![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
التفسير بمكتشفات العلم التجريبي بين المؤيدين والمعارضين د. محمد عبدالرحمن الشايع تفسير القرآن الكريم بمكتشفات العلم التجريبي أو ما اشتهر به التفسير العلمي موضوع هام شغل بال كثير من القراء والدارسين واختلفت فيه آراء العلماء والباحثين، وكثر فيه التأليف بين مؤيدين ومعارضين. وقبل استعراض هذه الآراء يحسن إلقاء نظرة على نشأته وتعريفه. نشأته: من الصعوبة بمكان تحديد نشوء الأفكار والمذاهب فهي غالباً ما تحتاج إلى زمن تختمر فيه الفكرة وتجتمع لها الأدلة ويكثر المؤيدون ثم يشتهر أحدهم بإظهارها وإبرازها وليس بالضرورة أن يكون هو صاحبها وأن تكون هي من بنات أفكاره، لكن يكون هو الذي التقطها حين أعجب بها فذكرها ونشرها ودافع عنها، فنسبت إليه ونقلت عنه. ومنزع هذا النوع من التفسير للقرآن الكريم قديم، ويشتهر عند الدارسين أن الإمام الغزالي المتوفى سنة (505هـ) من أوائل المتكلمين في هذا النوع والمستوفين للكلام فيه إلى عهده حيث بسط القول في هذا الموضوع في كتابه إحياء علوم الدين، وكتابه الآخر: جواهر القرآن. فعقد في أولهما باباً في ((فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل)) نقل فيه بعض الآثار والأقوال التي استظهر منها ما يريده من أن في القرآن إشارة إلى مجامع العلوم كلها وأن ((كل ما أشكل فهمه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بِدَرْكها))[1]. وفيه ينقل عن بعض العلماء قوله: ((إن القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم إذ كل كلمة علم ثم يتضاعف إذ لكل كلمة ظاهرٌ، وباطنٌ وحدٌ ومطّلع)). وهذا القول المجمل والاحصاء العددي - بعيداً عن صحته من عدمها - دليل على تقدم هذا المنزع وأنه أسبق من الغزالي. وينقل عن بعض العلماء الآخرين قولهم: ((لكل آية ستون آلف فهم وما بقي من فهمها أكثر)). بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يرفع هذا المسلك إلى الصحابة فينسب للإِمام علي - رضي الله عنه - بأنه قال: ((لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب))[2]. فكم نسب للإمام علي من قول؟! وما منعه - رضي الله عنه - أن يفعل؟!!. ويزيد الإمام الغزالي هذه الفكرة تفصيلاً وبياناً في كتابه جواهر القرآن فيعقد فيه فصلاً يبين فيه كيفية انشعاب العلوم من القرآن ويقسم علوم القرآن إلى قسمين: الأول: علم الصدف والقشر وجعل من مشتملاته علم اللغة، وعلم النحو، وعلم القراءات وعلم مخارج الحروف وعلم التفسير الظاهر. الثاني: علم اللباب وجعل من مشتملاته علم قصص الأولين، وعلم الكلام وعلم الفقه وعلم أصول الفقه والعلم بالله واليوم الآخر والعلم بالصراط المستقيم وطريق السلوك[3]. ويتوسع الغزالي في كلامه بعد ذلك فيعقد فصلاً يبين فيه الشعاب سائر العلوم الأخرى من القرآن الكريم وتفرعها عنه فيذكر علم الطب والنجوم وتشريح أعضاء الحيوان وعلم السحر.. وغير ذلك. ثم يختم هذا التفصيل بإجمال يحيط بما ترك فيقول: "ووراء ما عددته علوم أخرى يعلم تراجمها ولا يخلو العالم عمن يعرفها ولا حاجة إلى ذكرها..". ثم قال فأطنب في تأييد هذا المسلك والمذهب. وما ذكره من عبارات ونقول يوحي لنا بوجود صلة بين هذا المنزع في التفسير وبين التفسير الإشاري القديم. ثم يتأيد هذا المنهج بالفخر الرازي (ت606هـ) بما ذكره من استطرادات في تفسيره حتى قيل عنه نقداً لهذا المسلك: فيه كل شيء إلا التفسير. وجاء بعد ذلك بدر الدين الزركشي (ت794هـ) فنصره في كتابه البرهان في علوم القرآن بما أورده من نقول وما عقده من فصول حيث عقد فصلاً بعنوان: ((في القرآن علم الأولين والآخرين))[4]. ثم جاء الإِمام جلال الدين السيوطي فقرر ذلك وتوسع فيه في كتابه الاتقان في علوم القرآن، وكتابه الآخر: الاكليل في استنباط التنزيل. وساق للاستدلال على ذلك بعض الآيات والآثار. ونقل نصاً عن أبي الفضل المرسي يؤيد به ما ذهب إليه من احتواء القرآن على سائر العلوم[5]. فنخلص مما سبق إيجازه بأوجز منه وهو أن منشأ هذا المسلك قديم وأن تحديد البدء عسير غير يسير. تعريفه: عرفنا فيما سبق قِدَم جذور وأصول هذا النوع من التفسير وأنه تحيّزَ وتميّز في هذا العصر بشكل أكثر وأظهر. وقد التمس بعض الباحثين تعريفاً لهذا النوع، ومعلوم أن التعريف ينبغي أن يكون جامعاً مانعاً يعرف منه ما يدخل فيه وما يخرج عنه. وممن التمس لهذا النوع تعريفاً الأستاذ أمين الخولي حيث قال عنه بأنه: ((التفسير الذي يحكّم الاصطلاحات العلمية في عبارة القرآن ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها))[6]. وقد نقل هذا التعريف الشيخ محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون[7]. واختصره آخرون. وتأثر به غيرهم. فقد عرفه الشيخ محمد الصباغ بـ((أنه تحكيم مصطلحات العلوم في فهم الآية، والربط بين الآيات الكريمة ومكتشفات العلوم التجريبية والفلكية والفلسفية[8]. والتعريف لهذا النوع من التفسير يتأثر بموقف المعرف له منه تأييداً أو تفنيداً. فالخولي والذهبي من المنكرين لهذا النوع فكان هذا التعريف متأثراً بهذا الموقف. ومن هنا تتوجه له بعض الانتقادات منها: قصوره، وقسوة لفظة (التحكّم) في التعريف. كأن كل تفسير علمي كذلك مع ما توحي به من أن الآية المراد تفسيرها لها معنى آخر غير المعنى العلمي المراد منها أن تدل عليه[9]. وعرفه الدارس عبدالله الأهدل في رسالته: التفسير العلمي دراسة وتقويم - بعد انتقاده للتعريف السابق - بأنه: (تفسير الآيات الكونية الواردة في القرآن على ضوء معطيات العلم الحديث بغض النظر عن صوابه وخطئه ((ليشمل التفسير الصحيح والتفسير الخاطئ)) )[10]. وقوله: ((بغض النظر عن صوابه وخطئه)) لا ينبغي أن تكون من التعريف لأن عموم ما قبلها يشملها. وقد عرض الدكتور فهد الرومي لهذه التعاريف وتعرض لها بالنقد في كتابه: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري. وخرج بتعريف آخر فقال: "والذي يظهر لي - والله أعلم - أن التعريف الأقرب إلى أن يكون جامعاً مانعاً أن يقال: المراد بالتفسير العلمي: هو اجتهاد المفسر في كشف الصلة بين آيات القرآن الكريم الكونية ومكتشفات العلم التجريبي على وجه يظهر به إعجاز للقرآن يدل على مصدره وصلاحيته لكل زمان ومكان". ثم شرح عبارات تعريفه بقوله: ولا شك أن وصفه بـ((اجتهاد المفسر)) يدخل فيه التفسير العلمي المقبول والمرفوض لأن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب. وقولنا ((الربط)) ليشمل ما هو تفسير وما هو من قبيله كالاستئناس بالآية في قضية من قضاياه ونحو ذلك. وقولنا ((العلم التجريبي)) يخرج بقية العلوم الكلامية والفلسفية ونحوها، وقولنا ((على وجه)) لبيان ثمرته. وقولنا ((يدل على مصدره)) نقصد به أنه إذا ما ثبت هذا التوافق بين نصوص القرآن الكريم وحقائق العلوم ولم يقع أي تعارض بين نص قرآني وحقيقة علمية مهما كانت جدتها وحداثتها فإنه لا يمكن أن يقول مثل هذه النصوص بشر قبل اكتشافها بقرون ولابد من أن يكون المتكلم بها هو موجد هذه الحقائق ومكونها وهو الله سبحانه وتعالى. وقولنا ((وصلاحيته لكل زمان ومكان)) نقصد به أنه صالح لكل عصر لا تأتي عليه الأيام ولا الحدثان بما يبطل شيئاً منه فهو صالح لكل عصر وأوان. هذا ما ظهر لي الآن من المعنى المراد به. (والله أعلم).أ.هـ[11]. ولا يخلو هذا التعريف الذي ذكره الدكتور الفاضل فهد الرومي من وجهة نظر ففيه طول، وفي وصف الآيات القرآنية بالكونية تضييق لمجاله. كما أن لفظة ((الربط)) الواردة في شرح التعريف لم ترد في عبارات التعريف نفسه ولعل المراد لفظة ((الصلة)). ولعل التعريف الأيسر والأخصر والذي ينبغي أن يكون عليه الحال. أن يقال عنه بأنه (تفسير القرآن الكريم بحقائق العلم التجريبي). لكن ربما أراد المعرفون الآخرون له تعريفه على ما هو عليه لا تعريفه بما ينبغي أن يكون عليه. مذاهب الناس في هذا النوع من التفسير: تنوعت مذاهب العلماء والدارسين في هذا النوع من التفسير واختلفت مواقفهم منه بين مؤيدين ومعارضين على وجه الاطلاق أو التقييد حتى أنه ليكاد يكون لكل واحد رأيه الخاص به بما يضيفه من شروط ويذكره من قيود. وقد قسمت الدكتورة هند شلبي مواقف العلماء تجاه هذا الموضوع إلى أربعة أصناف: 1 - المعارضون مطلقاً مع عدم التحيز إلى العلم. 2 - المعارضون مطلقاً مع التحيز إلى العلم. 3 - المؤيدون مطلقاً. 4 - المؤيدون المحترزون[12]. وبعيداً عن كثرة التشعيب والتقسيم سوف أعرض لآراء العلماء مقسماً لها إلى نوعين: المعارضين لهذا التوجه، والمؤيدين له. 1 - المعارضون: المعارضون لهذا التوجه في التفسير كثيرون قدماء ومحدثين منهم: 1 - أبو حيان الأندلسي (ت745هـ) في البحر المحيط. 2 - أبو إسحاق: إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت790هـ) في الموافقات. 3 - محمود شلتوت في: تفسير القرآن الكريم، ومجلة الرسالة. 4 - أمين الخولي. في: التفسير نشأته، تدرجه، تطوره، وفي دائرة المعارف الإسلامية. 5 - محمد حسين الذهبي. في: التفسير والمفسرون. 6 - محمد عزة دروزة. في: التفسير الحديث. 7 - شوقي ضيف. في: تفسير سورة الرحمن وسور قصار. 8 - محمد رشيد رضا[13]. في: تفسير المنار. 9 - عباس محمود العقاد. في: الفلسفة القرآنية. 10 - عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ). في: القرآن وقضايا الانسان. 11 - محمد كامل حسين. في: الذكر الحكيم. 12 - صبحي الصالح. في: معالم الشريعة الإسلامية. 13 - أحمد محمد جمال. في كتابه: على مائدة القرآن مع المفسرين والكتاب. 14 - عبدالمجيد المحتسب. في: اتجاهات التفسير في العصر الراهن. 15 - أحمد الشرباصي. في: قصة التفسير. 16 - إسماعيل مظهر. في: عدة مقالات له في جريدة الأخبار[14]. 17 - سيد قطب. في: ظلال القرآن[15]. وهؤلاء المعارضون تختلف عباراتهم في قسوة انتقادها لهذا التوجه بين متشدد ومعتدل. ويجمعها كلها الرفض له. والاعتراض عليه وعدم القبول به. فقد عد أبو حيان - في معرض نقده الفخر الرازي - توسع العلماء في مباحث العلوم الأخرى عند تفسير القرآن الكريم، فضولاً في العلم. وقسى فجعله: ((من التخليط والتخبيط في أقصى الدرجة))[16]. وأعلن أمين الخولي معارضته لهذا التوجه في رسالته الصغيرة عن التفسير بمبحث عَنْوَنَه بـ((إنكار التفسير العلمي)) نبه فيه على قدم هذا الاتجاه، وقدم معارضته والاعتراض عليه. ومثله فعل الشيخ محمد حسين الذهبي[17]. وعد الأستاذ عباس محمود العقاد مؤيدي هذا الصنف من التفسير: ((من الصديق الجاهل لأنهم يسيئون من حيث يقدرون الاحسان ويحملون على عقيدة إسلامية وزر أنفسهم وهم لا يشعرون))[18]. وقالت الدكتورة/ عائشة عبدالرحمن بأن هذا المسلك ضحك على العقول ببدع من التأويلات تقدم للناس من القرآن كل علوم الدنيا وعصريات التكنولوجيا[19]. ويقول د. شوقي نصيف: "وقد تلت الشيخ الإمام [محمد عبده] تفاسير كثيرة منها ما اهتدى بهديه ومنها ما خاض في مباحث علمية كنت ولا أزال أراها تجنح عن الجادة إذ القرآن فوق كل علم. ومن الخطأ أن يتخذ ذريعة لإثبات نظريات علمية في الطبيعة والعلوم الكونية والفلكية وهو لم ينزل لبيان قواعد العلوم ولا لتفسير ظواهر الكون وما ذكر فيه من خلق السماوات والأرض والأفلاك والكواكب إنما يراد به بيان حكمة الله وأن للوجود خالقاً أعلى يدبره وينظم قوانينه ولا ريب في أن القرآن يدعو أتباعه دعوة عامة إلى العلم والتعلم للعلوم الرياضية والطبيعية والكونية. ولكن هذا شيء والتحول بالقرآن إلى كتاب تستنبط من النظريات العلمية شيء آخر لا يتصل برسالته ولا بدعوته. إنه دين لهداية البشرية يزخر بما لا يحصى من قيم روحية واجتماعية وإنسانية وحسب المفسر أن يعنى ببيان ما فيه من هذه القيم ومن أصول الدين الحنيف وتعاليمه التي أضاءت المشارق والمغارب أضواء غامرة"[20]. وقد وصف محمد كامل حسين هذا النوع من التفسير بأنه ((بدعة حمقاء)) بل جعل هذا الوصف وسما لفصل هو ((التفسير العلمي بدعة حمقاء)) وقال عنه مرة أخرى بأنه ((التفسير الحرباوي)) إشارة إلى تغيره بتغير العلوم كما تغير الحرباء جلدها. بل قسى وبالغ فجعله دليلاً على ضعف إيمان الذاهبين إليه والقائلين به حين قال: "... والذين يفسرون الآيات الكونية تفسيراً علمياً يدلون بذلك على ضعف إيمانهم ولو كانوا مؤمنين حقاً ما كانت بهم حاجة إلى شيء من ذلك يقوي به إيمانهم فليس مقصوداً بالآيات الكريمة غير الوعظ والتفسير الحق الذي هو يقر بها من أذهاننا تقريباً يؤدي إلى الموعظة والعبرة وكل تعمق في تصويرها واقعياً هو بدعة حمقاء"[21]. أدلة المعارضين وأسباب المعارضة: يقدم المعارضون بعض الاستدلالات، ويوردون بعض التخوفات والاعتراضات لمنع هذا النوع من التفسير، يمكن جمع أظهرها وأشهرها بالآتي: أولاً: إن للتفسير شروطاً وقيوداً وضوابط يسير عليها قررها العلماء ينبغي لمن يتصدى لتفسير القرآن الكريم أن يكون قد عرفها وأحاط بها ليأتي الأمور من أبوابها. فلا يكون القرآن الكريم حمى مباحاً لكل من حصّل علماً وحفظا شيئاً فنسي أنه قد غابت عنه أشياء. ومن شروط ذلك التمكن من العربية فتفسر ألفاظ القرآن الكريم بما تدل عليه لغة العرب، دون تزيّد في تحميل الألفاظ ما لا تحتمله فيستنبط منها ما لا تدل عليه ولا ترشد إليه فللألفاظ معانيها المحددة ودلالاتها الخاصة التي وضعت لها وهذا يمنع التوسع العجيب في فهم ألفاظ القرآن وجعلها تدل على معانٍ وإطلاقات لم تعرف لها ولم تستعمل فيها. أو إن كانت الألفاظ قد استعملت في شيء منها فباصطلاح حادث في الملة بعد نزول القرآن بأجيال[22]. ثم إن هذا التفصيل العلمي المستقى من العلوم في عهودها المتأخرة هل هو من مدلولات ألفاظ الآيات أو لا؟. إن كان من مدلولات ألفاظ الآيات فكيف لم يفهمه العرب الخُلصّ الذين نزل عليهم وبلغتهم. وإن كانوا فهموه فلماذا لم تقم نهضتهم العلمية التجريبية على هذه الآيات الشارحة والمفصلة لهذه الحقائق والنظريات العلمية المفهمة لدقائها. وإن كانت لم تفهم منها ولم تدل عليها ولم يدركها أصحاب اللغة الخلص في زمن نزولها - كما هو واقع الحال - فكيف تكون هي معاني القرآن المرادة له والمقصودة منه؟! وكيف يصح تفسيره بها. وأين بلاغة القرآن حينئذ والبلاغة كما يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال[23]. والقرآن الكريم قد نزل بلسان العرب على قوم يفهمونه وأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بشرحه تبيانه والنظريات الحديثة لم تكن معلومة ولا مكشوفة ولا يصح لمسلم مهما حسنت نيته أن يدعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعرف جميع ما تضمنته آيات القرآن[24]. وليس فيما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فيما ورد عن أصحابه ما يؤيد هذا الاتجاه أو يدل عليه[25]. ثانياً: أن القرآن الكريم إنما هو كتاب هداية للبشرية كما قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الاسراء: 9]. وليس بكتاب تفصيل لنظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف من فلك وطب وهندسة وخلافها وأن تطلّب تفصيل ذلك في القرآن الكريم إنما هو سوء فهم لطبيعة هذا القرآن ووظيفته. ((فلا حاجة بالقرآن الكريم إلى مثل هذا الادعاء لأنه كتاب عقيدة يخاطب الضمير وخير ما يطلب من كتاب العقيدة في مجال العلم أن يحث على التفكير ولا يتضمن حكماً من الأحكام يشل حركة العقل أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع حيثما استطاع. وكل ذلك مكفول للمسلم في كتابه كما لم يكفل قط في كتاب من كتب الأديان[26]. ثالثاً: إن هذا اللون من التفسير يعرِّض القرآن للدوران مع أنواع المعارف ونظريات العلوم وهي أمور لا يقر للكثير منها قرار فقد يهدم العلم في الغد ما يراه اليوم من المسلمات فالعلوم الانسانية تتجدد مع الزمن على ما هو مقتضى سنة التقدم. ((فلا تزال بين ناقص يتم، وغامض يتضح، وموزع يتجمع، وخطأ يقترب من الصواب، وتخمين يترقى إلى اليقين. ولا يندر في القواعد العلمية أن تتقوض بعد رسوخ، أو تتزعزع بعد ثبوت.. ويستأنف الباحثون تجاربهم فيها بعد أن حسبوها من الحقائق المفروغ منها عدة قرون))[27]. فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة لعرضناه للتقلب معها وتحمل تبعات الخطأ فيها، وأوقفنا القرآن وأنفسنا مواقف الحرج[28]. رابعاً: إن هذا المسلك ينطوي على معانٍ عدة لا تليق بجلال القرآن الكريم وكماله أستأذنك في أن أنقلها لك بعبارة سيد قطب الأدبية الندية. وإن كان في بعض ما ذكره تكرار لما سبق تقريره. أولى تلك الأمور فيما قال: "هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم. أو الاستدلال له من العلم. على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه. والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس. وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة. والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته. وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان.. والثالثة: هي التأويل المستمر - مع التمحل والتكلف لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر وكل يوم يجد فيها جديد"[29]. ويبين الشيخ محمود شلتوت جوانب الخطأ في هذا الاتجاه فيقول: "هذه النظرية للقرآن خاطئة من غير شك لأن الله لم ينزل القرآن ليكون كتاباً يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم، ودقائق الفنون وأنواع المعارف وهي خاطئة من غير شك لأنها تحمل أصحابها والمغرمين بها على تأويل القرآن تأويلاً متكلفاً يتنافى مع الإعجاز ولا يسيغه الذوق السليم. وهي خاطئة، لأنها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار الأخير. فقد يصح اليوم في نظر العلم ما يصبح غداً من الخرافات.."[30]. يتبع اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]()
|
التفسير بمكتشفات العلم التجريبي بين المؤيدين والمعارضين د. محمد عبدالرحمن الشايع خامساً: إن في هذا المسلك خطأ منهجياً لأن حقائق القرآن الكريم قطعية نهائية بخلاف ما يصل إليه الإنسان من حقائق فإنها غير قطعية ولا نهائية ففيها النقص والخطأ، فلا يصح تعليق تلك بهذه تعليق تطابق وتصديق[31]. سادساً: إن إدخال التفسيرات العلمية على الإشارات القرآنية وبالصورة التي جرى عليها بعض الكتاب والعلماء لابد أن يفضي عما قريب أو بعيد إلى صراع بين الدين والعلم[32]. يضاف لما سبق الرد على المجيزين لهذا المنهج والمؤيدين له في تمسكهم بظواهر بعض النصوص كقوله تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَئٍْ ﴾ [الأنعام: 38]. وقوله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَئٍْ ﴾ [النحل: 89]. ومثل فواتح السور الواردة في القرآن الكريم فهي مما لم يعهده العرب. فقد أجاب عن هذه الاستدلالات الشاطبي في الموافقات بقوله: ((فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد أو المراد بالكتاب في قوله ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38] اللوح المحفوظ ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية. ثم قال: وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهداً كعدد الجُمّل[33]. الذي تعرّفوه من أهل الكتاب حسبما ذكره أصحاب السير. أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى. وغير ذلك. وأما تفسيره بما لا عهد به فلا يكون ولا يدعيه أحد ممن تقدم فلا دليل فيها على ما ادعوا. ثم قال: فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة فيه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه وتقوّل على الله ورسوله فيه. والله أعلم وبه التوفيق)). بهذه العبارات ينقض الشاطبي تلك الاستدلالات ويوجهها مبيناً رأيه فيها. تلخيص: يمكن أن نلخص تلك الأدلة والأسباب بما يلي: 1 - التقيد بفهم معاني الألفاظ بدلالة اللغة وحدود استعمالها وقت نزول القرآن وعدم التوسع في ذلك. ولذا لم يرد هذا النوع من التفسير عن السلف. 2 - أن توسيع دلالة الألفاظ إلى أوسع مما يعرفه العرب قديماً يؤدي إلى عدم بلاغة القرآن لعدم مراعاة مقتضى الحال حينئذ. 3 - أن مهمة القرآن الكريم دينية اعتقادية وليست علمية. 4 - أن هذا المسلك عما قريب أو بعيد سوف يؤدي إلى الصراع بين الدين والعلم. 5 - ما يؤدي إليه هذ المسلك من التأويل المتكلف الذي لا يسيغه الذوق السليم ويتنافى مع إعجاز القرآن. 6 - أن في هذا المسلك تعريضاً للقرآن الكريم لكثرة التأويلات وتغيرها بتغير العلوم وتطورها نظراً لعدم استقرار المسائل العلمية. 7 - أن التفسير العلمي بدعة حمقاء ودفاع فاسد عن القرآن الكريم من كل وجه. 8 - أن هذا النوع من التفسير يعارض اليسر الذي ينبغي أن تتصف به الشريعة الإسلامية[34]. 9 - عدم فهم الآيات والآثار التي قد يفهم منها هذا المنحى على وجهها الصحيح. المؤيدون للتفسير بمكتشفات العلم التجريبي ومؤلفاتهم: حظي هذا النوع من التفسير بمعناه الواسع بمؤيدين له ومدافعين عنه ومكثرين منه. قدماء ومحدثين وسأجمل القائلين بهذا بوجه عام دون تحديد دقيق لرأي كل واحد منهم إذ يجمعهم التوجه وان اختلفت درجتهم فيه وذلك تجنباً للإِطالة المملة وتشعيب الأقوال تكثراً. فمنهم: 1 - الإمام الغزالي في: إحياء علوم الدين، وجواهر القرآن. 2 - الفخر الرازي (ت606هـ) في: تفسيره مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير. 3 - بدر الدين الزركشي (ت794هـ) في: البرهان في علوم القرآن. 4 - جلال الدين السيوطي (ت911هـ) في: الاتقان في علوم القرآن والإكليل في استنباط التنزيل. 5 - ابن أبي الفضل المرسي فيما نقله عنه السيوطي في الاتقان. 6 - البيضاوي (ت691هـ) في: تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل. 7 - نظام الدين النيسابوري (ت728هـ) في: غرائب القرآن ورغائب الفرقان[35]. 8 - محمود شكري الألوسي (ت1270هـ) في: روح المعاني[36] وكتابه الآخر: ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القوية البرهان. 9 - طنطاوي جوهر (ت1358هـ) في: الجواهر في تفسير القرآن الكريم، والقرآن والعلوم العصرية. 10 - محمد أحمد الاسكندراني في ((كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية))[37]. و((تبيان الأسرار الربانية في النباتات والمعادن والخواص الحيوانية))[38]. 11 - عبدالله باشا فكري. في رسالته في مقارنة بعض مباحث البيئة بالوارد في النصوص الشرعية[39]. 12 - إبراهيم فصيح - الشهير بحيدري زاده البغدادي. في رسالته في تطبيق الهيئة الجديدة الآثار على بعض الآيات الشريفة وبعض الأخبار. 13 - أحمد مختار باشا الغازي[40]. 14 - محمد توفيق صدقي. في محاضراته في سنن الكائنات. 15 - عبدالرحمن الكوكبي. في: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. 16 - محمد فريد وجدي. في: الإسلام دين الهداية والإصلاح. 17 - مصطفى صادق الرافعي. في: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية. 18 - جمال الدين القاسمي. في: محاسن التأويل. 19 - محمد عبده. في: تفسير جزء عم. وتفسير المنار. 20 - عبدالحميد بن باديس. في: مجالس التذكير من كلام الحكم الخبير. 21 - د. عبدالعزيز إسماعيل. في: الإسلام والطب الحديث. 22 - عبدالرزاق نوفل. في: القرآن والعلم الحديث. وغيره من مؤلفاته. 23 - محمد أحمد الغمراوي. في: الإسلام في عصر العلم. 24 - حنفي أحمد. في: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن. 25 - محمود أبو الفيض المنوفي. في: القرآن والعلوم الحديثة. 26 - الشيخ محمد متولي الشعراوي. في: معجزة القرآن. 27 - د. محمد عبدالله دراز. في: مدخل إلى القرآن الكريم. 28 - جمال الدين عيّاد. في: بحوث في تفسير القرآن، وقدرة الله مظاهرها من العلم الحديث. 29 - د. مصطفى مسلم في: مباحث في إعجاز القرآن. 30 - عبدالعزيز بن خلف آل خلف في: دليل المستفيد في كل مستحدث جديد. 31 - د. منصور حسب النبي. في: الكون والإعجاز العلمي للقرآن. 32 - د. البشير التركي في: لله العلم. 33 - محمد عبدالحليم أبو زيد في: مجلة الأزهر (المجلد 18/ 1560). 34 - د. عبدالله شحاته في: تفسير الآيات الكونية. 35 - أحمد جبالية في: القرآن وعلم الفلك. 36 - د. محمود ناظم نسيمي في: مع الطب في القرآن الكريم. 37 - محمد وفاء الأميري في: آيات الله. 38 - د. عبدالعليم عبدالرحمن خضر في: الظواهر الجغرافية بين العلم والقرآن، و: المنهج الإيماني للدراسات الكونية، وهندسة النظام الكوني في القرآن. 39 - الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في: التحرير والتنوير. 40 - د. عبدالغني عبود في: الإسلام والكون. 41 - الشيخ حسن البنا. في: مقدمة في التفسير مع تفسير الفاتحة وأوائل سورة البقرة. 42 - د. فهد بن عبدالرحمن الرومي. في: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري. 43 - الشيخ عبدالقاهر داود العاني في: دراسات في علوم القرآن. 44 - محمد صادق عرجون. في: نحو منهج لتفسير القرآن. 45 - محمد أبو زهرة. في: المعجزة الكبرى، القرآن. 46 - د. محمد سعيد رمضان البوطي. في: مقال في مجلة العربي عدد/ 246 عام 1399هـ. 47 - عبدالله بن عبدالله الأهدل. في: التفسير العلمي للقرآن الكريم. دراسة وتقويم[41]. 48 - هند شلبي. في: التفسير العلمي للقرآن بين النظريات والتطبيق. 49 - نعمت صدقي. في: معجزة القرآن. ومنهم الشيخ عبدالمجيد الزنداني في مؤلفاته محاضراته والدكتور محمد علي البار في أبحاثه ودراساته. فهذا استعراض بإيجاز لعدد كثير من القائلين بالتفسير العلمي يظهر منه انتشار هذا القول وشيوعه على امتداد في الزمان واتساع في المكان فهم مختلفو الديار متعددو المذاهب والمشارب متنوعو التخصصات والثقافات. واكتفيت بتحديد مؤلفاتهم التي تحمل أفكارهم على وجه الدقة والتفصيل تجنباً للإطالة بنقل عباراتهم المحدّدة لآرائهم والتي قد تكون بالصفحات[42]. على أنه يتعين التنبيه إلى أنهم ليسوا على درجة واحدة في قبولهم للتفسير العلمي فمنهم من يؤيده بإطلاق واندفاع. ومنهم من له شروط وقيود فيقبله بحدود ويقصره على الحقائق العلمية اليقينية القطعية دون النظريات الافتراضية. فالمتوسطون في الرأي والمتحفظون في الحكم هم أقرب إلى أن يعدوا من المؤيدين منهم إلى المعارضين لأنهم في المحصلة النهائية يقبلونه بضوابط وشرائط. أسباب قبول هذا التفسير: تختلف أدلة ومسببات قبول تفسير القرآن الكريم بمكتشفات العلم التجريبي - أو ما اشتهر بالتفسير العلمي - عند القائلين به وسأحاول في هذه الأسطر عرض أشهر وأظهر ما تبين لي منها. والآيات والآثار التي سأوردها هي من استدلالات المتقدمين. والتعليلات من آراء المتأخرين. فمن ذلك: 1 - الاستدلال بظاهر عموم بعض الآيات كقوله تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَئٍْ ﴾ [سورة الأنعام: 38]. وقوله:﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانَاً لِّكُلِّ شَئٍْ ﴾ [النحل: 89]. فيفسرون الكتاب بالقرآن، ويحملون الآية على ظاهر عمومها وقد ساق الفخر الرازي بعض الاستدلالات للرد على منتقديه في الاكثار من علم البيئة والنجوم بما يصلح أن يكون من أدلة المؤيدين لهذا النوع من التفسير منها: (1) قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَالَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ [سورة ق: 6] حيث حث على التأمل في بنائها وتزيينها. (2) قوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة غافر: 57]. إذ بين أن عجائب الخلق في أجرام السماوات والأرض أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس. (3) قوله تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 191]. فقد مدح المتفكرين في خلق السماوات والأرض ولو كان ذلك ممنوعاً منه لما فعل[43]. (4) قوله تعالى:﴿ سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت: 52]. فقوله سنريهم يدل على الاستقبال ومنع هذا النوع من التفسير يؤدي إلى قصر الاعجاز القرآني على عصر النبوة فقط. وهذا يعني أن يستقبل القرآن القرون الأخرى دون إعجاز أو عطاء. وهذا ممنوع[44]. 2 - الاستدلال بعموم بعض الأحاديث والآثار من ذلك: (أ) ما أخرجه الترمذي وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ستكون فتن)). قيل: وما المخرج منها؟ قال: ((كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم))[45]... الحديث. (ب) ما أخرجه أبو الشيخ عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((إن الله لو أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة))[46]. (جـ) ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه قال: (من أراد العلم فعليه بالقرآن. فإن فيه خبر الأولين والآخرين)[47]. 3 - أن الله سبحانه وتعالى: ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى. فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالهم جائزاً لما ملأ الله كتابه منها[48]. 4 - إن العلم الحديث ضروري لفهم بعض معاني القرآن الكريم، وليس هناك ما يمنع من أن يكون فهم بعض الآيات فهماً دقيقاً متوقفاً على تقدم بعض العلوم. يقول مصطفى صادق الرافعي في إعجاز القرآن: "إن في هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعوناً على تفسير بعض معاني القرآن والكشف عن حقائقه"[49]. فتكون الحقيقة العلمية من مرجحات المعنى في الآية القرآنية[50]. فإذا احتملت الآية أكثر من معنى يتعين أن يؤخذ بما يرجحه العلم وتؤكده حقائقه ولا مسوغ البتة في تنكب ذلك وتجنبه وهذا يعني أن الجهل بحقائق العلوم مدعاة إلى الخطأ في التفسير. يؤيد هذا التميز الذي نستقل به المفردة القرآنية وتنفرد به عن غيرها في سعة معناها ودقة التعبير بها وتخير لفظها مما يستحيل معه أن تؤدي أي كلمة أخرى قريبة منها أو رديفة لها كامل معناها بإيحاءاته وظلاله ودقائق معانيه ومن هنا نجد أن غالب القائلين بوجود الترادف في اللغة يمنعونه في القرآن الكريم. 5 - تحقق فوائد كثيرة ومنافع كبيرة من هذا النوع من التفسير مثل: (أ) إدراك وجوه جديدة للإعجاز في القرآن الكريم بإثبات التوافق والتطابق بين حقائق القرآن الكريم القطعية النهائية وحقائق العلم القطعية اليقينية. (ب) استمالة غير المسلمين إلى الإسلام وإقناعهم به، وتعرّفهم عليه من هذا الطريق ببيان إعجاز القرآن العلمي لهم وإقامة الحجة عليهم بذلك. (جـ) ما في هذا المسلك من الحث على الالتفات لأسرار هذا الكون والانتفاع بها بما ينفع الناس. (د) امتلاء النفوس إيماناً بعظمة الله جل وعلا وقدرته وعظيم سلطانه بعد الوقوف على بعض أسرارها هذا الكون التي كشفها العلم وأشار إليها القرآن الكريم. (هـ) إظهار التوافق التام بين دين الإسلام وحقائق العلم ودفع المزاعم الباطلة الجاهلة القائلة بأن هناك عداوة وصراعاً بين العلم والدين. فهذا الكون خلق الله. وهذا القرآن كلام الله[51]. أضف إلى كل هذا عدم الاقتناع بأسباب المنع من هذا التوجه في التفسير التي سبق ذكرها. نماذج من التفسير بمكتشفات العلم التجريبي: الأمثلة في هذا السياق كثيرة وسأختار منها ما هو قصير يسير تجنباً للإطالة في المقال أو التعقيد في المثال. فمنها: أولاً: يقول الله جل وعلا: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامه: 1-4]. فقد أنكر الكفار بعثهم بعد موتهم واست غربوه واستبعدوه وقالوا: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴾ [الصافات: 16، 17] وقالوا: ﴿ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾[ق: 2، 3]. فقد روي أن عدي بن ربيعة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال حدثني عن يوم القيامة متى يكون؟ وكيف يكون أمرها وحالها؟ فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك. فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن أَوَ يجمع الله هذه العظام؟! فأنزل الله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ [القيامة: 3] [52].. وفي رواية أخرى أنها نزلت في أبي جهل. وقد لفت تخصيص البنان بذكر القدرة على إعادة خلقه رغم صغره، انتباه المفسرين، وحظي باهتمامهم. فقد أقسم الله في هذه الآيات بيوم القيامة وبالنفس السليمة الصافية الباقية على نقاء فطرتها حيث تلوم صاحبها على معصيته وتقصيره في جنب الله وتفريطه في طاعته. أقسم بالله بهما على أمر عظيم وشأن خطير على ركن من أركان الإيمان. وهو بعث الإنسان يوم القيامة ليس هذا فحسب بل هو قادر على أن يعيد تسوية بنانه سبحانه وتعالى. ومن هنا طفق المفسرون يلتمسون سر تخصيص البنان بالذكر. وهو جزء صغير من تكوين الإنسان. فذكروا تعليلات لطيفة وجيهة لهذا الأمر وأنه خص بذلك لبديع صنعه دقيق خلقه. ولما فيه من أعصاب وعروق وأظافر رغم صغر حجمه. وقد ساهم العلم الحديث بما توصل إليه من سر البصمة في القرن التاسع عشر الميلادي في كشف بعض جوانب الحقيقة حيث إن كل إنسان على هذه الأرض يتميز ويتفرد ببصمة خاصة به لا تتطابق مع أي شخص آخر في العالم حتى في التوائم العائدة إلى بيضة واحدة. وذلك أن البصمة تتكون من خطوط بارزة في بشرة الجلد تجاورها منخفضات وتعلو الخطوط البارزة فتحات المسام العرقية تتمادى هذه الخطوط وتتلوى، وتتفرع عنها تغصنات وفروع لتأخذ في النهاية وفي كل شخص شكلاً متميزاً[53]. ولهذا السبب فقد اعتمدت هذه الطريقة لتمييز الأشخاص واكتشاف المجرمين واللصوص[54]. وتتجلى عظمة الخالق جل وعلا في تميز أشكال البصمة مع ضيق المساحة المتاحة، وتكاثر ألوف الملايين من البشر. يقول صاحبا كتاب: مع الطب في القرآن الكريم: ((فقد يكون هذا هو السر الذي خصص الله تبارك وتعالى من أجله البنان)). قلت: لا ينبغي أن يحصر سر ذلك البنان بما تمت معرفته فقد تكشف الأيام عن المزيد وإنما هو بعض أسرار الله في خلقه وليس في الآية ما يدل على الحصر. بل إن هناك توجهات جديدة لمعرفة العلاقة بين الخطوط الموجودة في كف الإنسان والحالات المرضية من جسمية ونفسية وذلك للعلاقة القوية الموجودة بين المخ والجهاز العصبي والحواس من جهة وبين سطح الجلد من جهة أخرى[55]. ثانياً: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 56]. تتحدث الآية الكريمة عن قدرة الله العظيمة وعن أحداث يوم القيامة الجسيمة فالله جل وعلا الذي بعث الإنسان وهو رميم فأحياه بعد ممات وجمع أعضاءه بعد شتات قادر على تبديل جلده المحترق بجلد جديد وليس شيء على الله بعزيز. إنما إشارة الإعجاز في الآية تكمن في تعليل هذا التبديل وأنه ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [النساء: 56]. فالآية ظاهرة الدلالة في أن علة التغيير والتبديل للجلود ليذوقوا المزيد من العذاب الأليم. فدل ذلك على أن أكثر أعضاء الجسم غني بمستقبلات الألم هو الجلد. كما أن الحروق هي أشد المنبهات الألمية. وهذا ما عرفه العلم الحديث وقرره. ذلكم أن الجلد غني بالألياف العصبية التي تقوم باستقبال ونقل جميع أنواع الحس. لذا فإنه عندما يحقن الإنسان بإبرة فإنه يشعر بذروة الألم عندما تجتاز الإبرة الجلد. ومتى تجاوزت الجلد خف الألم[56]. فظهر من الآية الكريمة أن تجديد الجلود ليستمر ويدوم الشعور بالألم دون انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم. أعاذنا الله من عذابه. ثالثاً: يقول الله جل وعلا: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 68، 69]. في داخل مملكة النحل الكثير من عجائب الخلق، وبدائع الصنع ودقائق التنظيم أظهرت ذلك الدراسات المستفيضة والرصد الواعي للنحل في مملكتها فتعرفت الدراسات على أنواعها ومهمات كل نوع منها وروعة التنظيم فيها واختيار الشكل السداسي لبناء بيوتها دون غيره من أنواع الأشكال الهندسية الكثيرة لأنه الشكل الهندسي الوحيد التي لا تبقى معه أية فراغات أو زوايا مهملة. ويتوج ذلك ما يخرج من بطون النحل من عسل مصطفى منقى يحصل به الشفاء لكثير من أدواء المرضى. فقد قررت الآية الكريمة هذه النتيجة الهامة السّارة: ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 69]. قررت الآية ذلك وتركت التفصيلات لجهد الإنسان المحوط بعناية الله وهدايته. ليكتشف أساليب العلاج به، وأنواع ما يشفيه من مرض، وأثر ألوان العسل الناتج عن نوع غذائه في ذلك. وقد اتجهت الكثير من الدراسات للتعرف على مكونات العسل ومزاياه فاكتشفوا شيئاً وبقيت أشياء. فوجدوا أنه منبع للمواد السكرية الطبيعية، وأنه يحتوي على مجموعة من الفيتامينات، والبروتينات والأملاح المعدنية. ووجدوا أن فيه مواد مضادة لنمو الجراثيم. وأنه مادة شديدة التعقيد يحتوي على مواد مختلفة لم تجتمع في أي مادة أخرى فأصبح العسل علاجاً لكثير من الأمراض كأمراض الروماتيزم، ومرض التراخوما ولعلاج أمراض القلب والذبحة الصدرية، وللمصابين بقرح المعدة والاثنى عشر. حين يؤخذ قبل وجبات الطعام بنحو ساعة مذاباً في كوب ماء دافئ ومفيد في علاج الزكام وواق لنخر الأسنان، ومعجل بالتئام الجروح وغيرها كثير ليس هذا مجال الإطالة بذكرها ولا بيان كيفية إستعمالها. بل إن فوائده الطبية لا تقتصر على العسل بل وتشمل السم وحبيبات اللقاح[57]. ويكفي أن القرآن الكريم قرر هذه الحقيقة ثم ربطها بما ينبغي أن تهدي إليه وتدل عليه من قدرة الخالق جل وعلا وبديع صنعه الذي خلق فسوى، والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. إنها آية تدل من فكر وتدبر. وكم في كون الله من آياته. ففي كل شيء له آية.. تدل على أنه واحد. لكنها لا تدل إلا من يتفكر. ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 11]. رابعاً: قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ [الأنعام: 125]. ذكر علماؤنا المتقدمون أقوالاً عدة في معنى الآية نقل ابن كثير جملة منها فقال: ((وقال ابن مبارك فعن ابن جريج: ضيقاً حرجاً بلا إله إلا الله. حتى لا تستطيع أن تدخل قلبه كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه. وقال سعيد بن جبير: يجعل صدره ضيقاً حرجاً قال: لا يجد فيه مسلكاً إلا صعد. وقال السدي: (كأنما يصعد في السماء) من ضيق صدره. وقال عطاء الخراساني: (كأنما يصعد في السماء مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء). وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: ((كأنما يصعد في السماء)) يقول: (فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه)[58]. هذه بعض الأقوال في الآية تنتهي إلى صعوبة - أو استحالة - دخول الإيمان في النفوس كصعوبة الصعود إلى السماء. وربما أن بعضهم كان يرى هذا التعبير ضرباً من الخيال، أو تفنناً في المجاز - عند القائلين به - لا تراد حقيقته. بينما هو الآن نبوءة تحققت. وحقيقة تجلت. وفي الآية من وجوه البلاغة وأسرار البيان ما تنشرح معه النفس في أولها وتنقبض في آخرها تأثراً بإيحاء وظلال ألفاظها. وقد كشف العلم الحديث أن الصعود والارتفاع في الجو لمسافات عالية يسبب ضيقاً في التنفس وشعوراً بالاختناق يزداد بازدياد الارتفاع حتى ينتهي إلى درجة صعبة جداً وحرجة تنتهي به إلى الموت. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| أسماء الله الحسنى بين التفسير والدلالة الإيمانية | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 0 | 07-30-2026 11:15 PM |
| الشباب بين العلم والعمل | ابو الوليد المسلم | ملتقى فيض القلم | 0 | 06-04-2026 12:55 PM |
| دولة الموحدين - ملوك دولة الموحدين عبد المؤمن وابنه يوسف وحفيده يعقوب | ابو الوليد المسلم | ملتقى التاريخ الإسلامي | 0 | 05-13-2026 10:08 PM |
| العلم بين الأخذ والعطاء | ابو الوليد المسلم | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 03-08-2026 01:26 PM |
| خروج عصاة الموحدين من النار | امانى يسرى محمد | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 1 | 09-11-2025 05:28 PM |
|
|