«الواو» وحماية الغارمين.. بين التخصيص في دَيْن الربا وعموم العُسرة
د. رمضان فوزي
المتأمل في آيات الأحكام في القرآن الكريم يدرك أن كل حرف وضع بميزان، وأن التغير في الوظيفة النحوية للحرف قد يتبعه تغير جذري في الفتوى الفقهية، ومن هذه المسائل ما اصطلح عليه النحاة بـ«واو الاستئناف»، ويقال لها أيضاً: «واو الابتداء»، وهي التي تدخل على جملة لا تعلق لها بما قبلها من جهة الإعراب، وإن كانت تشترك معها في وحدة الموضوع العام، وتدخل على الجملتين: الاسمية؛ نحو قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِنْدَهُ) (الأنعام: 2)، والفعلية نحو قوله تعالى: (لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ) (الحج: 5).
والرأي الأرجح أن واو الاستئناف قسم من واو العطف وليست مغايرة لها؛ فالاستئناف في معناه العام عطف كلام على كلام بغير تعلق بمعنى الكلام السابق؛ فالمعنى الملازم للواو هو العطف، حتى لو كانت في أوّل الكلام، يقول صاحب «الجنى الداني»: «ذكر بعضهم أن هذه الواو قسم آخر غير الواو العاطفة، والظاهر أنها الواو التي تعطف الجمل، التي لا محل لها من الإعراب، لمجرد الربط، وإنما سميت واو الاستئناف؛ لئلا يتوهم أن ما بعدها من المفردات معطوف على ما قبلها» (الجنى الداني، ص 163).
ويؤكد المعنى نفسه صاحب «الفصول المفيدة في الواو المزيدة»، فيقول: «وَالصَّحِيح أَنَّهَا وَإِن كَانَت للاستئناف فَلم تخرج عَن معنى الْعَطف وَلَكِن لَا تشرك بَين مَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا إِلَّا فِي أصل الْإِخْبَار دون شَيْء آخر؛ فَكَأَن الْقَائِل بعد كَلَامه الْمُتَقَدّم قَالَ: وأخبرك أَيْضا بِكَذَا» (الفصول المفيدة في الواو المزيدة، ص 55، 56)، ويضيف في موضع آخر مؤكداً هذه الوحدة الوظيفية: «فواو الِاسْتِئْنَاف هِيَ أحد نَوْعي العاطفة وَلَيْسَت شَيْئا غَيرهَا» (الفصول المفيدة في الواو المزيدة، ص 181).
الخلاف الفقهي في «إنظار المعسر»
بناءً على هذا التأصيل النحوي، اختلف الفقهاء في دلالة «الواو» في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) في سياق قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ {279} وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة)، هل هي عاطفة أم استئنافية؟ وقد ترتب على هذا الخلاف تحديد نطاق الإنظار في الدين.
فمن قالوا بالرأي الأول ذهبوا إلى أن الإنظار في الدين واجب (وفي بعض الآراء مندوب) في ديْن الربا فقط الذي عطفت عليه الواو في الآية الحكم، بعد أن أبطلت الربا وأبقت رأس المال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ).
ومن قالو بالرأي الثاني ذهبوا إلى أن الإنظار عام في كل الديون ولكل الغارمين المعسرين؛ حيث إن الواو استئنافية؛ فقد ابتدأت كلاماً جديداً وحكماً جديداً، إلا أنه جاء بعد آيات الربا لما بينهما من اشتراك في الدَّيْن وأحكامه
الرأي الأول: مدرسة الخصوص... الارتباط بالسياق:
ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الواو عاطفة، وبما أنها جاءت بعد آيات الربا، فالحكم يقتصر على ديْن الربا الذي أبطلته الآيات وأبقت فيه رأس المال فقط، يقول أبو بكر الجصاص: «وقد اختُلف في معنى قوله: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)؛ فروي عن ابن عباس، وشريح، وإبراهيم، أنه في الربا خاصة، وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون» (أحكام القرآن، 1/ 573)، فكان شريح يرى أن الديون العادية لا يثبت فيها الإنظار الواجب، بل يُحبس صاحبها حتى يؤدي ما عليه.
الرأي الآخر: مدرسة العموم.. الاستئناف التشريعي:
ذهب الجمهور إلى أن الواو استئنافية، وهذا يعني ابتداء حكم جديد وقاعدة تشغيلية شاملة لكل الغارمين، يقول ابن رشد القرطبي: «الآية عامة في كل من أعسر بدين، كائنا ذلك الدين ما كان؛ وقد روي عن ابن عباس وقوم من المفسرين أن الآية نزلت في الربا، وإلى هذا ذهب شريح فقال: إن المعسر يحبس في الدين؛ لأن الله قد أمر بأداء الأمانة، والآية في إنظار المعسر إلى أن يوسر، إنما أنزلت في الربا، وإنما قال ذلك شريح ومن قال بقوله؛ لكونها بعقب ذكر الربا، فظنوا أنها فيه وليس ذلك بصحيح» (المقدمات الممهدات (2/ 305)، ص 306).
القرائن المرجحة والتحليل النحوي
ما يميل إليه المحققون ويرجحونه أن الآية عامة لكل مدين، وتدعم هذا الترجيح قرائن لغوية ونقلية:
1- من أقوى الأدلة اللغوية مجيء «كان» تامة في الآية، والرفع في قوله: (ذُو عُسْرَةٍ) ينبئ عن كلام جديد مستأنف؛ فلو كان المقصود هو المدين بالربا المذكور سابقاً، لكانت «كان» ناقصة ولجاء ما بعدها منصوباً على الخبرية «ذا عسرة»، يقول ابن رشد القرطبي في نقد رأي شريح: «القراءة إنما هي: وإن كان ذو عسرة بالرفع، فلما كان كذلك، علم أنه لم يعن بها صاحب الربا، ولو عنى بها صاحب الربا -كما قال شريح- لقيل: وإن كان ذا عسرة؛ أي إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة» (المقدمات الممهدات، 2/ 305، 306).
ويؤكد هذا المعنى القرطبي بقوله: «لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالرَّفْعِ بِمَعْنَى وَإِنْ وَقَعَ ذُو عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَوْ كَانَ فِي الرِّبَا خَاصَّةً لَكَانَ النَّصْبُ الْوَجْهَ، بِمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الرِّبَا ذَا عُسْرَةٍ» (تفسير القرطبي، 3/ 372).
2- يشير ابن عاشور إلى أن الآية تتناول حالة جديدة حصلت للمدين، حيث يقول: «عَطْفٌ عَلَى قَوْله: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ)؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْجَوَابِ أَنَّهُمْ يَسْتَرْجِعُونَهَا مُعَجَّلَةً، إِذِ الْعُقُودُ قَدْ فُسِخَتْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ حَالَةً أُخْرَى.، وَالْمَعْنَى: وَإِنْ حَصَلَ ذُو عُسْرَةٍ، أَيْ غَرِيمٌ مُعْسِرٌ» (التحرير والتنوير، 3/ 95).
الأثر الفقهي والمقاصدي
إن القول باستئنافية الواو وعموم الحكم يؤدي إلى استقرار أحكام التيسير في الفقه الإسلامي؛ فالمعسر المعدم لا يُضيق عليه في بدنه ما دام قد عجز ماله، جاء في كتاب «مناهج التحصيل»: «وأما المعسر المعدم: فتأخيره إلى أن يوسر واجب، والحكم بذلك لازم، فهو في نظرة الله تعالى إلى أن يوسر، ولا يحبس، ولا يؤاجر، ولا يستخدم، ولا يستعمل؛ لأن الدين إنما تعلق بذمته، فلا يصح أن يؤاجر فيه، خلافًا لأحمد بن حنبل الذي يقول: إن المعسر يؤاجر في الدين» (مناهج التحصيل، 8/ 161).
ويضيف القرطبي مؤكداً شمولية هذا العطف الاستئنافي: «قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، فَكُلُّ مَنْ أَعْسَرَ أُنْظِرَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ» (تفسير القرطبي، 3/ 372)، وحتى ابن عطية يعقب على رأي شريح بالتفصيل بين العدم التام والفقر غير المدقع، مؤكداً أن مع «الْعُدْمِ وَالْفَقْرِ الصَّرِيحِ فَالْحُكْمُ هُوَ النَّظِرَةُ ضَرُورَةً» (تفسير القرطبي، 3/ 372).
تيسير الإسلام وسماحة المعاملة
إن ترجيح الرأي الثاني القائل بالاستئناف والعموم هو الذي يتوافق مع مقاصد الشريعة العليا؛ فالإسلام جاء بالتخفيف عن المكروبين، وإذا كان الله قد أمر بإنظار من كان يتعامل بالربا (وهو معصية)، فأولى أن يُنظَر المدين في القروض الحسنة والمعاملات المباحة، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (رواه مسلم).
إن «واو الاستئناف» هنا ليست مجرد حرف مبنى، بل هي ممر لمعنىً عظيم، نقلت التشريع من حيز العقوبة المالية للربا إلى فضاء الرحمة الإنسانية بالمعسرين؛ لتظل الآية صالحة لكل زمان ومكان، تضبط العلاقة بين الدائن والمدين بميزان العدل الممزوج بالرحمة.