![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#13 |
|
|
![]() الإمام البخاريُّ (1/2) حياتُه وأثرُه العلميُّ ومحنتُه شريف عبدالعزيز (13) ![]() التعريف به كبيرُ الحفَّاظ وإمام الأئمَّة, أمير المؤمنين في الحديث, الحافظ الحفيظ الشَّهير, المميز الناقد البصير, فخر الأمة, الإمام الهمام الذي شهدت بحفظه العلماء الأثبات, واعترف بضبطه المشايخ الثّقات, حجة الإسلام وعلمه المقدم, العالم العامل الكامل أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريِّ. وُلِدَ الإمام البخاريُّ يومَ الجمعة بعدَ الصلاة لثلاث عشرة ليلةٍ خلت من شوال سنة 194هـ بمدينة بخارى, وكان أسمرَ نحيف الجسد ليس بالطويل ولا بالقصير. بيئته العلمية وأثرها عليه البخاريُّ كما قال عنه القسطلانيُّ أحدُ شراح صحيحه: "قد ربا في حجر العلم، حتى ربا, وارتضع ثدي الفضل, فكان على هذا اللبا". فلا شكَّ أنَّ طيب أصل البخاريِّ وبيئته العلميَّة الخالصة كان له أثرٌ كبير وخطير في توجه البخاري في حياته, فأبوه إسماعيل بن إبراهيم كان من الثِّقات، سمع من مالك وحمَّاد بن زيد وابن المبارك, وأمُّه كانت من العابدات الصالحات, صاحبةَ كرامات عظيمة, فقد كفَّ بصرُ البخاريِّ وهو طفل صغير، فقامت تدعو وتُصلِّي وتبكي وتبتهل, حتى رد الله -عزَّ وجلَّ- بصر ولدها، وذلك من كمال حكمته -عزَّ وجلَّ- لما كان ينتظر هذا الصبيَّ من مستقبلٍ مبهر في سماء العلوم والمعارف. ![]() وقد مات أبوه وهو في ريعان شبابه, فنشأ البخاريُّ يتيماً في حجر أمه, وكانت أمه عاقلة صالحة فدفعت به إلى طريق العلم والحديث منذ نعومة أظافره, وقد لاحظت أمُّه أنه يمتلك حافظة فريدة, فدفعت به إلي حِلَق السَّماع وهو في سن السابعة, وقيل وهو في سن العاشرة, فكان يجلسُ إلى المعلم في الكُتَّاب حتى العصر، بعدها ينطلقُ إلي مجلس الإمام الداخليِّ من كبار محدثي بخارى، ليسمع منه الحديث ويكتبه. ظهرت أولى علامات نبوغه ونجابته المبكرة، وهو في سن الحادية عشرة عندما أصلح رواية حديثٍ لشيخه الدَّاخلي, ورجع الداخليُّ لقوله, ولما بلغ السادسة عشر كان قد حفظ كتبَ ابن المبارك ووكيع. رحلاته العلمية الرحلة في اصطلاح المحدِّثين: هي السَّفر الذي يَخرج فيه الطالبُ, لطلب حديث, أو علوِّ إسناد, وكان الصحابةُ هم القدوة في ذلك, فقد سافر جابرُ بن عبد الله -رضى الله عنهما- شهراً لطلب علوِّ إسناد حديث, من عبد الله بن أنيس, وعلى هذا الهدى سار التابعون, قال أبو العالية: "كنَّا نسمع الراوية من البصرة عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما نرضى حتى ركبنا إلي المدينة, فسمعناها من أفواههم", ومن آداب الرحلة أن يبدأ طالبُ العلم بشيوخ بلده فيكتبَ عنهم, حتى يُحكمَ حديثهم, ثم يرحلَ إلى الأمصار, يُشافه الشيوخ. البخاريُّ شأنه في طلب العلم شأن أهل عصره, فقد خرج لطلب العلم سنه 210هـ أي في السادسة عشرة, عندما خرج إلى الحجِّ مع أمِّه وأخيه, وعاد أخوه بأمِّه إلي بخارى, وبقي هو لطلب العلم, وظلَّ بمكة قرابة العامين؛ ليسمع الحديث من علماء مكة وشيوخها, ثم توجه إلي المدينة سنة 212هـ وسمع من علمائها, ثم توجه إلى البصرة, وقد تكررت رحلته إلي البصرة أربع مرات, ![]() وكذلك الكوفة دخلها عدة مرات ثم دخل بغداد ومنها إلى الشام ثم إلى مصر, قال الخطيبُ البغداديُّ: "رحل البخاريُّ إلي محدِّثي الأمصار, وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق كلها، والحجاز والشام ومصر، وورد بغداد دفعاتٍ". حتى وصل عددُ شيوخه الَّذين كتب عنهم زيادةً عن ألف شيخ, قسمهم في كتبه إلى خمس طبقات. براعته العلميَّة - تميّز الإمام البخاريُّ بالعديد من المواهب العلمية الفذَّة، التي جعلته أمير المؤمنين في الحديث، وأشهرَ علماء الإسلام فيه بلا منازعة، وصاحبَ الختم في صناعة الحديث كما قال المستشرقون, من أهمِّ هذه المواهب: قوةُ حفظه فلقد رزق الله -عزَّ وجلَّ- البخاريَّ حافظةً فريدة من نوعها ندر أن يُوجد مثلها بين البشر، فلقد كان يحفظ مئات الآلاف من الأحاديث الصحيحة وغير الصحيحة, وذلك وهو في صدر شبابه, فلقد قال عنه أقرانه في السَّماع: "كان البخاريُّ يختلف معنا إلى السماع, وهو غلام لا يكتب, حتى أتى على ذلك أيامٌ, وكنا نقول له فى ذلك, فقال: إنَّكم قد أكثرتم عليَّ, فاعرضوا عليَّ ما كتبتم, فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسةَ عشر ألف حديث, فقرأها كلَّها عن ظهر قلب, حتى جعلنا نُحكم كتبنا من حفظه, ثم قال: أترونَ أنِّي أختلف هدراً, وأضيع أيامي؟". ومن أوضح الأمثلة على قوة حفظه ما فعله مع خُذّاق المحدِّثين في بغداد، عندما اجتمع عليه عشرةٌ منهم، وقلب كلُّ واحد منهم أسانيد عشرة أحاديث، وأدخلوا المتون والأسانيد في بعضهما البعض, فقام البخاريُّ بإصلاح الأحاديث من حفظه, وردِّ الأسانيد الصحيحة إلى متونها الأصليَّة, والعجبُ لم يكن في أصلاحه للخطأ وردِّه للصواب, ولكن العجب في حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقَوه عليه مرةً واحدة, ثم إصلاحه للخطأ كله جميعاً في مجلس واحد، كأنَّه حاسوب ذو ذاكرة جبارة، وقد تكرر الموقف معه في سمرقند وكانوا هذه المرة أربعمائة محدِّث, وقاموا بإدخال ![]() إسناد الشام في إسناد العراق, وإسناد اليمن في إسناد الحجاز, فما تعلَّقوا منه بسقطة. وكان من قوة حفظه يسمعُ الحديث في البصرة ويكتبه في الشام, ويسمعه في الشام ويكتبه في مصر, وكان يأخذ الكتاب فيطَّلع عليه مرة واحدة فيحفظه عن ظهر قلب، وكان أهل المعرفة في البصرة يَعدون خلفه في طلب الحديث، وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه, ويُجلسوه في بعض الطريق, فيجتمعَ عليه ألوف، أكثرُهم ممن يكتب عنه, وكان وقتَها شاباً لم ينبت شعرُ وجهه. 2- براعته في معرفة العلل العلة اصطلاحاً: هي سببٌ غامضٌ خفيٌّ يقدح في صحة الحديث, مع أنَّ الظاهر السلامة منه, ومعرفة العلل من أشرف وأدقِّ علوم الحديث, ولا يقدر عليها إلا الجهابذة من العلماء, فهذا الإمامُ الكبير عبدُ الرحمن بن مهديّ شيخ الشافعيّ، يقول: "لئن أعرف علَّة حديث, هو عندي أحبُّ إليَّ من أن أكتب عشرين حديث ليس عندي". وهذا الفنُّ الدقيق من فنون مصطلح الحديث، لم يبرع فيه إلا قلة نادرة من العلماء, رأسُ هؤلاء الجهابذة؛ الإمامُ البخاريُّ الذي لم يُلحق شأوه في هذا المضمار. قال الإمام الترمذيُّ: "لم أرَ أحداً في العراق ولا بخراسان، في معرفة العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد, أعلم من محمد بن إسماعيل". وقال أحمد بن حمدون الحافظ: "رأيت البخاريَّ في جنازةٍ، ومحمد بن يحيى الذُّهليُّ, يسأله عن الإسناد والعلل, والبخاريُّ يمرُّ فيه مثل السهم، كأنه يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1]". وكان الإمام مسلم يقول له: "دعني أُقبِّلْ رجليكَ يا أستاذَ الأستاذين, وسيِّدَ المحدِّثين, وطبيب الحديث في علله". ![]() 3- احتياطه في نقد الرجال - نقد الرجال أو جرح الرُّواة من الأمور الصعبة في علم الحديث, إذ به ينقسم الحديث إلى صحيح وضعيف, وهو يحتاجُ إلى أقصى درجات التَّديُّن والتَّقوى والورع والتَّحرُّز والاحتياط والتَّجرُّد من الهوى, وعلم الجرح والتعديل من أهمِّ علوم الحديث وأكثرها شهرةً وإثارةً للجدل بين العلماء من السَّلف والخلف, والناس في غالب العصورلم يفهموا هذا العلم جيّداً, وعدُّوه من قبيل الاغتياب والخوض في الأعراض, قال ابنُ خلاد للإمام يحيى بن سعيد القطَّان: "أما تخشى أن يكونَ هؤلاء الَّذين تركت حديثَهم خصماءك عند الله يومَ القيامة, فقال: لئن يكونوا خصمائي, أحبُّ إلى من أن يكون خصمي رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لي: لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذبَ عن حديثي؟!". - ولقد اتَّبع البخاريُّ منهجاً راقياً فريداً في نقد الرجال، دلَّ على منزلته العليا في الديانة والإخلاص والورع, فلقد كان ينتقي ألفاظ نقده بأدقِّ الكلمات التى تُحقق المراد، ولا تقدحُ في الهيئات, مثلُ أن يقولَ فيمن ترك الراويةَ عنه كلماتٍ من عينة: أنكره الناس, المتروك, السَّاقط, فيه نظرٌ, سكتوا عنه, تركوه، وهكذا. .. ومن النادر جداً أن يثبت عن البخاريِّ أنه قال عن رجلٍ بأنَّه وضَّاع, أو كذَّاب, ومن أشدِّ كلمات الجرح عند البخاريِّ أن يقول: مُنكر الحديث. وقد قال له محمد بن أبي حاتم الورَّاق: "إنَّ بعض الناس يَنقمون عليك في كتاب (التاريخ) ويقولون: فيه اغتيابُ الناس", فقال: "إنَّما روينا ذلك روايةً لم نقُله من أنفسنا, ولا يكون لي خصمٌ في الآخرة, فما اغتبتُ أحداً منذ علمي أنَّ الغيبة تضرُّ أهلها". ![]() 4- فقهه - الإمام البخاريُّ لم يكن مجرَّد صاحبِ حديثٍ فحسب, بل كان من فقهاء الأمة المعدودين، وتراجمُ كتابه الأشهر (الصحيح) خيرُ دليلٍ على فقهه, حتى اشتهر من قول العلماء: فقه البخاريِّ في تراجمه, والبعضُ ينسبه إلى مدرسة الشَّافعيِّ في الفقه, ولكن الحقَّ الذي لا مِراء فيه أنَّه مجتهدٌ مطلَق قد استكمل أدواته, واختياراتُهُ العلميَّة والفقهيَّة جديرة بأن تكون مذهباً مستقلاً في الفقه, ولكنها أُلحقت بمدرسة فقهاء الأثر وأصحاب الحديث. - وقد بلغت براعةُ البخاريِّ الفقهية مبلغاً كبيراً، بحيث إنَّه قُرن بالأئمة الكبار مثل مالك وأحمد والشَّافعيِّ وإسحاق, قال بندارُ: "هو أفقهُ خلقِ الله في زماننا", وقد سُئل قتيبة عن طلاق السَّكران, فدخل محمد بن إسماعيل، فقال قُتيبة للسائل: "هذا أحمدُ بن حنبل, وإسحاق بن راهويه, وعليُّ بن المديني, قد ساقهمُ الله إليك", وأشار إلى البخاريِّ, وقال أبو مصعب الزُّهريِّ: "محمد بن إسماعيل أفقهُ عندَنا وأبصرُ, من أحمد بن حنبل", فقيل له: جاوزت الحدَّ, فقال: "لو أدركتَ مالكاً ونظرتَ إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل, لقلت: كلاهما واحدٌ في الفقه والحديث". وكان أهلُ المعرفة في خراسان ونيسابور يعُدُّون محمد بن إسماعيل أفقه من إسحاق بن راهويه. أخلاقه وعبادته من الأمور الثَّابتة في سجل علماء الأمة الربَّانيِّين, أن لن تجد أحداً منهم مسرفاً على نفسه, أو مفرطاً في حق ربِّه, أو سيئ الأخلاق مع الناس, فعلماءُ الأمة الكبار وأئمَّتها الأعلام قد كمُل حالهم علماً وعملاً وخلقاً وديانة, والبخاريُّ على نفس الدرب يسير, فلقد كان زاهداً عابداً كريماً سمحاً متواضعاً شديد الورع. ![]() قال ابنُ مجاهد: "ما رأيتُ بعينيَّ منذ ستين سنةً أفقهَ, ولا أورعَ ولا أزهدَ في الدنيا من محمد بن إسماعيل", فقد كان البخاريُّ يأتي عليه النهار, فلا يأكل فيه شيئاً سوى لوزتين أو ثلاثة, كان ذات مرةٍ بالبصرة فنفدت أمواله، فمكث في بيته عدة أيام لم يخرج، لأنه لم يجد ما يسترُ به بدنه, ورغم زهده ورقَّة حاله، إلا أنه كان جواداً سمحاً كثير الصَّدقة, واسعَ الصَّدر, عظيم الاحتمال, سهل الجناب, يُقابل الإساءة بالإحسان, يترك كثيراً من الحلال خشية الشُّبهة والوقوع في الحرام, والأمثلة على ذلك كثيرةٌ، ومنها: أنَّه كان في بيته ذاتَ مرَّة, فجاءت جاريتُه، وأرادت دخولَ المنزل, فعثرت على محبرة بين يديه, فقال لها كيف تمشين؟ قالت: إذا لم يكن طريق, كيف أمشي؟ فبسط يديه, وقال: اذهبي, فقد أعتقتك, فقيل له: يا أبا عبد الله, أغضبتك الجارية؟ فقال: إن كانت أغضبتني, فقد أرضيتُ نفسي بما فعلت. قال البخاريُّ يوماً لأبي معشر الضَّرير: اجعلني في حِلٍّ يا أبا معشر, فقال: من أيِّ شيءٍ؟ فقال: رويتُ حديثاً, فنظرتُ إليك وقد أعجبتَ به وأنت تُحرِّك رأسك ويديك، فتبسَّمتُ من ذلك, قال: أنتَ في حِلٍّ, يرحمُك اللهُ يا أبا عبد الله. قام يُصلِّي يوماً فلدغه زنبور سبعةَ عشر مرة, فلم يَقطع صلاته ولمَّا عوتب في ذلك، قال: كنت في سورةٍ, فأحببتُ أن أُتِمَّها, وكان يُصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة, أما في رمضان فكان له نهجُه التعبديُّ الخاص به, فقد كان يجتمع إليه أصحابه, فيُصلي بهم, ويقرأُ في كل ركعة عشرين آية, وكذلك إلى أن يختم القرآن, وكان يقرأ في السَّحر, ما بين النِّصف إلى الثُّلث من القرآن, ![]() فيختم عند السَّحر, في كلِّ ثلاث ليال, وكذلك يختمُ بالنَّهار في كل يومٍ ختمة, ويكون ختمُه عند الإفطار كلَّ ليلة، ويقول: عند كلِّ ختمةٍ دعوةٌ مستجابة. كان البخاريُّ رغم مكانته العلمية السامقة، وانشغاله الدائم بالدرس والعلم والرحلة، إلا أنه كان يشترك في أمور المسلمين العامَّة وشئونهم الهامَّة, فلقد كان يُرابط بالثُّغور وينتظم في حلقات الرِّماية, ويحملُ فوق رأسه الآجُرَّ في بناء الربط. ثناء العلماء عليه وكما رزق اللهُ -عزَّ وجلَّ- الإمام البخاريَّ فتوحاً ربَّانيَّة في العلم والحفظ والفهم والفقه والزُّهد والورع والعبادة, فقد رزقه محبَّةً وقَبولاً كبيرين في قلوب العباد, فكان البخاريُّ كلَّما حلَّ ببلد أو مدينة, ازدحم عليه النَّاسُ بصورةٍ تفوق الوصفَ والبيان, وكان يخرجُ إليه عامَّة أهل البلاد, ويَنثرون عليه الورد والدراهم, ولما رجع البخاريُّ إلي بلدته بعد رحلته الدِّراسيَّة, نُصبت له القباب على فرسخ من البلد, وخرجُ إليه أهل البلد جميعاً. وهذه طائفةٌ من ثناء العلماء على مرِّ العصور على الإمام البخاريِّ: قال قتيبةُ بن سعيد: "جالست الفقهاء, والزُّهَّاد, والعُبَّاد, فما رأيتُ منذ عقلتُ مثل محمد بن إسماعيل, وهو في زمانه؛ كعمر في الصَّّحابة". قال أبو حاتم الرازيُّ: "لم تُخرج خراسانُ قط, أحفظَ من محمد بن إسماعيل, ولا قَدِم منها إلى العراقِ أعلمُ منه". ![]() قال الإمام الدَّارميُّ: "قد رأيتُ العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق, فما رأيتُ فيهم أجمعَ من محمد بن إسماعيل, فهو أعلمُنا وأفقُهنا وأكثرنا طلباً". قال ابنُ خزيمة: "ما تحتَ أديم السَّماء أعلمُ بالحديث من محمد بن إسماعيل". قال أبو عمر الخفاف: "هو أعلمُ بالحديث من أحمد وإسحاق وغيرهما بعشرين درجة, ومن قال فيه شيئاً فعليه منِّي ألفُ لعنة, فإنَّك لو دخلتَ عليه وهو يُحدِّث لملئت منه رعباً، فمحمدٌ هو التَّقيُّ النَّقيُّ". قال أبو سهل الشّافعي: "دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها, كلَّما جرى ذكرُ محمد بن إسماعيل فضَّلوه على أنفسهم, وقد سمعتُ أكثر من ثلاثين عالماً من علماء مصر يقولون: حاجتُنا من الدُّنيا النظر في تاريخ محمد بن إسماعيل". قال الإمام مسلم للبخاريِّ يوماً: "دعني أُقبِّل رِجليك يا أستاذَ الأستاذين, وسيدَ المحدِّثين, وطبيبَ الحديث في علله". قال سليم بن مجاهد: "لو أنَّ وكيعاً وابن عيينة وابن المبارك كانوا في الأحياء، لاحتاجوا إلى محمد بن إسماعيل". قال الإمامُ التِّرمذيُّ: "لم أرَ بالعراق ولا بخراسانَ في معنى العِلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد، أعلمَ من محمد بن إسماعيل". ![]() قال عبدُ الله بن حماد: "وَدِدْتُ أنِّي شعرةٌ في صدر محمد بن إسماعيل". قال الحافظُ ابن حجر: "ولو فتحتُ باب ثناء الأئمة, ممَّن تأخر عن عصره, لفني القرطاس, ونفدت الأنفاس, فذاك بحرٌ لا ساحل له". قال العلامة العينيُّ الحنفيُّ: "الحافظ الحفيظُ الشهير, المميز الناقد, البصير, الذي شهدَتْ بحفظه العلماءُ الثقات, واعترف بضبطه المشايخ الأثبات, ولم يُنكر فضله علماء هذا الشأن, ولا تنازَع في صحة تنقيده اثنان, الإمام الهمام, حجةُ الإسلام, أبو عبد الله؛ محمد بن إسماعيل البخاريُّ". قال الشيخُ نور الحق الدهلويُّ: "ما كان له مثيلٌ في عصره في حفظ الأحاديث، وإتقانها، وفهم معاني الكتاب والسنة, وحِدَّة الذِّهن, وجودة القريحة, ووفور العفَّة, وكمال الزُّهد, وغاية الروع, وكثرة الاطِّلاع على طرق الحديث وعللها, ودقَّة النَّظر, ورقَّة الاجتهاد, واستنباط الفروع من الأصول". قال النوويُّ في خاتمة ترجمة البخاريِّ: "فهذه أحرفٌ من عيون مناقبه وصفاته, ودرر شمائله وحالاته, أشرتُ إليها إشارات, لكونها من المعروفات الواضحات, ومناقبُه لا تُستقصى؛ لخروجها على أن تُحصى, وهي منقسمةٌ إلى حفظ ودراية, واجتهادٍ في التَّحصيل ورواية, ونُسك وإفادة, وورع وزِهادة, وتحقيقٍ وإتقانٍ وتمكُّن وعرفان, وأحوال وكرامات وغيرها من أنواع الكرامات". قال ابنُ كثير: "البخاريُّ الحافظ, إمامُ أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه, والمقدم على سائر أترابه وأقرانه, وكتابه الصَّحيح يُستقى بقراءته الغمام –وهو أمرٌ محدث في القرون المتأخرة– ![]() وأجمع العلماء على قبوله, وصحة ما فيه, وكذلك سائر أهل الإسلام, ولو استقصينا ثناءَ العلماء عليه في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه وورعه وزهده وعبادته, لطال علينا؛ فقد كان في غاية الحياء والشَّجاعة والسَّخاء والورع والزُّهد في الدُّنيا, دار الفناء, والرَّغبة في الآخرة دار البقاء". قال القسطلانيُّ: "هو الإمام, حافظ الإسلام, خاتمة الجهابذة, النقاد والأعلام, شيخ الحديث, وطبيب علله في القديم والحديث, وإمام الأمة عجماً وعرباً, ذو الفضائل التي سارت السّراة بها شرقاً وغرباً, الحافظ الذي لا تغيب عنه شاردة, والضابط الذي استوى لديه الطارفة والتالدة". وخلاصة هذه الأقوال ما قال الشيخُ عبد السلام المباركفوريُّ: "إنَّ الاستدلال على تبحُّر إمام المحدثين في العلم وذكائه وقوة اجتهاده وسيلان ذهنه, بأقوال المتأخِّرين, كرفع السِّراج أمام الشمس". البخاريُّ وكتابه الجامع الصَّحيح للبخاريّ مؤلفاتٌ كثيرة في الحديث والتاريخ والفقه والعقيدة، وغيرها من فروع العلم، غير أنَّ أشهر كتبه على الإطلاق، بل أشهرُ ما ألفه عالمٌ مسلم، وأصحُّ كتاب على وجه الأرض، بعد القرآن الكريم، هو صحيحُ البخاريِّ الذي أصبح رمزاً للصحة وعنواناً للكمال والدِّقَّة بين المسلمين أجمعين على مرِّ العصور. ذكر الحافظُ ابن حجر في مقدمة كتابه فتح الباري أسباباً ثلاثة، دعت الإمامَ البخاريَّ رحمه الله إلى تأليف كتابه الجامع الصَّحيح: ![]() أحدها: أنه وجد الكتب التي أُلِّفت قبله بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التَّصحيح والتَّحسين، والكثير منها يشمله التَّضعيف فلا يقال لغثِّه سمين, قال: فحرك همته لجمع الحديث الصحيح، الذي لا يرتاب في صحته أمين. الثاني: قال: وقوّى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، المعروف بابن راهوية، وساق بسنده إليه أنه قال: "كنَّا عند إسحاق بن راهوية، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الصَّحيح". الثالث: قال: ورَوينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس، قال سمعت البخاريَّ يقول: رأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وكأنِّي واقف بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذُبُّ بها عنه, فسألتُ بعض المعبِّرين، فقال لي: "أنتَ تَذُبُّ عنه الكذبَ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح". ولم يألُ البخاريَّ -رحمه الله- جهداً في العناية بهذا المؤلف العظيم. يتَّضح مدى هذه العناية مما نقله العلماء عنه فنقل الفربري عنه أنه قال: "ما وضعتُ في كتابي الصَّحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصليتُ ركعتين"، ونقل عمر بن محمد البحيريُّ عنه أنه قال: "ما أدخلتُ فيه -يعني الجامع الصحيح- حديثاً إلا بعد ما استخرتُ الله تعالى وصليتُ ركعتين وتيقَّنت صحته". ونقل عنه عبدُ الرحمن بن رساين البخاريّ، أنه قال: "صنَّفت كتابي الصَّحيح لست عشرة سنة، خرَّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى". ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#14 |
|
|
![]() الإمام البخاريُّ (2/2) محنة البخاريِّ ووفاته شريف عبدالعزيز (14) ![]() الكلام عن محنة البخاري يُثير في القلب شُجونًا وأحزانًا وآلامًا كثيرة؛ ذلك لأنَّ هذه المحنة بالذات ما زالت أصداؤها تتردَّد لوقتنا الحاضر، ولكن بصورة مختلفة وبأوجه جديدة، وما زالت ضروبُ هذه المحنة وأقرانها تقع كلَّ يوم وفي كل عصر وجيل، ولُبُّ هذه المحنة وأساسها الغيرة والحسد بين الأقران، فهي -كما قال البخاريُّ رحمه الله نفسه في وصيته-: "لا يسلم عالمٌ متقدِّم على أقرانه من ثلاثة أمور: طعنُ الجهلاء وملامةُ الأصدقاء وحسدُ العلماء، وهو عينُ ما جرى للبخاريِّ في محنته". وبدأت فصول محنة البخاريِّ عندما توجه إلى مدينة نيسابور، وهي من المدن الكبيرة في خراسان، فلمَّا وصل إليها خرج إليه أهلُها عن بكرة أبيهم، فلقد استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكبانًا على الخيل سوى من ركب بغلاً أو حمارًا، وسوى الرِّجال، وخرج الوُلاة والعلماء كافة لاستقباله قبل أن يدخل المدينة بمرحلتين أو ثلاثة [قرابة المائة كيلو متر مربع] وبالغوا في إكرامه بصورةٍ لم تكن لأحد قبله ولا حتى بعده. ومن روعة الاستقبال وعظيم التقدير والاحترام الَّذي وجده البخاريُّ بنيسابور، قرَّر المقام فيها لفترةٍ طويلة واتَّخذ فيها دارًا، وأخذ علماءُ نيسابور في حضِّ طلبة العلم على السَّماع من البخاريِّ، ![]() وكان رأسُ علماء نيسابور وقتها الإمامُ محمد بن يحيى الذهلي، وكان رأسًا متبوعًا مطاعًا ليس في نيسابور وحدها بل في خراسان كلِّها، الناسُ يطيعونه أكثر من طاعتهم للخليفة والوالي، وكان الذُّهليُ ممن حض الناس على الجلوس للبخاريِّ وحضور مجالسه ودروسه، والذُّهليُّ نفسه كان ممن استفاد كثيرًا من البخاريِّ، حتى إنه كان يمشي خلف البخاريِّ في الجنائز، يسأله عن الأسامي والكُنى والعِلل، والبخاريُّ يمرُّ فيه مثل السَّهم. ومع استقرار البخاريِّ في نيسابور، أخذت مجالسُ التحديث تخلو شيئًا فشيئًا من طلاب الحديث لصالح مجلس البخاريِّ حتى ظهر الخلل في مجلس كبير علماء نيسابور محمد بن يحيى الذُّهلي نفسه، عندها تحرَّكت النوازعُ البشرية المركوزة في قلوب الأقران، فدبَّ الحسد في قلب الذُّهليِّ وتسلَّلت الغيرةُ المذمومة إلى نفسه شيئًا فشيئًا، حتى وصل الأمر به لأن يخوضَ في حقِّ البخاري ويتكلمَ فيه ويرميه بتُهمةٍ البخاريُّ بريءٌ منها، فما هذه التُّهمة يا تُرى والتي كانت سبب محنة البخاريِّ؟ هذه التهمةُ هي تهمة اللفظية، وهي تعني قول القائل: أنَّ لفظي بالقرآن مخلوق، فقد قال لأصحاب الحديث إنَّ البخاريَّ يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحنوه في المجلس، فلما حضر الناسُ مجلس البخاريِّ، قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقولُ في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرضَ عنه البخاريُّ ولم يُجبه، فأعاد الرجل السؤال ثلاث مرات، فالتفت إليه البخاريُّ، وقال: "القرآنُ كلام الله غيرُ مخلوق، وأفعال العباد مخلوقةٌ، والامتحان بدعة"، أي: إنَّ البخاريَّ قد أدرك مغزى السؤال، وعلم أنه من جنس السؤالات التي لا يُراد بها وجه الله -عزَّ وجلَّ-، وإنَّما يُراد بها امتحانُ العلماء وإثارة الفتن والفرقة بين الناس، فشغب الرجل السائل على مجلس البخاريِّ، فقام الإمام منه. ![]() بعد هذه الحادثة أخذ الذُّهليُّ في التشنيع على البخاريِّ، واتهمه بالتجهم، وقال: قد أظهر البخاريُّ قول اللَّفظيَّة واللفظيَّة عندي شرٌّ من الجهميَّة، ومَن ذهب بعد إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه، ثم تمادى الذُّهليُّ في التشنيع والهجوم على البخاريِّ، ونادى عليه في الناس ومنع طلبة الحديث من الجلوس إليه، ثم ألزم كلَّ من يحضر مجلسه ألا يجلس للبخاريِّ، فقال يومًا: ألا من قال باللفظ فلا يحلُّ له أن يحضر مجلسنا، وكان في المجلس وقتَها الإمامُ الكبيرُ مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة، فقام الاثنان من مجلس الذُّهليِّ، وهذا الأمر جعل الذُّهليَّ يزداد في هجومه على البخاري، ويصل لأعلى درجات الغلوِّ والغيرة المذمومة، إذ قال بعد حادثة خروج الإمام مسلم من مجلسه: "لا يُساكنني هذا الرجلُ [يعني البخاري] في البلد" وأخذ الجهالُ والسفهاءُ يتعرَّضون للبخاريِّ في الطريق يؤذونه بالقول والفعل، مما أُجبر معه البخاريُّ في النِّهاية لأن يخرج من البلد. وبالنظر لما قام به الذُّهليُّ بحق البخاريِّ، نجد أن الذهليَّ قد تدرج في التشنيع والهجوم على الإمام البخاريّ، للوصول لغاية محددة منذ البداية، ألا وهي إخراج البخاريِّ من نيسابور حسدًا منه على مكانة البخاريِّ العلميَّة، وحتى لا ينسحبَ بساط الرياسة العلمية منه لصالح البخاري، وهذا ما فهمه البخاريُّ منذ البداية، وقاله لتلامذته ومن سأله عن هذه النازلة، فهذا تلميذه محمد بن شاذل، يقول: "دخلتُ على البخاري لمَّا وقع فيه محمد بن يحيى، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الحيلةُ لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كلُّ من يختلف إليك يُطرد؟ فقال البخاريُّ: كم يعتري محمد بن يحيى من الحسد في العلم، والعلمُ رزق الله يُعطيه من يشاء"، وقال أحمد بن سلمة: "دخلتُ على البخاريِّ فقلت: يا أبا عبد الله هذا رجلٌ مقبول بخراسان خصوصًا في هذه المدينة، وقد لجَّ في هذا ![]() الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يُكلمه فيه فما ترى؟ فقبض البخاريُّ على لحيته ثم قرأ: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر: 44]، اللهمَّ إنك تعلم أنِّي لم أُرد المقام بنيسابورَ أشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة، وقد قصدني هذا الرجل [يقصد الذُّهليّ] حسدًا لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمدُ إني خارجٌ غدًا لتتخلَّصوا من حديثه لأجلي، فقال أحمد بن سلمة: فأخبرت جماعة من أصحابنا بخروج الإمام، فوالله ما شيَّعه غيري، وكنت معه حين خرج من البلد. وبالفعل خرج البخاريُّ من نيسابور، واتجه إلى مرو من أعمال خراسان؛ ليواصل رحلته العلميَّة، فإذا بالذُّهليِّ يواصل هجومه الشَّرس على البخاريِّ، حتى بعد خروجه من نيسابور، حيثُ أخذ في الكتابة لسائر بلاد ومدن خراسانَ يحذِّرهم من البخاريِّ، وأنه يتبنَّى قول اللفظيَّة، وقد آتت هذه الحملة أُكُلها السّيّء، فكلما توجه البخاريُّ إلى بلد في خراسان وجد الناس ثائرين عليه، وكُتب الذُّهليُّ في حقه تنهال على علماء المدن وأمرائها فتُوغر الصدور وتُحرِّك الشكوك وتُسيء الظنون، حتى وصلت حدَّة الحملات التشويهية ضد البخاري، لأن يقدم رجلان من أكبر علماء الرجال في الحديث، وهما أبو حاتم وأبو زُرعة لأن يقولا: "إنَّ البخاريَّ متروكٌ"، ولا يكتبانِ حديثه بسبب مسألة اللَّفظ، وسبحانَ الله! لا أدري كيف أقدم أبو حاتم وأبو زُرعة على مثل هذه المقولة؟ وكيف تجاسرا عليه؟ والبخاريُّ حامل لواء الصناعة، ومقدم أهل السنة والجماعة، والبخاريُّ أعلى منهما كعبًا في كل باب في الحديث والفقه والحفظ، قال الذَّهبيُّ في السير: "كلامُ الأقران بعضهم في ![]() بعض لا يُعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنَّه لعداوةٍ أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمتُ أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين". وكان البخاريُّ يؤكد في كلِّ مكان أنه لم يقل إنَّ لفظه بالقرآن مخلوق، فعندما سأله الحافظُ أبو عمرو الخفاف عن هذه المسألة، فقال له: "يا أبا عمرٍو، احفظ ما أقولُ لك: مَن زعم مِن أهل نَيسابورَ وقوس والرِّي وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة، أنِّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو كذَّاب، فإني لم أقله، إلا أنِّي قلت: أفعال العباد مخلوقة"، ومعنى هذا التصريح أنَّ الذُّهليَّ الذي خاض في حقِّ البخاريِّ وشوَّه سيرته ومكانته، قد بنى حملته على البخاريّ على لازم قول البخاريِّ أنَّ الأفعال مخلوقة، فقال الذهبيُّ: إنَّ البخاري يقول: إنَّ ألفاظنا من أفعالنا وأفعالنا مخلوقة، إذًا هو يقول إن لفظي بالقرآن مخلوق، ولازمُ القول ليس بلازم، كما هو مذهب جمهور المحققين من العلماء، إلا إذا التزمه صاحب القول، أما إذا نفاه وتبرأ منه فلا يلزمه ولا يشنع عليه بسببه، قال الذَّهبيُّ: ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نُكفِّر مسلمًا موحدًا بلازم قوله وهو يفر من ذلك اللازم ويُنَزِّه ويعظم الرب، لذلك كان البخاريُّ ينفي في كلِّ موطن هذه التهمة عن نفسه ويبرأ منها. وفاته ![]() ظل البخاريُّ ينتقل من بلد لآخر، وكلَّما حلَّ ببلد طاردته الشائعاتُ، وكتب الذُّهليُّ تلاحقه في كلِّ مكان نزل به، حتى اضطرَّ في النهاية للنزول عند أحد أقاربه ببلدة خرتنك، الواقعة بين بخارى وسمرقند، لتنالَ هذه البلدة شرفاً عظيماً بأن قضى بها الإمامُ آخر أيام حياته، وقد ضاقت عليه الدنيا بما لاقاه من أهلها، وخاصة من رفقاء الدرب وأصحاب الحديث الَّذين حسدوه، وكان في شهر رمضانَ من سنة 256 هجريَّة، فقضى ليالي رمضانَ الأخيرة في القيام والدُّعاء والمناجاة والشَّكوى لربِّ الأرض والسَّموات، وكان غالبُ دعائه في تلك الليالي: "اللَّهمَّ إنَّ الأرض قد ضاقت عليَّ، فاقبضني إليك يا ربَّ العالمين". وفي ليلة الفطر من سنة 256 هجرية، صعدت الروح الطاهرة إلى بارئها بعد صلاة العشاء، فدُفن من صبيحة الفطر، وقد فاحت رائحةٌ رائعة لم يَشَمَّ الناس مثلها من قبل من قبره، ظَلَّت تفوحُ لفترة طويلة، كما ما زال علمه يفوح ويروح في كل مكان في العالم، فأين حسَّادُهُ؟ وأين الوشاة والساعون فيه؟ طواهم النسيان، وقتلتهم أحقادهم، وبقي ذكر البخاري إلي اليوم، وحتى تقوم الساعة، فهنيئاً له على ما قدَّم للأمة الإسلامية، وسلامٌ عليه إلي يوم الدين. ![]() المراجع والمصادر سير أعلام النبلاء. طبقات الحفاظ. تذكرة الحفاظ. صفة الصفوة. البداية والنهاية. مقدمة الفتح. نخبة الفكر. وفيات الأعيان. تاريخ بغداد. تهذيب الأسماء واللغات. تاريخ بغداد. شذرات الذهب. النجوم الزاهرة. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#15 |
|
|
![]() سيرة العز بن عبد السلام شريف عبدالعزيز الزهيري (15) ![]() صلاح الدنيا بصلاح الرؤساء والأمراء، وصلاح الرؤساء والأمراء بصلاح العلماء؛ لذلك العلاقة بين الصنفين علاقة خاصة ومتشابكة، لا يستغني أحدهما عن الآخر، ومتى أصبحت هذه العلاقة متضادة أو مختلفة أدى ذلك لكثير من المحن والابتلاءات، وتفسد الدنيا، وتضطرب الأحوال، ومتى كان العلماء صادعين بالحق، ثابتين على الشرع صلحت الدنيا والآخرة، ونهضت الأمة، وصمدت أمام أعدائها، ومتى نسي العلماء دورهم الريادي في إرشاد الأمراء والحكام، ونصحهم وتوجهيهم ضاعت الأمة، وصارت في مهب الريح، لا تعرف الحلال من الحرام، ولا العدو من الصديق. التعريف به: • سلطان العلماء، وبائع الملوك والأمراء، العالم الفذ، والشيخ العلامة، والمجتهد المطلق، شيخ الإسلام، وأحد الأئمة الأعلام، صاحب التصانيف النافعة، والمواقف السائرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كبير الشافعية، المفتي الكبير، الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي، المشهور بالعز بن عبد السلام. • وُلد سنة 577هـ بمدينة دمشق حاضرة الشام، وكانت وقتها قلب الإسلام النابض، وعاصمة الجهاد ضد الصليبين تحت حكم الناصر صلاح الدين الأيوبي، وكانت دمشق وقتها زاخرة بالعلماء والشيوخ والمجاهدين، وفي ذلك الجو العلمي والإيماني والجهادي نشأ الإمام العز بن عبد السلام، وبدأ في طلب العلم متأخرًا على خلاف عادة العلماء الكبار؛ فجلس إلى علماء الوقت بدمشق: مثل فخر الدين بن عساكر، وسيف الدين الآمدي، وابن الحافظ، وجعل يجتهد ويتبحر في العلوم، خاصة في الفقه الشافعي، حتى صار شيخ الشافعية في دمشق، وقد اشتهر بجودة ذهنه، وسلامة بحثه، ودقة فتواه. ![]() • جمع الإمام العز بن عبد السلام بين العلم والعمل، فلقد كان مشهورًا بالزهد والورع وشدة التحري، ومحاربة البدع والمخالفات الشرعية، محترزًا عن مواطن الشبهات، آية من آيات الله في الصدع بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يهاب أحدًا في الله عز وجل، له كثير من المواقف المشهورة التي جلبت عليه كثيرًا من المتاعب والمحن، التي جعلته رأس العلماء وإمامهم في زمانه. ثناء الناس عليه: رغم أن العصر الذي نشأ فيه العز بن عبد السلام كان زاخرًا بالعلماء والشيوخ والأعلام إلا أن العز بن عبد السلام كان شامتهم ورأسهم، ومقدمهم في كل فن، واعترف معاصروه ومن جاء بعده بإمامته وفضله وعلمه، وهذه طائفة من أقوالهم: • قال عنه تاج الدين السبكي: شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه، المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها، ولم ير مثل نفسه، ولا رأى من رآه مثله علمًا وورعًا وقيامًا في الحق، وشجاعة، وقوة جنان، وسلاطة لسان. • قال عنه تلميذه أبو شامة: كان أحق الناس بالخطابة والإمامة، وأزال كثيرًا من البدع التي كان الخطباء يفعلونها: من دق السيف على المنبر، وأبطل صلاتي الرغائب، ونصف شعبان. • قال عز الدين الحسيني: كان علم عصره في العلم، جامعًا لفنون متعددة، مضافًا إلى ما جبل عليه من ترك التكليف، مع الصلابة في الدين. • قال الذهبي: بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رياسة المذهب، مع الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين. • قال ابن كثير: العز بن عبد السلام شيخ المذهب، ومفيد أهله، وله مصنفات حسان، وبرع في المذهب، وجمع علومًا كثيرة، وأفاد الطلبة، ودرَّس بعده مدارس، وانتهت إليه رياسة الشافعية، وقُصِدَ بالفتاوى من الآفاق. ![]() • قال جلال الدين السيوطي: الشيخ عز الدين أبو محمد، شيخ الإسلام، سلطان العلماء، أخذ الأصول، وسمع الحديث، وبرع في الفقه والأصول والعربية، وقدم مصر فأقام بها أكثر من عشرين عامًا ناشرًا للعلم، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، يغلظ على الملوك فمن دونهم، وله من المصنفات والكرامات الكثير، ثم كان في آخر عمره لا يتقيد بالمذهب - يقصد الشافعي - بل اتسع نطاقه، وأفتى بما أدى إليه اجتهاده. • قال عنه ابن شاكر الكتبي: شيخ الإسلام، بقية الأعلام، الشيخ عز الدين، سمع وتفقه ودرس وأفتى، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من البلاد، وتخرج به أئمة، وله الفتاوى السديدة، وكان ناسكًا ورعًا، أمَّارًا بالمعروف، نهَّاءً عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. • قال عنه العلَّامة اليافعي: سلطان العلماء، وفحل النجباء، المقدم في عصره على سائر الأقران، بحر العلوم والمعارف، والمعظم في البلدان، ذو التحقيق والإتقان والعرفان والإيقان، وهو من الذين قيل فيهم: علمهم أكثر من تصانيفهم، لا من الذين عبارتهم دون درايتهم، ومرتبته في العلوم الظاهرة مع السابقين في الرعيل الأول. • قال العلَّامة الإسنوي: الشيخ عز الدين كان رحمه الله شيخ الإسلام علمًا وعملا وورعًا، وتصانيف وتلاميذ، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، يهين الملوك فمن دونهم، ويغلظ القول، وكان فيه مع ذلك حسن محاضرة بالنوادر والأشعار. ![]() • قال الداودي: كان كل أحد يضرب به - يقصد العز بن عبد السلام - في الزهد والعلم. مصنفاته: لم يكن للشيخ العز بن عبد السلام مصنفات كثيرة تناسب حجمه العلمي، ومكانته في علماء الأمة، ولكنه ترك مصنفات نافعة عظيمة، مازال الناس ينتفعون بها، ومن أمثلة مصنفات الشيخ رحمه الله ما يلي: 1- القواعد الكبرى المعروف، بقواعد الأحكام، وهو من أشهر كتبه، وأكثرها نفعًا وتداولا بين الناس حتى وقتنا الحاضر. 2- شجرة المعارف. 3- الدلائل المتعلقة. 4- تفسير مختصر للقرآن. 5- مختصر صحيح مسلم. 6- الغاية في اختصار النهاية. 7- بداية السول في تفضيل الرسول. 8- الفتاوى الموصلية والمصرية. ![]() 9- بيان أحوال الناس يوم القيامة. فوائد البلوى والمحن، وفيه يذكر من الآيات والأحاديث ما يصبر به أهل المحن والبلاء ويسليهم به، وقد كتبه بعد سلسلة المحن التي تعرض لها في الشام، وأجبرته على الرحيل إلى مصر. محنته: • محنة الإمام العز بن عبد السلام ترجع في الأساس لإدراكه لمهمة العلماء الربانيين، ودورهم في صيانة المجتمعات المسلمة، خاصة وقت الأزمات والنوازل، محنة العز بن عبد السلام التي تعرض لها في كل مكان حط فيه، ورحل إليه، ترجع في الأساس لشعوره الدائم والحي بأن العلماء هم أولو الأمر الحقيقيون للأمة، ولا بد من أخذ رأيهم، والعمل بمشورتهم لضمان مشروعية العمل، وسلامته من المخالفات والبدع، فلقد أراد العز أن يجعل من العلم والعلماء أئمة يسير ورائهم الناس، ويقتفون آثارهم، ويعملون بأقوالهم؛ لذلك أطلق عليه أهل العلم ومعاصروه لقب سلطان العلماء. محنته في الشام: • وُلد العز بن عبد السلام بدمشق أيام حكم الناصر صلاح الدين، ونشأ وترعرع في أيام العزة والكرامة والنصر، واسترجاع بيت المقدس، وشهد العز انحسار الوجود الصليبي بالشام، وشهد أيضًا الحملة الصليبية الخامسة والسادسة على العالم الإسلامي، والبطولات العظيمة التي أبداها المسلمون في صد تلك الحملات البربرية، ثم شهد الإمام التراجعات التي حصلت على مستوى القيادة في العالم الإسلامي، والصراع الشرس الذي حدث بين أمراء الأسرة الأيوبية على أماكن النفوذ في مصر والشام، الذي هوى ببعضهم - وهو الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق - لأحد دركات الأخلاق والدين؛ حيث تحالف مع الصليبين ضد ابن أخيه الملك نجم الدين أيوب صاحب مصر، وذلك من أجل الاستيلاء على حكم مصر. ![]() • ففي سنة 639هـ تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين ضد ابن أخيه نجم الدين أيوب، وأعطاهم نظير ذلك مدينة صيدا الساحلية، وقلعة الشقيف، وأباح لهم دخول دمشق؛ وذلك لأول مرة منذ اشتعال الحملات الصليبية، وأباح لهم شراء السلاح والمؤن، وكان العز بن عبد السلام وقتها خطيب الجامع الأموي، ومفتي الشافعية، ورأس علماء دمشق، فصعد الشيخ العز على منبر الجامع يوم الجمعة، وألقى خطبة نادرة من العيار الثقيل: أفتى فيها بحرمة البيع والشراء مع الصليبين، وشدد على التحريم، وأنكر على الصالح إسماعيل فعلته، وفي آخر الخطبة ترك الدعاء للصالح إسماعيل كما هي العادة، وقال بدلاً من ذلك قولته الشهيرة التي صارت مثلاً سائرًا، ودعاءً متداولاً: اللهم أبرم لهذه الأمَّة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر. • كان قطع الدعاء في الخطبة للصالح إسماعيل بمثابة إعلان خلعٍ وعزلٍ من قبل العز بن عبد السلام، فاستشاط الصالح إسماعيل غضبًا، وقامت قيامته، وعزل الشيخ العز عن الخطابة والإفتاء، وأمر باعتقاله، فأخذ الغضب يسري في أوساط الشعب الدمشقي الذي كره الصالح إسماعيل وجرائمه، وكان للصالح إسماعيل وزير سوء يزين له كل جرائمه - وهو غزال المسلماني - فنصحه باستمالة الشيخ العز بن عبد السلام، وإغرائه بإرجاعه لكافة مناصبه الدينية من خطابة وإفتاء، مع امتيازات أخرى، وذلك نظير خضوع العز بن عبد السلام للصالح إسماعيل، وتقبيله ليده في محضر عام من الناس. • فلما جاء الرسول للشيخ العز بن عبد السلام برسالة الصالح إسماعيل جاءت إجابته غرة على جبين العلم والعلماء، ومفخرة لكل عالم رباني عبر العصور تتناقلها الأجيال، حيث قال للرسول: يا ![]() مسكين، ما أرضاه أن يُقَبلَ يدِي فضلاً أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به. وعندها أمر الصالح إسماعيل باعتقاله مرة أخرى، والتشديد عليه. • استعد الصالح إسماعيل للخروج من دمشق بصحبة الصليبين للهجوم على مصر، وأخذها من ابن أخيه نجم الدين أيوب، ولكنه خاف من وجود الشيخ العز في دمشق، وتخوف من قيام الناس بإخراجه من السجن، وثورتهم عليه، فاصطحب الشيخ العز معه في معسكره مع الصليبين، وفي الطريق وقعت عدة كرامات للشيخ، وأثنى عليه الصليبيون كثيرًا، حتى قال كبيرهم للصالح إسماعيل: لو كان هذا الشيخ قسيسنا لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها. • وبعد أن أعيت الصالح إسماعيل السبل، وفشلت كل ضغوطه على الشيخ العز بن عبد السلام، قرر أن ينفيه عن بلاد الشام كلها، فخرج الشيخ العز بن عبد السلام، ومعه أبو عمرو الحاجب شيخ المالكية، وكان مثله في العلم والصدع بالحق، وتوجه الإمامان إلى بلاد مصر ليبدآ فصلا جديدًا من العزة، وأيضًا المحنة. محنته في مصر: • خرج الشيخ العز بن عبد السلام من دمشق باتجاه مصر، فلما مر بمدينة الكرك تلقاه صاحبها "الناصر داود"، وطلب منه الإقامة عنده فقال له الشيخ العز: بلدك صغير على علمي، وهكذا يبرهن الشيخ العز على مدى اعتزازه بعلمه، وبمنزلة العلماء وقدرهم؛ فهو كما قلنا كان يؤكد في كل مرة، وفي كل موطن على مكانة العلم والعلماء، وقيادتهم للأمة. • توجه الشيخ إلى القاهرة، وهناك تلقاه السلطان نجم الدين أيوب، وأحسن استقباله وقدَّر مواقفه التي أبداها بالشام، وولاه خطابة جامع عمرو بن العاص وقضاء الوجه القبلي، وانبسط الشيخ، ![]() وأخذ في التدريس والإفتاء، وكان أول من تصدى لعمل التفسير في الجامع على شكل دروس يومية، والتف حوله الناس وطلبة العلم والعلماء، والشيخ مستمر على حاله: من الصدع بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على السلطان نفسه فما دونه، حتى هابه الجميع. • شيئًا فشيئًا ثَقلت وطأة الشيخ العز على الأمراء والأعيان، ورجال الدولة الذين لم يعجبهم وجود مثل ذلك الشيخ، الذي أحيا شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس؛ ووصلت قوة الشيخ وجرأته في الحق إلى أن يسقط عدالة وشهادة نائب السلطان: الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، بسبب قيامه ببناء طبلخانة - دار للطبول التي تدق أوقات الصلوات، وخروج السلطان - على ظهر جامع بالقاهرة، وقد ظل الأمير فخر الدين ساقط الشهادة حتى مات، حتى إن الخليفة العباسي المستعصم ببغداد رفض رسالة جاءته من السلطان نجم الدين أيوب بسبب أن مؤدي الرسالة هو الأمير فخر الدين، وبعد تلك الحادثة عزل الشيخ نفسه عن القضاء. • ثم وقعت حادثة أخرى، وهي الأشهر في تاريخ الشيخ، والتي تدل على مدى عزته ومكانته، وهي حادثة بيعه للأمراء المماليك، فقد ثبت عنده أن معظم هؤلاء الأمراء ما زالوا رقيقًا لا يصح لهم أي تعامل من أي نوع، فاستشاط الأمراء غضبًا، وأوغروا صدر السلطان على الشيخ العز؛ فاستدعاه، وأغلظ له القول، فما كان من الشيخ العز إلا أن حمل متاعه على حمار، وأركب عائلته على حمار آخر، وخرج من مصر؛ فمشى خلفه رجال ونساء، وخرج معه العلماء والصالحون والتجار، فبلغ الخبر السلطان، وقيل له: متى خرج الشيخ العز ذهب ملكك، فركب السلطان بنفسه واسترضاه وطيب قلبه، وترجاه من أجل العودة. ![]() • عاد الشيخ للقاهرة بشرط أن يتم بيع الأمراء والأرقاء، فوافق السلطان، فلما علم كبير الأمراء بذلك حاول استمالة الشيخ ليرجع عن رأيه، ولكن الشيخ صمم، فانزعج كبير الأمراء بشدة، وقرر قتل الشيخ بنفسه، وذهب إلى دار الشيخ في جماعة من فرسانه، وأحاطوا بالدار، وسيوفهم مشهرة، فلما رآهم عبد اللطيف ابن الشيخ العز ارتعد فزعًا، ودخل على أبيه يخبره، فما اكترث لذلك، ولا تغير، وقال كلمته الشهيرة: يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله، ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل عليهم؛ فحين وقع بصره على الأمير يبست يد النائب، وسقط السيف منها، وارتعدت مفاصله وبكى، وسأل الشيخ أن يدعو له، ووافق على أن يباع هو وزملاؤه الأمراء، وتم ما أراد الشيخ، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا، وغالى في ثمنهم، وقبضه، وصرفه في وجوه الخير. • ولما تولى سيف الدين قطز السلطنة، والتتار على أبواب الشام ومصر، وجمع قطز العلماء والفقهاء واستشارهم في جمع الأموال من الناس لتمويل الجيش ضد التتار؛ فما تكلم أحد من الحاضرين مهابة من السلطان غير الشيخ العز الذي قال: لا يجوز ذلك إلا بعد أن ينفق السلطان والأمراء وقادة الجند ما في قصورهم من كنوز وأموال حتى يستووا مع سائر الناس في المأكل والملبس والسلاح، عندها يجوز للسلطان أن يأخذ من أموال الشعب للتمويل الحربي. • بالجملة كانت حياة الشيخ العز بن عبد السلام عبارة عن سلسلة متواصلة من الصدع بالحق، والثبات على الدين، والتصدي للباطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما جعل حياة الشيخ مقترنة بالمحن والابتلاءات والتهديدات الدائمة، ومع ذلك لم يهادن ولم يداهن، ولم يتراجع، بل ثبات حتى الممات، لذلك استحق لقب سلطان العلماء. المصادر والمراجع: ![]() • طبقات الشافعية: (8/ 214). • البداية والنهاية: (13/ 264). • العبر للذهبي: (5/ 260). • شذرات الذهب: (5/ 302). • حسن المحاضرة: (1/ 343). • طبقات المفسرين: (1/ 312). • العز بن عبد السلام/ للدكتور الزحيلي. • تراجم أعلام السلف: (621). ترويض المحن - دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430 هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#16 |
|
|
![]() محنة الإمام ابن القيم شريف عبدالعزيز الزهيري (16) ![]() بين يدي المحنة: الإسلام هو دين الفطرة الذي اختاره الله عز وجل للبشرية كلها، فيه سعادتها وراحتها، فيه الإجابة على كل سؤالات البشر، وفيه مواءمة طلباتهم الكثيرة والمتغيرة، لذلك كان الاجتهاد من أهم آليات وأدوات هذه الموائمة، وجعل الله عز وجل للمجتهد الأجر والثواب على كل حال، أصاب أم أخطأ، ولا يزال للاجتهاد والمجتهدين على مر العصور الأعداء والعقبات التي تعيق حركة هذا الدين ومرونته، ويعتبر التقليد والتعصب المذهبي من أشد أعداء الاجتهاد - وباسمه على يد أتباعه وحراسه وسدنته - نال المجتهدون على مر العصور الكثير من المحن والابتلاءات، وهذه محنة واحدة منهم. التعريف به: هو الإمام الفذ، والعلم المتبحر، والمفسر المحدث، طبيب القلوب وعللِها، وخبير النفوس وآفاتها، صاحب التصانيف الرائعة، والمصنفات النافعة، الإمام أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر أيوب بن سعد بن حريز بن مكي الزرعي الدمشقي الحنبلي، المشهور بابن قيم الجوزية، أو ابن القيم، نسبة إلى أبيه الذي كان قَيمًا - ناظرًا - على المدرسة الجوزية (إحدى مدارس الفقه الحنبلي بدمشق). ولد سنة 691هـ بدمشق - على الراجح من كلام المؤرخين - في أسرة علمية خالصة؛ إذ كان أبوه الشيخ أبو بكر قَيمًا على المدرسة الجوزية، فانتظم ابن القيم في الدرس، وطلب العلم وهو في السابعة، فدرس على يدي مدرسي الجوزية وغيرهم، وظهرت منه مثابرة عظيمة في طلب العلم، ورغبة صادقة في النبوغ والألمعية، حتى إنه قد أتقن علومًا عدة وهو دون العشرين من العمر، ولم يكتف بطلب العلم من مشايخ الحنابلة الذين ينتمي إلى مذهبهم، ولكن طلبه من سائر الشيوخ، وأرباب المذاهب؛ فلقد درس على يد العلامة ابن الزملكاني الشافعي، والحافظ المزي الشافعي، ومجد الدين التونسي المالكي، والصفي الهندي الحنفي، وهكذا طاف على شيوخ المذاهب، وحتى من بساتين علومهم، حتى صار من العلماء المتبحرين الموسوعيين في تلك الفترة الزاخرة بالعلماء والأعلام. ![]() كان ابن القيم كعادة العلماء الربانيين في الأمة يجمع بين العلم والعمل، فهو ليس كمن بليت بهم الأمة - أمة الإسلام - ممن ينتسب إلى العلم زورًا، فيقول ولا يعمل، وينصح ولا يرتدع، ويعظ ولا يتعظ، فلقد كان ابن القيم رحمه الله ذا عبادة وزهادة، وتهجد واجتهاد، سائرًا في مدارج الربانيين، دائم الذكر، طويل الفكر، يطيل الصلاة بصورة لم يقو على مثلها أشد أهل زمانه عبادة، حتى إن الناس كانوا يلومونه على طولها، ويقعون فيه بسبب ذلك، وهو لا يرجع عن طريقته تلك، التي هي من طراز السابقين الأولين. وبجانب عبادته واجتهاده - الذي لم يلحق شأوه فيها أحد - كان ابن القيم سمح الأخلاق، كبير الاحتمال، سريع العفو، كثير التودد، وأوذي كثيرًا، فلم تسمع منه كلمة واحدة في حق من آذاه، عفا عمن ظلمه، وجعل أجره على الله عز وجل، على الرغم من كثرة الوشايات والسعايات في عصره، إلا أنه لم يتلوث بشيء منها قط؛ لذلك طوى الزمان ذكر خصومه وأعدائه، على الرغم من كون بعضهم من العلماء الكبار، فلم يعد يعرفهم أحد، ورفع ذكره فصار أستاذا، وقدوة للسالكين حتى وقتنا الحاضر. ثناء الناس عليه: ثناء الناس وأهل العلم على ابن القيم رحمه لله - خاصة من معاصريه، ومن جاء بعده - أصدق شهادة على مكانة هذا الإمام الفذ، الذي اجتهد خصومه من أرباب التصوف الكاذب، والمقلدة والمتعصبة والحسدة في طمس حسناته ومكانته وتشويه سيرته، ولكن كما قيل: كفا بالحاسد والحاقد عقوبة من نفسه، وثناء الناس وأهل العلم على ابن القيم من جملة عقوبة الله عز وجل لهؤلاء الحسدة والمتعصبة، وهذا طرفٌ من ثناء الناس على هذا الإمام الفذ: قال عنه ابن رجب الحنبلي - وهو من أخص تلاميذه -: تفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين بن تيمية، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا في التفسير، لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيه المنتهي، والحديث، ومعانيه، وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولي، وعلم الكلام والنحو، وغير ذلك، وكان عالما بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولي. ![]() قال ابن ناصر الدمشقي: وكان ذا فنون من العلوم، وخاصة التفسير والأصول من المنطق والمفهوم. وقال عنه ابن كثير: سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين، ولما عاد شيخ الإسلام من الديار المصرية سنة 712هـ لازمه حتى مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًا جمع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا ونهارًا، وقال لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه. قال عنه القاضي الزرعي: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه. قال عنه الشوكاني: برع في شتى العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف. قال الحافظ ابن ناصر الدين الشافعي: الشيخ الإمام العلامة شمس الدين، أحد المحققين، عَلَمُ المصنفين، نادرة المفسرين، له التصانيف الأنيقة، والتآليف التي فيها علوم الشريعة والحقيقة. قال عنه ابن رجب في موضع آخر: وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، ولم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. قال عنه الحافظ السيوطي: وصار من الأئمة الكبار في التفسير والحديث والفروع والأصلين والعربية. وقال عنه القاضي عبد الرحمن التفهني الحنفي في معرض سياقه لترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية: وتلميذه ابن قيم الجوزية الذي سارت تصانيفه في الآفاق، ولو لم يكن له - أي ابن تيمية - من آثار إلا ما اتصف به تلميذه ابن القيم من العلم لكفى. ![]() مصنفاته: أهم ما يميز هذا الإمام الفذ ابن القيم هو تراثه العلمي والفكري الذي تركه للأمة، وأثرى به المكتبة الإسلامية؛ فلقد رزقه الله عز وجل ذهنا سيالا، وقلما دفاقًا، وبركة في أوقاته التي كانت عامرة كلها بالنافع والصالح لنفسه، وللأمة كلها، ورغم تبحره في علوم كثيرة، وتأليفه في شتى أبواب العلم، خاصة في الأصول والعقائد والحديث إلا أن أكثر ما يميزه كتاباته ومؤلفاته في علم السلوك والرقائق، وأدواء النفوس، ومقامات الإيمان، وله في ذلك المصنفات الرائعة الفائقة، والتي أربى فيها على المتقدمين، ولم يلحقه أحد من المتأخرين، والتي صارت بمثابة العلامات المضيئة في تاريخ التصنيف والتأليف في باب الرقائق، والتي جعلت الإمام ابن القيم يتبوأ مكانة ساحقة كواحد من أفضل من كتب في أحوال القلوب والنفوس، ومن أهم مصنفات الإمام ابن القيم، وكلها بفضل الله عز وجل مطبوعة ومتداولة - ما يلي: أولا: مصنفاته في العقائد: 1- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية. 2- الرسالة التبوكية. 3- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. 4- هداية الحياري في أجوبة اليهود والنصارى. 5- الكافية الشافية (النونية). ثانيا: مصنفاته في الأصول والفقه: ![]() 1- إعلام الموقعين عن رب العالمين. 2- أحكام أهل الذمة. 3- إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان. 4- تحفة المودود في أحكام المولود. 5- حكم تارك الصلاة. 1- الطرق الحكمية في السياسية الشرعية. ثالثا: مصنفاته في السلوك والرقائق وأحوال القلوب - وهي الأشهر-: 1- مدارج السالكين، وهو أشهر كتبه، وأكثرها تأثيرًا. 2- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان. 3- بدائع الفوائد. 4- حادى الأرواح. 5- الداء والدواء. 6- روضة المحبين. رابعا: مصنفاته في الحديث والسيرة وغير ذلك: 1- تهذيب مختصر سنن أبي داود. 2- زاد المعاد في هدي خير العباد. 3- التبيان في أقسام القرآن. ![]() 4- جلاء الأفهام. 5- الطب النبوي. 6- عدة الصابرين. 7- الفروسية الشرعية. 8- الكلم الطيب والعمل الصالح، المشهور باسم الوابل الصيب. 9- مفتاح دار السعادة. 10- المنار المنيف في الصحيح والضعيف. محنته: من لطف الله عز وجل وتقديره لابن القيم أنه التقى بشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فلقد كان مع ابن القيم في بداياته صوفيًّا، مشغولا بما هم عليه من عوايد وطرق، حتى التقى مع ابن تيمية سنة 712هـ عند عودته من مصر مظفرًا مرفوع الرأس؛ بعد أن نصره الله عز وجل على خصومه الصوفية هناك بعد محن طويلة، وفصول عريضة، وكان لقاؤه مع ابن تيمية نقطة فاصلة في حياته؛ إذ انتقل من التصوف إلى الحق والسنة، وطريقة السلف الصالح في العقائد والأصول، وقد أخذ ابن تيمية بمجامع قلب ابن القيم، وأصبح مرشده العلمي والدعوي، وأصبح ابن القيم من أخص وأنجب تلاميذ ابن تيمية، وأصبح كلاهما يعبر عن الآخر، وكذلك أصبح ابن القيم امتداد لابن تيمية، وقد لزم أقواله وآراءه وأفكاره، ولم يخرج عنها، وبالتالي تعرض ابن القيم لنفس المحن التي تعرض لها ابن ![]() تيمية، وكان شريكه وقرينه فيها. محنته مع شيخ الإسلام ابن تيمية: قلنا من قبل أن حياة ابن تيمية كانت مسلسلا متواصلا من المحن والابتلاءات، وكانت بداية العلاقة بين ابن القيم وابن تيمية سنة 712هـ بعد عودته من مصر منتصرًا على خصومه من الصوفية، وقد شهدت هذه الفترة من سنة 712هـ إلى سنة 720هـ هدنة من المحن في حياة ابن تيمية مكنته من نشر أفكاره وفتاواه وعلمه، وتهيئته لمجموعة من التلاميذ الذين سيحملون المنهج السلفي، وينشرونه بين الناس، ومن هؤلاء - بل وعلى رأسهم - الإمام ابن القيم. في سنة 725هـ خرج ابن القيم حاجًّا، وأثناء عودته عقد درسًا للوعظ والتفسير بالمسجد الأقصى، تكلم فيه عن مسألة الزيارة، وشد الرحال لزيارة قبر الخليل بفلسطين وأنكرها؛ فهاج عليه الناس وثاروا، ورفعوه إلى قاضي القضاة؛ فحكم بردته وقتله. وانظر كيف وصل الحال بالتعصب والجهل، يهدر دم امرئ مسلم، بل عالم رباني على فتوى صحيحة، واستطال الأمر، وعظمت المحنة، وانتهز خصوم ابن تيمية من الصوفية والأشاعرة، وغيرهم الفرصة، وألبوا الفقهاء والعلماء والسلطة على ابن تيمية، وكل من ينتمي إلى مدرسته، فقبضوا على ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والكتبي، والبرزالي، وغيرهم، وآذوهم بشدة، وشهروهم في دمشق، وكان لابن القيم النصيب الأوفر؛ إذ ضرب بين يدي القاضي والأمير، وأهين بشدة، ثم حمل على حمار مقلوبًا، وطيف به في أنحاء دمشق كما يفعل مع السراق والمفسدين، ثم ألقوا به في ![]() السجن مع شيخه ابن تيمية، ولكن بصورة انفرادية، وظل رهين حبسه حتى مات شيخه ابن تيمية سنة 728هـ، وخلال تلك الفترة الطويلة انشغل ابن القيم بالذكر والمناجاة والدعاء، وقراءة القرآن؛ ففتح الله عز وجل له أبوابًا كثيرة من العلم والتدبر والفهم، والمواجد الصحيحة، وقد بان أثر ذلك في كتاباته بعدها؛ فجاءت من قلم مجرب، وقلب متبتل، ومعايشة محنة، وبعد وفاة شيخ الإسلام ابن تيمية أفرجوا عن ابن القيم. محنته مع قاضي القضاة السبكي: بعد خروج الإمام ابن القيم من سجنه ومحنته أخذ على عاتقه نشر أفكار شيخ الإسلام ابن تيمية، والمحافظة على منهجه ومدرسته التي أرسى دعائمها بكثير من الجهد والنصب والمحن، حتى مات من أجلها في سجون الظالمين، وقد أصبح ابن القيم هو رائد المدرسة التجديدية بعد رحيل ابن تيمية، لذلك كان من الطبيعي أن يتعرض ابن القيم لنفس الحملات التشويهية والتعريضية التي سبق وأن تعرض لها شيخه. اجتهد الإمام ابن القيم كثيرًا لرد أهل عصره لهدي القرون الأولى، والتصدي للبدع التي تسربت لحياة المسلمين، والتي ليست من الدين في شيء، وكان الأشاعرة وقتها من أشد خصوم ابن تيمية ومنهجه السلفي، وكل من ينتمي إلى السلفية، وكانت الدولة للأشاعرة؛ فاستخدموا نفوذهم، ومساندة السلطة لهم في قمع أتباع المنهج السلفي، وكان قاضي القضاة في بلاد الشام تقي الدين السبكي: وهو واحد من أسرة عريقة في العلم وفي القضاء، وأيضًا من أشهر الأسر تمسكا بالمذهب الأشعري، وكان للسبكية صولات وجولات مع أتباع المنهج السلفي، وبالأخص تقي الدين ![]() السبكي كان أشدهم قسوة ونقدًا وتحاملا على ابن تيمية وتلاميذه. تولى تقي الدين السبكي منصب قاضي القضاة بالشام سنة 739هـ، وابن القيم وقتها يعتبر علم المدرسة السلفية، فتحامل عليه بشدة، وصار يتتبعه في فتاواه وآرائه، وينتقده، ويؤلب عليه السلطة، حتى إن السبكي قد عقد له مجلسًا بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل، وأجبره على التراجع عنها، ثم سعى في سجنه بسبب تصديه لمسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وهي الفتوى التي سبق وأن أفتاها ابن تيمية، وأوذي بسببها، وبالفعل تسبب السبكي في سجن ابن القيم فترة من الوقت، ومن شدة تضييق تقي الدين السبكي على الإمام ابن القيم اضطره للرحيل إلى مكة؛ حيث جاور هناك فترة طويلة من الزمن، استغلها في العبادة والإقبال على الله عز وجل، والتأليف والتصنيف، فألف في تلك الفترة أروع كتبه مثل: بدائع الفوائد، ومدارج السالكين، وزاد المعاد، ومفتاح دار السعادة. ورغم كثرة المحن والابتلاءات التي تعرض لها الإمام ابن القيم، والإهانة والضرب والجبس الذي تعرض له: صغيرًا وكبيرًا، تلميذًا وإمامًا، إلا أنه لم يغير موقفه وآراءه، ومنهجه ودعوته، وظل على طريقه ودربه سائرًا، ينفع الناس، ويحارب البدع والخرافات والأفكار المخالفة للإسلام، وقد جعل هدفه في الحياة العودة بالناس لمنابع الدين الصافية النقية؛ لذلك لما رحل عن دنيانا في رجب 751هـ خرجت دمشق عن بكرة أبيها لتودع هذا الإمام الفذ العلامة، وقد تأسف الجميع لرحيله، حتى خصومه؛ لما كان عليه من العلم والفضل، والأخلاق الحسنة، ولم تنل المحنة منه، ولم تؤثر على مكانته ودرجته، وظل لوقتنا الحاضر يتبوأ منزلة ساحقة في تاريخ علماء الأمة وأعلامها. ![]() المصادر والمراجع • الدرر الكامنة: (4/ 21). • البدر الطالع: (2/ 113). • المختار المصون: (184). • البداية والنهاية: (14/ 252). • تراجم أعلام السلف: (695). • ذيل طبقات الحنابلة: (20/ 448). • شذرات الذهب: (3/ 168). • النجوم الزاهرة: (10/ 249). ترويض المحن - دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430 هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#17 |
|
|
![]() الإمام أبو الفرج ابن الجوزي شريف عبدالعزيز الزهيري (17) ![]() طريق العلماء الربانيين مليء بالابتلاءات والمحن، وهم يعرفون ذلك جيدًا، ولكن بعض البلايا والمحن تكون أشد وقعًا وأثرًا من غيرها، فمثلاً إذا كانت المحنة من أقارب العالم وأهله فهي أشد وقعًا من غيرها، وإذا كانت المحنة عند تقدم السن، واشتعال الرأس فهي أشد وقعًا من غيرها، وإذا كانت المحنة ستشرد صاحبها وتنفيه وحيدًا عن أهله وبلده فهي أشد وقعًا من غيرها، وإذا كانت المحنة ستنقل صاحبها من المكانة والشهرة والإمامة إلى الهجر والنسيان والإهانة فهي أشد وقعًا من غيرها، وأما إذا اجتمعت كل هذه الشروط والعناصر في المحنة والبلية، ثم يروضها صاحبها، ويستفيد منها، ويحولها إلى منحة عظيمة؛ فهذا أمر جدير بالكتابة، والاستفادة منه. التعريف به: ![]() هو الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ صناعة الوعظ، درة المجالس، وجامع الفنون، وصاحب التصانيف الكثيرة، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن الجوزي، ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين، وخليفة رسول صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ولد ابن الجوزي سنة 510هـ ببغداد، ومات أبوه وله ثلاثة أعوام، فتولت عمته تربيته لزواج أمه، فنشأ ابن الجوزي يتيمًا: يتنقل بين أقاربه الذين كانوا يعملون في تجارة معدن النحاس، فلما أنست منه عمته عزوفًا عن اللهو والتجارة دفعت به إلى طريق العلم، فلزم مسجد محمد بن ناصر الحافظ، وجلس لسماع الدروس والحديث، ثم لزم حلقة الشيخ ابن الزغواني شيخ حنابلة العراق، فظهر نجمه، وتقدم على أقرانه، وكان وهو صبي دينًا مجموعًا على نفسه لا يخالط أحدًا، ولا يجاري أترابه في لهوهم ولعبهم. كان ابن الجوزي طموحًا، فيه بهاء وترفع في نفسه، دفعه لأن يطلب الجلوس مكان شيخه الزاغوني بعد وفاته، وكان وقتها شابًا دون العشرين، فأنكروا عليه ذلك؛ فاشتغل بالوعظ، وكان فنًّا رائجًا، وبضاعة نافقة في تلك الأيام، وبغداد زاخرة بالوعاظ: الكبار منهم والصغار؛ فبذ الجميع، وتفرد بفن الوعظ، الذي لم يُسْبَقْ إليه، ولا يلحق شأوه فيه وفي طريقته وشكله، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته، وجمال عباراته، ورائع تشبيهاته، وغوصه في المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية، بأيسر وأوجز عبارة، حتى صار إمام صناعة الوعظ والتذكير، ومفخرة بغداد بلا نظير، وتهافت الناس على حضور مجالسه، وحضرها الخلفاء والوزراء، والكبراء والأمراء، والعلماء، والأغنياء والفقراء، كل على حد السواء، حتى عد عشرات الألوف من الناس في المجلس الواحد من مجالسه، وله العبارات المأثورة، والكلمات المؤثرة المشهورة. ورغم تفرده وإمامته لفن الوعظ إلا أن له مشاركات كثيرة في فنون شتى، وله اليد الطولى في فن التفسير والتاريخ والفقه، ودون ذلك في الحديث والحساب والفلك والطب، وله في كل فن عدة مصنفات، حتى صار رأس علماء العراق في زمانه، وهذا التقدم والرياسة والاحتشام والسؤدد، جلب عليه كثيرًا من عداوة الخصوم والأقران، وأتباع المذاهب الأخرى، وكان له دور ظاهر في تأجيج تلك العداوات بحدة لسانه، وهجومه اللاذع على الصوفية والفقراء، وبعض معاصريه. ثناء الناس عليه: ![]() لم يكن ابن الجوزي مثل غيره من كبار علماء الأمة، الذين كانوا كلمة إجماع بين الناس، ولم يخض في حقهم أحد، ذلك أن لابن الجوزي عداوات كثيرة، وخصومات عديدة أزكاها بحدة لسانه، وقوة نقده، وجهره بآرائه، واعترازه الشديد بنفسه، ولكن لا يقلل ذلك كله من تقدير الناس لعلمه وإمامته، وتبحره في فنون شتى، وهذه طائفة من أقوال الناس عنه، وثنائهم عليه: قال الإمام الذهبي: كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهًا، ويسهب، ويعجب، ويطرب، ويطنب، لم يأت قبله ولا بعده مثله؛ فهو حامل لواء الوعظ، والقيِّم بفنونه، مع الشكل الحسن، والصوت الطيب، والوقع في النفوس، وحسن السيرة، وكان بحرًا في التفسير، علامة في السير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث، ومعرفة فنونه، فقيهًا، عليمًا بالإجماع والاختلاف، جيد المشاركة في الطب، ذا تفنن وفهم وذكاء، وحفظ واستحضار.... قال أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه: شيخنا جمال الدين صاحب التصانيف في فنون العلوم: من التفسير والفقه والحديث والتواريخ وغير ذلك، وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وكان من أحسن الناس كلامًا، وأتمهم نظامًا، وأعذبهم لسانًا، وأجودهم بيانًا، وبورك له في عمره وعمله. قال الموفق عبد اللطيف المقدسي: كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المفاكهة، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، لا يضيع من زمانه شيئًا، يكتب في اليوم أربع كراريس، وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية. قال الإمام ابن قدامة المقدسي: ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، كان يصنف في الفقه، ويدرس وكان حافظًا للحديث، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة، ذلك أن ابن الجوزي قد خالف الحنابلة في الكثير من مسائل الاعتقاد، حتى جلب على نفسه كثيرًا من المشاكل. مصنفاته: ![]() يعتبر الإمام ابن الجوزي من العلماء الموسوعيين الكبار في أمة الإسلام؛ فلقد كان متبحرًا في فنون كثيرة، له فيها مشاركات ومصنفات فائقة، ومؤلفات رائقة زادت على الثلاثمائة مصنف، كثير منها في فن الوعظ والتذكير، والأخلاق والرقائق، وله في كل فن عدة كتب، ومن أشهر مصنفاته كتاب زاد المسير في التفسير، وهو مطبوع متداول، وكتاب المنتظم في التاريخ، وهو من كتب التاريخ المشهورة والشاملة، أكمل كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري، وله كتاب الموضوعات في الحديث؛ وهو أول من أفرد الأحاديث الموضوعة بمصنف، وعلى منواله نسج من جاء بعده، وكتاب صفة الصفوة في أخبار الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم من طبقات القرون الثلاث الفاضلة، وكتاب تلبيس إبليس في كشف فضائح الصوفية، وصيد الخاطر في اللطائف والإشارات، ومنهاج القاصدين؛ وهو مختصر لطيف لكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وله سلسلة المناقب والفضائل للنبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة والصالحين والأئمة والعلماء، وكثير من كتبه قد ضاعت في محنته؛ إذ تسلط عليها ابنه العاق أبو القاسم عليٌّ فباعها بالأحمال بيع العبيد لمن يزيد، ولكن معظم إنتاجه العلمي مطبوع متداول بفضل الله عز وجل، ومازال الناس ينتفعون به ويدرسونه، وما من خطيب ولا واعظ إلا ولابن الجوزي عليه فضل الاقتباس من كلامه، وكتبه الفائقة. محنته: ![]() رغم أن المحنة التي تعرض لها الإمام ابن الجوزي كانت في آخر عمره، إلا إن أسباب تلك المحنة كانت قديمة، وبعيدة الجذور، وذلك لأمرين: أولهما متعلق بالأجواء السائدة في بغداد خلال القرن السادس الهجري، وثانيهما متعلق بطبيعة شخصية ابن الجوزي، والتي أورثته خصومة وعداوة الكثيرين. فبغداد، ومنذ سيطرة الدولة السلجوقية على مقدرات الخلافة العباسية، وظهور شخصية الوزير الشهير نظام الملك، أخذ أتباع المذهب الشافعي، والعقيدة الأشعرية في الظهور والتحكم في الساحة العلمية لبغداد عاصمة الخلافة، والسيطرة على حلق العلم والمدارس الفقهية، ومحاريب الجوامع، وكانت تلك المكانة من قبل بيد أتباع المذهب الحنبلي، والعقيدة السلفية، فلما ظهر الشافعية استطالوا بشدة على الحنابلة، وضيقوا عليهم في المجالس والمدارس، ودخلوا معهم في مهاترات حامية بسبب العقائد، وشنعوا عليهم، وظل الأمر على ما هو عليه فترة طويلة، حتى ظهرت شخصية الإمام ابن الجوزي، الذي استطاع أن يستقطب الناس إلى مجالس وعظه، ويبهرهم بفريد عباراته، وفائق تذكيراته، فحضر مجالسه عشرات الآلاف من الكبار والصغار، والرجال والنساء، وحضرها الخليفة العباسي نفسه، والسلطان السلجوقي، والوزراء والأمراء والكبراء، والأغنياء والفقراء، حتى كان يحضرها الشيعة الذين بهرهم رائع بيانه، خاصة وابن الجوزي كان من يداري ويهادن، ولا يخوض في الخلافيات، بالجملة أصبح ابن الجوزي حديث الناس، وأشهر علماء بغداد والعراق، وقد أدى ذلك لارتفاع مكانة الحنابلة، وإقبال الناس على شيوخ المذهب، وذلك الأمر أغاظ أتباع باقي المذاهب عامة، والشافعية خاصة. وفي سنة 550هـ استوزر الخليفة العباسي المقتفي بالله الوزير عون الدين بن هبيرة، وكان من خيار الوزراء، وأفاضل العلماء، وكان حنبليًّا سلفيًّا، وقد اجتهد ذلك الوزير الصالح في إقامة الدولة ![]() العباسية، واستعادة هيبة الخلافة، وحسم مادة ملوك السلاجقة، وكان ذلك الوزير مصاحبًا لابن الجوزي قبل ذلك، فلما صار في الوزارة قرب ابن الجوزي واصطفاه لمجالسه ومشورته، وارتفعت مكانة ابن الجوزي أكثر مما قبل، وكذلك الحنابلة، وقد استمر ذلك الوزير في منصبه خلافة المقتفي، ثم ولده المستنجد، وكان له كثير من الخصوم لصلاحه، وكفاءته في الإدارة، والإخلاص للدولة العباسية، ومن كان خصمًا لابن هبيرة كان خصمًا لابن الجوزي معه للصداقة التي بينهما، وقد قتل ذلك الوزير الصالح بالسم سنة 560هـ، ولم يعلم قاتله، وبموته أخذ أعداء ابن الجوزي في التربص به، والكيد له. هذا الشق كان فيما يتعلق بالأمر الأول، والمتعلق بأحوال الخلافة والأجواء السائدة في بغداد، أما فيما يتعلق بالأمر الثاني؛ وهو طبيعية شخصية ابن الجوزي نفسه، فإن ابن الجوزي كان مفخرة العراق في وقته، ودرة بغداد في زمانه، شهرته طغت على علماء الوقت، فحسدوه، وغاروا من إقبال الناس عليه، وقابل ذلك هو بمزيد من الاعتداد بالنفس، والاعتزاز بالقدر حتى داخله نوع من العجب والغرور، كما أنه كان شديدًا في نقده، حادًا في ملاحظاته، لاذعًا في تعليقاته، خاصة على الوعاظ والعلماء من الشافعية والأحناف، لا يبالي بمكانة وقدر من ينتقد ويجرح، حتى خرج بنقده إلى نوع من التحامل والتعصب، وهي أمور كلها قد أورثته عداوة وخصومة الكثيرين، حتى من أصحابه الحنابلة، الذين غضبوا من انتقاده للشيخ الرباني عبد القادر الجيلاني، وكان رأس الوعاظ في العراق قبل ظهور ابن الجوزي، وفي نفس الوقت شيخ الحنابلة بالعراق. محنة آخر العمر: ![]() ظل ابن الجوزي على مكانته ومنزلته حتى تولى الخلافة الناصر لدين الله العباسي سنة 575هـ، وكان يخالف سيرة أبائه وأجداده، فقد كان أول وآخر خليفة عباسي يتشيع، ويتظاهر بذلك، ويجهر به، وقد عمل على تقريب الشيعة، فاستخدمهم في أعماله وشئونه، وبالطبع أخذت الأضواء تنحسر عن رجال أهل السنة وعلمائهم، ومنهم ابن الجوزي؛ فاستغل خصوم الرجل ذلك الأمر، وخططوا للإيقاع به. كان ألد أعداء الشيخ ابن الجوزي رجل اسمه الركن عبد السلام بن عبد الوهاب، وهو حفيد الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكان أبناء الشيخ عبد القادر وأحفاده يبغضون ابن الجوزي بشدة بسبب رأيه في الشيخ عبد القادر، وانتقاده الدائم له، وكان الركن عبد السلام ذلك أشدهم كراهية لابن الجوزي، ولكن لسبب آخر؛ وهو أنه كان رجلا رديء المعتقد على مذهب الفلاسفة، شروًبا للخمر، فأفتي ابن الجوزي بحرق كتبه؛ فأحرقت ومنعت، ثم أخذت منه مدرسة جدهم الشيخ عبد القادر الجيلاني، وأعطيت لابن الجوزي، فاغتم الركن لذلك، وقرر الإيقاع بالشيخ ابن الجوزي. العجيب أن الذي تآمر مع الركن عبد السلام في مؤامرته ضد ابن الجوزي هو أقرب الناس لابن الجوزي، ولده الكبير أبو القاسم على، وكان ماجنًا فاسقًا نديم الركن في مجالس الخمر والفجور، وكان عاقًا لأبيه، وقد هجره أبوه وإخوته لسوء أخلاقه وأفعاله؛ فتآمر أبو القاسم عليّ مع الركن عبد السلام للنيل من الشيخ ابن الجوزي. تولى الوزارة في تلك الفترة رجل شيعي اسمه ابن القصاب، وكان صديقًا للركن عبد السلام للموافقة في الاعتقاد، فسعى عنده للإيقاع بالشيخ عند الخليفة الناصر العباسي، فقال الوزير الرافضي ![]() للخليفة العباسي: أين أنت من ابن الجوزي الناصبي؟ وهو أيضًا من أولاد أبي بكر الصديق، ثم ما زال بالخليفة حتى غير قلبه على ابن الجوزي، وفوض الأمر إليه في التصرف معه، وذلك سنة 590هـ، وكان ابن الجوزي وقتها في الثمانين من العمر؛ ففوض الوزير ابن القصاب الركن عبد السلام في التصرف مع الشيخ ابن الجوزي؛ فذهب إلى داره بنفسه، ومعه الكثير من الحراس، وأبناء الشيخ عبد القادر؛ فشتموه وأهانوه، وجذبوه بشدة من بين عياله، وكان عليه ملابس خفيفة بلا سراويل، وختموا على داره، ووضعوه في سفينة صغيرة، ونفوه إلى مدينة واسط، وهناك حبسوه في بيت ضيق بلا أحد يخدمه، وكان شيخًا مسنًا قد جاوز الثمانين، فبقي وحده يطبخ لنفسه، ويغسل ثيابه لنفسه، ممنوع عليه الاجتماع مع الناس، أو الجلوس للوعظ كما هي عادته، ولاقى ضروبًا من المحن والهم والتعب طيلة خمس سنوات في النفي. لم يكتف الركن عبد السلام بما فعله مع الشيخ ابن الجوزي من الإهانة والنفي والتشريد، والسجن الانفرادي، بل حاول التوصل إلى والي مدينة واسط، وكان شيعيًا أيضًا ليقتل ابن الجوزي، فقال الوالي للركن: يا زنديق، أفعل هذا بمجرد قولك؟ هات خط أمير المؤمنين، والله لو كان على مذهبي لبذلت روحي في خدمته، فخاب سعي الركن، وفشلت خطته، ولكن لم يمنع ذلك من التضييق على ابن الجوزي وحبسه. تلك المحنة الكبيرة التي نزلت بالشيخ ابن الجوزي وهو في أواخر عمره، وبعد أن جاوز الثمانين قد زاد من ألمها جناية ولده أبي القاسم عليٌّ على تراث أبيه العلمي، ونتاجه الـتأليفي، إذ تسلط ذلك ![]() الولد العاق الفاسق على كتب أبيه، وكانت مئات المجلدات في شتي الفنون، وباعها بالأحمال، وشرب بثمنها الخمر، وتجاهر بذلك الفحش والخسة، والأب يعاني في غربته ووحدته مرارة ذلك الجحود والنكران. ظل الشيخ ابن الجوزي في محنته بين النفي والسجن والإهمال والإهانة خمس سنوات كاملة كانت كفيلة بتحطيم عزيمة أي رجل قوي، وليس شيخًا طاعنًا في السن، ولكن الشيخ العلامة ابن الجوزي، الذي طالما وعظ الناس، وذكرهم وصبرهم، ورغبهم ورهبهم، حول محنته إلى محنة عظيمة، وروض تلك المحنة الأليمة، فاستغل تلك السنوات الخمس في قراءة كتب الحديث، والتلاوة بالعشر قراءات للقرآن على يد الشيح ابن الباقلاني، وأبدى همة عالية في ذلك، حتى أتم حفظ القراءات العشر وهو في الرابعة والثمانين من العمر. وفي سنة 595هـ أذن له الله عز وجل في رفع المحنة، وفك الكربة، وذلك بشفاعة أم الخليفة الناصر العباسي، وعاد ابن الجوزي من منفاه في واسط إلى بغداد، وأذن له في الوعظ كما كان، وعاد إلى مكانته وعزه وسؤدده، وحضر الخليفة العباسي بنفسه أول مجالس وعظه، وكانت كلمات ابن الجوزي مؤثرة، ملهبة، وقد خرجت من قلب احترق بالمحن، حتى خرج نقيًا من كل شائبة، وبعد ذلك بقليل مرض ابن الجوزي، ثم مات في منتصف شهر رمضان سنة 597هـ فرحمة الله عليه، وتجاوز عنه، وغفر له ما خاض فيه من تأويل، وغير ذلك. ![]() المصادر والمراجع: • سير أعلام النبلاء: (21/ 365). • البداية والنهاية: (13/ 35). • الكامل في التاريخ: (10/ 276). • وفيات الأعيان: (3/ 140) • تذكرة الحفاظ: (4/ 1342). • ذيل طبقات الحنابلة: (1/ 399). • تراجم أعلام السلف: (597). • شذرات الذهب: (2/ 329). • النجوم الزاهرة: (6/ 174). ترويض المحن - دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430 هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#18 |
|
|
![]() الإمام جمال الدين القاسمي شريف عبدالعزيز الزهيري (18) ![]() كلما بعدت الأمة عن منهج النبوة، وكلما تقادم عهد منابع الدين النقية الصافية وقعت في هوة سحيقة من الجمود والتخلف والضعف، وهذه الأدواء كلها تطيح بالأمة عن مقدمة الركب إلى ذيلة، وهذا ظاهر في فترات ضعف الأمة؛ حيث ترى العديد من السمات والظواهر لتلك الفترات: فترى انتشارًا للخرافات والبدع، وترى جمودًا عمليًا، وتقليدًا أعمي، وركودًا فكريًا، وتعصبًا مذمومًا، وترى أو السنة قد أصبحت بدعة، والبدعة أصحبت سنة، ويصبح الاجتهاد والتجديد تهمة خطيرة يستحق صاحبها النفي والقتل والتنكيل حتى يكون عبرة لغيره ممن تسول له نفسه أن يجتهد، أو يجدد، أو يصلح من أمور المسلمين. التعريف به: ![]() هو الإمام الكبير، العالم المفسر المحدث، علامة الشام، المجدد المجتهد، صاحب التصانيف الكثيرة الباهرة، العلامة الشيخ أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي نسبة إلى جده قاسم الملقب بالحلاق. ولد القاسمي في جمادي الأولى سنة 1283هـ - 1866م بدمشق حاضرة الديار الشامية، في بيت دين وورع، وخلق كريم، وعلم وأدب، فأبوه كان من الفقهاء الأدباء، له كتاب طريف في باب اسمه (قاموس الصناعات الشامية)، وفي ذلك الجو العابق بجلال الدين والعلم، ورقة الأدب وتهذيبه نشأ الإمام القاسمي نشأة حسنة صالحة، وأقبل على طلب العلم منذ صباه ونعومة أظافره، وقد حرص أبوه على أن يعهد به إلى الأئمة والأعلام في كل فن، فحفظ القرآن وجوده على يد شيخ قراء الشام الشيخ الحلواني، ثم انتقل إلى مكتب المدرسة الظاهرية؛ فتعلم التوحيد وعلوم اللغة والفقه والحديث والأصول،؛ فنال إجازات عالية في كل هذه الفنون ولما يبلغ الثامنة عشرة، ولم يترك إمامًا بارزًا، أو شيخًا معروفًا إلا جلس إليه، وأخذ عنه إجازة بعلومه. كان الإمام القاسمي صاحب عزيمة جبارة، ومثابرة عجيبة في طلب العلم، ومطالعة الكتب، والمدارسة والتحصيل والتحقيق، وكان شديد الحرص على أوقاته، وأضن بلحظات حياته من الدينار والدرهم، لا يضيع شيئًا منها سدى، وتلك المحافظة قد مكنته من مطالعة ما لا يحصى من الكتب الكبار والصغار، ينجز الدواوين الكبيرة مطالعة وبحثًا في أيام معدودات، وتلك الهمة العالية دفعت به لمصاف كبار العلماء وهو شاب في شرخ الشباب، وكان دائمًا يقول: (المكسال شيخ في شبابه؛ لأن دقيقة البطالة أطول من ساعة العمل). ولقد اتصف القاسمي رحمه الله بصفات العلماء الربانيين، فقد كان سليم القلب، عفيف النفس واللسان، واسع الحلم، جم التواضع، سخيًا على ضيق حاله، حلو المعاشرة والمجالسة، وأوقاته عامرة كلها بالنفع العام والخاص، عازفًا عن المناصب، مجانبًا للسلطة وأربابها، ولقد عرض عليه منصب قاضي العسكر براتب مغر فأعرض لعلمه بتبعات المناصب وضريبتها. ولقد ظل الإمام القاسمي محافظًا على نفسه وأوقاته طوال حياته، لم يضع منها ساعة في لهو أو بطالة؛ لذلك بارك الله عز وجل في عمره القصير، وأنجز فيه ما لا يفعله إلا مثله من أفذاذ العلماء من سلف هذه الأمة، فلقد كان رحمه الله إمامًا وخطيبًا في دمشق، ومدرسًا يلقي عدة دروس في اليوم الواحد للعامة وطلاب العلم، له مشاركات فعالة في الحياة الاجتماعية بدمشق، ويتصدى للبدع والخرافات، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهكذا ديدن حياته، حتى صار علامة الشام المقدم بلا منازع. مصنفاته: ![]() عاش الإمام القاسمي حياة قصيرة من حيث عدد سنواتها، 49 عامًا، ولكنها كانت عريضة طويلة، وغنية بالعلم والعمل النافع والصالح، فلقد كان الإمام حريضًا على وقته أيما حرص، واجتمع عنده من أدوات التصنيف ما أهل لإخراج تلك الحصيلة الرائعة والنافعة من المؤلفات والمصنفات التي أثرت المكتبة الإسلامية في شتى الفنون، وقد بدأ التصنيف وهو في سن المراهقة، وقد ساعدته همته العالية، وحرصه على وقته بكل سبيل، على التأليف والتحقيق والترجيح والمناقشة للأقوال في مؤلفاته؛ فجاءت كاملة في معناها، شاملة في بابها، وكان اهتمامه بالتأليف والتصنيف كبيرًا جدًا؛ لعلمه بأهمية الكتاب في نقل الأفكار، ونشر العلوم، وكان دائمًا يقول: (كتاب يطبع خير من ألف داعية وخطيب، لأن الكتاب يقرؤه الموافق والمخالف)، ولقد ترك ثروة علمية كبيرة، زيادة عن مائة مؤلف ومصنف: بين كبير، ومتوسط، وصغير من أهمها: 1- تفسيره الشهير للقرآن الكريم المسمى (محاسن التأويل) وهو من أجل مصنفاته، وهو من أفضل التفاسير المعاصرة وأنفعها، خاصة في باب الرد على أهل البدع، والفرق والضالة. 2- كتاب دلائل التوحيد، وكان القاسمي سلفيًا في عقيدته كما هو ظاهر من كتبه. 3- إصلاح المساجد من البدع والعوائد. 4- قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث. 5- تعطير المشام في مآثر دمشق الشام. 6- شمس الجمال على منتخب كنز العمال. وله أيضًا شذرة من السيرة النبوية، ورسالة الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس، ميزان الجرح والتعديل، جوامع الآداب في أخلاق الإنجاب، حياة البخاري، وغيرها من الكتب: منها المطبوع، ومنها المخطوط الذي يحتاج لجهد المحققين لإخراجه إلى النور حتى ينتفع به الناس. ![]() ثناء الناس عليه: ظهر القاسمي في فترة مضطربة من حياة الأمة الإسلامية، كانت تعاني فيها من تسلط خارجي، وضعف داخلي، وقد وقعت معظم بلاد الإسلام - ومنها الشام - فريسة للاحتلال الصليبي؛ فكان من الطبيعي أن يضعف الاهتمام بالعلم والعلماء لانشغال الناس بما وقع ونزل ببلادهم، لذلك كان الثناء على علماء الزمان قليلا ونادرًا، ولكن لا يمنع ذلك من ثناء الناس على الإمام القاسمي، ومن ذلك: قال عنه أمير البيان شكيب أرسلان: وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا ترتاح إليه ضمائرها، وتنعقد عليه خناصرها، ألاَّ تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي. قال عنه الشيخ محمد رشيد رضا: هو علامة الشام، ونادرة الأيام، والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل، والتعليم والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدي السلف، والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن. محنته: ![]() دائمًا ما يكون للعصر الذي يحيا فيه الإمام الذي نروى محنته دور كبير في تلك المحنة؛ فلقد ولد القاسمي ونشأ وترعرع في فترة بالغة الاضطراب، في أواخر الحكم العثماني الذي أوشكت شمسه على الغروب، وكانت الأوضاع السياسية شديدة الاضطراب، والأعداء يحيطون بالدولة من كل اتجاه، والاستبداد الداخلي قد كمم الأفواه ووأد الطموحات، والأمة تشهد تراجعًا وتدهورًا كبيرًا في شتى المجالات، ومنها المجال الديني الذي شهد جمودًا، وانشغالا بالقشور والمتون والحواشي، والتفريعات النظرية، والافتراضات الوهمية، وغرق أهل العلم وقتها في أتون التعصب والتقليد والمذهبية المقيتة، حتى صار العلم مرادفًا للتحجر والتجمد والغيبوبة، وبالتالي أثر ذلك على الناس بشدة، فلم تستضئ حياتهم بنور العلم الساطع، والفهم الصحيح المثمر للدين، وصار كل من يحاول كسر ذلك الجمود العلمي، ويحرك ركود الحياة العلمية آنذاك مارقًا مبتدعًا، تجب محاكمته وردعه. كان العلامة القاسمي معنيًا بأحوال الأمة الإسلامية، يسوءُه ما يراه من تدهورها وتراجعها أمام أعدائها، وبالأخص كانت تسوءه الحالة المزرية التي وصلت إليها الأوضاع الدينية والعلمية ببلاد الإسلام، وذلك الجمود والتحجر الذي أصابها، ومهد السبيل معه لدخول البدع والخرافات والتعصب والتفرق، فبدأ دعوته الشهيرة لنبذ التعصب والتقليد، وتنقية العقيدة من الدخن الذي أصابها، ودعا الناس للعودة إلى منابع الدين الأولى بصفائها ونقائها، كما دعا إلى فتح باب الاجتهاد من جديد بعد أن أغلقه المتفقهة والمتعصبة، وسدنة المذاهب بأقفال كبيرة منذ سنوات بعيدة، ووقفوا على باب التقليد مدافعين ومنافحين بكل ما أوتوا من قوة. كان القاسمي صاحب عقل نير، وفكر وفهم ناضج، استفاد من قراءته التاريخية لسير المجددين والمجتهدين؛ فعمل على تكوين جبهة متحدة ممن هو على شاكلته من أهل العلم الغيورين المصلحين، فأنشأ جمعية المجتهدين مع زملائه: عبدالرازق البيطار، وسعيد الفرا، ومصطفى الحلاق، وغيرهم، وعقدت الجمعية حلقات بحث دورية لقراءة ومناقشة أهم الكتب، والتباحث في أحوال المسلمين، وسبل النهوض بهم. ![]() أثار تكوين مثل تلك الجمعيات، وما يجري فيها من مناقشة أوضاع المسلمين: كل من السلطة الدينية، والدنيوية: فلقد اعتبر مفتي الشام وقتها أن أمثال تلك الجمعيات والدعوات لفتح باب الاجتهاد من قبيل الابتداع في الدين، والهرطقة والخروج عن الجماعة والمألوف، في حين اعتبر والي الشام عثمان نوري باشا تلك الجمعية ورجالها من المحرضين والساعين لتقويض الدولة العثمانية، ولنا أن نتفهم طبيعية الدوافع الحقيقية للرجلين: فالأول يخاف على منصبه ونفوذه الديني، ومكتسباته التي ينالها باسم الدين، والثاني شأنه شأن كل الطغاة والظلمة الحريصين على تخلف شعوبهم، وركودهم وسباتهم، حتى لا يُطالِبُوا بحق أو عدل، أو يتكلموا عن حلال وحرام، وهكذا. وفي سنة 1313هـ - 1895م تم تقديم الشيخ القاسمي ورفاقه للمحاكمة بأعجب وأغرب تهمة على مر العصور، ألا وهي تهمة الاجتهاد وابتداع مذهب جديد في الدين أسموه المذهب الجمالي - نسبة لجمال القاسمي - وشكلوا له هيئة قضاء من شيوخ المذاهب من أرباب التقليد، وسدنة الجمود، تحت قيادة مثير المحنة مفتي الشام وقتها - وكان عمر الشيخ القاسمي وقتها ثلاثين سنة - فقام القاسمي للدفاع عن نفسه وإخوانه، وألقى محاضرة رائعة في بيان منهجه ودعوته وآرائه، دحض بها افتراءات المقلدين والمتحجرين، ومن روعة بيانه، وقوة حجته لم يجد: لا الوالي، ولا المفتي، ولا أي أحد ممن تصدي لمحنته سبيلا للنيل منه، وتم الإفراج عنه وعن إخوانه بعد إن كانت أبواب السجن مفتحة لهم، وسياط الجلاد مشرعة لإلهاب ظهورهم، وقد نظم شعرًا رائعًا في تلك المحنة نختار منه بعض الأبيات: ![]() زعم الناس بأني مذهبي يدعى الجمالي ولقد أدت تلك المحنة، والتي كادت أن تؤدي بحياة ذلك الإمام العلامة: لرفع قدره ومنزلته بين الناس، وإقبالهم على كتبه ومصنفاته، وحلق دروسه وفتاواه حتى إنه لما زار مصر بعد ذلك بعدة سنوات أطلق عليه الشيخ رشيد رضا لقب علامة الشام، وكان وقتها في السابعة والثلاثين فقط من العمر، فسبحان من بارك في أعمار هؤلاء الأعلام فصاروا مثل نجوم السماء وهم في شرخ الشباب، وكم من محنة جلبت منحة، وكم من بلاء قاد إلى علاء.وإليه حينما أفتى الورى أعزو مقالي لا وعمر الحق إني سلفي الإنتحالِ مذهبي ما في كتاب الله ربي المتعالِ ثم ما صح من الأخبار لا قيل وقالِ أقتفي الحق ولا أرضى بآراء الرجالِ المصادر والمراجع: جل الترجمة مأخوذة من مقدمة كتابه الشهير: • محاسن التأويل. ترويض المحن - دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| اعظم شخصيات التاريخ الاسلامي ____ يوميا فى رمضان | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 29 | 12-27-2025 10:25 PM |
| المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ | وائل مراد | ملتقى التاريخ الإسلامي | 6 | 04-15-2019 05:49 AM |
| كيف انتقم الله من الذين سبوا الرسول صلى الله عليه وسلم عبر التاريخ؟ | أبو ريم ورحمة | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 2 | 09-24-2018 04:14 PM |
| مشاهير علماء المسلمين | محمود14 | ملتقى التاريخ الإسلامي | 6 | 04-01-2014 06:36 AM |
| أختاه... أين أنتِ من التاريخ؟ | ابونواف | ملتقى الأسرة المسلمة | 2 | 03-23-2013 10:26 PM |
|
|