحمود النجدي، الطبعة الخامسة، مكتبة الإمام الذهبي (ص 45) بتصرف. [11] صحيح أبي داود (4607). [12] "مجموع الفتاوى" (10/ 556- 558). [13] أخرجه البخاري (6405) واللفظ له، ومسلم (2691) مطولًا. [14] صحيح مسلم (2695). [15] صحيح البخاري (5401). [16] صحيح البخاري (99). [17] المستدرك على الصحيحين (1960)، صحيح الإسناد، أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (10602)، وابن حبان (6218)، والطبراني في ((الدعاء)) (1480) جميعًا بلفظه. [18] صحيح البخاري (3435)، وأخرجه مسلم (28) باختلاف يسير. [19] صحيح الجامع (1102)، أخرجه مالك في ((الموطأ)) (1/214)، والبيهقي (8651). [20] أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (30). [21] أخرجه أبو داود (1479)، والترمذي (2969)، وابن ماجه (3828)، وأحمد (18352) بلفظه. [22] صحيح الترمذي (2516). [23] صحيح مسلم (93). [24] أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89). [25] صحيح مسلم (2708). [26] أخرجه أبو داود (5088) واللفظ له، والترمذي (3388)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (9843)، وابن ماجه (3869)، وأحمد (446). |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| قاعدة في الأسماء الحسنى – لايوجد حديث صحيح يجمع الأسماء الحسنى كلها | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 2 | 06-22-2026 04:04 PM |
| السنة كالقرآن في الأسماء الحسنى | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 0 | 06-22-2026 01:55 PM |
| لماذا الأسماء الحسنى؟ | ابو الوليد المسلم | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 0 | 06-22-2026 01:52 PM |
| إحصاء الأسماء الحسنى | ابو الوليد المسلم | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 0 | 01-31-2026 12:35 PM |
| فقه الأسماء الحسنى كتاب الكتروني رائع للحاسب | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 3 | 05-14-2025 09:20 PM |
|
|