﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾
نورة سليمان عبدالله
أنعم الله على عباده بنعم كثيرة، كنعمة السماء والأرض، ونعمة خلق الإنسان ورزقه من الطيبات، ونعمة الليل والنهار.
قال الله تعالى: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: 96].
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: "هو فالق ظلمة الليل الداجي، الشامل لما على وجه الأرض، بضياء الصبح الذي يفلقه شيئًا فشيئًا، حتى تذهب ظلمة الليل كلها، ويخلفها الضياء والنور العام، الذي يتصرف به الخلق في مصالحهم، ومعايشهم، ومنافع دينهم ودنياهم، ولما كان الخلق محتاجين إلى السكون والاستقرار والراحة، التي لا تتم بوجود النهار والنور جعل الله الليل سكنًا يسكن فيه الآدميون إلى دورهم ومنامهم، والأنعام إلى مأواها، والطيور إلى أوكارها، فتأخذ نصيبها من الراحة، ثم يزيل الله ذلك بالضياء، وهكذا أبدًا إلى يوم القيامة".
فالليل جعله الله محلًا لسكون الخلق فيه، وراحة لهم بعد معاشهم بالنهار؛ وقال صاحب الكشاف: السكن: ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسًا به واسترواحًا إليه، من زوج أو حبيب، ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها، ألا تراهم سموها المؤنسة، والليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه، ويجوز أن يراد: وجعل الليل مسكونًا فيه من قوله: ﴿ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ [يونس: 67].
وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [القصص: 73].
قال الإمام الطبري رحمه الله: "فجعل هذا الليل ظلامًا لتسكنوا فيه وتهدؤوا، وتستقروا لراحة أبدانكم فيه من تعب التصرف الذي تتصرفون نهارًا لمعايشكم".
فنعمة الليل والنهار تحتاج منا شكر المنعم سبحانه الذي تفضل علينا بهذا الفضل العظيم، ولكن أكثر الناس لا يشكرون؛ لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [غافر: 61].
ففي هذا الزمن تجد البعض يسهر في الليل، وينام في النهار -والله المستعان- ولو كان سهره في طلب العلم، أو على طاعة لله لحسن ذلك، ولكنهم يسهرون على غير ذلك؛ مما ضر بصحتهم.
ولقد أجمع الأطباء وخبراء الصحة على أن السهر ليلًا والنوم نهارًا يعد عادة غير صحية، تضر بالجسم والنفسية، وتزيد مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري، والسمنة، وأمراض القلب؛ لأن هذا النمط يعطل إفراز الهرمونات، ويسبب ضعف التركيز، ويرفع مستويات التوتر والاكتئاب.
وها هنا نذكر بعضًا من الحلول التي قد تساعد على الانتظام وضبط النوم:
1. تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ.
2. عدم وضع الشاشات (الهاتف - التلفاز) في غرف النوم.
3. ممارسة الرياضة نهارًا.
4. الامتناع عن الكافيين مساءً.
5. خلق بيئة مريحة (ظلام وهدوء) تساعد في التخلص من الأرق، ومحاولة تنظيم نوم أهل بيتك ليكون الجميع متفقين على نظام واحد.
6. إخبار من حولك من الأهل والأصدقاء عن نظام نومك، والامتناع عن حضور المناسبات المتأخرة، والاكتفاء بالسلام والحضور المحدد بوقت لا يتعارض مع نظام نومك.
7. العزم على قضاء الأعمال في النهار.
عن أبي برزة رضي الله عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها))؛ [رواه البخاري].
قال بعض العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.