«والكتاب المبين».. حين يكون الوصف قسماً والبيان شرفاً
د. رمضان فوزي
ما زلنا مع وصف القرآن نفسه بالإبانة، وفي رحاب سلسلتنا «نور وكتاب مبين»، نقف في هذه السطور مع سياق فريد تجلت فيه هذه الصفة، ليس كخبرٍ يُسرد، بل كـ«قَسَمٍ» عظيم يُتلى في آناء الليل وأطراف النهار.
لقد جرت سُنة الله في كتابه أن يقسم بمخلوقاته العظيمة (كالشمس، والقمر، والليل..) ليلفت الأنظار إلى بديع صنعه، ولكن حين يقسم الله تعالى بـ«الكتاب» ويصفه بـ«المبين»، فنحن أمام وقفة تتضاءل عندها الكلمات، يقول عز وجل في مطلع سورة «الزخرف»: (حم {1} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ {2} إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف)، ويقول في مطلع سورة «الدخان»: (حم {1} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ {2} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) (الدخان).
إن ورود «المبين» في سياق القسم له دلالة قطعية على عظمة هذه الصفة ومحوريتها في كتاب الله تعالى؛ فالله العظيم لا يقسم إلا بعظيم وجليل، وإقسامه بالقرآن بوصفه مبينًا يرفع هذا الوصف إلى مصاف الغايات الكبرى للوحي؛ فكأنما يقول لنا الله تعالى: إن أعظم ما في هذا الكتاب بعد كونه من عندي، هو أنه «يُبين» لكم طريق الرشاد، ويفصل لكم بين الحق والباطل بوضوح لا لبس فيه.
ابن عاشور وبراعة الاستدلال وحكمة التوجيه
يعلق صاحب «التحرير والتنوير» على هذه الآيات البينات فيقول: «أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن على أن القرآن جعله الله عربياً واضح الدلالة؛ فهو حقيق بأن يصدقوا به لو كانوا غير مكابرين ولكنهم بمكابرتهم كانوا كمن لا يعقلون؛ فالقسم بالقرآن تنويه بشأنه وهو توكيد لما تضمنه جواب القسم؛ إذ ليس القسم هنا برافع لتكذيب المنكرين؛ إذ لا يصدقون بأن المقسِم هو الله تعالى؛ فإن المخاطَب بالقسم هم المنكرون بدليل قوله: (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)» (التحرير والتنوير، 25/ 159).
ونلاحظ هنا أن ابن عاشور يفجر لفتة ذكية في سيكولوجية الخطاب؛ فالمخاطبون بالقسم هم المنكرون الجاحدون، والقسم في أصله يُؤتى به لرفع الشك أو التكذيب، وهنا يطرح تساؤلاً: كيف يقسم الله للمشركين وهم أصلاً لا يؤمنون بالمقسِم (الله) ولا بالمقسَم به (القرآن)؟
ثم يجيب بأن القسم هنا ليس مجرد أداة لإثبات الصدق لمن لا يصدق، بل هو تنويه بشأنه، وتوكيد لمضمون جواب القسم، هو إعذار وإقامة للحجة، وتنبيه للعقول التي تعطلت، بدليل قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)؛ فالإبانة هنا ليست قصوراً في الكتاب، بل هي دعوة لاختبار هذا الوضوح بالعقل لا بالمكابرة.
ذروة الشرف في اتحاد القسَم والمقسَم عليه
ولعل أبدع ما أشار إليه ابن عاشور أيضًا هو ذلك الضرب العزيز البديع من البلاغة، حيث اتحد المقسَم به مع المقسَم عليه؛ حيث يقول: «وفي جعْل المقسم به القرآن بوصف كونه مبيناً، وجعْل جواب القسم أن الله جعله مبيناً تنويه خاص بالقرآن؛ إذ جعل المقسم به هو المقسم عليه، وهذا ضرب عزيز بديع لأنه يومئ إلى أن المقسم على شأنه بلغ غاية الشرف فإذا أراد المقسم أن يقسم على ثبوت شرف له لم يجد ما هو أولى بالقسم به للتناسب بين القسم والمقسم عليه» (التحرير والتنوير، 25/ 159).
إنها دائرة من النور تبدأ من الكتاب وتنتهي إليه؛ فإذا أردت أن تؤكد عظمة وضوح القرآن، فليس هناك شاهد أصدق من القرآن ذاته، هذا التناسب التام بين المقسم به والمقسم عليه يورث النفس طمأنينة بأن هذا الكتاب مكتفٍ بذاته في إثبات حقه، لا يحتاج لظهير خارجي ليثبت أنه مبين، فنوره يطرد الظلام بغير استئذان.
لماذا «المبين» في سياق النزول والإنذار؟
إذا نظرنا في سورة «الدخان»، نجد القسم بـ«الكتاب المبين» يتبعه الحديث عن إنزاله في ليلة القدر (الليلة المباركة)، مستحضراً مقصداً مهماً من مقاصد القرآن في هذ السياق وهو الإنذار (إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ)؛ أي منذرين بها وبما جاء فيه من أساليب الوعيد والتهديد وبيان عاقبة المكذبين به والمعرضين عنه.
وهنا يبرز الارتباط بين الإبانة والإنذار؛ فالإنذار لا يكون عدلاً إلا إذا كان مبيناً، لا يعذب الله قوماً حتى يبين لهم سبل النجاة بوضوح تطلب معه الحجة؛ (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15).
والإنزال في الليلة المباركة هو بداية بزوغ فجر البيان في ليل الجاهلية المظلم؛ فكان وصف «المبين» الجسر الواصل بين بركة النزول وهيبة الإنذار.
أثر «الإبانة» في واقعنا المعاصر
إن استحضارنا لكون القرآن مبينًا في سياق القسم يدفعنا -نحن المسلمين- اليوم إلى إعادة النظر في علاقتنا بهذا الكتاب قراءة وتدبرًا وتطبيقًا؛ فإذا كان الله قد أقسم بوضوحه وإبانته، فما بالنا نستصعب فهمه؟ أو نتركه لقمة سائغة للتأويلات المتطرفة أو القراءات الحداثية المنفلتة؟
إن الإبانة تعني أن القرآن يمتلك مفاتيح فهمه، وأنه قريب من العقل العربي الذي يخاطبه، وقريب من الفطرة الإنسانية التي ينشدها، وقد تكرر في سورة «القمر» -الذي هو رمز الإبانة والتوضيح في الليل المظلم- قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).
إن «الكتاب المبين» صرخة في وجه المكابرة، ودعوة مفتوحة للتعقل، إنه القسم الذي يهز القلوب قبل الأسماع، ليخبرنا أن هذا الطريق الذي رسمه الله في سطور الوحي ليس لغزاً مستعصياً، بل هو «نور وكتاب مبين»، أقسم الله عليه بنفسه، وجعل غايته أن تعقلوا، فهل بعد هذا البيان من بيان؟ وهل بعد هذا القسم من شك؟