![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
|
|
٥ - ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. * العلمُ لابدَّ فيه من إقرارِ القلبِ، ومعرفتِهِ بمعنى ما طُلِبَ منهُ علمُهُ، ولا يتمُّ ذلكَ إلا بالعملِ بمقتضَى ذلكَ العلمِ في كلِّ مقامٍ بحسبهِ. * وهذا العلمُ الذي أمرَ اللهُ بهِ فَرْضُ عينٍ على كلِّ إنسانٍ، لا يسقطُ عن أحدٍ كائنًا مَنْ كانَ. والضرورةُ إلى هذا العلمِ والعمل بمقتضاهُ -من تمامِ التألُّهِ للهِ- فوقَ كلِّ ضرورةٍ. * والعلمُ بالشيءِ يتوقفُ على معرفةِ الطريقِ المُفْضِي إلى معرفتهِ وسلوكِها، والطريقُ إلى العلمِ بأنهُ (لا إلهَ إلا هو) على وجهِ الإجمالِ والعمومِ أمورٌ: * أحدُها -وهوَ أعظمُها وأوضحُها وأقواها-: تدبرُ أسماءِ اللهِ وصفاتهِ وأفعالهِ، الدالةِ على كمالهِ وعظمتهِ وجلالهِ؛ فإنَّ معرفتَها توجِبُ العلمَ بأنهُ لا يستحقُّ الألوهيةَ سواهُ، وتوجِبُ بذلَ الجهدِ في التألُّهِ والتعبدِ للهِ الكاملِ، الذي لهُ كلُّ حمدٍ ومجدٍ وجلالٍ وجمالٍ. * الثاني: العلمُ بأنهُ الربُّ المنفردُ بالخلقِ والرزقِ والتدبيرِ؛ فبذلكَ يُعلمُ أنهُ المنفردُ بالألوهيةِ. * الثالثُ: العلمُ بأنهُ المنفردُ بالنعمِ الظاهرةِ والباطنةِ، الدينيةِ والدنيويةِ؛ فإنَّ ذلكَ يوجِبُ تعلقَ القلبِ بهِ محبةً وإنابةً، والتألهَ لهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ. * الرابعُ: ما يراهُ العبادُ ويسمعونَهُ من الثوابِ لأوليائهِ القائمينَ بتوحيدهِ: • من النصرِ لرسلهِ وأتباعِهم. • ومن النعمِ العاجلةِ المشاهدةِ. • ومن عقوبتهِ لأعدائهِ المشركينَ بهِ. فإنَّ هذا برهانٌ على أنهُ وحدَهُ المستحقُّ للألوهيةِ. * الخامسُ: معرفةُ أوصافِ الأوثانِ والأندادِ التي عُبدَتْ معَ اللهِ واتُخِذَتْ آلهةً، وأنها فقيرةٌ إلى اللهِ من كلِّ وجهٍ، ناقصةٌ من كلِّ وجهٍ، لا تملكُ لنفسِها، ولا لمنْ عبَدَها، نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. فالعلمُ بذلكَ يُعْلَمُ بهِ بطلانُ إلهيتِها، وأنَّ ما يدعونَ من دونِ اللهِ هوَ الباطلُ، وأنَّ اللهَ هوَ الإلهُ الحقُّ المبينُ. * السادسُ: اتفاقُ كُتُبِ اللهِ على ذلكَ، وتواطؤُها عليهِ. * السابعُ: اتفاقُ الأنبياءِ والرسلِ والعلماءِ الربانيينَ على ذلكَ، وشهادتُهُم بهِ، وهم خواصُّ الخلقِ، وأكملُهم أخلاقًا وعقولًا وعلمًا ويقينًا. * الثامنُ: ما أقامَهُ اللهُ من الأدلةِ والآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنفسيةِ (١)، التي تدلُّ على التوحيدِ أعظمَ دلالةٍ وأوضحَها، وتنادِي عليهِ بلسانِ المقالِ ولسانِ الحالِ، بما أودَعَها من لطائفِ صنعتهِ، وبديعِ حكمتهِ، وغرائبِ خلقهِ. * التاسعُ: ما أودعَهُ اللهُ في شرعهِ: من الآياتِ المحكمةِ، والأحكامِ الحسنةِ، والحقوقِ العادلةِ، والخيرِ الكثيرِ، وجلبِ المنافعِ كلِّها، ودفعِ المضارِّ، ومن الإحسانِ المتنوعِ؛ وذلكَ يدلُّ أكبرَ دلالةٍ أنهُ اللهُ الذي لا يستحقُّ العبادةَ سواهُ، وأنَّ شريعتَهُ التي نزلَتْ على ألسنةِ رسلهِ شاهدةٌ بذلكَ. فهذهِ الطرقُ التي لا تُحصَى أنواعُها وأفرادُها، قدْ أَبداها اللهُ في كتابهِ وأعادَها، ونبَّهَ بها العبادَ على هذا المطلوبِ الذي هوَ أعظمُ المطالبِ، وأجلُّ الغاياتِ؛ فمَن سلكَ طريقًا من هذهِ الطرقِ أفضَتْ بهِ إلى العلمِ واليقينِ بأنهُ لا إلهَ إلا هوَ. وكلَّما ازدادَ العبدُ سلوكًا لهذهِ الطرقِ ورغبةً فيها ومعرفةً ازدادَ يقينُهُ ورسخَ إيمانُهُ، وكانَ الإيمانُ في قلبهِ أرسخَ من الجبالِ، وأحلى من كلِّ لذيذٍ، وأنفسَ من كلِّ نفيسٍ. والطريقُ الأعظمُ الجامعُ لذلكَ كلِّهِ: تدبرُ القرآنِ العظيمِ والتأملُ في آياتهِ، فإنهُ البابُ الأعظمُ إلى العلمِ بالتوحيدِ، ويحصلُ بهِ من تفاصيلهِ وجُمَلِهِ ما لا يحصلُ مِنْ غيرهِ. * وقولُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي: اطلُبْ مِنْ ربِّكَ المغفرةَ لذنبِكَ، بأنْ تفعلَ الأسبابَ التي تحصلُ بها المغفرةُ: * من الدعاءِ بالمغفرةِ. * والتوبةِ النصوحِ. * وفعلِ الحسناتِ الماحيةِ. * وتركِ الذنوبِ. * والعفوِ عن الخلقِ، والإحسانِ إليهم. * ومِن ذلكَ: الاستغفارُ لهم؛ فلهذا قالَ: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، فهذا من ثمراتِ الإيمانِ؛ بسببِ إيمانِهم كانَ لهم حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أنْ يدعوَ لهم بالمغفرةِ. * وإذا كانَ العبدُ مأمورًا بالاستغفارِ للمؤمنينَ والمؤمناتِ فمن لوازمِ ذلكَ: * أنْ يكونَ ناصحًا لهم. * يحبُّ لهم من الخيرِ ما يحبُّ لنفسهِ، ويكرهُ لهم من الشرِّ ما يكرهُ لنفسهِ. * ويحثُّهم على الخيرِ، وينهاهم عن الشرِّ. * ويعفو عن معائبِهِم ومساوِيهم. * ويحرصُ على اجتماعِهم اجتماعًا تتألفُ بهِ قلوبُهم، ويزولُ ما بينَهم من الأحقادِ المفضيةِ للمعاداةِ والشقاقِ؛ فإنهُ بالائتلافِ تقلُّ الذنوبُ، وبالافتراقِ تكثرُ الشرورُ والمعاصِي. * ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي: تصرفاتِكم وحركاتِكم، وذهابَكم ومجيئَكم، وما إليهِ تنتهونَ، وبهِ تستقرونَ؛ فهوَ المحيطُ بكم في كلِّ أحوالِكم، وهذا فيه التخويفُ والترغيبُ من الجزاءِ على الأعمالِ حسنِها وسيئِها. ---------------------------------------- (١) كما في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
|
|
٦ - ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ - هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على كثير من أسماء الله الحسنى التي عليها مدار التوحيد والاعتقاد، فأخبر أنه المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه؛ وذلك لكماله العظيم وإحسانه الشامل، وتدبيره العام وحكمه الشاملة، فهو الإله الحق، وما سواه فعبوديته باطلة، لأنه خال من الكمال، ومن الأفعال التي فيها النفع والضر. ووصف نفسه بالعلم المحيط بما حضر وغاب، وما مضى وما يستقبل وما هو حاضر، وما في العالم العلوي وما في العالم السفلي، وما ظهر وما بطن، فلا تخفى عليه خافية في مكان من الأمكنة، ولا زمان من الأزمنة. ومن كمال علمه وقدرته أنه يعلم ما تنقص الأرض من الأموات، وما تفرق من أجزائهم، وما استحال من حال إلى حال؛ أحاط علما بذلك على وجه التفصيل، فلا يعجزه إعادتهم للبعث والجزاء. ووصف نفسه بأنه ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] الذي وسعت رحمته الخليقة بأسرها، وملأت الوجود كله؛ ووصف نفسه بأنه ﴿الْمَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣] وهو الذي له الملك التام المطلق، له صفات الملك التي هي نعوت العظمة والكبرياء والعز والسلطان، وله التصرف المطلق في جميع الممالك، الذي لا ينازعه فيه منازع، والموجودات كلها عبيده وملكه، ليس لهم من الأمر شيء. وأخبر أنه ﴿الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أي: المقدس المعظم، السالم من جميع العيوب والنقائص المنافية لكماله، ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] المصدق لرسله وأنبيائه بما جاؤوا به من الآيات البينات والبراهين القاطعات والحجج الواضحات، الذي له العلم كله، ويعلم من أوصافه المقدسة ونعوته العظيمة ما لا يعلمه بشر ولا ملك، ويحب نفسه وما هو عليه من الجلال والجمال، ﴿الْعَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣] الذي له العزة كلها، عزة القوة والقدرة، فهو القوي المتين، وعزة القهر والغلبة لكل مخلوق، فكلهم نواصيهم بيده، وليس لهم من الأمر شيء، وعزة الامتناع الذي تمنع بعزته عن كل مخلوق، فلا يعارض ولا يمانع، وليس له نديد ولا ضديد، ﴿الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣] الذي قهر جميع المخلوقات، ودانت له الموجودات، واعتلى على الكائنات، وجبر بلطفه وإحسانه القلوب المنكسرات، ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] عن النقائص والعيوب، وعن مشابهة أحد من خلقه، ومماثلتهم لعظمته وكبريائه، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به ولم يقدره حق قدره. ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤] لجميع المخلوقات، ﴿الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] بحكمته ولطفه لجميع البريات، ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] بحسن خلقه لجميع الموجودات، أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى كل مخلوق وكل عضو لما خلق له وهيئ له. فالله تعالى قد تفرد بهذه الأوصاف المتعلقة بخلقه، لم يشاركه في ذلك مشارك، وهذا من براهين توحيده، وأن من تفرد بالخلق والبرء والتصوير فهو المستحق للعبودية ونهاية الحب وغاية الخضوع، ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤] وقد ورد في الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسما؛ مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» - يعني: أحصى ألفاظها وحفظها وعقلها وتعبد لله بها -، فهو تعالى الذي له كل اسم حسن، وكل صفة جلال وكمال، فيستحق من عباده كل إجلال وتعظيم وحب وخضوع، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ٢٤] يعني: من المكلفين والحيوانات والأشجار والجمادات، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] في خلقه وشرعه . |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
|
|
٧ - بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. * أي: ﴿قُلْ﴾ قولًا جازمًا فيه، معتقدًا لهُ، عارفًا بمعناهُ، عاملًا بمقتضاهُ من الإيمانِ باللهِ، والتعظيمِ والخضوعِ. * ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: الذي انحصرَتْ فيه الأَحَدِيَّةُ، وهيَ: التفرُّدُ بكلِّ صفةِ كمالٍ، الذي لا يشاركهُ في ذلكَ مشاركٌ، الذي لهُ الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العُلَى، والأفعالُ المقدسةُ، والتصرفُ المطلقُ. * ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أي: السيدُ الذي قدْ انتهَى سؤددُهُ، العليمُ الذي قدْ كملَ علمهُ، الحليمُ الذي قدْ كملَ في حلمهِ وفي قدرتهِ وفي جميعِ أوصافِ كمالهِ؛ ولأجلِ هذا صمدَتْ لهُ المخلوقاتُ كلُّها، وقصدَتْهُ في كلِّ حاجاتِها، وفزعَتْ إليهِ الخليقةُ في مهماتِها ومُلِمَّاتِها. * فالصمدُ هوَ: الذي صمدَتْ لهُ المخلوقاتُ؛ لما اتصفَ بهِ من جميعِ الكمالاتِ، ومِن كمالهِ أنهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾؛ لأنهُ الغنيُّ المالكُ، فاتخاذُ الولدِ ينافِي ملكَهُ وغناهُ. * ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليسَ لهُ مكافئٌ ولا مثيلٌ في أسمائهِ وصفاتهِ وأفعالهِ، ﵎. * فهذهِ السورةُ أصلٌ عظيمٌ من أصولِ الإيمانِ، وقدْ تضمنَتْ توحيدَ الأسماءِ والصفاتِ، ومِن لوازمِ ذلكَ توحيدُ الإلهيةِ، وأنَّ المتفردَ بالوحدانيةِ من كلِّ وجهٍ، الذي ليسَ لهُ مثيلٌ بوجهٍ من الوجوهِ؛ هوَ الذي لا تنبغِي العبادةُ إلا لَهُ، لا إلهَ إلا هوَ. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#10 |
|
|
٨ - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] يخبر الله تعالى، وهو أصدق القائلين، أنه ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] أي: متوحد منفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فليس له شريك، ولا سمي له، ولا كفو ولا مثل ولا نظير ولا خالق ولا مدبر غيره. فإذا تقرر أنه كذلك فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه، لأنه ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] المتصف بالرحمة العظيمة التي لا يماثلها رحمة أحد، فقد وسعت كل شيء، وعمت كل حي. فبرحمته وجدت المخلوقات، وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات، وبرحمته اندفع عن العباد كل نقمة، وبرحمته عرف عباده نفسه بصفاته وآلائه، وبين لهم كل ما يحتاجونه من أمور دينهم ومصالح دنياهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب. فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة دقت أو جلت فمن الله، وأن أحدا من المخلوقين لا ينفع أحدا، علم أنه لا يستحق العبادة إلا المتفرد بالنعم، الدافع للمكاره، وتعين على العباد أن يفردوه بالمحبة، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، وغير ذلك من أنواع الطاقات، وإن من أظلم الظلم وأقبح القبيح وأعظم الضلال أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد، وأن يشرك المخلوقين من تراب بالرب العظيم، وأن يسوى المخلوق العاجز القاصر الناقص من كل وجه بالرب الخالق المدبر القوي، الذي قهر كل شيء، وخضعت له الرقاب. ففي هذه الآية إثبات وحدانية البارئ وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين، والاستدلال على ذلك بتفرده بالرحمة، التي من آثارها جميع البر والإحسان في الدنيا والآخرة، ثم ذكر الأدلة التفصيلية بقوله ٩ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة آيات، أي: أدلة، على وحدانية الباري وإلهيته، وعظيم سلطانه ورحمته، وسائر صفاته، وآية على البعث والجزاء لقوم يعقلون؛ أي: لهم عقول يعملونها فيما خلقت له؛ فعلى حساب ما من الله على عبده من العقل، وصرفه في التفكر في الآيات ينتفع بها ويعرفها ويعقلها بعقله وفكره وتدبره؛ ففي خلق السماوات، في ارتفاعها واتساعها وإحكامها وإتقانها، وما جعل الله فيها من الشمس والقمر والنجوم وجريانها بانتظام عجيب، لمصالح العباد. وفي خلق الأرض؛ وجعلها مهادا للخلق يمكنهم القرار عليها، والانتفاع بما عليها والاعتبار؛ ما يدل ذلك على انفراد الله بالخلق والتدبير، وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها، وحكمته التي بها أتقنها وأحسنها ونظمها، وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع فيها من منافع الخلق ومصالحهم وضروراتهم وحاجاتهم؛ وفي ذلك أبلغ دليل وبرهان على كماله من كل وجه، وأن يفرد بالعبادة لانفراده بالخلق والتدبير والقيام بشؤون عباده. وفي (اختلاف الليل والنهار) وهو: تعاقبهما على الدوام إذا ذهب أحدهما خلفه الآخر؛ وفي اختلافهما في الحر والبرد والتوسط، وفي الطول والقصر والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول التي بها انتظام مصالح الآدميين وحيواناتهم وأشجارهم وزروعهم والنوابت كلها، كل ذلك بتدبير وتسخير تحير في حسنه العقول، ويعجز عن إدراك كنهه الرجال الفحول، وذلك يدل على قدرة مصرفها وسعة علمه وشمول حكمته، وعموم رحمته ولطفه الشامل، وعظمته وكبريائه وسلطانه العظيم، يضطر العباد إلى معرفة ربهم، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له. وفي (الفلك التي تجري في البحر) وهي: السفن والمراكب ونحوها مما ألهم الله عباده صنعتها، وأقدرهم عليها بتيسير أسبابها، ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال والبضائع التي هي من منافع الناس، وبها تنتظم معايشهم. فمن الذي ألهمهم صنعتها وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلات المتنوعة ما به يعملونها؟ أم من الذي سخر لها هذا البحر تجري فيه - بإذنه وتسخيره - الرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية والهوائية النار والمعادن المتنوعة المعينة على حملها وحمل ما فيها من الأموال الثقيلة جدا؟ فهل هذه الأمور حصلت صدفة واتفاقا؟ أم استقل بعملها وخلق أسبابها هذا المخلوق الضعيف العاجز الذي خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا، وليس له قدرة على شيء، ثم أعطاه خالقه القدرة وعلمه ما لم يكن يعلم؟ أم تقول: - والحق تقول -: بل المسخر لذلك الرب الواحد، العظيم العليم الحكيم القدير؛ الذي لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء، بل الأشياء كلها قد دانت لربوبيته، واستكانت لعظمته، وخضعت لجبروته؛ وغاية العبد الضعيف أن جعله الله جزءا من أجزاء الأسباب التي بها وجدت هذه الأمور العظام، فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بعباده، ويدعو العباد إلى أن يعبدوه وحده لا شريك له، وينيبوا إليه في كل حال. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] وهو المطر النازل من السحاب، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤] فأظهرت أنواع الأقوات وأصناف الأشجار والنباتات التي لا يمكن للعباد أن يعيشوا بدونها. أليس ذلك برهانا على قدرة من أنزله وأخرج به ما أخرج، وعلى رحمته ولطفه بعباده، وشدة افتقار الخليقة إليه في كل أحوالهم، وهو يحدوهم إلى إخلاص الدين له والإنابة إليه، والقيام بعبوديته ظاهرا وباطنا؟ وكذلك هو دليل على إحياء الله للموتى كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] وقد ذكر الله هذا البرهان على البعث في عدة آيات، كما ذكر ابتداء الخلق برهانا على إعادته، وكما ذكر كمال علمه وقدرته، وخلق السماوات والأرض، وأنه جعل للعباد من الشجر الأخضر نارا برهانا بينا على البعث. وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة، وسخرها للآدميين ينتفعون بها من وجوه كثيرة، ومع هذا فهو قائم بأرزاقها، متكفل بأقواتها، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها. وفي تصريف الرياح آيات عظيمة على وحدانية الله وتفرده بالكمال المطلق، فتارة تكون باردة وحارة وبين ذلك، وجنوبا وشمالا، ودبورا (أي: غربية)، وبين ذلك، وتارة تثير السحاب، وتارة تؤلف بينه، وتارة تلقحه وتدره، وتارة تمزقه وتزيل ضرره، وتارة ترسل بالرحمة، وتارة ترسل بالعذاب، فمن الذي صرفها هذا التصريف، ورتب عليها من المنافع للعباد كثيرا إلا العزيز الحكيم، الرحيم اللطيف بعباده، المستحق للمحبة والثناء والشكر والحمد من الحقيقة؟ وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير، فيسوقه الله إلى حيث يشاء، ويجعله حياة للبلاد والعباد، ويروي به التلول والوهاد، وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه، ويصرف عنهم ضرره، فينزله رحمة ولطفا، ويصرفه عناية وعطفا. فما أعظم سلطانه وأغزر إحسانه وألطف امتنانه، أليس من أقبح القبيح وأظلم الظلم أن يتمتع العباد برزقه ويعيشوا ببره، وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه؟ ومع ذلك من كمال حلمه وعفوه وصفحه يوالي عليهم الإحسان، خيره إليهم على الدوام نازل، وشرهم إليه في كل وقت صاعد. والحاصل أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع الكائنات، علم أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مدبرات مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها، فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. ولنقتصر على هذا الأنموذج من الآيات المتعلقة بالتوحيد، مع ما دخل في ضمنها من الإيمان بالجزاء والبعث، وبالرسل والكتب، وقد قرن الله ذلك بأدلته وبراهينه الموصلة إلى العلم التام، واليقين الراسخ، وبذلك يعلم أن هذه الأصول الثلاثة متلازمة: التوحيد والرسالة والمعاد، كما أن في ضمن الآيات المتعلقة بالجزاء شيئا كثيرا من متعلقات التوحيد والرسالة، فسبحان من جعل في كلامه الهدى والرشاد، وإصلاح العباد . |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
|
|
٩ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
* أخبرَ تعالى أنَّ في هذهِ المخلوقاتِ العظيمةِ آياتٍ -أي: أدلةً- على وحدانيةِ البارِي وإلهيتهِ، وعظيمِ سلطانهِ ورحمتهِ، وسائرِ صفاتهِ، وآيةً على البعثِ والجزاءِ. * ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لهم عقولٌ يُعملونَها فيما خُلقَتْ لهُ، فعلى حسبِ ما مَنَّ اللهُ على عبدِهِ من العقلِ، وصرفَهُ في التفكرِ في الآياتِ؛ ينتفعُ بها ويعرفُها ويعقلُها بعقلهِ وفكرهِ وتدبرهِ. * ففي خلقِ السمواتِ: في ارتفاعِها واتساعِها وإحكامِها وإتقانِها، وما جعلَ اللهُ فيها من الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وجريانِها بانتظامٍ عجيبٍ لمصالحِ العبادِ؛ وفي خلقِ الأرضِ وجعلِها مهادًا للخلقِ يمكنُهم القرارُ عليها، والانتفاعُ بما عليها والاعتبارُ - ما يدلُّ ذلكَ على انفرادِ اللهِ بالخلقِ والتدبيرِ، وبيانِ قدرتهِ العظيمةِ التي بها خلَقَها، وحكمتهِ التي بها أتقنَها وأحسنَها ونظمَها، وعلمهِ ورحمتهِ التي بها أودَعَ ما أودعَ فيها من منافعِ الخلقِ ومصالحِهم وضروراتِهم وحاجاتِهم؛ وفي ذلكَ أبلغُ دليلٍ وبرهانٍ على كمالهِ من كلِّ وجهٍ، وأنْ يُفرَدَ بالعبادةِ؛ لانفرادهِ بالخلقِ والتدبيرِ والقيامِ بشؤونِ عبادهِ. * وفي اختلافِ الليلِ والنهارِ: وهوَ: تعاقبُهما على الدوامِ، إذا ذهبَ أحدُهما خلفَهُ الآخرُ، وفي اختلافِهما في الحرِّ والبردِ والتوسطِ، وفي الطولِ والقصرِ والتوسطِ، وما ينشأُ عن ذلكَ من الفصولِ، التي بها انتظامُ مصالحِ الآدميينَ وحيواناتِهم وأشجارِهم وزروعِهم والنوابتِ كلِّها، كلُّ ذلكَ بتدبيرٍ وتسخيرٍ تَحيرُ في حسنهِ العقولُ، ويَعجزُعن إدراكِ كنههِ الرجالُ الفحولُ، وذلكَ يدلُّ على قدرةِ مصرفِها، وسعةِ علمهِ، وشمولِ حكمتهِ، وعمومِ رحمتهِ ولطفهِ الشاملِ، وعظمتهِ وكبريائهِ وسلطانهِ العظيمِ، يضطرُّ (١) العباد إلى معرفةِ ربِّهم، وإخلاصِ العبادةِ لهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ. * وفي الفلكِ التي تجرِي في البحرِ: وهيَ: السفنُ والمراكبُ ونحوُها مما ألهمَ اللهُ عبادَهُ صنعتَها، وأقدرَهم عليها بتيسيرِ أسبابِها، ثم سخَّرَ لها هذا البحرَ العظيمَ، والرياحَ التي تحملها بما فيها من الركابِ والأموالِ والبضائعِ التي هيَ من منافعِ الناسِ، وبها تنتظمُ معائشُهم. فمَن الذي ألهمَهُم صنعتَها وأقدرَهم عليها، وخَلَقَ لهم من الآلاتِ المتنوعةِ ما بهِ يعملونَها؟! أمَّن الذي سخَرَ لها هذا البحرَ تجرِي فيه بإذنهِ وتسخيرهِ، والرياحَ؟! أمَّن الذي خلقَ للمراكبِ البريةِ والبحريةِ والهوائيةِ النارَ والمعادنَ المتنوعةَ المُعِيْنةَ على حملِها، وحملِ ما فيها من الأموالِ الثقيلةِ جدًّا؟! فهلْ هذهِ الأمورُ حصلَتْ صدفةً واتفاقًا؟! أم استقلَّ بعَمَلِها وخلقِ أسبابِها هذا المخلوقُ الضعيفُ العاجزُ، الذي خرجَ من بطنِ أمِّهِ لا يعلمُ شيئًا، وليسَ لهُ قدرةٌ على شيءٍ، ثم أعطاهُ خالقهُ القدرةَ، وعلَّمَهُ ما لم يكنْ يعلمُ؟! أم تقولُ -والحقَّ تقولُ-: بلْ المسخِّرُ لذلكَ الربُّ الواحدُ، العظيمُ العليمُ، الحكيمُ القديرُ، الذي لا يُعجزهُ شيءٌ، ولا يمتنعُ عليهِ شيءٌ، بلْ الأشياءُ كلُّها قدْ دانَتْ لربوبيتهِ، واستكانَتْ لعظمتهِ، وخضعَتْ لجبروتهِ. وغايةُ العبدِ الضعيفِ أنْ جعلَهُ اللهُ جزءًا من أجزاءِ الأسبابِ التي بها وُجدَتْ هذهِ الأمورُ العظامُ. فهذا يدلُّ على رحمةِ اللهِ وعنايتهِ بعبادهِ، ويدعُو العبادَ إلى أنْ يعبدوهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وينيبُوا إليهِ في كلِّ حالٍ. * ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: وهو المطرُ النازلُ من السحابِ. * ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: فأظهرَتْ أنواعَ الأقواتِ، وأصنافَ الأشجارِ والنباتاتِ، التي لا يمكنُ للعبادِ أنْ يعيشُوا بدونِها. أليسَ ذلكَ برهانًا على قدرةِ مَنْ أنزلَهُ، وأخرجَ بهِ ما أخرجَ، وعلى رحمتهِ ولطفهِ بعبادهِ، وشدةِ افتقارِ الخليقةِ إليهِ في كلِّ أحوالِهم، وهوَ يحدوُهم إلى إخلاصِ الدِّينِ لهُ، والإنابةِ إليهِ، والقيامِ بعبوديتهِ ظاهرًا وباطنًا؟! وكذلكَ هوَ دليلٌ على إحياءِ اللهِ للموتَى، كما قالَ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩]. وقدْ ذكرَ اللهُ هذا البرهانَ على البعثِ في عدةِ آياتٍ، كما ذكرَ ابتداءَ الخلقِ برهانًا على إعادتهِ، وكما ذكرَ كمالَ علمهِ وقدرتهِ، وخَلْقَ السمواتِ والأرضِ، وأنهُ جعلَ للعبادِ من الشجرِ الأخضرِ نارًا - برهانًا بيِّنًا على البعثِ. * وقولهُ: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: نشَرَ في أقطارِ الأرضِ من الدوابِّ المتنوعةِ، وسخرَها للآدميينَ ينتفعونَ بها من وجوهٍ كثيرةٍ، ومعَ هذا فهوَ قائمٌ بأرزاقِها، متكفلٌ بأقواتِها، فما ﴿مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦]. وفي تصريفِ الرياحِ: آياتٌ عظيمةٌ على وحدانيةِ اللهِ، وتفردهِ بالكمالِ المطلقِ؛ فتارةً تكون باردةً وحارةً وبينَ ذلكَ، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا ودَبُورًا (2) وبينَ ذلكَ، وتارةً تثيرُ السحابَ، وتارةً تؤلِّفُ بينَهُ، وتارةً تلقِّحهُ وتدرُّهُ، وتارةً تمزِّقُهُ وتزيلُ ضررَهُ، وتارةً تُرسَلُ بالرحمةِ، وتارةً تُرسَلُ بالعذابِ؛ فمَن الذي صرَّفَها هذا التصريفَ، ورتبَ عليها من المنافعِ للعبادِ شيئًا كثيرًا إلا العزيزُ الحكيمُ، الرحيمُ اللطيفُ بعبادهِ، المستحقُّ للمحبةِ والثناءِ والشكرِ والحمدِ من الخليقةِ. * وفي تسخيرِ السحابِ بينَ السماءِ والأرضِ: على خفتهِ ولطافتهِ، يحملُ الماءَ الكثيرَ، فيسوقهُ اللهُ إلى حيثُ يشاءُ، ويجعلُهُ حياةً للبلادِ والعبادِ، ويروِي بهِ التلولَ والوِهادَ، وينزلُهُ على الخلقِ وقتَ حاجتِهم إليهِ، ويصرفُ عنهم ضررَهُ، فينزلُهُ رحمةً ولطفًا، ويصرِّفهُ عنايةً وعطفًا، فما أعظمَ سلطانَهُ، وأغزرَ إحسانَهُ، وألطفَ امتنانَهُ! أليسَ من أقبحِ القبيحِ وأظلمِ الظلمِ: أنْ يتمتعَ العبادُ برزقهِ، ويعيشوا ببرِّهِ، وهم يستعينونَ بذلكَ على مساخطِهِ ومعاصيهِ؟! ومعَ ذلكَ -من كمالِ حلمهِ وعفوهِ وصفحهِ- يوالِي عليهم الإحسانَ، خيرُهُ إليهم على الدوامِ نازلٌ، وشرُّهم إليهِ في كلِّ وقتٍ صاعدٌ. * والحاصلُ: أنهُ كلَّما تدبَّرَ العاقلُ في هذهِ المخلوقاتِ، وتغلغلَ فكرهُ في بدائعِ الكائناتِ؛ عَلِمَ أنها خُلقَتْ للحقِّ وبالحقِّ، وأنها صحائفُ آياتٍ، وكتبُ براهينَ، ودلالاتٌ على جميعِ ما أخبرَ بهِ عن نفسهِ ووحدانيتهِ، وما أخبرَتْ بهِ الرسلُ مِنْ اليومِ الآخرِ، وأنها مدبَّراتٌ مسخراتٌ، ليسَ لها تدبيرٌ ولا استعصاءٌ على مدبِّرِها ومصرِّفِها؛ فتعرفُ أنَّ العالمَ العلويَّ والسفليَّ كلَّهم إليهِ مفتقرونَ، وإليهِ صامدونَ، وأنهُ الغنيُّ بالذاتِ عن جميعِ المخلوقاتِ، فلا إلهَ إلا هوَ، ولا ربَّ سواهُ. * ولنقتصِرْ على هذا الأنموذجِ من الآياتِ المتعلقةِ بالتوحيدِ، معَ ما دخلَ في ضمنِها من الإيمانِ بالجزاءِ والبعثِ، وبالرسلِ والكتبِ، وقدْ قرَنَ اللهُ ذلكَ بأدلتهِ وبراهينهِ الموصلةِ إلى العلمِ التامِّ، واليقينِ الراسخِ. وبذلكَ يُعلمُ: أنَّ هذهِ الأصولَ الثلاثةَ متلازمةٌ: التوحيدَ، والرسالةَ، والمعادَ؛ كما أنَّ في ضمنِ الآياتِ المتعلقةِ بالجزاءِ [شيئًا كثيرًا] (3) من متعلقاتِ التوحيدِ والرسالةِ، فسبحانَ مَنْ جعلَ في كلامهِ الهدَى والرشادَ وإصلاحَ العبادِ! ---------------------------- (١) كذا في (خ) و (ط). ولعل الصواب: «مما يضطرُّ». كما صرح به المؤلف في تفسيره «تيسير الكريم الرحمن» (ص ٧٨) حيث قال: « … وعظمة سلطانه مما يوجب أن يؤله ويعبد». (2) الريح الدَّبُور: ريح تهب من نحو المغرب، وهي تقابل ريح الصبا والقبول. (لسان العرب: ٤/ ٢٧١). (3) في (ط) و (خ): شيء كثير. والمثبت موافق لقواعد اللغة. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#12 |
|
|
فصل ١٠ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. * هذهِ المنةُ التي امتنَّ اللهُ بها على عبادهِ المؤمنينَ أكبرُ المننِ، بلْ هيَ أصلُها، وهيَ الامتنانُ عليهم بهذا الرسولِ الكريمِ الذي جمعَ اللهُ بهِ جميعَ المحاسنِ الموجودةِ في الرسلِ. ومن كمالهِ العظيمِ: هذهِ الآثارُ التي جعلَها اللهُ نتيجةَ رسالتهِ، التي بها كمالُ المؤمنينَ علمًا وعملًا، وأخلاقًا وآدابًا، وبها زالَ عنهم كلُّ شرٍّ وضررٍ، فبعثهُ اللهُ من أنفُسِهم وأنفَسِهم وقبيلتِهم، يعرفونَ نسبَهُ أشرفَ الأنسابِ، وصدقَهُ وأمانتَهُ وكمالَهُ الذي فاقَ بهِ الأولينَ والآخرينَ، ناصحًا لهم مشفقًا، حريصًا على هدايتِهم. * ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ فيعلمُهم ألفاظَها، ويشرحُ لهم معانيَها. * ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يطهرُهم من الشركِ والمعاصِي والرذائلِ وسائرِ الخصالِ الذميمةِ، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أيضًا أي: ينمِّيهم، فيحثُّهم على الأخلاقِ الجميلةِ؛ فإنَّ التزكيةَ تتضمنُ هذينِ الأمرينِ: التطهيرَ من المساوئِ، والتنميةَ بالمحاسنِ. * ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو القرآنُ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ وهي السنةُ. فالكتابُ والسنةُ بهما أكملَ اللهُ للرسولِ وأمتهِ الدينَ، وبهما حصلَ العلمُ بأصولِ الدينِ وفروعهِ، وبهما حصلَتْ جميعُ العلومِ النافعةِ، وما يترتبُ عليها مِنْ الخيراتِ وزوالِ الشرورِ، وبهما حصلَ العلمُ اليقينيُّ بجميعِ الحقائقِ النافعةِ، وبهما الهدايةُ والصلاحُ للبشرِ. فمحمدٌ ﷺ هوَ الإمامُ الأعظمُ المعلِّمُ لهذينِ الأمرينِ، اللذينِ ينابيعُ العلومِ كلها تتفجرُ من مَعِينِهما. فعَلَّمَ ﷺ أمتَهُ الكتابَ والحكمةَ، وأوقفَهم على حِكَمِ الأحكامِ وأسرارِها؛ فكانت حياتُهُ كلُّها -أقوالهُ وأفعالهُ وتقريراتهُ، وهديهُ، وأخلاقهُ الظاهرةُ والباطنةُ، وسيرتهُ الكاملةُ المتنوعةُ في كلِّ فنٍّ من الفنونِ- تعليمًا منهُ للمؤمنينَ، وشرحًا للكتابِ والحكمةِ. فجمعَ لهم بينَ تعليمِ الأحكامِ الأصوليةِ والفروعيةِ، وما بهِ تُدركُ وتُنالُ، والطرقِ التي تُفضِي إليها عقلًا ونقلًا وتفكيرًا وتدبرًا، واستخراجًا للعلومِ الكونيةِ من مظانِها وينابيعِها. وبيَّنَ لهم فوائدَ ذلكَ كلِّه وثمراتِه، وشَرَحَ لهم الصراطَ المستقيمَ -اعتقاداتِهِ وأخلاقَهُ وأعمالَهُ- وما لسالكهِ عندَ اللهِ من الخيرِ العاجلِ والآجلِ، وما على المنحرفِ عنهُ من العقابِ والضررِ العاجلِ والآجلِ. فكانَ خيارُ المؤمنينَ بهذا التعليمِ الصادرِ من النبيِّ الكريمِ مباشرةً وتبليغًا: من العلماءِ الربانيينَ الراسخينَ في العلمِ، ومن الهداةِ المهديينَ، ومن أكابرِ الصديقينَ. وحصلَ لسائرِ المؤمنينَ من هذا التعليمِ نصيبٌ وافرٌ من الخيرِ العظيمِ على حسبِ طبقاتِهم ومنازلِهم، وذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ. فخرجُوا بهذا التعليمِ من جميعِ الضلالاتِ، [وانجابَتْ] (١) عنهم الشرورُ المتنوعةُ والجهالاتُ، وتمَّ لهم النورُ الكاملُ، وانقشعَتْ عنهم الظلماتُ، فيا لها من نعمةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها، ولا يحصِي المؤمنونَ كُنْهَ شكرِها. --------------------------------- (١) في (ط): وانجالت. والمثبت من (خ)، ولعله الصواب؛ لموافقته أسلوب المؤلف في قوله: «لاستقامت أحوالهم وصلحت أمورهم وانجابت عنهم شرور كثيرة» (القواعد الحسان لتفسير القرآن: ص ١٤٠). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير الشيخ السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان | سعد الدراري | ملتقى الكتب الإسلامية | 6 | 03-15-2026 06:01 AM |
| تفسير سورة الأنفال تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 1 | 02-27-2026 04:28 PM |
| تفسير سورة الأعراف تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 4 | 02-11-2026 06:05 PM |
| تفسير سورة الأنعام تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 6 | 01-12-2026 12:12 AM |
| تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 3 | 12-26-2025 02:48 PM |
|
|