
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سأل عن النجاة : " أمسك عليك لسانك , وليسعك بيتك , وابك على خطيئتك "[صححه الألبانى] : قال عبدالله بن عباس رضى الله عنهما : " أخسر الناس صفقة من انشغل بالناس عن نفسه , وأخسر منه صفقة من انشغل بنفسه عن الله " .
وقال بعض السلف :" علامة إعراض الله عن العبد انشغاله بما لا يعنيه " وقال بعض السلف أيضا " علامة الافلا س كثرة الحديث عن الناس " .
وقال ابن الجوزى :" إذا رأيت نفسك تأنس بالخلق وتستوحش من الخلوة فاعلم أنك لا تصلح لله"
وقال ابن قدامة :" إذا رأيت الناس يعجبون بك , فاعلم أنهم إنما يعجبون بستر الله عليك , فلا تذب عن الناس الذباب وحجرك مملوء بالعقارب " .
مصيبة عصرنا الانشغال بالناس , ومن الانشغال بغير الله الانشغال بوسائل الاعلام والجرائد والمجلات والتلفاز ..
تدبر ما أقول لك وقف مع نفسك وقفة رجل يريد لها النجاة .. انشغل بنفسك وأهل بيتك , قال الله – تعالى - : " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا "( التحريم : 6 ) .
نعـــم :إن انشغالك بنفسك هو الاصل , قال الله : " فقاتل فى سبيل الله لا تكلف الا نفسك "
( النساء : 84 ) , وقال – تعالى - : " ولا تزر وازرة وزر أخرى "( الانعام : 164 ) ..
فالأصل فى الاسلام : انج بنفسك أولا .
أيها الاخ الكريم ,سؤال واضح ومحدد وصريح ويحتاج الى إجابة قاطعة : كيف حالك مع الله ؟ ..
اسألك فى التو واللحظة : الآن , هل الله راض عنك ؟ أجب ولا تكن مغرورا .. لو مت اليوم فى لحظتك هذه , هل ستكون من النبى محمج صلى الله عليه وسلم فى الجنة ؟! .. هذه هى القضية التى أقصدها .. أن تجعل نفسك قضيتك , ورضا ربك عنك هو موضوعك .
نعم يا شباب :كلنا مشغولون , ولكن 99 % من الشغل بالاخرين , 99 % من الشغل بأنفسنا ليس بالله .. حتى الجزء اليسير الذى ننشغل فيه بأنفسنا لنصلحها لا يكون لله – ولا حول ولا قوة الا بالله - , فاللهم اروقنا الاخلاص واجعلنا من أهله , لذلك لا تغتر بعبادات تؤديها , وقربات تقوم بها , وطاعات تقدمها , وعبادات تغتر بصورها وهى فى الحقيقة من الفتنة .
أيها الاخوة فى الله ,أحبتى فى الله , تأملوا معى هذه القصة : خرج رجل من الصوفية الى الخلاء يعبد الله , فوجد فى الصحراء على الارض غرابا أعمى مكسور الجناح , فوقف يتأمل : سبحان الله ! غراب أعمى مكسور الجناح وفى صحراء ! من أين يأكل ويشرب وكيف يعيش ؟! فبينما هو ينظر إذ جاء غراب آخر فوقف ففتح الغراب الاعمى فمه , فأطعمه الغراب الاخر فى فمه وسقاه حتى شبع تعجب الرجل وقال : سبحان الله ! .. والله لقد أرانى الله آية .. أبعد هذا أسعى من أجل الرزق .. وأوى الى كهف فأقام فيه , فسمع به عالم فسأل عن مكانه , فقالوا : أوى الى كهف يتعبد , فمضى اليه وقال له : ما الذى حملك على ما صنعت ؟ فحكى له قصة الغراب , فقال له : سبحان الله ! ولم رضيت أن تكون الاعمى ؟!! .
سبحان الله العظيم , كم فى هذه القصة من فوائد ! .. منها : تصديق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع "[صححه الألبانى]
فالله أرى الآية للرجل الاول , وأما الثانى فسمع بها فقط ولكنه انتفع بها أكثر من الاول , فكان أفضل من الاول , فلم لا تكون الافضل ؟! ..
لماذا ترضى أن تكون الاعمى ؟! , لم لا تكون أنت المبصر وتطعم العمى ؟! , لم ترضى الدنية ؟! لم تؤثر النوم والكسل ؟! .. هذا هو الواقه الآن فى الامة , فشبابها اليوم يفضلون العمى , يريدون ان يناموا وغيرهم يعملوا لهم ينتظرون من يحمل عنهم همومهم , ويحلوا لهم مشاكلهم .
نعم – إخوتاه - :كثير منا يطالب دائما بحقوقه ولا يلتفت الى واجباته .. فقبل أن تطالب بحقك أد ما عليك من واجب , ولاشك أن أول الواجبات علينا أنفسنا .. وللاسف الشديد تجلس مع بعض الاخوة فتجد أحدهم يقول : أنا خائف على الاخ فلان , لأنه ظل أياما لم يصل الفجر .. أقول له : خف أنت على نفسك .
نعـــم :لا مانع من أن نخاف على إخواننا , ولكن لا ينبغى أن ننشغل بعيوبهم , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرى أحدكم القذاة فى عين أخيه , ولا يرى الجذع فى عين نفسه " . [موقوف على أبى هريرة]
فإذا كنت يا هذا صادقا فى كلمتك " أخاف على فلان " فاذهب اليه سرا , وابحث عنه لعله متورط فى مشكلة , لعل له عذرا , اذهب اليه وساعده على القيام للصلاة , والا فاكفه شرك , ولا تعن الشيطان عليه , وانشغل بنفسك فهذا أولى بك .
الزم نفسك والزمها طاعة الله .. احمل هم نفسك , فهذا أصل من الاصول المهمة .. وليسعك بيتك .. انشغل بإصلاح قلبك , وأمر صلاتك , وذكرك لله , وحفظك للقرآن , وتعلمك للعلم , ودعوتك الى الله , وتربية أولادك وأهل بيتك على الكتاب والسنة .. وليسعك بيتك .
الشيخ محمد حسين يعقوب
